مقدمة

بحث كتبه سماحته مقدمة للحلقة الثلاث جميعا لتوضيح الاسباب التي دعت إلى وضعها وما لوحظ فيها من خصائص وبعض الارشادات في مجال تدريسها.

[9]

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.
وبعد فإن الدراسات العلمية لعلم أصول الفقة تمر في مناهج الحوزة عادة بمرحلتين، إحداهما: تمهيدية وهي ما تسمى بمرحلة السطح. والاخرى: المرحلة العالية وهي ما تسمى بمرحلة الخارج.
وتتخذ هذه الدراسة في مرحلتها التمهيدية أسلوب البحث في كتب معينة مؤلفة في ذلك العلم يدرسها الطالب على يد الاساتذة الاكفاء ليتهيأ من خلال ذلك لحضور أبحاث الخارج. وقد جرى العرف العام في حوزاتنا جميعا على اختيار المعالم والقوانين والرسائل والكفاية كتبا دراسية للمرحلة المذكورة، وهذا عرف جرت عليه مناهج الحوزة منذ أكثر من نصف قرن ولم يطرأ تغيير ملحوظ باستثناء تضاؤل دور كتاب القوانين من بين هذه الكتب الاربعة ككتاب دراسي بالتدريج، وانصراف عدد كبير من الطلبة في الفترة الاخيرة عن دراسته، واستبداله بكتاب أصول الفقه كحلقة وسيطة بين المعالم وكتابي الرسائل والكفاية.
والحقيقة أن الكتب الاربعة المتقدمة الذكر لها مقامها العلمي، وهي على العموم تعتبر حسب مراحلها التاريخية كتبا تجديدية ساهمت إلى درجة كبيرة في تطوير الفكر العلمي الاصولي على اختلاف درجاتها في هذه المساهمة، وقد يكون اختيار هذه الكتب الاربعة كتبا دراسية نتيجة عامل مشترك وهو ما أثاره كل واحد منها عند صدوره من شعور عميق لدى العلماء بأهميته

[10]

العلمية وما اشتمل عليه من أفكار ونكات، هذا اضافة إلى ما تميزت به بعض تلك الكتب من ايجاز للمطالب وضغط في العبارة كالكفاية مثلا.
وقد أدت هذه الكتب الاربعة - مشكورة - دورا جليلا في هذا المضمار، وتخرج من حلقاتها الدراسية خلال نصف قرن الآلاف من الطلبة الذين وجدوا فيها سلمهم إلى ابحاث الخارج. ولا يسعنا في هذا المجال إلا أن نستشعر - بعمق - بما لاصحاب هذه الكتب الابرار قدس الله اسرارهم الزكية من فضل عظيم على الحوزة ومسيرتها العلمية، ومن جميل لا يمكن أن ينساه أي شخص عاش على موائد تلك الافكار الحافلة ونهل من نمير علومها ونحن إذ نقول هذا نبتهل إلى المولى سبحانه ان يتغمد مؤلفي هذه الكتب من علمائنا الاعلام بعظيم رحمته، ويثيبهم بأفضل ثواب المحسنين.
غير أن هذا لا يحول دون أن نحاول تطوير الكتب الدراسية وتحسينها اذا وجدت مبررات تدعو إلى ذلك وأمكن وضع كتب دراسية أكثر قدرة على اداء دورها العلمي في تنمية الطالب واعداده للمرحلة العليا. وقد كنا منذ زمن نجد أكثر من سبب يدعو إلى التفكير في استبدال هذه الكتب بكتب أخرى في مجال التدريس، لها مناهج الكتب الدراسية بحق واساليبها في التعبير وشرائطها. ومبررات التفكير في هذا الاستبدال وان كانت عديدة ولكن يمكن اختصارها في مبررات اساسية محددة كما يلي:
المبرر الاول: ان هذه الكتب الاربعة تمثل مراحل مختلفة من الفكر الاصولي، فالمعالم تعبر عن مرحلة قديمة تاريخيا من علم الاصول، والقوانين تمثل مرحلة خطاها علم الاصول واجتازها إلى مرحلة أعلى على يد الشيخ الانصاري وغيره من الاعلام، والرسائل والكفاية نفسهما نتاج اصولي يعود لما قبل مائة سنة تقريبا وقد حصل علم الاصول بعد الرسائل والكفاية على خبرة مائة سنة تقريبا من البحث والتحقيق على يد اجيال متعاقبة من العلماء

[11]

المجددين، وخبرة ما يقارب مائة سنة من البحث العلمي الاصولي جديرة بأن تأتي بأفكار جديدة كثيرة وتطور طريقة البحث في جملة من المسائل وتستحدث مصطلحات لم تكن تبعا لما تتكون من مسالك ومبان، ومن الضروري ان تنال الكتب الدراسية حظا مناسبا لها من هذه الافكار والتطورات والمصطلحات لئلا يفاجأ بها الطالب في بحث الخارج دون سابق إعداد. وهكذا يوجد الآن فاصل معنوي كبير بين محتويات الكتب الدراسية الاربعة وبين ابحاث الخارج، فبينما بحث الخارج يمثل حصيلة المائة عام الاخيرة من التفكير والتحقيق ويعبر بقدر ما يتاح للاستاذ من قدرة عن ذروة تلك الحصيلة، نجد ان كتب السطح تمثل في اقربها عهدا الصورة العامة لعلم الاصول قبل قرابة مائة عام ساكتة عن كل ما استجد خلال هذه الفترة من افكار ومصطلحات.
ونذكر على سبيل المثال لما استجد من مطالب: افكار باب التزاحم، وما اشاده الميرزا من مسلك جعل الطريقية بتعميقاته وتفريعاته في مسائل قيام الامارات مقام القطع الموضوعي وحكومة الامارات على الاصول ورفع قاعدة قبح العقاب بلا بيان بجعل الحجية، وفكرة جعل الحكم بنحو القضية الحقيقية بآثارها الممتدة في كثير من ابحاث علم الاصول كبحث الواجب المشروط والشرط المتأخر والواجب المعلق واخذ العلم بالحكم في موضوع الحكم، والوجه الجديد لبحث المعاني الحرفية الذي يختلف اختلافا اساسيا عن الصورة الغريبة التي تخلقها آراء صاحب الكفاية في ذهن الطالب. فان هذا المطالب وغيرها مما اصبحت تشكل محاور للفكر الاصولي الحديث هي نتاج الفترة المتأخرة الذي يظل طالب السطوح جاهلا به تماما إلى ان يواجه ابحاث الخارج وهو لا يملك تصورات ابتدائية او وسطى عن تلك المطالب.

[12]

فالطالب لكي يتسلل من كتب السطح إلى درس الخارج كأنه يكلف بطفرة وبأن يقطع في لحظة مسافة لم يقطعها علم الاصول خلال تطوره التدريجي إلا في مائة عام.
وكأن اختيار الكتب الدراسية من مراحل مختلفة للفكر الاصولي نشأ من الشعور بلزوم التدرج في الكتب الدراسية من الابسط إلى الاعمق، ولما كان علم الاصول في وضعه على عهد صاحب المعالم أبسط منه في عهد صاحب القوانين. وفي هذا العهد أبسط منه في عهد الرسائل والكفاية، فقد لوحظ ان هذا يحقق التدرج المطلوب اذا جعل الكتاب الدراسي الاول نتاج مرحلة قديمة من علم الاصول وما يتلوه نتاج مرحلة متأخرة وهكذا.
وهذا الشعور يشتمل على حقيقة وعلى خطأ. اما الحقيقة فهي لزوم التدرج في الكتب الدراسية من الابسط إلى الاعمق، واما الخطأ فهو ان هذا التدرج لا ينبغي ان يكون منتزعا من تاريخ علم الاصول ومعبرا عما مر به هذا العلم نفسه من تدرج خلال نموه، لان هذا يكلف الطالب ان يصرف وقتا كثيرا في مطالب وافكار لم يعد لها موضع في العلم بحسب وضعه الفعلي، وانما الوضع الصحيح في الكتب الدراسية الذي يشتمل على التدرج المطلوب هو ان تتجه هذه الكتب جميعا على اختلاف مراحلها الدراسية لعرض آخر ما وصل اليه العلم من افكار وتحقيقات ومصطلحات، ولكن بدرجات من العرض تختلف من ناحية الكم او الكيف او من الناحيتين معا، والاختلاف في الكم يعني التفاوت في المقدار المعطى من الافكار، فبدلا عن استعراض خمسة اعتراضات على الاستدلال بآية النبأ مثلا يبدأ في الحلقة الاولى باعتراض او اعتراضين ثم يستعرض عدد اكبر من الاعتراضات في حلقة تالية، والاختلاف في الكيف يعني التفاوت في درجة عمق ما يطرح من فكرة، فحينما يراد الحديث عن مسلك جعل

[13]

الطريقية مثلا يعرض في حلقة ابتدائية عرضا ساذجا بدون تعميق ثم يعمق في حلقة لاحقة، فيعرض على نحو يميز فيه بين التنزيل والاعتبار، وقد يعرض في حلقة اخرى حينئذ على نحو المقارنة بين هذين النحوين في النتائج والآثار.
المبرر الثاني: ان الكتب الاربعة السالفة الذكر - على الرغم من انها استعملت ككتب دراسية منذ اكثر من خمسين عاما - لم تؤلف من قبل اصحابها لهذا الهدف، وانما ألفت لكي تعبر عن آراء المؤلف وافكاره في المسائل الاصولية المختلفة، وفرق كبير بين كتاب يضعه مؤلفه لكي يكون كتابا دراسيا وكتاب يؤلفه ليعبر فيه عن أعمق وأرسخ ما وصل اليه من افكار وتحقيقات، لان المؤلف في الحالة الاولى يضع نصب عينيه الطالب المبتدئ الذي يسير خطوة فخطوة في طريق التعرف على كنوز هذا العلم واسراره، واما في الحالة الثانية فيضع المؤلف في تصوره شخصا نظيرا له مكتملا من الناحية العلمية ويحاول ان يشرح له وجهة نظره ويقنعه بها بقدر ما يتاح من وسائل الاقناع العلمي.
ومن الواضح ان كتابا يوضع بهذا الاعتبار لا يصلح ان يكون كتابا دراسيا مهما كانت قيمته العلمية وابداعه الفكري، ومن اجل ذلك كانت الكتب الدراسية المتقدمة الذكر غير صالحة للقيام بهذا الدور على جلالة قدرها العلمي لانها ألفت للعلماء والناجزين لا للمبتدئين والسائرين. فمن هنا لم يحرص في هذه الكتب وامثالها من الكتب العلمية المؤلفة للعلماء على ابراز كل خطوات الاستدلال وحلقات التفكير في المسألة الواحدة، فقد تحذف بعض الحلقات في الاثناء او البداية لوضوحها لدى العالم، غير ان الصورة حينئذ تصبح غير واضحة في ذهن الطالب وعلى سبيل المثال لتوضيح الفكرة نذكر انه بحث في التعبدي والتوصلي عن استحالة اخذ قصد الامتثال في متعلق الامر، وفرع عليه ان التعبدي لا يتميز عن التوصلي في مرحلة الامر بل في مرحلة الغرض إذ لا يستوفى غرضه إلا بقصد الامتثال، واستنتج من ذلك عدم امكان التمسك باطلاق الامر لاثبات

[14]

كون الواجب توصليا، وهذا لا يصلح ان يكون بيانا مدرسيا لان البيان المدرسي بحاجة لتكميل الصورة في ذهن الطالب - إلى اضافة عنصرين آخرين تركا لوضوحهما احدهما ان قصد الامتثال اذا كان بالامكان اخذه في متعلق الامر فحاله حال سائر القيود يمكن نفيه باطلاق الامر، والآخر ان الخطاب والدليل مدلوله الامر والحكم لا الملاك والغرض وان استكشاف اطلاق الغرض دائما انما يتم عن طريق استكشاف اطلاق متعلق الامر مع افتراض التطابق بين متعلق الامر ومتعلق الغرض فحيث لا يتبرهن هذا الافتراض لا يمكن الاستكشاف المذكور. ومثال آخر من باب التزاحم فان جل احكام هذا الباب مبنية على اخذ القدرة شرطا في التكليف وعدم كونه دخيلا في الادانة والمنجزية فقط، بينما هذا المطلب لم يبحث بصورة مباشرة، ولم يوضح الربط المذكور بل بقي مستترا.
وايضا ابرزت كيفية دلالة المطلق على الاطلاق بصورة مباشرة، بينما لم تبرز كيفية دلالة المقيد على اخذ القيد في الموضوع كذلك وإنما بحث ذلك ضمنا خلال بحث حمل المطلق على المقيد وكيفية علاج التعارض بينهما.
ومن هنا لم يراع فيها ايضا ما يجب ان يراعى في الكتب الدراسية من التدرج في عرض الافكار من البسيط إلى المعقد ومن الاسبق رتبة إلى المتأخر، بحيث تعرض المسألة المتفرعة ذاتا في تصوراتها على حيثيات مسائل اخرى بعد أن تكون تلك الحيثيات قد طرحت وبحثت.
وعلى سبيل المثال لتوضيح الفكرة لاحظ بحث توقف العموم على اجراء الاطلاق ومقدمات الحكمة في المدخول فان تصور هذا الافتراض يستبطن الفراغ مسبقا عن تصور مقدمات الحكمة ووظيفتها، بينما يذكر ذلك البحث في العام والخاص وتذكر مقدمات الحكمة بعد ذلك في مباحث المطلق والمقيد. ولاحظ ايضا الشرط المتأخر

[15]

للحكم مثلا فان تصور المشكلة فيه وتصور حلولها مرتبط بمجموعة افكار عن الواجب المشروط، وطريقة السير من البسيط إلى المعقد تقتضي تقديم هذه المجموعة من الافكار على عرض مشكلة الشرط المتأخر وبحثها بينما وقع العكس في الكفاية وغيرها. ومثال آخر ان تصور التخيير بين الاقل والاكثر وافتراض استحالته دخيل في استيعاب قاعدة اجزاء الاوامر الاضطرارية عن الواقع فإذا بحثت هذه القاعدة بعد افتراض تصور مسبق عن التخييز المذكور كان فهمها للطالب وتصورها أيسر.
ومن هنا لم يراع فيها ما يجب ان يراعى في الكتب الدراسية من توفير فهم مسبق عند الطالب للمسائل والقواعد التي يستعان بها لاثبات المدعى في مسألة اخرى والبرهنة عليها، او لاقتناص الثمرة الاصولية لها.
فالاطلاق ومقدمات الحكمة تدخل كدليل لاثبات دلالة الامر على الوجوب، ولاثبات دلالته على العينية والتعيينية والنفسية، ولاثبات دلالة الجملة الشرطية وغيرها على المفهوم وهكذا، مع أن الطالب في الكتب القائمة لا يعطى فكرة عن الاطلاق ومقدمات الحكمة إلا بعد الفراغ عن جميع مباحث الاوامر والنواهي والمفاهيم واحكام التعارض بما فيها قواعد الجمع العرفي قد تدخل في علاج كثير من ألوان التعارض بين الادلة اللفظية المستدل بها على حجية امارة أو اصل من الاصول فيقال مثلا (ان دليل وجوب الاحتياط حاكم على دليل البراء‌ة او وارد او ان دليل البراء‌ة مخصص) قبل اعطاء تصورات وافكار محددة عن احكام التعارض وقواعد الجمع بين الادلة التي لا تقع إلا في نهاية ابحاث الاصول..
ومسألة اقتضاء النهي للبطلان تدخل عندهم في اقتناص الثمرة من بحث الضد، إذ جعلوا ثمرة اقتضاء الامر بشئ للنهي عن ضده بطلان العبادة وفي اقتناص الثمرة من بحث امتناع اجتماع الامر والنهي، إذ جعلوا ثمرة هذا البحث بطلان العبادة بناء على القول بالامتناع وتقديم جانب النهي، مع ان الطالب لا يدرس مسألة اقتضاء النهي للبطلان ولا يأخذ عنها تصورا علميا

[16]

إلا بعد الفراغ عن مسألتي الضد والامتناع وهكذا إلى كثير من هذه النظائر.
ومن هنا لم يحرص ايضا على ابراز الثمرة بكثير من المطالب التي يتبين من خلالها الارتباط بين تلك المطالب بعضها ببعض، فأهملت في كثير من الاحيان أوجه العلاقة بين الافكار الاصولية ولم يتعرض لها إلا بقدر ما يحتاج اليه في مقام الاستدلال على مطلب او ابطاله، فبحث مثلا المعنى الحرفي وجزئيته وكليته ولكن لم يربط ذلك بالتمسك بالاطلاق في المعاني الحرفية وظل الطلبة يكررون ان البحث في المعاني الحرفية لا أثر له، وبحث الوجوب التخييري والكفائي بحثا تحليليا ولكن لم يربط ذلك بأثره في التمسك بالاطلاق او الاصل العملي عند الشك في نوعية الواجب وبدا كأنه بحث تحليلي بحت.
ومن هنا لم يحرص ايضا على وضع كثير من النكات والمباحث في موضعها الواقعي وبصيغة تتناسب مع كليتها وأهميتها، وانما دست دسا في مقام علاج مشكلة او دفع توهم او اثيرت من خلال تطبيق من تطبيقاتها ومن الواضح ان الممارس العالم يستطيع من خلال ذلك ان يضع النكتة في موضعها الواقعي ويعطيها حدودها المناسبة، ولكن قلما يتاح ذلك للطالب فيبقى فهمه لتلك النكات والمطالب فهما تجزيئيا وضمن دوائر محدودة.
خذ مثالا على ذلك اركان تنجيز العلم الاجمالي الاربعة التي عرضناها في الحلقة الثانية، فان الكتب التي تتحدث عنها حينما تناولت منجزية العلم الاجمالي لم تضع لها اركانها بصيغها الفنيه العامة، وانما عقدت تنبيهات لحالات جزئية طبقت من خلالها ضمنا تلك الاركان اثباتا ونفيا، وفي حالة من هذا القبيل لن يخرج الطالب غالبا بصورة محددة ورؤية واضحة لهيكل تنجيز العلم الاجمالي بما يشتمل عليه من قواعد واركان.
ومن هنا لم يحرص ايضا على اجتناب استعمال مصطلحات لم يأت بعد

[17]

تفسيرها، لان الحديث في تلك الكتب مع العالم لا مع الطالب، والعالم محيط بتلك المصطلحات منذ البدء، ولهذا نجد في الصفحة الاولى من الكفاية استعمال مصطلح حجية الظن بناء على تقرير دليل الانسداد على الحكومة وهو مصطلح لا يكشف النقاب عنه إلا في اواسط الجزء الثاني من الكتاب.
المبرر الثالث: وهو ايضا ناتج عن الحالة العامة التي لوحظت في المبرر السابق، وهي ان المؤلفين كانوا يكتبون لامثالهم لا للمبتدئين. وحاصل هذا المبرر ان المقدار الذي ينبغي ان يعطى من الفكر العلمي الاصولي في مرحلة السطح يجب ان يحدد وقفا للغرض المفروض لهذه المرحلة، والذي أعرفه غرضا لهذه المرحلة تكوين ثقافة عامة عن علم الاصول لمن يريد ان يقتصر على تلك المرحلة، والاعداد للانتقال إلى مرحلة الخارج لمن يريد مواصلة الدرس وهذا هو أهم الغرضين فلا بد إذن ان يكون المعطى بقدر يكفل ثقافة عامة تحقق هذا الاعداد وتوجد في الطالب فهما مسبقا بدرجة معقولة لما سوف يتلقى درسه من مسائل، ومرتبة من العمق والدقة تتيح له ان يهضم ما يواجهه في ابحاث الخارج من افكار دقيقة موسعة وبناء‌ات فكرية شامخة، ومن الواضح ان هذا يكفي فيه ان توفر الكتب الدراسية على اعطاء علم الاصول بهيكله العام، ولا يلزم ان يمتد البحث في تلك الكتب إلى التفريعات الثانوية ويتلقى وجهات نظر فيها بل الافضل ان تترك هذه التفريعات على العموم إلى ابحاث الخارج ما دامت المفاتيح التي سوف يتسلمها الطالب كافية لمساعدته على الدخول فيها بعد ذلك مع استاذ بحث الخارج.
وعلى هذا الاساس نرى من المهم ان يحصل الطالب على تصورات شبه معمقة عن الاحكام الظاهرية وطريقة الجمع بينها وبين الواقع والفرق بين الامارات والاصول وسنخ المجعول في ادلة الحجية واثر ذلك على ابواب مختلفة كباب حكومة الامارة على الاصل وحكومة الاستصحاب على البراء‌ة وقيام الامارة مقام القطع الموضوعي، لان هذه الافكار تعتبر أساسية بالنسبة إلى الهيكل العام لعلم

[18]

الاصول، واما ان يحاط الطالب علما بأن استصحاب عدم التذكية مثلا حاكم على اصالة البراء‌ة ويستطرق من ذلك إلى بحث طويل ومعمق في نفس جريان استصحاب عدم التذكية وموارد جريانه في الشبهات الموضوعية والحكمية، فهذا مما لا يدخل في نطاق الغرض من مرحلة بحث السطح. هذا فضلا عن الاستطرادات التي وقعت فيها تلك الكتب كاستطرادها للحديث عن قاعدة لا ضرر ولا ضرار ونحو ذلك، او التوسعات التي تزيد عن الحاجة لمرحلة السطح في استعراض الاقوال ونقل الادلة واستيعاب النقض والابرام حتى بلغت الاقوال التي احصاها الشيخ في الرسائل في الاستصحاب وبحث كل واحد منها بحثا مفصلا اربعة عشر قولا.
المبرر الرابع: ان الطريقة المتبعة في تحرير المسائل وتحديد كل مسألة بعنوان من العناوين الموروثة تاريخيا في علم الاصوال لم تعد تعبر عن الواقع تعبيرا صحيحا، وذلك لان البحث الاصولي من خلال اتساعه وتعميقه بالتدريج منذ ايام الوحيد البهبهاني إلى يومنا هذا طرح قضايا كثيرة جديدة ضمن معالجاته للمسائل الاصولية الموروثة تاريخيا، وكثير من هذه القضايا تعتبر من الناحية الفنية ومن الناحية العملية معا اهم من جملة من تلك المسائل الموروثة، بينما ظلت هذه القضايا تحت الشعاع ولا تبرز إلا بوصفها مقدمات او استطرادات في مباحث تلك المسائل.
ويمكنك ان تلاحظ بهذا الصدد المباحث العقلية التي ادرجت في الجزء الاول من الكفاية تحت عناوين البحث عن الملازمة بين وجوب الشئ ووجوب مقدمته والملازمة بين الامر بالشئ والنهي عن ضده وهكذا، فان هذه العناوين باعتبار كونها تاريخية وموروثة في عام الاصول استأثرت بالمسائل المبحوثة مع انه وقع البحث في داخل تلك المسائل عن كثير من القضايا العقلية المهمة التي بقيت بلا عنوان وكأنها مجرد ابحاث تمهيدية او استطرادية، فامكان الشرط المتأخر او استحالته وامكان الواجب المعلق او استحالته وضرورة تقيد التكليف بعدم الاشتغال بالمزاحم وعدم

[19]

جواز تضييع المقدمات المفوتة إلى غير ذلك من القضايا بقيت كأجزاء من ابحاث تلك العناوين التاريخية، بينما كل واحدة منها تشكل بحثا اصوليا مهما من الناحية الفنية ومن ناحية ترتب الثمرة الاصولية ولا تقل اهمية عن تلك المسائل التاريخية الموروثة بل قد تكون اهم منها، فالاصوليون مثلا حاروا في كيفية تصوير الثمرة لبحث الملازمة بين وجوب الشئ ووجوب مقدمته مع انهم لم يتوصلوا إلى افكارهم عن الواجب المعلق او الشرط المتأخر ونحوهما الا لتحقيق ثمرات عملية واضحة، ومع هذا حشروا كل هذه الافكار ضمن تلك المسألة التي لا يعرفون كيف يوضحون ثمرتها العملية وضاعت بذلك على الطالب قيمة تلك الافكار ومغزاها العملي، حتى ان كثيرا من الطلبة يرون ان التوسع في داخل المسألة التي ليس من الواضح ان لها ثمرة عملية مجرد تطويل وتوسيع لعملية لغو لا مبرر له.
بل ان هذا الحشر في كثير من الاحيان يؤدي إلى ايحاء‌ات خاطئة، فمثلا مشكلة المقدمات المفوتة ووجوب تحصيلها حشرت في سياق الوجوب الغيري وفرعت على تبعية الوجوب الغيري للوجوب النفسي في الاطلاق والاشتراط وهذا يوحي بالارتباط، مع ان مشكلة المقدمات المنحوتة مشكلة قائمة تحتاج إلى تفسير واكتشاف قانونها الاصولي سواء قلنا بالوجوب الغيري او لا فهي ترتبط بالمسؤولية المولوية تجاه المقدمة وهي مسؤولية لا شك فيها ولا شك في تبعيتها لفعلية الوجوب النفسي سواء كانت هذه المسؤولية عقلية بحته ومن تبعات محركية الوجوب النفسي او كانت مشتملة على ما يسمى بالوجوب الغيري.
هذه هي اهم المبررات التي تدعو إلى التفكير بصورة جادة في استبدال الكتب الدراسية القائمة والاعتقاد بعدم صلاحيتها في مجال التدريس على الرغم من قدسيتها العلمية والتأريخية. وقد صدرت في العقود الثلاثة الاخيرة عدة محاولات للاستبدال والتطوير

[20]

في الكتب الدراسية وكان من نتاج هذه المحاولات كتاب (مختصر الفصول) كتعويض عن القوانين وكتاب (الرسائل الجديدة) اختصارا للرسائل كتعويض عنها وكتاب (اصول الفقه) كحلقة وسيطة بين المعالم وكتابي الرسائل والكفاية وهي محاولات مشكورة وتمثل جهودا مخلصة في هذا الطريق وقد يكون اكثرها استقلالية واصالة هو المحاولة الثالثة باعتبارها تصنيفا مستقلا وليس مجرد اختصار لكتاب سابق ولكنها لا تفي مع ذلك بالحاجة لعدة اسباب: منها: انها لا يمكن الاقتصار عليها في السطح والاكتفاء بها عن جميع الكتب الدراسية الاصولية وانما هي مرشحة لتكون الحلقة الوسيطة بين المعالم وكتابي الكفاية والرسائل على ما يبدو من ظروف وضعها، ومن الواضح ان هذا أشبه ما يكون بعملية الترقيع فهي وان حرصت على ان تعطى للطالب غالبا الافكار الحديثة في علم الاصول بقدر ما اتيح للمؤلف ادراكه واستيعابه، ولكنها تصبح قلقة حين توضع في مرحلة وسطى فيبدأ الطالب بالمعالم ليقرأ افكارا أصولية ومناهج أصولية في البحث وفقا لما كان عليه العلم قبل مئات السنين، ثم ينتقل من ذلك فجأة وبقدرة قادر ليلتقي في (اصول الفقه) افكارا اصولية حديثة مستقاة من مدرسة المحقق النائيني على الاغلب ومن تحقيقات المحقق الاصفهاني احيانا، وبعد ان يفترض ان الطالب فهم هذه الافكار نرجع به خطوة إلى الوراء ليلتقي في الرسائل والكفاية بافكار أقدم تاريخيا بعد أن نوقش جملة منها في الحلقة السابقة واستبدلت جملة منها بافكار أمتن، وهذا يشوش على الطالب مسيرة العلمي في مرحلة السطح ولا يجعله يتحرك في الاتجاه الصحيح.
ومنها: ان اصول الفقه على الرغم من انه غير من المظهر العام لعلم الاصول إذ قسمه إلى اربعة اقسام بدلا عن قسمين وادرج مباحث الاستلزامات

[21]

والاقتضاء‌ات في نطاق المباحث العقلية بدلا عما درج عليه المؤلفون من ذكرها ضمن مباحث الالفاظ، ولكن هذا لم يتجاوز التصرف في كيفية تقسيم مجموعة المسائل الاصولية المطروحة في الكتب السابقة إلى مجاميع، فقد صنفت في اربعة مجاميع كما اشرنا بدلا عن مجموعتين، ولم يمس هذا التصرف جوهر تلك المسائل ولم يستطع ان يكتشف مثلا في مقدمات مسألة الملازمة بين وجوب الشئ ووجوب مقدمته مسائل اصولية لها استحقاقها الفني لان تعرض كمسائل اصولية في نطاق الادلة العقلية.
وهكذا اقتصر التغيير على المظهر ولم يتجاوزه إلى الجوهر.
ومنها: ان الكتاب لا تعبر بحوثه عن مستوى واحد من العطاء كيفا وكما او عن مستويات متقاربة، بل ان الكتاب في بعض مباحثه يتوسع ويتعمق بينما يختصر ويوجز في مباحث اخرى، فلاحظ مثلا ما يشتمل عليه من تحقيق موسع فيما يتصل باعتبارات الماهية في بحث المطلق والمقيد، وما يشتمل عليه من توسع واطناب في مباحث الحسن والقبح العقليين، وما يشتمل عليه من توسع كذلك في اثبات جريان الاستصحاب في موارد الشك في المقتضي، بل الملحوظ في كثير من بحوث الكتاب انه لا تنسيق بينها وبين بحوث الكفاية التي فرض منهجيا ان تكون بعده في الخط الدراسي، فجملة من المسائل تعرض بنحو أوسع مما في الكفاية وأعمق لا يبقى مبررا لدراسة المسألة نفسها من جديد في الكفاية، وجملة اخرى من المسائل تعرض موجزة او ساذجة على نحو يبقى للكفاية قدرتها على اعطاء المزيد او التعميق.
وقد رأينا ان الاستبدال يجب ان يتم بصورة كاملة فيعوض عن مجموعة الكتب الدراسية الاصولية القائمة فعلا بمجموعة أخرى مصممة بروح واحدة وعلى اسس مشتركة وعلى ثلاث مراحل، وهذا ما قمنا به بعون الله وتوفيقه آخذين بعين الاعتبار النقاط التالية:

[22]

اولا: ان الهدف الذي جعلنا على عهدة الحلقات الثلاث تحقيقه وصممناها وفقا لذلك هو ما اشرنا اليه سابقا من ايصال الطالب إلى مرحلة الاعداد لبحث الخارج وجعله على درجة من الاستيعاب للهيكل العام لعلم الاصول ومن الدقة في فهم معالمه وقواعده تمكنه من هضم ما يعطى له في ابحاث الخارج هضما جيدا.
ولهذا حرصنا على ان نطرح في الحلقات الثلاث أحدث ما وصل اليه علم الاصول من افكار ومطالب من دون تقيد بما هو الصحيح من تلك الافكار والمطالب، لان الاعداد المذكور لا يتوقف على تلقي الصحيح بل على الممارسة الفنية لتلك الافكار، وان كنا آثرنا اختيار الصحيح كلما لم نجد محذورا منهجيا وتدريسيا في ذلك، ولكنا احيانا طرحنا وجهات نظر غير صحيحة وان كانت حديثة لان طرح وجهة النظر الصحيحة لم يكن بالامكان ان يتم إلا من خلال طرح وجهة النظر غير الصحيحة ومناقشتها ومستوى الحلقة لا يتحمل استيعاب كل ذلك فاقتصرنا على اعطاء وجهة النظر غير الصحيحة مؤجلين اعطاء وجهة النظر النهائية إلى حلقة تالية او إلى ابحاث الخارج ومن هنا لا يمكن التعرف على آرائنا النهائية من خلال هذه الحلقات حتى ولو صيغ بيان الرأي فيها صياغة تدل على التبني والارتضاء.
ثانيا: ان الحلقات الثلاث تحمل جميعا منهجا واحدا تستوعب كل واحدة منها علم الاصول بكامله ولكنها تختلف في مستوى العرض كما وكيفا وتتدرج في ذلك فيعطى لطالب الحلقة الاولى او الثانية قدر محدد من البحث في كل مسألة ويؤجل قدر آخر إلى المسألة من الحلقة التالية، وهذا التأجيل يقوم، اما على اساس تقدير قابلية استيعاب الطالب وتفادي تحميله ما يفوق هذه القابلية، او على اساس ان القدر الآخر مبني على مطالب ونكات متواجدة في مباحث اخرى من المسائل الاصولية ولم تعط فعلا للطالب فيؤجل ذلك القدر

[23]

من المسألة إلى أن يعطى للطالب هذه النكات التي يرتبط ذلك القدر بها..
ولم يتمثل التدرج في العرض في كل حلقة بالنسبة إلى سابقتها بل تمثل ايضا في نفس الحلقة الواحدة وفقا لنفس الاسباب من الناحية الفنية، فالحلقة الثانية تتصاعد بالتدريج والحلقة الثالثة يعتبر الجزء الثاني منها اعلى درجة من الجزء الاول، لان الطالب كلما قطع شوطا اكبر في الدراسة تعمق ذهنيا من ناحية وازداد استيعابا للمطالب الاصولية من ناحية اخرى، وذلك يرشحه لتقبل المزيد من التحقيق فيما يرتبط بتلك المطالب، ويتوقف عليها من نكات المسائل الاخرى وحيثياتها.
ثالثا: انا لم نجد من الضروري حتى على مستوى الحلقة الثالثة استيعاب كل الادلة التي يستدل بها على هذا القول او ذاك فبالنسبة إلى أصل البراء‌ة والاحتياط مثلا لم نحط بكل الآيات والروايات التي استدل بها على هذا او ذلك، لان هذه الاحاطة انما تلزم في بحث الخارج او في تأليف يخاطب به العلماء من اجل تكوين رأي نهائي فلا بد حينئذ من فحص كامل، واما في الكتب الدراسية لمرحلة السطح فليس الغرض منها كما تقدم إلا الثقافة العامة والاعداد، وعلى هذا الاساس كنا نؤثر في كل مسألة الادلة ذات المغزى الفني ونهمل ما لا يكون له محصل من الناحية الفنية.
رابعا: انا تجاوزنا التحديد الموروث تاريخيا للمسائل الاصولية وابرزنا ما استجد من مسائل واعطيناها عناوينها المناسبة. واما بالنسبة إلى التصنيف الموروث للمسائل الاصولية إلى مجموعتين وهما مباحث الالفاظ والادلة العقلية فلم نجد مبررا للعدول عن التصنيف الثنائي إلى مجموعتين إلى تصنيف آخر ولكن ادخلنا تعديلا عليه بجعل المجموعتين هما مباحث الادلة ومباحث الاصول العملية، ثم صنفنا المجموعة الاولى إلى الدليل الشرعي والدليل العقلي، وقسمنا الكلام في الدليل الشرعي إلى البحث في الدلالة والبحث في

[24]

السند والبحث في حجية الظهور، كل ذلك من اجل تقريب التصنيف الاصولي للمسائل إلى واقع عملية الاستنباط وما يقع فيها من تصنيف للمواقف، فكما ان عملية الاستنباط تشتمل على مرحلتين مترتبتين وهما الادلة والاصول كذلك البحث في علم الاصول يصنف إلى هذين الصنفين، وكما ان الفقيه في مجال الادلة تارة يستدل بالدليل الشرعي واخرى بالدليل العقلي كذلك علم الاصول يبحث الادلة الشرعية تارة والادلة العقلية اخرى، وكما ان الفقيه حين يواجه دليلا شرعيا يتكلم عنه دلالة وسندا وجهة كذلك علم الاصول يبحث الجهات الثلاث في الدليل الشرعي.
وهذا الحرص على تطبيق التصنيف الاصولي للقواعد على عملية الاستنباط قد لا يكون له مغزى من الناحية الفنيه البحتة ولكنه مهم من الناحية التربوية وجعل الطالب مأنوس الذهن بالقواعد الاصولية بمواقعها المحددة في عملية الاستنباط، وهذا يمتاز على التصنيف الثنائي المشهور ويمتاز على التصنيف الرباعي الذي اقترحه المحقق الاصفهاني وسار عليه كتاب (اصول الفقه) اذ في كلا التصنيفين تفصل حجية الظهور وحجية السند عن ابحاث الدلالة بينما الجهات الثلاث متلاحمة مترابطة في عملية الاستنباط، فلكي يوحي التصنيف بصورة للقواعد الاصولية تتفق مع مواقعها في عملية الاستنباط لا بد من اتباع ما ذكرناه.
خامسا: انا لاحظنا في استعراضنا لآحاد المسائل ضمن التصنيف المذكور الابتداء بالبسيط والانتهاء إلى المعقد والتدرج في عرضها حسب درجات تعقيداتها وترابطاتها، وحرصنا على ان لا نعرض مسألة إلا بعد ان نكون قد استوفينا مسبقا كل ما له دخل في تحديد التصورات العام فيها، وان لا نعطى في كل مسألة من الاستدلال والبحث إلا بالقدر الذي تكون اصوله الموضوعية مفهومة بلا حاجة إلى الرجوع إلى مسألة لاحقة.
وقد كلفنا هذا في جملة من الاحيان ان نغير ترتيب المسائل من حلقة إلى اخرى، فمثلا قدمنا الكلام عن امتناع اجتماع الامر والنهي على الكلام عن بحث الملازمة بين

[25]

وجوب الشئ ووجوب مقدمته في الحلقة الثانية بينما عكسنا المطلب في الحلقة الثالثة، والنكتة في ذلك ان ابراز بعض النكات في مسألة الوجوب الغيري للمقدمة، يتوقف على فهم مسبق لمسألة الامتناع من قبيل اقتناص الثمرة بلحاظ اداء القول بالوجوب الغيري لمطلق المقدمة إلى سقوط الحرمة حتى عن المقدمة غير الموصلة لامتناع اجتماع الامر والنهي، كما ان إبراز بعض النكات في مسألة الامتناع ينبغي ان يكون بعد الاحاطة بحال الوجوب الغيري من قبيل ان امتناع الاجتماع كما يكون في الامر النفسي مع النهي كذلك في الامر الغيري مع النهي ايضا، ففي الحلقة الثانية ابرزنا الثمرة في بحث الوجوب الغيري فناسب تأخيره عن بحث الامتناع، وفي الحلقة الثالثة ابرزنا تعميم الامتناع للاوامر الغيرية فناسب تأخيره عن بحث الوجوب الغيري وهكذا جاء الترتيب بين المسائل مختلفا في الحلقتين لنكتة من هذا القبيل او لنكات اخرى مقاربة.
سادسا: وجدنا ان تعدد الحلقات شئ ضروري لتحقيق المنهج الذي رسمناه لان إعطاء مجموع الكمية الموزعة للمسألة الواحدة في الحلقات الثلاث ضمن حلقة واحدة تحميل فجائي للطالب فوق ما يطيقه ويكون جزء من تلك الكمية عادة مبنيا على مسأل اخرى بعد لم يتضح للطالب حالها، بل انا وجدنا ان تثليث الحلقات شئ ضروري ايضا على الرغم من ان الحلقة الاولى يبدو انها ضئيلة الاهمية وقد يتصور الملاحظ في بادئ الامر امكان الاستغناء عنها نهائيا، ولكن الصحيح عدم امكان ذلك لاننا بحاجة - قيل أن نبدأ بحلقة استدلالية تشمل على نقض وابرام - إلى تزويد الطالب بتصورات عن المطالب والقواعد الاصولية حتى يكون بالامكان في تلك الحلقة الاستدلالية ان نضمن استدلالنا ونقضنا وابرامنا لهذه المسألة او تلك هذا المطلب الاصولي او ذاك، ولهذا رأينا ان نضع الحلقة الاولى لاعطاء هذه التصورات العلمية فيخرج منها الطالب وهو يعرف معنى

[26]

الظهور التصوري والتصديقي والامارة والاصل والمنجزية والمعذرية والجعل والمجعول والمعنى الاسمي والحرفي والحاكم والوارد والمخصص والقرينة المتصلة والمنفصلة والاطلاق والعموم والفرق بينهما إلى كثير من هذه المصطلحات والمقولات الاصولية التي تحتاج الحلقة الاستدلالية إلى استخدامها باستمرار. ونضع الحلقة الثانية بوصفها حلقة استدلالية بحق ولكن بدرجة تتناسب معها. وتمثل الحلقة الثالثة المستوى الاعلى من الاستدلال الذي يكفي لتحقيق الهدف المطلوب من دراسة السطح.
سابعا: ان كل حلقة وان كانت تستعرض علم الاصول ومباحثه على العموم ولكن مع هذا قد نذكر بعض المسائل الاصولية او النكات في حلقة ثم لا نعيد بحثها في الحلقة التالية اكتفاء‌ا بما تقدم لاستيفاء حاجة المرحلة - اي مرحلة السطح - بذلك المقدار، وهذا ما وقع مثلا في بحث الطرق التي يمكن استعمالها لاثبات السيرة المعاصرة للمعصومين عليهم السلام فاننا استعرضنا اربع طرق في الحلقة الثانية ولم نجد موجبا لاعادة البحث عن ذلك في الحلقة الثالثة.
وانما نجمع كل الكمية التي تحتاجها مرحلة السطح في حلقة متقدمة احيانا لاحد اسباب، اما لسهولة مفردات الكمية وامكان تفهمها من قبل طلبة تلك الحلقة، واما لوجود حاجة ماسة إلى تفهم تلك الكمية بكاملها في تلك الحلقة بالذات لارتباط فهم جملة من مسائلها الاخرى بذلك، واما للامرين معا كما هو الحال في البحث المشار اليه - أي بحث الطرق لاثبات السيرة المعاصرة - فانه بحث عرفي قريب من الفهم وليس طالب الحلقة الثانية بحاجة إلى مران علمي اكبر لاستيعابه وهو في نفس الوقت يشكل الاساس لفهم طريقة استدلال الحلقة نفسها بالسيرة على حجية خبر الثقة وعلى حجية الظهور وعلى حجية الاطمئنان.

[27]

ثامنا: انا لم ندخل على العبارة الاصولية تطويرا مهما ولم نتوخ ان تكون العبارة في الحلقات الثلاث وفقا لاساليب التعبير الحديث وانما حاولنا ذلك إلى حد ما في الحلقة الاولى فقط، واما في الحلقتين الثانية والثالثة فقد حرصنا ان تكون العبارة سليمة ووافية بالمعنى ولكن لم نحاول جعلها حديثة، ولهذا جاء التعبير في الحلقتين العاليتين مقاربا في روحه العامة للتعبير المألوف في الكتب العلمية الاصولية وان تميز عنه بالسلامة والوضوح ووفاء العبارة بالمعنى وليس ذلك لعدم ايماننا بأهمية تنشئة الطالب الحوزوي على اساليب التعبير الحديث بل لاعتبارين آخرين قدمناهما على ذلك.
أحدهما: اننا نريد ان نمكن الطالب تدريجا من الرجوع إلى الكتب العلمية الاصولية القائمة فعلا وفهمها، وهذا لا يتأتى إلا اذا خاطبناه بعبارة قريبة من مفردات تلك الكتب ولقناه من خلال الحلقات الثلاث المطالب الاصولية بنفس المصطلحات التي تستعملها تلك الكتب حتى ولو كانت هذه المصطلحات تشتمل على خطأ في تركيبها اللفظي، واما اذا كتبنا الحلقات الثلاث بأساليب التعبير الحديث ووضعنا بديلا مناسبا عن المصطلحات القديمة فسوف تنقطع صلة الطالب بمراجع هذا العلم وكتبه ويتعسر عليه الرجوع اليها، وهذا يشكل عقبة كبيرة تواجه نموه العلمي. وعلى هذا الاساس اكتفينا من التجديد في اساليب التعبير الاصولي بما أنجز في الحلقة الاولى وانتقلنا بالطالب في الحلقتين العاليتين إلى ارضية لغوية قريبة مما هو مألوف في كتب الاصول.
والاعتبار الآخر: ان الكتب الدراسية الاصولية والفقهية المكتوبة باللغة العربية تتميز عن أي كتاب دراسي عربي في العلوم المدنية بأنها كتب لا تختص بأبناء لغة دون لغة، وكما يدرسها العربي كذلك يدرسها العربي كذلك يدرسها الفارسي والهندي والافغاني وغيرهم من أبناء الشعوب المختلفة في

[28]

العالم الاسلامي على الرغم من كونها كتبا عربية، وهؤلاء يتلقون ثقافتهم العربية من المصادر القديمة التي لا تهيئ لهم قدرة كافية لفهم اللغة العربية بأساليبها الحديثة، فما لم يحصل بصورة مسبقة تطوير وتعديل في اساليب تثقيف هؤلاء وتعليمهم اللغة العربية يصعب اتخاذ اساليب التعبير الحديث اساسا للتعبير في الكتب الدراسية الاصولية.
تاسعا: اشرنا آنفا إلى انا حرصنا على سلامة العبارة وان تكون واضحة وافية بالمعنى ولكن هذا لا يعني ان تفهم المطالب من العبارة رأسا، وانما توخينا الوضوح والسلامة بالدرجة التي تضمن ان تفهم المطالب من العبارة في حالة دراستها على الاستاذ المختص بالمادة، لان الكتاب الدراسي لا يطلب منه التبسيط اكثر من ذلك كما هو واضح.
نعم يمكن للطالب الالمعي في بعض الحالات ان يمر على الحلقة الاولى مرورا سريعا مع الاستاذ او يقرأها بصورة منفردة ويراجع الاستاذ في بعض النقاط منها، الا ان هذا استثناء والمفروض على العموم ان تدرس الحلقات الثلاث جميعا. وبهذا تختلف الحلقات الثلاث عن الكتب الدراسية الاصولية القائمة فعلا وتتفق مع مناهج الكتب الدراسية الحديثة، فان الكتب الدراسية الاصولية القائمة فعلا لا تحتوي على الصعوبة والتعقيد في الجانب المعنوي والفكري منها فقط، بل انها تشتمل على الصعوبة والتعقيد في الجانب اللفظي والتعبيري أيضا ولهذا تجد عادة ان المدرس حتى بعد ان يشرح الفكرة للطالب تظل العبارة مستعصية على الفهم ويحس الطالب بالحاجة إلى عون الاستاذ في سبيل تطبيق تلك الفكرة على العبارة جملة جملة، وليس ذلك إلا لان العبارة قد طعمت بشئ من الالغاز اما لا يجازها او للالتواء في صياغتها او لكلا الامرين، بينما الكتب الدراسية التي تسير عليها مناهج الدراسة في العالم اليوم لا تحتوي على هذه الصعوبة لان العبارة فيها وافية وهذا ما جرينا عليه في هذه الحلقات،

[29]

فقد جاء‌ت العبارة فيها وافية بالمراد لا بمعنى ان الطالب يقتنص المراد من العبارة فقط بل بمعنى انه حين يشرح له استاذه المعنى يجده منطبقا على العبارة ولا يحس في التعبير بالتواء وتعقيد.
عاشرا: أجدني راغبا في التأكيد من جديد على ان تبني وجهة نظر او طريقة استدلال او مناقشة برهان في هذه الحلقات لا بدل على اختيار ذلك حقا، كما ان المضمون الكامل للحلقات الثلاث لا يمثل الوضع التفصيلي لمباحثنا الاصولية ولا يصل إلى مداها كما أو كيفا. ومن هنا كان على الراغبين في الاطلاع على متبنياتنا الحقيقية في الاصول وعلى نظرياتنا واساليب استدلالنا بكامل ابعادها ان يرجعوا إلى (بحوث في علم الاصول).
بقي أخيرا ان نوجه بعض الارشادات إلى الطلبة الكرام الذين اعدت هذه الحلقات الثلاث لهم وإلى أساتذتهم الاعلام وذلك ضمن ما يلي: إولا: ان الجدير بتدريس (الكفاية) قادر على تدريس الحلقات الثلاث جميعا، كما ان القادر على تدريس (المعالم) قادر على تدريس الحلقة الاولى، والقادر على تدريس (أصول الفقه) يقدر على تدريس الحلقة الثانية بدون شك فضلا عن الاولى.
ثانيا: ان المرجع لطلبة الحلقة الثالثة ان يطالعوا قبل درس كل مسألة فيها المسألة نفسها من الحلقة السابقة لان ذلك يساعدهم على سرعة تفهم الدرس الجديد الذي كثيرا ما يشتمل جزء منه على نفس المطالب المتقدمة في الحلقة السابقة ولكن بشكل مضغوط وموجز. كما انا نرجح لمن يقوم بتدريس الحلقة الثانية ان يطالع عند التحضير نفس المبحث من الحلقة الثالثة لان ذلك يعطيه رؤية أوضح لما يريد أن يتولى تدريسه.

[30]

ثالثا: ان طلبة الحلقة الاولى يناسبهم ان يطالعوا المعالم الجديدة في الاصول لان هذه الحلقة هي اختصار مع شئ من التعديل والتطوير لكتاب المعالم الجديدة في الاصول، والفارق بينهما ان كتاب المعالم الجديدة حينما وضعناه أدخلنا في حسابنا الهواة ايضا وحاولنا ان نشرح الافكار فيه بطريقة تتيح لهم ان يفهموها من الكتاب نفسه بدون حاجة إلى مدرس، واما الحلقة الاولى من هذه الحلقات الثلاث فقد وضعناها لطلبة العلم خاصة وافترضنا انها تتلقى من خلال الدرس.
رابعا: ان من المفيد ان يتخذ الطالب من بعض الكتب الدراسية القديمة مراجع له ككتابي (اصول الفقه) و (الكفاية) خلال البحث، وحيث ان المنهجة مختلفة فالمأمول في مدرسي الحلقة الثالثة ان يرشدوا تلاميذهم إلى موضع المسألة التي يدرسونها ومحل التعرض لها في كتابي اصول الفقه والكفاية لان ذلك يوسع من مدارك الطالب ويسرع به نحو النضج العلمي المطلوب.
خامسا: ينبغي للطالب ان يحاول استيعاب شرح الاستاذ وكتابته لكي تنمو لديه ملكة الكتابة العلمية وتترسخ في ذهنه مصطلحات العلم ولغته وافكاره ويكون اكثر استعدادا لكتابة ابحاث الخارج فيما بعد.
هذا ونسأل المولى سبحانه وتعالى ان يتقبل هذا بلطفه وينفع به طلبتنا وابناء‌نا الاعزاء في الحوزات العلمية وان ينفعنا به يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم والحمد لله رب العالمين ولا حول ولا قوة العلمية وان ينفعنا به يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم والحمد لله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

النجف الاشرف

محمد باقر الصدر

18 رجب 1397 ه‍.