|
الأدلة على تورط يزيد بدم الحسين (عليه السلام)
سماحة الشيخ محمد صنقور
المقدمة
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء
والمرسلين محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين
المنتجبين .
أما بعد : فقد وفّق الله تعالى لكتابة هذا البحث ، والذي
أرجو ان يكون عنوان صحيفتي يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا
من أتى الله بقلب سليم .
وقد حاولت في هذا البحث معالجة شبهة مثارة ، وليس لي من
غرض سوى التحفّظ على الحقيقة من ان يشوبها التعتيم أو ان
يطالها التشويش ، وقد جهدت ما استطعت ان اتحرَّى طريقة
العقلاء واتحفّظ على المنهجيّة الموضوعيّه في استعراض
الأدلّة وتوثيقها ، وما ادّعيت في هذا البحث دعوى إلا وهي
موثقة بالشواهد والنصوص التاريخيّة المعتبرة عند مثير
الشبهة ، وأنا وإن كنت قصَّرت في إحصاء تمام النصوص خشية
ان يطول البحث وحرصاً على وقتي ووقت القارئ الكريم إلا
انَّ فيما ذكرناه الكفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد .
فإن كنت قد بلغت غايتي فهو ما كنت آمل وان كان في البحث
قصور فمنشاؤه الغفلة والعجلة ، وليس من تبعات لهذا البحث
إلا واتحملها دون غيري .
هذا وقد صنّفت البحث الى فصلين وخاتمة ، واستعرضت في الفصل
الأول بعض الأدلّة وشيّدتها بالقرائن التاريخيّه
والعقلائية ، واستعرضت في الفصل الثاني الشواهد والمؤيّدات
ووثَّقتها بالنصوص المعتبرة عند مثير الشبهة ، وختمت البحث
بالتعرّض لما قد ينقدح في ذهن القارئ الكريم من اشكالات ،
وأجبت عن كلّ اشكال بمجموعة من الأجوبة المعزَّزة بالقرائن
التاريخيّة والإعتبارات العقلائيّة .
هذا وبالله المستعان وعليه توكّلت واليه انيب .
(
ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقِّ وأنت خير الفاتحين
) -
الأعراف
89 -
والحمد لله ربّ العالمين
محمّد صنقور

الأدلّة
المثبتة
لتورُّط يزيد
بدم الحسين
(عليه
السلام)
لا ذعرت
السوام في فلقِ***الصبح ولا دعيت يزيدا
يوم اعطي من المهابة
ضيماً***والمنايا يرصدنني ان أحيدا
الحسين بن علي
(عليه
السلام)
تمهيد
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله
الطيبين الطاهرين .
إنَّ مما يُثير العجب ـ « وإنْ عشتَ أراك الدهرُ العجيبَ »
ـ أن يقع التشكيك في مسئولية يزيد بن معاوية عن دم الحسين
(عليه السلام) والحال انَّها من
الجلاء والوضوح بحيث لا تدع مجالا للشك إلا انَّه وبسبب
إثارة هذه الشبهة من البعض رأينا أن نستعرض الادلة التي لو
اطلع عليها الباحث عن الحقيقة لأذعن .
وما نرومه من هذا البحث هو التحفظ على الحقائق التاريخية
من أن يطالها التشويش والتعتيم ، ومن الله نستمدُّ العون
فهو نعم المولى ونعم النصير .
وقبل بيان ماهي الادلة الموجبة لإثبات مسئولية يزيد عن دم
الحسين
(عليه
السلام) نستعرض الشبهة المثارة
فنقول :
ذكر بعضهم انَّ المسئول عن دم الحسين
(عليه
السلام) انّما هو عبيد الله بن
زياد فهو الذي حرَّض على قتل الحسين وعبأ لذلك جيشاً دون
ايعاز من يزيد بل انَّ يزيد قد غضب على ابن زياد حينما سمع
بقتله للحسين
(عليه
السلام) .
ودعوى عدم اطلاع يزيد على مجريات الاحداث وما الذي عزم
عليه ابن زياد ليست بعيدة ، وذلك لبعد الفاصلة بين الشام ـ
والتي هي العاصمة الاُمويَّة ـ وبين الكوفة ، وعدم وجود
الوسائل الموجبة للتعرُّف ـ يوماً بيوم ـ على ما يحدث في
الحاضرة الاسلامية المترامية الأطراف .
فمن القريب جداً أن يكون اطلاع يزيد بن معاوية على مقتل
الحسين (عليه
السلام) متأخراً عن قتله .
هذا أقصى ما يمكن أن يُقال في مقام تبرءة يزيد من دم
الحسين
(عليه
السلام)إلاّ انَّ ذلك لا يُبرء
ساحة يزيد بن معاوية كما سيتضح ذلك من خلال ما سنعرضه من
أدلة إن شاء الله تعالى .

المنشأ لتنصيب
يزيد لابن زياد على الكوفة
ونبدأ أولا : ببيان المنشأ من تنصيب يزيد بن معاوية لعبيد
الله بن زياد على الكوفة بعد أن لم يكن والياً عليها في
أيام معاوية بن أبي سفيان وانما كان والياً أيام معاوية
على البصرة فحسب ، وقد ذكر المؤرخون انَّ يزيد بن معاوية
كان واجداً على ابن زياد حتى همَّ بعزله عن ولاية البصرة .
وملاحظة كتب التاريخ تكشف عن انَّ المنشأ من تنصيب يزيد
لابن زياد على الكوفة انما هي قضية الحسين
(عليه
السلام) بعد أن أبى البيعة
وسافر الى مكة المكرمة وبعد ان بعث اليه أهل الكوفة
يسألونه البيعة والخروج على يزيد بن معاوية ، وبعد ان
تناهى الى مسامع يزيد بن معاوية انَّ الكوفة تتهيّأ للثورة
على الخلافة الاُموية بقيادة الحسين بن علي
(عليه
السلام) وانَّ النعمان بن بشير
ـ والذي كان والياً على الكوفة آنذاك ـ ضعيف أو يتضاعف .
واليك هذا النص التاريخي الذي ينقله لنا الطبري ، حيث قال
بعد ان ذكر انَّ اثني عشر ألفاً من أهل الكوفة قد بايعوا
مسلم بن عقيل رسول الحسين
(عليه
السلام) قال : « قام رجل ممن
يهوى يزيد بن معاوية الى النعمان بن بشير فقال له : إنَّك
ضعيف أو متضعف ، قد فسد البلاد . فقال له النعمان ; ان
أكون ضعيفاً وأنا في طاعة الله أحبُّ اليَّ من ان أكون
قوياً في معصية الله ، وماكنت لاهتك ستراً ستره الله .
فكتب بقول النعمان الى يزيد ، فدعى يزيد مولىً له يُقال له
سرجون ، وكان يستشيره ، فأخبره الخبر ، فقال له : أكنت
قابلا من معاوية لو كان حياً ، قال : نعم ، فاقبل منِّي
فإنَّه ليس للكوفة إلا عبيد الله بن زياد ، فولاها إيّاه ،
وكان يزيد عليه ساخطاً ، وكان همَّ بعزله عن البصرة ، فكتب
اليه برضائه وانَّه ولاَّه الكوفة مع البصرة ، وكتب اليه
ان يطلب مسلم بن عقيل فيقتله إن وجده »(1)
.
إنَّ هذا النص التاريخي يوضح انَّ منشأ تنصيب يزيد لعبيد
الله بن زياد على الكوفة انما هو قضية الحسين
(عليه
السلام) ، ولولاها لما كان يزيد
لينصب ابن زياد على الكوفة بعد ان كان واجداً عليه وبعد ان
همَّ بعزله ، وذلك يوضح انَّ غرض يزيد بن معاوية هو ان
يتصدى ابن زياد لهذه المشكلة الخطيرة .
وهنا نقول : إنَّ يزيد بن معاوية إمَّا أن يكون قد فوّض
الأمر لعبيد الله بن زياد وأعطاه صلاحية الممارسة لتمام
الخيارات والتي منها قتل الحسين (عليه
السلام) إذا ارتأى ذلك ، أو
يكون قد أمره بأخذ الحيطة والحذر على أن يستشيره في كلّ
صغيرة وكبيرة وان يبعث اليه بتفاصيل الأخبار ، أو ان تكون
الإستشارة في الامور الخطيرة والتي تكون تبعاتها ـ لو
اتفقت ـ بالغة الاهميَّة ، وليس هناك احتمالات اخرى غير
الذي ذكرناه .
وتلاحظون انَّ تمام هذه الإحتمالات لا تنفي مسئولية يزيد
عن دم الحسين
(عليه
السلام) .
فالإحتمال الاول : ـ والذي هو تفويض الأمر لعبيد الله بن
زياد ـ وان كان بعيداً كما سيتضح إلا انَّه لو كان هو
المتعيّن واقعاً لكان ذلك موجباً لإدانة يزيد ، إذ لا يخفى
على يزيد انَّ أحد الخيارات التي يمكن ان يتبناها عبيد
الله بن زياد هي قتل الحسين
(عليه
السلام) بل هو خيار قريب جداً
مع الإلتفات الى انَّ الحسين
(عليه
السلام) قد شرع في الثورة ،
وانّ محاربته قد تستوجب قتله وانَّ بقاءه يمثل خطراً على
الوجود الاموي ، فلو كان يزيد متنزهاً عن قتل الحسين
(عليه السلام) لكان عليه ان
يُنبه عبيد الله بن زياد ويمنعه عن اللجوء الى هذا الخيار
، في حين اننا لا نجد في التاريخ من ذلك عيناً ولا أثراً
بل ما نجده على عكس ذلك كما سيتضح إن شاء الله تعالى .
وأما الإحتمال الثاني : فلو كان هو المتعين فهو أيضاً لا
ينفي الإدانة عن يزيد ، وذلك لأنّ ابن زياد لو امتثل
واستشار يزيد في الامور الخطيرة فليس شيء أخطر من قتل
الحسين
(عليه
السلام) والذي ليس له سابقة في
الإسلام ، وهل يخفى على مثل ابن زياد ما يترتب من مضاعفات
على قتل الحسين (عليه
السلام) بعد ان كان مطلعاً على
موقعه الديني ومنصبه الإجتماعي ، فمن الُمحتَّم ان لا
يستقل عبيد الله بن زياد بهذا الإجراء الخطير ، وحينئذ إن
كان ابن زياد قد استشار يزيد في قتل الحسين
(عليه
السلام) فامضى يزيد ذلك فهذا هو
المطلوب إثباته ، وإن لم يكن قد أمضاه على ذلك وانَّ عبيد
الله قد استقل بهذا الفعل وانَّ يزيد بن معاوية قد غضب على
عبيد الله بن زياد بعد قتله للحسين ـ كما يزعمون ـ فهذا ما
لا نجد عليه دليلا من التاريخ ، إذ ما معنى ان يغضب يزيد
على ابن زياد والحال انَّه أقرَّه على الولاية(2)
ولم يعز له والذي هو أدنى ما يمكن ان يصنعه يزيد تعبيراً
عن غضبه ، وسيتضح انَّ هناك ما يؤكد إمضاء يزيد لما فعله
عبيد الله بن زياد .
وأما الإحتمال الثالث : فهو المناسب للإعتبارات العقلائية
بعد الإلتفات الى خطورة هذه القضية وما يترتب عليها من
تبعات ، فالمطمئن به انَّ يزيد بن معاوية حين ولَّى ابن
زياد على الكوفة أمره بأن يستشيره في كل ما يتصل بقضية
الحسين
(عليه
السلام) وان يبعث اليه بتفاصيل
الأخبار ، وهذا ما يؤكده التاريخ ، واليك هذا النص الذي
ينقله الينا الطبري :
«
إنَّ عبيد الله بن زياد لمَّا قتل مسلماً وهانئاً بعث
برؤسهما مع هانئ بن ابي حيَّة الوادعي والزبير بن الأروح
التميمي الى يزيد بن معاوية وأمر كاتبه ان يكتب الى يزيد
بن معاوية بما كان من مسلم وهانئ ... اكتب أما بعد :
فالحمد لله الذي أخذ لأمير المؤمنين بحقه وكفاه مؤنة عدوه
، اُخبر أمير المؤمنين أكرمه الله انَّ مسلماً بن عقيل لجأ
الى دار هانئ بن عروة المرادي وانِّي جعلت عليهما العيون
ودسست اليهما الرجال وكدتهما حتى استخرجتهما وأمكن الله
منهما ، فقدمتهما وضربت أعناقهما ، وقد بعثت اليك برؤسهما
مع هانئ بن ابي حيَّة الهمداني والزبير بن الأروح التميمي
، هما من أهل السمع والطاعة والنصيحة ، فليسألهما أمير
المؤمنين عمَّا أحبَّ من أمر ، فإنَّ عندهما علماً وصدقاً
وورعاً ، والسلام .
فكتب اليه يزيد : أما بعد فإنك لم تعدُ ان كنت كما اُحب
عملت عمل الحازم وصلت صولة الشجاع الرابط الجأش ، فقد
أغنيت وكفيت وصدقت ظنّي بك ورأيي فيك ، وقد دعوت رسوليك
فسألتهما وناجيتهما فوجدتهما في رأيهما وفضلهما كما ذكرت ،
فاستوصِ بهما خيراً .
وانَّه قد بلغني انَّ الحسين بن علي قد توجَّه نحو العراق
، فضع المناظر والمسالح واحترس على الظن وخذ على التهمة ،
غير ان لا تقتل إلاّ من قاتلك ، واكتب اليَّ في كل ما يحدث
من الخبر والسلام عليك رحمة الله وبركاته »(3)
.
هذا النص التاريخي يُوضح تعيُّن الإحتمال الثاني وانَّ
يزيد بن معاوية لم يفوِّض الامر الى عبيد الله بن زياد بل
أمره بأن يكتب اليه عن شأن الحسين
(عليه
السلام) « بكلِّ ما يحدث » ،
ومن الواضح انَّ ذلك ليس لغرض التعرُّف على الأخبار فحسب
وانَّما لغرض التصدي لمعالجتها كما هو شأن كلِّ من هو في
موقع يزيد .
وتلاحظون انَّ عبيد الله بن زياد كان يعلم بأنَّه لم يكن
مفوَّضاً ، والذي يُعبِّر عن ذلك انَّه حينما بعث برأس
هانئ بن عروة مع رأس مسلم بن عقيل رغم انَّه لم يُؤمر بقتل
هاني وانما امر بقتل مسلم بن عقيل ـ كما يوضحه النص السابق
الذي ذكرناه ـ تلاحظون انَّه برَّر قتل هاني بأنَّه كان قد
آوى مسلم بن عقيل ، ولو كان مفوضاً لما كان عليه أن
يُبرِّر قتل هاني ، إذ انَّ المبرِّر حينئذ هو الصلاحية
المعطاة له من قبل يزيد وانَّ له أن يفعل ما يراه مناسباً
، إذ انَّ ذلك هو مقتضى التفويض .
وكذلك تلاحظون ان ابن زياد ذكر الوسيلة التي توسل بها لغرض
العثور على مسلم بن عقيل رغم انَّ ذكر ذلك ليس لازماً لولا
انَّه يعلم انَّ يزيد يطلب منه التفصيل ولا يكتفي بالإجمال
، ولو لم تقبلوا بذلك فلا أقل ان ابن زياد كان يشعر
بتعلُّق إرادة يزيد بذلك كما انَّ من المحتمل قوياً انه
كان يريد ان يُعبِّر عن اخلاصه ليزيد وانَّه لم يألُ جهداً
في سبيل معالجة هذه القضية المستعصية والخطيرة .
كما تلاحظون انَّ عبيد الله بن زياد لم يكتفِ بذلك بل
انَّه بعث برجلين من أهل الإخلاص والطاعة لبني اميَّة ومن
أهل الاطلاع على تفاصيل الاحداث التي وقعت ، وسأل من يزيد
أن يستفصل منهما ويسألهما عن تمام المجريات التي مارسها في
هذا السبيل .
كما لاحظتم الإهتمام البالغ الذي أبداه يزيد ، وهذا ما
تُعبِّر عنه مكاتبته الى عبيد الله بن زياد ، حيث كشفت تلك
المكاتبة عن انَّ يزيد قد اختلى برسولي ابن زياد وناجاهما
وتعرَّف بواسطتهما على التفاصيل ، وقد رضي عنهما أشد الرضا
، وهذا ما عبَّر عنه ثناؤه عليهما وإيصاء عبيد الله بن
زياد بهما خيرا .
ثم انَّ في المكاتبة ما يُعبِّر عن متابعة يزيد لقضية
الحسين
(عليه
السلام) ولم تكن القناة الوحيدة
التي يعتمد عليها هي عبيد الله بن زياد بل انَّ له قنوات
اخرى تُوصل اليه الأخبار ، وهذا ما يكشف عنه قوله « وانَّه
قد بلغني انَّ الحسين بن علي قد توجَّه نحو العراق » فإنَّ
هذا الخبر لم يكن في مكاتبة ابن زياد كما انَّ مساق
العبارة يؤكد انَّ الخبر لم يكن من الرسولين .
ثم انكم تلاحظون ان يزيد قد بتَّ في قضية الحسين
(عليه
السلام) وصدَّر أوامر لابن زياد
بأن يضع المناظر والمسالح وأن يأخذ على الظنة والتهمة وأن
يقتل من يُقاتله ، فلم يأمره بالمقاتلة فحسب والتي لا
تستلزم القتل بل أمر بقتل من يقاتل ، وهذا يعني أن الحسين
(عليه السلام) إذا قاتله فهو
مأمور بقتله وإلاّ كان عليه ان يستثني الحسين
(عليه
السلام) من هذا الامر الولايتي
والذي لا رخصة فيه ، فمتى ما قاتله الحسين فإنَّه مأمور
بقتله ، بل انَّ القدر المتيقن من هذا الأمر هو قتل الحسين
(عليه السلام) ، إذ انَّ الحديث
انَّما هو عن الحسين
(عليه
السلام) فهو الذي توجَّه للعراق
.
ومن
المحتمل قويّاً أن يُقاتل ابن زياد ، لان الحسين انَّما هو
متوجِّه للكوفة وليس من المعقول ان يسلم عبيد الله الكوفة
الى الحسين طواعية ، إذ ان ذلك مناف لإرادة يزيد وما دعاه
الى تنصيب ابن زياد إلاّ المحافظة على الكوفة حتى لا تخرج
عن الهيمنة الاُموية وتكون في يد الحسين . ويزيد وعبيد
الله بن زياد على اطلاع بأن مجيء الحسين
(عليه
السلام) الى الكوفة انما هو
لهذا الغرض .
ثم انكم لاحظتم ان يزيد بن معاوية في هذه المكاتبة قد أثنى
على عبيد الله بن زياد ومدحه برباطة الجأش والشجاعة والحزم
، وأخبره بأنّه راض عنه وانَّه واثق بحسن تدبيره للامور
وإدارته لشئون الولاية ، وهذا إيعاز واضح من يزيد لعبيد
الله في ان يواصل هذا النهج ويسير على هذا المنوال وانَّه
لم تكن في إدارة ابن زياد ما تستوجب المناقضة لاغراض يزيد
بن معاوية .
كلُّ ذلك يُعبِّر عن اطلاع يزيد على تمام الإجراءات التي
كان يُمارسها ابن زياد في هذا السبيل كما يُعبِّر عن
متابعته لسياسة ابن زياد وانَّه لم يكن قد نصَّبه وفوَّض
اليه الامر وإلا لم يأمره بشيء والذي منه القتل ولم يطلب
منه ان يُخبره « عن كل ما يحدث »(4)
.
وبما ذكرناه يتضح ان المسئول الأول عن دم الحسين
(عليه
السلام) هو يزيد بن معاوية
وانَّ قرار القتل كان بأمر منه . هذا أولا .
الدليل الثاني :
ونستعرض في هذا الدليل النصوص الدالة على تعلُّق إرادة
يزيد بقتل الحسين إذا لم يُبايع حتى لو لم يُقاتله .
النص الأوّل : ذكر المؤرخون انَّه حينما مات معاوية
وتسلَّم يزيد مقاليد الحكم كان شغله الشاغل هو بيعة الحسين
ومجموعة من الشخصيات .
ومبرِّر هذا الاهتمام واضح لمن له أدنى اطلاع على ملابسات
الاحداث إبَّان حكم معاوية بعد صلحه للامام الحسين
(عليه
السلام) .
ونكتفي في المقام بذكر النصوص المعبِّرة عن هذا الإهتمام
البالغ وماهي السياسة التي عزم يزيد على ممارستها إذا رفض
الحسين بن علي
(عليه
السلام) البيعة .
في تاريخ اليعقوبي انَّ يزيد « كتب الى الوليد بن عتبة بن
ابي سفيان وهو عامل المدينة ، إذا أتاك كتابي هذا فأحضر
الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير ، فخذهما بالبيعة لي
فإن امتنعا فاضرب أعناقهما وابعث لي برؤسهما ، وخذ الناس
بالبيعة فمن امتنع فانفذ فيه الحكم وفي الحسين بن علي وعبد
الله بن الزبير والسلام »(5)
.
وتلاحظون انَّ هذا النص صريح في انّ السياسة التي رسا
عليها يزيد بن معاوية تجاه الحسين بن علي
(عليه
السلام) هي التصفية الجسدية إذا
لم يُبايع وان الوليد ليس له خيار آخر ، فإمَّا ان يُبايع
الحسين وامَّا ان يُقتل .
وهنا قد يُدعى ورود إشكالين على هذا النص .
الإشكال الاول : إنَّ بعض المؤرخين لم يذكر في المكاتبة
التي أرسلها يزيد الى الوليد الأمر بالقتل ، وكلُّ ما ذُكر
فيها هو الأمر بأخذ البيعة من الحسين وجمع من الشخصيات ،
فما ذكره الطبري مثلا هكذا :
«
وكتب اليه ـ أي الى الوليد ـ في صحيفة كأنها إذن فأرة ،
أما بعد فخذ حسيناً وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير
بالبيعة أخذاً شديداً ليس فيه رخصة حتى يُبايعوا ، والسلام
»(6)
.
والجواب عن هذا الإشكال : انَّه لا منافاة بين النصين ، إذ
انَّ النص الذي نقله الطبري لم يشتمل على المنع من قتل
الحسين
(عليه
السلام) إذا لم يُبايع ، غايته
انه لم يذكر انَّ يزيد قد أمر الوليد بالقتل في حال عدم
البيعة وهذا لا ينفي وجود الامر بذلك ، وذلك لما ثبت في
علم الاُصول من انَّه لا تعارض بين الخبرين إذا كان أحدهما
مشتملا على الزيادة وكان الآخر ساكتاً عنها ، كما ان من
الثابت في علم الاُصول انَّ المقدم في مثل هذه الحالة هو
الخبر المشتمل على الزيادة الغير المنافية للخبر الساكت
عنها .
مثلا : لو ورد في الأثر انَّ الاكل مفطر للصائم والشرب
مفطر للصائم وورد خبر آخر انَّ الأكل الشرب والجماع مفطرات
للصائم فإنَّه لا تنافي بين الخبرين أصلا وانَّه لابدَّ من
الإلتزام بمفاد الخبر الآخر المشتمل على الزيادة ، إذ
لعلَّ المخبر الاول لم يطلع على تمام الخبر أو أنَّه نسي
بعض فقراته أو انَّه لم يُرِد ذكر الخبر بتمامه لمبرِّر
يراه موجباً لإهمال الزيادة ، وهذا لا يُنافي وثاقة المخبر
بخلاف مالو بنينا على انَّ الزيادة ليست صحيحة وليست واردة
فإنها تستوجب تكذيب المخبر ، وهذا خلف البناء على وثاقة
المخبر . واحتمال ان تكون الزيادة نشأت عن نسيان المخبر
ضعيفة جداً خصوصاً في مثل المقام والذي هو الامر بقتل
الحسين
(عليه
السلام) .
الجواب الثاني : انَّه ما معنى الأخذ الشديد الذي أمر به
يزيد ـ بحسب نص الطبري ـ ، نقول : انَّ هنا مجموعة من
الإحتمالات الثبوتية لهذا الأمر .
الإحتمال الاول : هو انَّ المراد من الأخذ الشديد هو ان
يُغلظ لهم القول ويُلح عليهم بالبيعة دون ان يُرتِّب على
عدم البيعة أي إجراء عملي .
وهذا الإحتمال بعيد جداً ، إذ ماهو الملزم حينئذ للحسين
(عليه السلام) بقبول البيعة
والرضوخ لإصرار الوليد بعد ان لم يكن هذا التغليظ القولي
مستتبعاً لأي إجراء عملي يستوجب الضغط على الحسين
(عليه
السلام) وبالتالي يقبل البيعة .
ومع عدم قبول الحسين
(عليه
السلام) للبيعة باعتبار عدم جود
الضاغط الموجب للقبول يكون الغرض من الأمر بالبيعة منتفياً
وغير متحقق ، وهذا ما ينافي إرادة يزيد الشديدة في ان
يُبايع الحسين
(عليه
السلام) ، ومن الواضح انَّ الذي
لديه إرادة شديدة بشيء لا يتوسل بوسيلة لا تُحقق تلك
الإرادة بل لابدَّ أن تكون الوسيلة متناسبة مع حجم الإرادة
وطبيعتها خصوصاً وان يزيد يعلم ان الحسين كان رافضاً
للبيعة وانَّ معاوية نفسه لم يتمكن من إرغام الحسين على
قبول العهد ليزيد كما ذكر المؤرّخون(7)
.
كلُّ ذلك يُوضح سقوط هذا الإحتمال وانَّ يزيد لم يرد هذا
المعنى من قوله ـ بحسب نقل الطبري « أما بعد فخذ حسيناً
... بالبيعة أخذاً شديداً » .
الإحتمال الثاني : أن يكون المراد من الأمر بالأخذ الشديد
هو أن يُمارس مع الحسين
(عليه
السلام) ضغوطاً لا تصل حد القتل
.
وهذا الإحتمال ساقط أيضاً ، وذلك لأنَّ الضغوط التي لا تصل
حدَّ القتل لا تعدو عن أحد هذه الوسائل التي يمكن ان يتوسل
بها الوليد بن عتبة في مقام إنفاذ أمر يزيد .
فهي إمَّا مصادرة أموال الحسين
(عليه
السلام) ، وهذا وإن كان يُمثل
ضغطاً إلا ان ذلك لا يحسم المشكلة بل يُؤكدها ، إذ انَّ
مثل الحسين
(عليه
السلام) ـ كما هو واضح من
ملاحظة سيرته ـ لا يرضخ لمجرَّد هذا الضغط ، وانَّ يزيد من
أكثر الناس اطلاعاً على إباء الامام الحسين وسمو نفسه على
انَّ هذا النحو من الإجراء لم يكن مألوفاً فمن البعيد أن
يخطر في ذهن الوليد هذا المعنى وانَّ مراد يزيد من الأمر
بالأخذ الشديد هو هذا النحو من الإجراء ، وهذا ما يتضح من
ملاحظة الطريقة التي اعتمدها الوليد في مقام إنفاذ الامر
المتوجه اليه من يزيد ، ثم انه ماذا بعد مصادرة أموال
الحسين إذا لم يرضخ لهذا الضغط ، ومن هنا لابدَّ من أن
يُمارس الوليد ضغطاً آخر .
والضغط المتصوَّر عند ذاك هو حبس الحسين
(عليه
السلام) وهذا مالا يُمكن أن
تقبله عشيرة الحسين(8)
بل ولا تقبله الاعراف السائدة آنذاك ، إذ انَّ مكانة
الحسين الاجتماعية والدينية تأبى ذلك وبهذا تظلُّ المشكل
ثابتة وغير محسومة فلا يكون الغرض الاُموي حينئذ متحققاً ،
وهكذا الحال لو فرض على الحسين
(عليه
السلام) الإقامة الجبرية فإنَّ
المشكلة لا تحسم بذلك وهذا ما يتنافى مع الغرض الاُموي .
ثم انَّ هناك ضغطاً آخر يمكن للوليد ان يُمارسه لغرض إرضاخ
الحسين
(عليه
السلام) على قبول البيعة ، وهو
ان ينفيه من المدينة ، وهو من أضعف الإحتمالات التي يمكن
أن تخطر في ذهن الوليد ، إذ انَّ ذلك يُعقِّد المشكلة أكثر
، إذ يبقى الحسين
(عليه
السلام) رافضاً للبيعة ويبقى
النظام الاموي متوجساً من وجوده وموقعه وما يمكن ان يتمخض
عنه من تبعات .
والذي يؤكد ذلك هو حرص الوليد على عدم خروج الحسين من
المدينة ولذلك كان خروجه منها سراً(9)
.
وبهذا اتضح انَّ كل الضغوط المتصورة لا تحسم المشكلة بل قد
تعقدها ، إذ تظلُّ قضية الحسين عالقة وقد تُضفي عليها
الايام تعقيداً وحينها يكون حسمها مستعصياً . واتخاذ خيار
القتل وان كان خياراً صعباً إلاّ انَّه أيسر من وجود
الحسين وإبائه للبيعة ، إذ انَّ ذلك يُنذر بثورة قد لا
يكون علاجها ميسوراً .
على انَّ يزيد بن معاوية حينما أمر الوليد بالأخذ الشديد
لم يطلب من الوليد مراجعته في حين ان كلَّ هذه الضغوط قد
لا تُنتج النتيجة المطلوبة وهي مبايعة الحسين
(عليه
السلام) ليزيد مما يُعبِّر عن
انَّ يزيد قد أعطى الوليد الصلاحية في اتخاذ كل الخيارات
بما فيها القتل وإلاّ لأمره بالمراجعة حينما تفشل كل
الضغوط .
فعدم أمره له بالمراجعة يُعبِّر عن انَّ يزيد قد حسم
القضية ، على انَّ يزيد لو كان متجافياً عن قتل الحسين
(عليه السلام) حين رفض البيعة
كان عليه أن يُبيِّن للوليد الإجراء الذي يلزمه اتخاذه حين
رفض الحسين للبيعة .
الإحتمال الثالث : ـ من الأمر بالأخذ الشديد ـ هو اعطاء
الصلاحية الكاملة للوليد بأن يُمارس مع الحسين تمام
الخيارات حين رفضه للبيعة بما في ذلك القتل .
وهذا الإحتمال هو الإحتمال المتعين بعد سقوط الاحتمالين
الاولين . ويمكن ابراز مجموعة من القرائن والمؤيدات على
تعيُّن هذا الإحتمال .
القرينة الاولى : هو انَّ مروان بن الحكم حينما أمر الوليد
بقتل الحسين (عليه
السلام) إذا رفض البيعة لم
يعتذر اليه الوليد بأن ذلك يُنافي ما أمر به يزيد ولم
يُعتذر اليه الوليد بأن يزيد لم يأمر بذلك بل اعتذر اليه
بأنَّ قتل الحسين (عليه
السلام) حرام وغير جائز شرعاً .
واليك نص الحوار الذي دار بين الوليد ومروان بن الحكم بحسب
نقل الطبري « فلمَّا عظم على الوليد هلاك معاوية وما أمر
به من أخذ هؤلاء الرهط بالبيعة فزع عند ذلك الى مروان
ودعاه ، فلمَّا قرأ عليه كتاب يزيد استرجع وترحم عليه ،
واستشاره الوليد في الأمر وقال كيف ترى نصنع قال : فإني
أرى أن تبعث الساعة الى هؤلاء النفر فتدعوهم الى البيعة
والدخول في الطاعة ، فإن فعلوا قبلت منهم وكففت عنهم وان
أبوا قدمتهم فضربت أعناقهم قبل ان يعلموا بموت معاوية ،
فإنهم إن علموا بموت معاوية وثب كل امرء منهم في جانب
وأظهر الخلاف والمنابذة ، ودعا الى نفسه ...
وجاء حسين فأقرأه الوليد الكتاب فقال حسين ... أما ما
سألتني من البيعة فإن مثلي لا يُعطي بيعته سراً ... فقال
أجل فإذا خرجت الى الناس فدعوتهم إلى البيعة دعوتنا مع
الناس ، فقال الوليد وكان يحب العافية فانصرف على اسم الله
... فقال مروان : والله لئن فارقك الساعة ولم يُبايع
لاقدرت منه على مثلها أبداً حتى تكثر القتلى بينكم وبينه ،
احبس الرجل ولا يخرج من عندك حتى يُبايع أو تضرب عنقه ...
فقال مروان للوليد عصيتني لا والله لا يمكنك من مثلها من
نفسه أبداً ، قال الوليد وبخ غيرك يا مروان انك اخترت لي
التي فيها هلاك ديني ، والله ما أحب انّ لي ما طلعت عليه
الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها وإني قتلت حسيناً ،
سبحان الله أقتل حسيناً ان قال لا ابايع ، والله اني لأظن
امرءً يُحاسب بدم الحسين لخفيف الميزان عند الله يوم
القيامة »(10)
.
تلاحظون انَّ الوليد لم يعتذر الى مروان بأن قتل الحسين
(عليه السلام) منافياً لأمر
يزيد كما انَّه لم يعتذر بأنَّ يزيد لم يأمر بقتل الحسين
(عليه السلام) .
ثم انَّ الوليد لم يستبعد خيار القتل ، ولم يعتذر عنه
بأنَّه لا تصل النوبة اليه لوجود خيارات اخرى يمكن
التوسُّل بها لإرغام الحسين
(عليه
السلام) على قبول البيعة ، مما
يُعبِّر عن انَّه لا خيار يمكن اتخاذه ويكون ناجعاً
ومحققاً للغرض ، فإما البيعة أو القتل ولمَّا كان الوليد
متحرجاً دينيَّاً من قتل الحسين (عليه
السلام) لم يُتعب نفسه ويفكِّر
في وسيلة اخرى لإرغام الحسين
(عليه
السلام)لمعرفته بأن كلّ الوسائل
الاخرى غير ناجعة ، فلذلك تلاحظون انَّه لم يُسخِّف رأي
مروان حينما قال له انك لا تقدر عليه بعد هذه الساعة ،
فكأنما مروان يقول ان علاج المشكلة هو قتل الحسين
(عليه
السلام) وهو الآن مؤاتياً وبعد
هذه الساعة يكون صعباً ، ولم يطرأ في خلدِ مروان غير هذا
الخيار كما لم ينقض الوليد هذا الرأي . فالوليد يرى ان هذا
الرأي يناسب الغرض إلاّ انَّه ينافي الدين .
كل ذلك يُعبِّر عن انَّ خيار القتل لم يكن مستثنى من الأمر
بالأخذ الشديد الذي أصدره يزيد ، وهذا هو الفهم الذي فهمه
الوليد ومروان من خطاب يزيد وهما أعرف الناس بملابسات
القضية وما تنطوي عليه شخصية يزيد بن معاوية .
القرينة الثانية : ـ على تعيُّن الاحتمال الثالث ـ انّ
خيار القتل حال رفض البيعة هو الذي تبادر الى ذهن الحسين
بن علي
(عليه
السلام) وعبد الله بن الزبير
حينما دعاهما الوليد .
وهذا ما يُعبِّر عن انَّ الخيارات الاخرى موهومة وان طبيعة
القضية وطبيعة السياسة الاُموية تقتضيان تعيُّن هذا الخيار
دون غيره . واليك هذا النص التاريخي الذي ينقله لنا الطبري
:
«
فأرسل ـ أي الوليد ـ عبد الله بن عمرو بن عثمان ... اليهما
فوجدهما في المسجد وهما جالسان فأتاهما في ساعة لم يكن
الوليد يجلس فيها للناس فقال : أجيبا ، الأميرُ يدعو كما ،
فقالا له : انصرف الآن نأتيه ، ثم أقبل أحدهما على الآخر
فقال عبد الله بن الزبير للحسين : ظن فيما تراه بعث الينا
في هذه الساعة ، فقال حسين : قد ظننت أرى طاغيتهم قد هلك
فبعث الينا ليأخذنا بالبيعة قبل ان يفشو في الناس الخبر ،
فقال : وأنا ما أظن غيره .
قال : فما تريد أن تصنع ، قال أجمع فتياني الساعة ثم أمشي
اليه ، فإذا بلغت الباب احتبستهم عليه ثم دخلت عليه ، قال
فإني أخاف عليك إذا دخلت ، قال لا آتيه إلاّ وأنا على
الإمتناع قادر ، فقام فجمع اليه مواليه وأهل بيته ثم أقبل
يمشي حتى انتهى الى باب الوليد ، وقال لاصحابه اني داخل
فإن دعوتكم أو سمعتم صوته قد علا فاقتحموا عليَّ باجمعكم
وإلاّ فلا تبرحوا حتى أخرج اليكم »(11)
.
فهذا النص يوضح انّ الحسين وكذلك ابن الزبير يعرفان انَّه
لا خيار ثالث إمَّا البيعة أو القتل ، ولذلك نجد ان الحسين
(عليه السلام) قال للزبير « لا
آتيه إلاّ وأنا على الامتناع قادر » وجمع فتيانه وذهب معهم
الى بيت الوليد وأمرهم بالإقتحام بمجرد دعوتهم أو سماع صوت
الوليد قد ارتفع ، وهذا الإحتراز والحيطة لا مبرِّر له سوى
معرفة الحسين انَّ خيار القتل هو الخيار المتعين في حال
رفض البيعة ، وهذا الهاجس كان متبلوراً في ذهن ابن الزبير
أيضاً كما يُعبِّر عنه قوله « فإني أخاف عليك إذا دخلت
عليه » ، وقد أكد الحسين
(عليه
السلام) هذا الهاجس بجوابه لابن
الزبير والذي نقلناه لك .
ثم انَّ الهاجس كان مستقراً في نفس ابن الزبير ، فلذلك لم
يذهب الى الوليد بل تحرَّز باصحابه ثم خرج بعد ذلك من
المدينة سراً وذهب الى مكة المكرمة ، وحينما دخلها قال «
اني عائذ » ، وهاك نص الطبري في ذلك :
«
وأما ابن الزبير فقال الآن آتيكم ثم أتى داره فكمن فيها
فبعث اليه الوليد فوجده مجتمعاً في أصحابه متحرزاً فالحَّ
عليه بكثرة الرسل .. فقال لا تعجلوني فإني آتيكم ...
فشتموه وصاحوا به يا ابن الكاهلية والله لتأتين الامير أو
ليقتلنك ... وخرج ابن الزبير من تحت الليل فأخذ طريق الفرع
.. وتجنَّب الطريق الاعظم مخافة الطلب وتوجه نحو مكة ..
ومضى ابن الزبير حتى أتى مكة وعليها عمرو بن سعيد فلما دخل
مكة قال : إنّما أنا عائذ .. »(12) .
وبما ذكرناه يتضح ان خيار القتل هو المتبادر في حال رفض
البيعة .
ويمكن تأكيد ماذكرناه بما نقله الطبري عن أبي مخنف قال :
«
وحدثني عبد الملك بن نوفل عن ابي سعد المقبري قال : نظرت
الى الحسين داخلا مسجد المدينة وهو يتمثل بقول ابن مفرَّغ
:
لا ذعرت السوام في فلق***الصبح ولا
دُعيت يزيدا
يوم اعطي من المهابة
ضيماً***والمنايا يرصدنني ان أحيدا »(13)
وكذلك يمكن تأكيده بقول الحسين
(عليه
السلام) حينما خرج من المدينة
سراً
] فخرج
منها خائفاً يترقب
[(14)
(15)
.
القرينة الثالثة : ـ على تعيين الاحتمال الثالث ـ انَّ
يزيد بن معاوية قد عزل الوليد بن عتبة عن المدينة في شهر
رمضان(16)
من نفس السنة التي تولَّى فيها مقاليد الحكم أي لم يمض على
إقراره(17)
على الولاية من قبل يزيد أكثر من شهرين ، حيث انَّ يزيد قد
تولَّى مقاليد الحكم في نهاية رجب(18)
، وقد ورد في كتب المؤرخين بما فيهم الطبري انَّ يزيد قد
أقرَّ جميع ولاة أبيه معاوية على مناصبهم ، ترى ماهو منشأ
ذلك ؟
نقول : ان من المحتمل قريباً انَّ المنشأ لعزل الوليد عن
ولاية المدينة هو نفسه المنشأ الذي دعا يزيد الى عزل
النعمان بن بشير عن الكوفة ، حيث نقلنا لك سابقاً عن
الطبري وكذلك غيره انَّ السبب في عزل يزيد للنعمان هو قضية
الحسين
(عليه
السلام)(19)
وان المخلصين ليزيد كتبوا ليزيد انَّ النعمان ضعيف أو
يتضعف .
ومن الظريف انَّ الإعتذار(20)
الذي اعتذر به النعمان عن التصدي لقضية الحسين هو نفسه
الاعتذار الذي اعتذر به الوليد وهو انَّ مواجهة الحسين
وقتله مناف للدين .
ترى ماهو الموجب لأن يعزل يزيد أحد ولاة أبيه بعدما أقرَّه
خصوصاً وان الفاصلة الزمنية بين اقراره وعزله قصيرة جداً ،
وكيف اتضح وبهذه السرعة ليزيد انَّ هذا الرجل الاموي والذي
لا يُشك في اخلاصه لهذه الدولة وأهليته لهذا المنصب في نظر
رأس الدولة وقطب رحاها وهو معاوية ، غير مؤهل للإستمرار في
الولاية .
كلّ ذلك يُعزِّز انَّ المنشأ لعزل الوليد انَّما هي قضية
الحسين ، وانَّ يزيد رأى انَّ الوليد لم يمتثل أمره في شأن
الحسين
(عليه
السلام) ، في حين اننا نرى انَّ
الوليد قد بعث الى الحسين بمجرَّد وصول الكتاب اليه وطلب
منه البيعة ثم شدد على الحسين
(عليه
السلام) وحاول منعه من الخروج
من المدينة كما نقل الطبري بل نقل الطبري انَّه كان أشد
على الحسين
(عليه
السلام) منه على ابن الزبير(21)
، تُرى ماهو المبرِّر الذي أوجب استضعاف يزيد للوليد بعد
ان كان قد امتثل أمره في شأن الحسين
(عليه
السلام) .
وهذا السؤال يبقى ملحاً وليس له جواب سوى ماذكرناه من انَّ
يزيد قد أمر الوليد بقتل الحسين
(عليه
السلام) إذا رفض البيعة وانَّ
ذلك هو مقصوده من الأمر بالأخذ الشديد وانَّ الوليد كان
يفهم ذلك جيداً(22)
.
ولعلَّ تنصيب يزيد لعمرو بن سعيد الأشدق(23)
يُعزِّز ماذكرناه حيث انَّ هذا الرجل كان أمضى في قضية
الحسين من الوليد ، وكانت سريرته متسانخة تماماً مع سريرة
يزيد ، كما تُعبِّر عن ذلك سيرته فهو الذي قال عندما سمع
واعية الحسين
(عليه
السلام) في المدينة في بيوتات
بني هاشم قال شامتاً ضاحكاً :
عجَّت نساء بني زياد عجة***كعجيج
نسوتنا غداة الارنب
ثم قال « واعية بواعية عثمان »(24)
.
ومن الملفت للإنتباه انَّ يزيد قد أعطى عمرو بن سعيد
الاشدق نفس الوسام الذي أعطاه لعبيد الله بن زياد ، فيزيد
عندما عزل النعمان بن بشير عن الكوفة بسبب توانيه عن
التصدي لقضية الحسين ـ أوعز بالولاية عليها الى عبيد الله
بن زياد ، فيكون قد جمع له بين الولاية على البصرة الولاية
على الكوفة(25)
، وهذا ما صنعه مع عمرو بن سعيد الاشدق بعد ان عزل الوليد
عن المدينة حيث ان عمرو بن سعيد كان والياً على مكة
المكرمة فجمع له بين الولاية على مكة المكرمة والولاية على
المدينة المنورة(26)
.
ولا أظن انَّ ذلك كان اتفاقياً وبنحو المصادفة اذ انَّ
أمثال يزيد يُجيدون تسيير الامور لصالحهم .
وبهذا اتضح انَّه لا منشأ آخر لعزل الوليد عن المدينة سوى
ماذكرناه وانه لم يمتثل أمر يزيد في شأن الحسين
(عليه
السلام) وانَّه كان يتحرَّج من
قتل الحسين كما كان النعمان يتحرَّج من ذلك .
وانَّ الذي دعى يزيد الى ان يضم لاية المدينة الى عمرو
الأشدق هو نفس الداعي الذي دعا يزيد الى أن يضم ولاية
الكوفة الى عبيد الله بن زياد ، إذ انَّ هاتين الشخصيتين ـ
كما توضح سيرتهما ـ من أحرص الناس على هتك حرمات الله جلَّ
وعلا .
وبما ذكرناه اتضح انَّه لا منافاة بين مانقله اليعقوبي
وبين ما نقله الطبري بل انَّ بين النقلين تمام الموائمة .
الإشكال الثاني : ـ على نص اليعقوبي ـ هو انَّه لو كان
يزيد قد أمر الوليد بقتل الحسين
(عليه
السلام) إذا لم يُبايع ، فلماذا
لم يحتج مروان عليه بذلك ، ولماذا قال له عندما لم يقتل
الحسين
(عليه
السلام) حين رفض البيعة «
عصيتني » ولم يقل عصيت يزيد ، فلو كان يزيد قد أمر الوليد
حقاً بقتل الحسين لكان المناسب ان يحتج مروان على الوليد
بأن عدم قتل الحسين
(عليه
السلام) يخالف أمر يزيد .
والجواب عن هذا الإشكال :
انَّ المقصود من قول مروان للوليد « عصيتني » هو انَّ
الوليد لم يُبادر في قتل الحسين حين رفض البيعة وقبل ان
يفشو موت معاوية ويأخذ الحسين (عليه
السلام) لنفسه الحيطة والتحرُّز
. وهذا المقدار لم يرد في رسالة يزيد الى الوليد ، ولذلك
لا يمكن لمروان ان ينسب معصية الوليد الى يزيد ، إذ انَّ
يزيد لم يأمر بهذه الكيفية الخاصة التي اقترحها مروان .
ومن هنا ناسب ان يقول مروان للوليد « عصيتني » . وحتى يتضح
ما ذكرناه ننقل لك نص الحوار الذي دار بين الوليد ومروان
كما نقله الطبري :
«
فلما عظم على الوليد هلاك معاوية وما أمر به من أخذ هؤلاء
الرهط بالبيعة فزع عند ذلك الى مروان ودعاه فلمَّا قرأ
عليه كتاب يزيد ... وقال كيف ترى نصنع قال : فإنّي أرى ان
تبعث الساعة الى هؤلاء فتدعوهم الى البيعة والدخول في
الطاعة ، فإن فعلوا قبلت منهم وكففت عنهم وإن أبوا قدمتهم
فضربت أعناقهم قبل يعلموا بموت معاوية ، فإنهم إن علموا
بموت معاوية وثب كل امرء منهم في جانب وأظهر الخلاف
والمنابذة » ثم انه لمَّا جاء الحسين الى الوليد وأبا ان
يُبايع قال مروان للوليد كما نقل الطبري « والله لئن فارقك
الساعة ولم يبايع لاقدرت منه على مثلها أبداً حتى تكثر
القتلى بينكم وبينه احبس الرجل ولا يخرج من عندك حتى
يُبايع أو تضرب عنقه » ثم لما خرج الحسين من مجلس الوليد
قال مروان للوليد : « عصيتني لا والله لا يمكنك من مثلها
من نفسه أبداً »(27)
.
وواضح من سياق هذا النص ان مراده من قوله « عصيتني » هو
انك عصيتني في استثمار هذه الفرصة والذي يدلُّ على ذلك
انّه قال بعد قوله « عصيتني » « لا والله لا يمكنك من
مثلها من نفسه » .
وبالتأمل في النص الذي نقلناه عن الطبري يتضح انَّ مروان
لم يخطر في باله انَّ الوليد لن يمتثل أمر يزيد في قتل
الحسين
(عليه
السلام) فمروان حينما اقترح على
الوليد بأن يقتل الحسين في أول فرصة سانحة ـ وقبل ان ينتشر
موت معاوية ويأخذ الحسين
(عليه
السلام) لنفسه الحيطة والحذر ـ
فمروان حينما اقترح عليه ذلك لم يبد الوليد أي معارضة بل
بادر في دعوة الحسين
(عليه
السلام) في ساعة لم يكن يجلس
فيها وكأنه استجاب لاقتراح مروان .
وحتى بعد ان جرت المشادة الكلامية بين مروان والحسين
(عليه السلام) في مجلس الوليد
لم يظهر على الوليد ما يكشف عن انه متجاف عن قتل الحسين (عليه
السلام) بنحو مطلق(28)
. ومن هنا لا مبرِّر لأن يقول مروان انك عصيت أمر يزيد ،
نعم هو عصى أمر مروان حيث لم يستثمر هذه الفرصة السانحة .
قد تقول انَّ مروان اطلع بعد ذلك على انَّ الوليد لن يقتل
الحسين
(عليه
السلام)ولن يمتثل أمر يزيد .
إلاّ انَّه يُقال انَّ مروان انَّما اطلع على ذلك بعد ان
اعتذر الوليد عن قتل الحسين
(عليه
السلام) بأن ذلك غير جائز شرعاً
، وحينئذ لا مجال لأن يجيبه مروان بأنَّ ذلك مخالف لأمر
يزيد بعد ان اعتذر الوليد عن قتل الحسين
(عليه
السلام) بأنه مخالف لأمر الله
جلَّ وعلا ، ولذلك سكت مروان وهو غير حامد ، واليك نص
الحوار الذي دار بين مروان والوليد في ذلك بحسب نقل الطبري
:
«
فقال مروان للوليد عصيتني ، لا والله لا يمكِّنك من مثلها
من نفسه أبداً ، قال الوليد وبِّخ غيرك يا مروان انك اخترت
لي التي فيها هلاك ديني ، والله ما احب انّ لي ما طلعت
عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها واني قتلت
حسيناً ، سبحان الله أقتل حسيناً ان قال لا ابايع ، والله
اني لأظن امرءً يحاسب بدم الحسين لخفيف الميزان عند الله
يوم القيامة ، فقال مروان : فإذا كان هذا رأيك فقد أصبت
فيما صنعت ، يقول هذا له وهو غير الحامد له على رأيه »(29)
.
وتلاحظون انَّ مروان استحى من جواب الوليد وأظهر خلاف ما
يُبطن ، وحينئذ لا مجال لأن يقول للوليد انك خالفت أمر
يزيد ، إذ أنَّ جواب الوليد كان حاسماً وانَّ الرد عليه
بأن ذلك مخالف لامر يزيد يعني الخروج عن الدين وهذا مالا
يسع مروان اظهاره ولذلك أحجم عن الجواب وهو غير حامد .
هذا تمام الكلام في النص الاول الدال على انَّ إرادة يزيد
كانت متعلقة بقتل الحسين
(عليه
السلام) متى مارفض البيعة .
ويمكن تأكيد نص اليعقوبي الذي نقلناه لك بما نقله أبو
المؤيد بن أحمد المكي الخوارزمي في مقتل الحسين
(عليه
السلام) من انّ يزيد كتب للوليد
بعد ان سمع برفض الحسين للبيعة « أما بعد ، فإذا ورد عليك
كتابي هذا فخذ البيعة ثانية على ـ أهل المدينة توكيداً منك
عليهم ... وليكن مع جواب كتابي هذا رأس الحسين فإن فعلت
ذلك جعلت لك أعنَّة الخيل ... والحظ الأوفر ، والسلام »(30) .
النص الثاني : ماذكره الطبري عن بعض الرواة قال « سمعت
الحسين بن علي وهو بمكة وهو واقف مع عبد الله بن الزبير
... ثم التفت الينا الحسين فقال أتدرون ما يقول ابن الزبير
، فقلنا لا ندري جعلنا الله فداك فقال : قال : أقِمْ في
هذا المسجد أجمع لك الناس ، ثم قال الحسين
(عليه
السلام) : والله لإنْ اقتل
خارجاً منها بشبر أحب اليَّ من ان اقتل داخلا منها بشبر
وأيم الله لو كنت في حجر هامَّة من هذه الهوام لاستخرجوني
حتى يقضوا فيَّ حاجتهم ، والله ليعتدن عليَّ كما اعتدت
اليهود في يوم السبت »(31)
.
وتلاحظون انَّ هذا النص صريح في انَّ الحسين كان عارفاً
بما انطوت عليه الدولة الاُموية والتي على رأسها يزيد بن
معاوية ، وانَّ إرادتهم قد تعلقت بقتل الحسين
(عليه
السلام) حتى ولو اختبأ في جحر
هامَّة ، وهو أبلغ تعبير عن مدى الإرادة الشديدة التي
تنطوي عليها نفوس بني اميَّة وانَّهم لا يتركونه وشأنه حتى
ولو لم يخرج بالثورة عليهم ، فمبرِّر عزمهم على قتله ليس
أكثر من عدم البيعة ليزيد .
ولذلك تجد انَّ الحسين
(عليه
السلام) أقسم بأنَّ قتله حتمي
وليس الخروج بالثورة على يزيد هو المبرِّر الوحيد لاستحلال
دمه ، ولذلك قال
(عليه
السلام) انّه عازم على الخروج
حتى لا تهتك بقتله حرمة بيت الله الحرام فهو يأبى أن يكون
الكبش الذي يُستباح به بيت الله الحرام ، ولذلك فضَّل ان
يُقتل خارج الحرم ولو بشبر .
ومن الواضح انَّ هذا الجزم عند الحسين
(عليه
السلام) والذي كشف عنه بقسمه
المتكرر لم ينشأ جزافاً ، فهو صاحب القضية ، ولذلك يكون
أعرف الناس بملابساتها ، ولا يُناسب شأن الحسين ومقامه
الديني أن ينسب الى يزيد والى بني امية شيئاً بغير علم .
والذي يؤكد هذا الأمر انَّ عمرو بن سعيد الاشدق حينما عرف
بخروج الحسين
(عليه
السلام) من مكة المكرمة احتال
على ذلك بإعطائه الأمان(32)
، وما ذلك إلا لأنَّ الحسين
(عليه
السلام) لم يكن آمناً في مكة
وانَّما هو الوقت والفرصة المؤاتية لقتله إلاّ انه حينما
يخرج الحسين من مكة تكون فرصة اغتياله مستعصية جداً .
وقد تقول انّه ما كان لعمرو الاشدق ان يُعطي الحسين
(عليه
السلام) أماناً لولا انّه كان
يعلم بقبول يزيد بذلك الامان .
إلا انَّه يقال : انَّ الحسين كان أعرف ببني اميَّة وانَّ
ذلك لم يكن أكثر من مناورة قد تنجح وتصرف الحسين عن الخروج
من مكة وعندها تكون فرصة اغتياله مؤاتية كما انَّ بقاءه في
مكة كان أفضل من خروجه إلى العراق وتحرزه بشيعته هناك ، إذ
انَّ المفترض انَّهم لن يسلموه حتى تكثر القتلى بينهم وبين
بني امية .
وهناك بعض النصوص التاريخية تُشير الى انَّ اعطاء عمرو بن
سعيد الاشدق الامان للحسين
(عليه
السلام) انَّما كان بعد طلبه
والعجز عن صرفه عن الخروج من مكة المكرمة ، فقد ذكر ابن
قتيبة في كتاب الامامة والسياسة ماهذا نصه :
«
فلما انصرف عمرو بلغه انَّ الحسين خرج ، فقال : اركبوا كل
بعير بين السماء والارض فاطلبوه ، قال : فكان الناس يعجبون
من قوله هذا قال : فطلبوه فلم يُدركوه »(33)
.
وقد تقول انَّة لو كانت إرادة يزيد وبني اميَّة هي قتل
الحسين
(عليه
السلام) في مكة فلماذا نصحه عبد
الله بن جعفر وكذلك ابن عباس ومحمد بن الحنفية بعدم الخروج
من مكة وهم ممن لا يُشك في اخلاصهم للحسين
(عليه
السلام) فهل كانوا لا يعلمون
بأن حياة الحسين
(عليه
السلام) في خطر إذا بقي في مكة
المكرمة وهل أرادوا ان يُستباح بالحسين حرمة البيت الحرام
.
فنقول انَّه ليس من الضروري أن يكونوا على اطلاع تام بما
عزمت عليه بنو اميَّة(34)
ـ وعلى رأسهم يزيد ـ من قتل الحسين
(عليه
السلام) ، فلا مجال لهذا
الإشكال بعد أن صرح الحسين
(عليه
السلام) بما عزمت عليه بنو
اميَّة من قتله وأكد ذلك بتكرار قسمه كما نقلنا لك نصّ
كلامه
(عليه
السلام) .
ثم انَّه لعلَّهم كانوا مطلعين على الإرادة الاُموية إلا
انهم كانوا يرون انَّ بني اميَّة لا تتمكن من قتل الحسين
في مكة نظراً لحرمتها أو انَّ الحسين كان له من يحميه في
مكة أو انهم يتمكنون من التماس امان له كما صنع ذلك عبد
الله بن جعفر(35)
، لعل ذلك هو الذي دعا هؤلاء ان ينصحوا الحسين
(عليه
السلام) بأن يبقى في مكة
المكرمة .
ثم انّ الملاحظ لنصائح هؤلاء انَّ نظرهم لم يكن مركزاً على
أصل الخروج من مكة وانما هو التوجه الى العراق ، فهم يرون
ان بقاءه في مكة رغم انه في خطر إلا انَّ احتمال قتله
حينما يخرج من مكة الى العراق أقرب ، فلذلك نصحوه بعدم
الخروج(36)
.
ونحن لسنا بصدد الحديث عن مجموع الغايات التي خرج من أجلها
الحسين
(عليه
السلام) من مكة المكرمة ، إذ
هذا خارج عن محلِّ البحث ، ومحل البحث هو ما صرَّح به
الحسين
(عليه
السلام) من انَّ غاية يزيد وبني
اميَّة هي قتله بمجرَّد انه لم يبايع ، والنص الذي ذكرناه
لا يترك مجالا للشك إلاّ ان ذلك انَّما هو لمن ألقى السمع
وهو شهيد .
وقد تقول انَّ النص ليس صريحاً في انَّ غاية يزيد وبني
اميَّة هي قتل الحسين
(عليه
السلام) إذ انَّ الحسين
(عليه
السلام) انما قال « لو كنتُ في
جحر هامَّة لاستخرجوني حتى يقضوا فيَّ حاجتهم » فلم يصرِّح
بالحاجة التي يريد بنو اميَّة قضاءها من الحسين
(عليه
السلام) ، فلعلَّ هذه الحاجة لا
تصل الى حدِّ القتل .
نقول : انَّ هذا من التدليس في النقل وذلك لانَّه من
التقطيع المخل حيث انَّ الحسين
(عليه
السلام) لم يكتفِ بهذا القول
وانَّما صدَّر كلامه ـ كما نقلنا ذلك بقوله « لإنْ اقتل
خارجاً منها بشبر أحبُّ اليَّ من أن اقتل داخلا منها
بشبر » ثم قال « وايم الله لو كنت في جحر هامة من هذه
الهوام لاستخرجوني حتى يقضوا فيَّ حاجتهم » ثم ذيَّل كلامه
(عليه السلام) بقوله « والله
ليعتدن عليَّ كما اعتدت اليهود في يوم السبت »(37)
.
فصدر كلامه يوضح ماهي الحاجة التي يريدون قضاءها منه وماهي
مرتبة الإعتداء التي عزموا على ارتكابها منه
(عليه
السلام) .
ويمكن تأكيد النص الذي نقلناه لك بما ذكره جمع من المؤرخين
من انَّ ابن عباس كتب الى يزيد كتاباً جاء فيه « فلست بناس
اطرادك الحسين بن علي من حرم رسول الله الى حرم الله ،
ودسك اليه الرجال تغتاله ، فأشخصته من حرم الله الى الكوفة
فخرج منها خائفاً يترقب ، وكان أعزَّ أهل البطحاء بالبطحاء
قديماً وأعزَّ أهلها حديثاً وأطوع أهل الحرمين بالحرمين لو
تبوأ بها مقاماً واستحلَّ بها قتالا ، ولكن كره ان يكون هو
الذي يستحلُّ حرمة البيت وحرمة رسول الله فأكبر من ذلك
مالم تكبر حيث دسست اليه الرجال فيها ليقاتل في الحرم »(38)
.
وتلاحظون انَّ هذا النص صريح جداً فيما ذكرناه ومطابق
تماماً لكلام الامام الحسين
(عليه
السلام) والذي نقلناه عن جمع من
المؤرخين .
النص الثالث : ما نقله اليعقوبي : وهذا نصه :
«
وأقبل الحسين من مكة إلى العراق وكان يزيد قد ولَّى عبيد
الله بن زياد العراق ، وكتب اليه قد بلغني انَّ أهل الكوفة
قد كتبوا الى الحسين في القدوم عليهم وانَّه خرج من مكة
متوجهاً نحوهم ، وقد بُليَّ به بلدك من بين البلدان وأيامك
من بين الايام فإن قتلته وإلا رجعت الى نسبك وإلى أبيك
عبيد فاحذر أن يفوتك »(39)
.
هذا النص صريح في ان يزيد هو الذي أوعز الى عبيد الله بن
زياد بقتل الحسين
(عليه
السلام) وهدده ان لم يمتثل لسوف
يرجعه الى نسبه ، وهو يشير الى قضية الحاق معاوية زياداً
الى أبي سفيان(40)
، وهي قضية مشهورة جداً حتى قال ابن الاثير في الكامل «
وأنا ذاكر سبب ذلك وكيفيته ، فإنَّه من الامور المشهورة
الكبيرة في الاسلام ولا ينبغي اهمالها ، وكان ابتداء حاله
ان سمية أم زياد كان لدهقان زندرود »(41)
ثم ذكر الحدث مفصلا .
وواضح انَّ يزيد في هذه المكاتبة يُحرِّك وتراً كان يخشاه
عبيد الله بن زياد أشد الخشية ، وهذه الوسيلة قد استفاد
منها معاوية بن ابي سفيان في موارد عديدة مع زياد بن سمية
، وهي مذكورة في كتب التاريخ(42)
، وهنا يزيد يتوسل بنفس الوسيلة مع عبيد الله بن زياد ،
وهذا ما يؤكد حرص يزيد بن معاوية على قتل الحسين
(عليه
السلام) بعد ان فشل حينما أوعز
الى الوليد بقتله في المدينة وفشل في المرة الثانية حينما
كان الحسين
(عليه
السلام) في مكة .
وواضح من هذه المكاتبة انَّ يزيد لم يُعلِّق الامر بقتل
الحسين على عدم البيعة ، وذلك لأنَّه عرف بعد كل تلك
المحاولات ان الحسين
(عليه
السلام) لن يُبايع وان الامور
قد أخذت منحىً خطيراً ، وان إباء الحسين
(عليه
السلام) للبيعة قد ذاع بين
الناس ، وهذا ماقد يُساهم في التمرّد على الدولة الاموية .
فلا يحسم هذه المشكلة التي بدأت تستفحل سوى قتل الحسين
(عليه السلام) ، ولذلك احتاج
يزيد الى ان يُؤكد حرصه على قتل الحسين
(عليه
السلام) بالتهديد الذي وجهه الى
عبيد الله بن زياد ، والذي لا يدع مجالا لأنْ يتوانى ابن
زياد في هذا السبيل ، ففي الوقت الذي يُدرك عبيد الله بن
زياد معنى ارجاعه الى نسبه الحقيقي وانه بذلك يُصبح من
أولاد الزنا كذلك يُدرك ان معنى هذا التهديد هو عزله عن
منصب الولاية وهذا مالا يرضاه ابن زياد لنفسه ، فهو على
استعداد في ان يصنع المستحيل في سبيل التحفظ على انتسابه
لبني اميَّة وفي سبيل التحفظ على ولاية الكوفة والبصرة .
وواضح من هذا النص انَّ يزيد لم يجعل لابن زياد خياراً آخر
غير القتل ، فحتى لو انصرف الحسين عن الثورة أو انَّ عبيد
الله بن زياد ظفر بالحسين وتمكن من أسره فإن خيار القتل هو
الخيار الوحيد الذي انعقدت عليه إرادة يزيد بن معاوية
وإلاّ كان عليه أن يجعل لابن زياد فسحة في تدبير شئون هذه
القضية ، وهذا ما يُعبِّر عن انّ يزيد قد تبلور في ذهنه ان
لا علاج لهذه المشكلة سوى قتل الحسين
(عليه
السلام) حتى ولو أبدى الحسين
(عليه السلام)مرونة وانصرف عن
الثورة مثلا أو أزمع على عقد صلح كما صنع الامام الحسن
(عليه السلام) ، كلُّ هذه
الإحتمالات لم يُعر لها يزيد أي اهتمام ، ولذلك ذيَّل
مكاتبته بالتحذير من فوات الحسين
(عليه
السلام) حيث قال « فاحذر ان
يفوتك » .
قد يُقال انَّ هذا النص مناف للنص الذي ذكره الطبري والذي
هو عبارة عن المكاتبة التي بعثها يزيد الى ابن زياد حينما
بعث اليه عبيد الله برأسي مسلم بن عقيل وهاني بن عروة حيث
نقل الطبري ان يزيد في تلك المكاتبة قال : لعبيد الله بن
زياد « غير انَّك لا تقتل إلاّ من قاتلك »(43)
، إذ انَّه في النص الذي ذكره اليعقوبي لم يُعلِّق يزيد
الامر بقتل الحسين على شيء بل انَّه أمر بقتله بنحو مطلق
في حين أنَّ الذي نقله الطبري هو انَّ يزيد قد علَّق الامر
بالقتل على المقاتلة .
والجواب عن هذا الإشكال :
هو انَّة لا يخفى انَّ النصين متفقان على ان يزيد لم يكن
متجافياً عن قتل الحسين
(عليه
السلام) بل انَّه قد أمر بقتله
كما اتضح ذلك حينما بحثنا نص الطبري غاية مافي الأمر انَّ
نص المكاتبة التي نقلها الطبري اشتمل على تعليق يزيد الامر
بالقتل على المقاتلة وهذا لا يوجب تنافياً بينه وبين نص
المكاتبة التي نقلها اليعقوبي من جهة أن يزيد قد أمر بقتل
الحسين
(عليه
السلام) ، نعم نصُّ الطبري
يُعبِّر عن انَّ خيار القتل إنَّما هو في حال مواجهة
الحسين
(عليه
السلام) لابن زياد والدخول معه
في حرب ، أما نصُّ اليعقوبي فهو يُعبِّر عن انَّ الأمر
بقتل الحسين
(عليه
السلام) غير منوط بشيء بل انَّ
عبيد الله بن زياد مكلَّف بقتل الحسين (عليه
السلام) مطلقاً حتى لو لم يدخل
معه في مواجهة .
وهذا هو منشأ دعوى التنافي بين النصين. فنحن لو سلمنا ـ
جدلا ـ بوجود التنافي بين النصين من هذه الجهة فإنَّ هذا
لا يؤثر على ماهو المطلوب اثباته وهو مسئولية يزيد عن دم
الحسين
(عليه
السلام) ، إذ انّ دم الحسين
انَّما هو في عهدة يزيد بن معاوية حتى بناء على ما نص عليه
الطبري، وذلك لأنَّ يزيد ـ بحسب نص الطبري ـ قد أمر عبيد
الله بالقتل في حال المقاتلة ولم يأمره بالمقاتلة فحسب،
فلو كان متجافياً عن قتل الحسين
(عليه
السلام) لكان عليه أن يقول قاتل
الحسين
(عليه
السلام) اذا قاتلك واذا ظفرت به
فلا تقتله .
ثم انَّه لا يبعد أن يكون النصان يُعبِّران عن مكاتبتين
متفاوتتين زماناً وانَّ المتأخر من النصين هو النص الذي
نقله اليعقوبي ، إذ من المعقول جداً أن يكون رأي يزيد أولا
هو ان لا يدخل عبيد الله بن زياد مع الحسين في مواجهة إلاّ
اذا اضطر الى ذلك ، إذ من الممكن جداً انَّ يزيد كان قد
خطط لاغتيال الحسين
(عليه
السلام) ، وهي وسيلة أسلم من
الدخول مع الحسين في مواجهة كما يؤكده كتاب ابن عباس الى
يزيد ـ وقد نقلنا لك شطراً منه مع ذكر مصادره .
وهذا النحو من التدبير كان متعارفاً في سياسة معاوية بن
أبي سفيان إذا ما أراد تصفية بعض الشخصيات ذات الثقل
الإجتماعي أو الديني(44)
فقد توسل بهذه الوسيلة مع الامام الحسن بن علي
(عليه
السلام) ومالك الاشتر وعبد
الرحمن بن خالد بن الوليد .
فقد يكون رأي يزيد في بادئ الأمر هو ان يستفيد من هذه
الوسيلة إلاّ انَّه وبعد ان اطلع على مستجدات الأحداث
تبلور عنده انَّه لا يمكن التريث وتحيُّن الفرصة للإستفادة
من هذه الوسيلة وانّ حسم المشكلة لا يتم إلاّ بقتل الحسين
(عليه السلام) سريعاً مهما
كلَّف ذلك من تبعات ، فلذلك بعث برسالة اخرى لعبيد الله بن
زياد وأمره بقتل الحسين
(عليه
السلام) بأي وسيلة اتفقت .
ويمكن تأكيد هذا الإحتمال بمجموعة من القرائن :
القرينة الاولى :
هي انَّ الحسين
(عليه
السلام) صرَّح في موارد عديدة
انه لن يبدأ بالمواجهة والقتال ومع ذلك أصرَّ عبيد الله بن
زياد على البيعة أو القتل ، فلو كان نصّ الطبري هو المتأخر
أو هو المتعين لما أقدم ابن زياد على قتل الحسين
(عليه
السلام)رغم انَّه لم يبدأهم
بقتال ، إذ انَّ الأمر المتوجه الى ابن زياد ـ بحسب نص
الطبري ـ هو قتل الحسين إذا ما بدأهم بقتال والنصوص
التاريخية تؤكد انه (عليه
السلام) لم يبدأهم بقتال ،
ولعمري هل لعبيد الله بن زياد ان يستقل بهذا الأمر الخطير
والذي لا سابقة له في الاسلام والذي كان يتنصل منه القادة
وأعيان البيت الاموي والشخصيات القرشية اللامعة ويلتمسون
لذلك المعاذير كما اتضح ذلك من موقف الوليد بن عتبة .
ومن هنا يتضح ان الإقدام على قتل الحسين رغم انَّه لم
يبدأهم بقتال لم يكن ليجرء عليه ابن زياد لولا المرسوم
الملكي الذي صدر من يزيد بن معاوية وحتى يتأكد لك ماذكرناه
ننقل بعض النصوص التي نقلها المؤرخون ، والتي تكشف عن أنَّ
الحسين
(عليه
السلام) كان يأبى ان يبدأهم
بقتال .
الأوّل : ماذكره الطبري انَّه لمَّا وصل كتاب عبيد الله بن
زياد الى الحر بن يزيد الرياحي أن جعجع بالحسين ولا تنزله
إلا في العراء في غير حصن وعلى غير ماء قال مانصه :
«
وأخذ الحر بن يزيد القوم بالنزول في ذلك المكان على غير
ماء ولا في قرية ، فقالوا دعنا ننزل في هذه القرية ...
فقال : لا والله لا أستطيع هذا رجل قد بُعث اليَّ عيناً ،
فقال له زهير بن القين يا ابن رسول الله إنَّ قتال هؤلاء
أهون من قتال من يأتينا من بعدهم .. فقال الحسين ما كنت
لأبدأهم بالقتال »(45)
.
الثاني : ماذكره الطبري انَّ عمر بن سعد لمَّا ان سار الى
الحسين
(عليه
السلام)وسمع قول الحسين
(عليه
السلام) كتب الى ابن زياد «
أمَّا بعد فإني حين نزلت بالحسين بعثت اليه رسولي ، فسألته
عمَّا أقدمه وماذا يطلب ويسأل ، فقال ; كتب اليَّ أهل هذه
البلاد وأتتني رسلهم فسألوني القدوم ففعلت ، فأما إذا
كرهوني فبدا لهم غير ما أتتني به رسلهم فأنا منصرف عنهم ،
فلمَّا قُرء الكتاب على ابن زياد قال :
الآن إذ علقت مخالبنا به***يرجو
النجاة ولاة حين مناص(46)
وهذا النص صريح في انَّ الحسين
(عليه
السلام) لم يشأ ان يقاتلهم بعد
ان نكث أهل الكوفة عهودهم ، ومع ذلك أصرَّ عبيد الله بن
زياد على قتله وتمثل بهذا البيت المعبِّر عن انَّه لا مناص
من قتله ، فلو كان نص الطبري هو المتأخر أو هو المتعيِّن
لكان على عبيد الله بن زياد ان ينصرف عن قتل الحسين
(عليه
السلام) ، إذ انَّه اُمر فيه
بأن لا يقتل إلا من قاتله وقد صرَّح الحسين (عليه
السلام) انه منصرف عن قتالهم ،
وهذا ما يؤكد تعيُّن النص الذي نقله اليعقوبي وان ابن زياد
قد اُمر بقتل الحسين
(عليه
السلام) حتى لو لم يُقاتل .
الثالث : ماذكره الطبري من انَّ الشمر بن ذي الجوشن في يوم
عاشوراء شتم الحسين
(عليه
السلام) بأعلى صوته قبل بدء
المعركة ، فقال مسلم بن عوسجة « يا ابن رسول الله جعلت
فداك ألا أرميه بسهم فإنه قد امكنني ... فقال له الحسين لا
ترمه فإني أكره ان أبدأهم »(47)
.
الرابع : مانقله الطبري انَّ الحسين في اليوم العاشر نادى
في جيش عمر بن سعد « أيها الناس إذ كرهتموني فدعوني انصرف
عنكم الى مأمني من الارض ، قال فقال له قيس بن الاشعث أو
لا تنزل على حكم بني عمك .. فقال الحسين
(عليه
السلام) ... لا أعطيكم بيدي
إعطاء الذليل ولا أقر اقرار العبيد اني عذت بربي وربكم ان
ترجمون .. »(48)
.
وهذا نص يُعبِّر عن انَّ الحسين
(عليه
السلام) كان الى آخر لحظة
يُصرُّ على عدم الدخول مع عبيد الله بن زياد في مواجهة ،
وهذا ما يوجب انصراف ابن زياد عن قتله لو كان نص الطبري هو
المتأخر أو المتعين ، وهذا ما يؤكد انَّ نص اليعقوبي هو
المتأخر أو المتعين وانَّه لا صارف عن قتل الحسين
(عليه
السلام)إلا الإستسلام والبيعة
وهذا ما يأباه الحسين
(عليه
السلام) .
القرينة الثانية :
ـ
على تأخر أو تعيُّن نص اليعقوبي ـ .
مانقله أبو المؤيد بن أحمد المكي أخطب خوارزم قال « ثم
أقبل الحر ابن يزيد فنزل في أصحابه حذاء الحسين وكتب الى
ابن زياد يُخبره بنزول الحسين بكربلاء ، فكتب ابن زياد
للحسين : أما بعد يا حسين فقد بلغني نزولك « كربلاء » وقد
كتب اليَّ أمير المؤمنين ـ يزيد ـ أن لا أتوسد الوثير ،
ولا أشبع من الخمير حتى اُلحقك باللطيف الخبير أو ترجع الى
حكمي وحكم يزيد »(49)
.
وهذا النص كما تلاحظون متطابق تماماً مع نص اليعقوبي حيث
اخبر ابن زياد انَّ يزيد كتب اليه بأن يقتل الحسين
(عليه
السلام) ولم يُعلق الامر بالقتل
على دخول الحسين معه في مواجهة كما هو نص الطبري ولو كان
كذلك لكان على ابن زياد يكتب للحسين
(عليه
السلام) انك ان لم تقاتلنا
فإننا لا نقاتلك .
وتلاحظون انّ ابن زياد اخبر بأنّ أمر يزيد معلَّق على عدم
البيعة وعدم الدخول في حكمه وهذا هو معنى قول يزيد لابن
زياد بعد الامر بالقتل « واحذر ان يفوتك » أي انه لا خلاص
للحسين من القتل إلا بالبيعة ليزيد ومن الواضح ان ذلك لا
يتم إلاّ بواسطة ابن زياد إذ هو المأمور بالتصدي لقضية
الحسين
(عليه
السلام) وان خيار الانصراف بدون
البيعة غير وارد اصلا .
وغير خاف عليك ان نسبة ابن زياد ذلك الى يزيد يؤكد نص
اليعقوبي ، إذ ليس لابن زياد وهو الموظف ليزيد ان ينسب الى
يزيد شيئاً لم يقله خصوصاً مع الإلتفات الى خطورة ما نسبة
ابن زياد الى يزيد ، فابن زياد أضعف من ان يجازف بهذه
المجازفة الخطيرة التي قد تُودي بحياته أو لا أقل تُودي
بمنصبه الذي هو أحرص ما يكون عليه فهو ممن لا تخفى عليه
تبعات مثل هذه النسبة الخطيرة خصوصاً وانها تمت بواسطة
كتاب وحينئذ لا سبيل للتفصي عن هذا المستمسك لو لم يكن
صادقاً في دعواه .
الدليل الثالث :
ـ
على مسئولية يزيد عن دم الحسين
(عليه
السلام) ـ ونستعرض في هذا
الدليل النصوص التي تدل على انّ قتل الحسين
(عليه
السلام) كان بايعاز من يزيد بن
معاوية بقطع النظر عن انَّ الأمر بالقتل كان منوطاً بعدم
البيعة فحسب أو منوطاً بعدم البيعة بالإضافة الى الدخول مع
بني امية في مواجة .
النص الأول : مانقله جمع من المؤرخين من انَّ عبد الله بن
عباس بعث برسالة الى يزيد بن معاوية ، وهي رسالة طويلة
نذكر منها موضع الحاجة :
«
من عبد الله بن عباس الى يزيد بن معاوية أما بعد ... وانت
قتلت حسيناً بفيك الكثكث ولك الاثلب ... لا تحسبني لا أباً
لك نسيتُ قتلك حسيناً وفتيان بني عبد المطلب مصابيح الدجى
ونجوم الأعلام غادرهم جنودك مصرَّعين في صعيد مرمَّلين
بالتراب مسلوبين بالعراء لا مكفنين تُسفي عليهم الرياح
وتعاورهم الذئاب وتنشي بهم عرج الضباع حتى أتاح الله لهم
أقواماً لم يشتركوا في دمائهم فأجنوهم في أكفانهم ، وبي
والله وبهم عززت وجلست مجلسك الذي جلست |