عودة للصفحة الرئيسية

 


شرح الأصول ( الجزء الأول )

الفهرس

 

 

شرح الاُصول






مقدمة



تمهيد



تعريف علم الاُصول
موضوع علم الاُصول
فائدة علم الاُصول



والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطاهرين .

تعريف علم الاُصول :
عرَّف المشهور علم الاُصول « بأنّه العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الحكم الشرعي » والمراد من هذا التعريف هو أن علم الاُصول عبارة عن مجموعة من القواعد والضوابط الكلية التي تساهم في استخراج الحكم الشرعي من مصادره كالكتاب والسنّة .
فليس للفقيه ان يدخل الى مصادر التشريع لاستنباط واستخراج الحكم الشرعي الا عبر هذه الضوابط والقواعد التي تُنقّح في علم الاُصول فمثلا لو أراد الفقيه ان يستنبط حكم فعل من أفعال المكلّفين مثل ردِّ التحية فهو يواجه امامه نصٌّ قرآني وهو قوله تعالى ] وإِذا حيّيتم بتحيّة فحيُّوا بأحسنَ منها [() ولا يمكن الحكم بالوجوب مثلا الا ان يُنقِّح مسألتين اُصوليّتين ، الاُولى : ظهور صيغة الأمر في الوجوب ، الثانية : حجيّة الظهور  ، وهاتان المسألتان تُبحثان في علم الاُصول لغرض اثباتهما او نفيهما فاذا تنقّح للفقيه ثبوتهما بالدليل القطعي يتشكّل عنده قياس منطقي مكوَّن من صغرى وكبرى .
أمّا الصغرى : فهي كل صيغةِ أمر فهي ظاهرة في الوجوب .
وأمّا الكبرى : فهي ان كل ظهور حجّة .
فينتج ظهور الأمر في الوجوب حجة ثم يشكل الفقيه قياساً آخر يجعل نتيجة القياس الأول كبرى للقياس الثاني ، ويجعل صغراه النص القرآني هكذا .
ان كلمة « فحيّوا » في الآية الشريفة صيغة أمر .
وظهور الأمر في الوجوب حجّة .
فينتج وجوب رد التحيّة .
فنلاحظ ان نتيجة القياس الاول وهو « ظهور صيغة الأمر في الوجوب حجّة » ـ الذي استفدنا صغراه وكبراه من علم الاُصول ـ قد وقع كبرى للقياس الثاني وجعلنا الصغرى النص القرآني فأنتج وجوب رد التحيّة .
وخلاصة الكلام ان الفقيه لا يتمكّن من استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها الاّ عن طريق علم الاُصول ، يُنقح فيه مجموعة من القواعد تكون بمثابة الوسائل الآلية لمعرفة الأحكام الشرعية من مصادرها .
الاشكال على التعريف :
ثم ان المصنّف أورد على التعريف بايراد حاصله : ان الغرض من التعريف هو بيان الضابطة التي تتميّز من خلالها المسألة الاُصولية من غيرها والتعريف قد جعل عنوان القواعد الممهّدة هو المميّز للمسألة الاُصولية من غيرها والحال ان صلاحية المسألة للتمهيد لاستنباط الحكم الشرعي فرع بحثها في علم الاُصول ، فاولا نبحثها ثم نعرف انها تُمهِّد لاستنباط الحكم الشرعي أو لا ، وهذا يقتضي ان نبحث كل المسائل لنرى أيّها تُمهّد وأيّها لا تُمهّد ، وهذا غير مراد حتماً أو ان هناك ضابطة تحدد ايّ المسائل تبحث في علم الاُصول وايّها لا تبحث ، وهذه الضابطة لابدّ من بيانها في التعريف وهي غير التمهيد اذ ان التمهيد يقع في طول معرفة المسألة الاُصولية التي تحدد ايّها يُمهّد وايّها لا يُمهّد للإستنباط  .
وبعبارة اُخرى : لابد أن يكون التعريف مشتملا على الضابطة التي تُحدِّد ما هي المسائل الداخلة في علم الاُصول والمسائل الخارجة وجعل الضابطة « هي الممهّدة » يقتضي ان تكون اصولية المسألة منوطةً بتمهيدها للإستنباط في حين انّ معرفة المسائل الممهّدة للاستنباط متوقّفةٌ على علم الاُصول فتحديد القواعد الممهّدة للاستنباط متأخرٌ عن بحثها في علم الاُصول فكيف تكون هي المحدِّدة لمسائل علم الاُصول .
ولذا عُرِّف علم الاُصول بتعريف آخر غير مشتمل على وصف القواعد بالممهّدة حيث عُرِّف « بأنّه العلم بالقواعد التي تقع في طريق الاستنباط » فكل مسألة تكون طريقاً ووسيلةً للوصول الى الحكم الشرعي فهي مسألة اُصولية . فمثلا ظهور صيغة النهي في الحرمة تساعد على الوصول الى بعض الأحكام الشرعية فهي اذن مسألة اُصولية وهذا بخلاف قاعدة « ان الحديد يتمدّد بالحرارة » فإنّ هذه الكبرى الكلية لا تساهم في استنباط حكم فهي اذن ليست مسألة اُصولية . وهذا التعريف لا يرد عليه ما اُورد على التعريف الأول اذ انه واف بالغرض حيث ان الغرض منه معرفة المسألة الاُصولية من غيرها وقد تحقق ذلك بهذا التعريف اذ أنّه قال ان المسألة الاُصولية هي التي تساهم في استنباط الحكم الشرعي فيخرج ما سوى ذلك عن علم الاُصول .
الاشكال على التعريف الثاني :
الا ان المصنّف (رحمه الله) أورد على التعريف بما حاصله : ان هذا التعريف فاقدٌ لبعض شرائط التعريف المذكورة في علم المنطق وهو المنع من دخول الأغيار فلابدّ من كون التعريف مانعاً من تداخل العلوم وهذا التعريف غير مشتمل على هذا الشرط حيث انه يسمح لدخول كثير من مسائل اللغة مثلا في علم الاُصول ، والحال انها خارجة عنه قطعاً فمثلا ظهور كلمة «  الصعيد » في مطلق وجه الأرض يساهم في استنباط حكم شرعي وهو صحة التيمّم بمطلق وجه الأرض في حين ان معرفة المعنى اللغوي لكلمة الصعيد او غيرها من موضوعات أو متعلقات الأحكام خارجة عن علم الاُصول قطعاً . فاذن التعريف يلزم منه دخول كثير من المسائل في علم الاُصول وهي ليست منه .
التعريف على مختار المصنّف رحمه الله تعالى
ثم ان المصنّف طرح تعريفاً آخر لعلم الاُصول وهو « العلم بالعناصر المشتركة في عملية الاستنباط » وهذا التعريف يشترك مع التعريف الثاني في كون ضابطة المسألة الاُصولية هي : ما يقع في طريق استنباط الحكم الشرعي ، ولكنْ اضاف عليه المصنّف رحمه الله تعالى قيداً زائداً مضيِّقاً بذلك دائرة ما يبحث في علم الاُصول ، فعلم الاُصول وان كان هو البحث عن المسائل التي تقع في طريق الاستنباط الاّ انّه ليس كل المسائل التي تساهم في الاستنباط ، بل هي المسائل التي يمكن الاستفادة منها في اكثر ابواب الفقه حين ارادة استنباط الاحكام الشرعية من مصادرها ، فمثلا حجية خبر الثقة يمكن الاستفادة منها ـ اذا ثبتت ـ في استنباط كثير من الأحكام الشرعيّة وهذا بخلاف تحرير معنى كلمة الصعيد ، فانه لا يستفاد منها الا في معرفة حكم او حكمين شرعيّين ، وهكذا مسألة ظهور صيغة الأمر في الوجوب ، والنهي في الحرمة فإنّه يمكن الاستفادة منهما في جميع ابواب الفقه من الطهارة الى الديّات ، ولذلك عبّر المصنّف عن مثل هذه المسائل : بالعناصر المشتركة ، حيث انها مسائل سيّالة يحتاج اليها الفقيه لاستنباط كثير من الأحكام الشرعيّة في كثير من الأبواب الفقهيّة .
وأمّا العناصر المختصّة مثل معنى كلمة « الصعيد » او معنى كلمة «  الكُر » وان كانت نافعة في استنباط حكم شرعي الا انها لا تساهم الا في استنباط حكم او حكمين ، اذن فكل مسألة تساهم في استنباط حكم شرعي فهي مسألةٌ اُصولية ولكن بشرط ان تكون مسألة سيّالة مطّردة صالحة لأنْ يُستفاد منها في استنباط كثير من الأحكام الشرعيّة .
قوله (رحمه الله) : « إبداء الضابط الموضوعي » ، أي لابدّ أنى يكون التعريف محدِّداً للموضوع الذي يكون جامعاً لمسائل العلم ، وموجباً لتمييز المسائل الداخلة في هذا العلم عن المسائل الخارجة عنه ، وإلاّ لم يتحقّق الغرض من التعريف ، والذي هو تشخيص العلم المعرَّف وتحديده بحيث تُعرف به مسائل العلم المعرف عن مسائل العلوم الاُخرى .
 

موضوع علم الاُصول :
تعارف اهل كل فنٍّ ان يصدّروا بحثهم عن ذلك الفن ببيان تعريفه وموضوعه وفائدته ، وهذا ما يعبّر عنه بالمبادئ التصوريّة للعلم والتي تُعطي تصوراً عن معنى العلم وما هي حدوده المانعة عن تداخله مع العلوم الاُخرى وما هو الغرض منه والفائدة المترتّبة عليه .
وقبل بيان موضوع علم الاُصول لابدّ من بيان مقدّمة ، وهي :
ان الموضوع عند أهل المنطق هو الشيء الذي يُحكم عليه بحكم ، فالموضوع عند المناطقة هو المسند اليه عند اهل البلاغة ، فعندما نقول « ان زيداً عالمٌ » فزيد الذي اُسند اليه العالمية هو الموضوع الذي حكم عليه بحكم وهو « عالم » . وبعد بيان ذلك نقول ان موضوع كل علم عبارة عن العنوان الجامع لموضوعات مسائل ذلك العلم .
والمراد من مسائل كل علم هي القضايا الحمليّة التي يتصدّى ذلك العلم لبيانها والاستدلال عليها . اذن العلم مجموعةٌ من المسائل والقضايا الحمليّة يكون القاسم المشترك بين هذه المسائل هو كون موضوعاتها ترجع الى عنوان جامع يُعبّر عنه بموضوع العلم ، مثلا : علم النحو يُبحث فيه عن مجموعة من المسائل مثل « الفاعل مرفوع » « المفعول منصوب » « والمبتدأ مرفوع » « والمضاف اليه مجرور » ، ولو لاحظنا جميع هذه المسائل المتكوّنة من موضوع وحكم لرأينا ان موضوعاتها ترجع الى عنوان جامع وهو «  الكلمة » ، فالكلمة المتعنونة بعنوان الفاعل حكمنا عليها بالرفع ، والكلمة المتعنونة بعنوان المعفول حكمنا عليها بالنصب وهكذا مئال موضوعات مسائل علم النحو الى موضوع واحد ، وهو عنوان الكلمة .
اذا إتضح معنى موضوع العلم تصل النوبة لبيان موضوع علم الاُصول فنقول وعلى الله التكلان .
ان الاُصوليّين اختلفوا فيما هو موضوع علم الاُصول ، فذكر القدماء ان موضوعه هو الادلّة الأربعة « الكتاب الكريم ، السنة الشريفة ، الاجماع والعقل » ويقصدون من ذلك ان مدار المسائل الاُصوليّة هو الأدلّة الأربعة ، فكل مسألة يكون موضوعها أحد الأدلّة الأربعة فهي مسألةٌ اُصولية ، مثلا حجيّة النص القرآني مسألة اُصولية لأن موضوعها الكتاب الذي هو أحد الأدلّة الأربعة إذ ان النص القرآني الذي هو عبارة ثانية عن الكتاب هو الموضوع والحجية والدليليّة هو المحمول والحكم ، وهكذا حجية قول وفعل وتقرير المعصوم مسألة اُصولية ، لأن موضوعها عبارة ثانية عن السنة الشريفة ومحمولها الحجيّة .
الاشكال على مبنى القدماء
وأورد المصنّف على هذا المبنى أنه يلزم منه خروج كثير من المسائل الاُصولية التي يُقطع باُصوليّتها . فاذنْ بهذا الموضوع لا ينطبق عليه ضابطة موضوع العلم إذ انه لا يجمع تحت عنوانه ـ وهو الأدلّة الأربعة ـ جميع موضوعات مسائل هذا العلم ، فمثلا موضوع الاستلزامات ـ التي هي عبارة عن ملازمة حكم لحكم آخر ـ « هو الحكم » والحكم ليس داخلا تحت عنوان الأدلّة الأربعة ، فمثلا الحكم بوجوب شيء يقتضي النهي عن ضدّه ، والحكم بحرمة شيء يقتضي الفساد ، والحكم بوجوب شيء يقتضي وجوب مقدّمته . كل هذه مسائل اُصولية موضوعها الحكم ، والحكم لا يدخل تحت عنوان الأدلّة الأربعة .
وكذلك البحث عن حجيّة الامارات الظنيّة فانها كثيراً ما لا تؤول موضوعاتها الى عنوان الأدلّة الأربعة ، فمثلا حجيّة الشهرة موضوعها الشهرة ومحمولها الحجية ، وكذلك حجية خبر الثقة فان موضوعها خبر الثقة ومحمولها الحجية ، ومن الواضح ان هذه الموضوعات لا تؤول الى عنوان الأدلّة الأربعة .
وكذلك البحث عن الاُصول العملية ـ التي تُحدِّد وظيفة المكلف في موارد فقد الدليل أو إجماله ـ فان موضوعها الشك ، فمثلا جريان البراءة حين الشك في حرمةِ شيء مع عدم وجود علم سابق بالحرمة ، فنلاحظ أنّ الموضوع لهذه المسألة هو الشك ومحمولها البراءة عن الحرمة .
وهكذا يتّضح انّ عنوان الأدلّه الأربعة لا يصلح ان يكون موضوعاً لعلم الاُصول ، اذ انّه ليس عنواناً جامعاً لموضوعات مسائل هذا العلم .
القول الآخر : لموضوع علم الاُصول :
هو إنكار ان يكون لموضوع علم الاُصول موضوع واحد جامع لجميع موضوعات مسائله ، وهذا القول تبنّاه مجموعة من الاعلام مثل السيد الخوئي رحمه الله تعالى ، وقالوا : انّ ما تعارف عليه المناطقة من ان لكل علم موضوع جامع لجميع موضوعات مسائله لا اساس له إذ أنه يمكن ان لا يكون لبعض العلوم موضوعٌ جامعٌ .
ومن هنا ينشأ اشكال وهو : انه بناءً على هذا القول تتداخل العلوم ولا يمكن ان تكون هناك ضابطة تُحدِّد انّ هذه المسألة من مسائل هذا العلم او ذاك العلم ، ومن هنا تصدّى أصحاب هذا القول للجواب عن هذا الاشكال وحاصله : انه يمكن ان يكون هناك ضابطة لتحديد مسائل كل علم تفيد فائدة الموضوع ولكنها ليست من قبيل الموضوع . وهذه الضابطة هي الغرض ، فتحديد الغرض من العلم يمنع من تداخل العلوم وتُحدِّد مسائل كل علم بحيث يكون الغرض موجباً لدخول بعض المسائل في هذا العلم مثلا وخروج مسائل اُخرى عنه .
فمثلا علم الطب ليس له موضوع جامع لجميع موضوعات مسائله ، ولكن يمكن ان يكون الغرض من هذا العلم محدِّداً لأيِّ المسائل التي تكون داخلة في هذا العلم وأيِّ المسائل تكون خارجة عنها . وهكذا علم الاُصول تكون الضابطة في تحديد مسائله التي يبحث عنها هذا العلم هو الغرض ، فلو قلنا ان الغرض من هذا العلم مثلا هو البحث عن كل كبرى كلية تساهم في استنباط الحكم الشرعي لاقتضى ذلك معرفة المسائل المبحوثة في هذا العلم والمسائل الخارجة عنه .
إذن فليس الموضوع للعلم هو الضابطة الوحيدة المانعة من تداخل العلوم والموجبة لتحديد مسائل كل علم .
القول الثالث : في بيان موضوع علم الاُصول :
وهو ما تبنّاه المصنّف رحمه الله تعالى تعديلا لمبنى القدماء ومحاولةً لسدِّ ثغراته وهذا القول عبارة عن أن موضوع علم الاُصول « هو الأدلة » بحذف قيد « الأربعة » ليكون الموضوع شاملا وجامعاً لجميع موضوعات مسائل هذا العلم .
وبعبارة اُخرى موضوع علم الاُصول بحسب مبنى المصنّف هو كل دليل عام تكون له الصلاحية للإستدلال به على الحكم الشرعي . ويخرج بقولنا « عام » كل ما يصلح ان يكون دليلا على الحكم الشرعي ولكن في موارد محدودة وهو ما عبَّر عنه المصنّف بالعنصر المختص .
إذن كل دليل وعنصر مشترك ـ لو ثبت كان صالحاً للإستدلال به على الحكم الشرعي ـ هو موضوع علم الاُصول فهذا هو الموضوع الجامع لموضوعات مسائل علم الاُصول ، والعناوين التي يُتوخى منها الكاشفية والدليليّة على الحكم الشرعي تحدد في علم آخر غير علم الاُصول ، وعلم الاُصول يبحث عن دليليتها وكاشفيتها للحكم الشرعي وعدم ذلك فالشهرة والقياس والظهور وخبر الواحد عناوين يُتوخى منها الدليليّة والمساهمة في الكشف عن الحكم الشرعي ، وهذه العناوين يتم تحريرها في علوم اُخرى ، والذي يبحثه علم الاُصول هو صلاحيتها للدليلية وعدم صلاحيتها فمثلا تحرير معنى الظهور ومعنى الشهرة ومعنى خبر الواحد ومعنى الشك يتم في علم الدراية والمنطق واللغة ، وبحث الاُصولي عن هذه العناوين هي محاولةٌ منه للبرهنة على صلاحيتها للمساهمة في الكشف عن الحكم الشرعي أو عدم ذلك وهذا معنى البحث عن دليليتها وعدمه الذي ادعينا انه جامع لموضوعات علم الاُصول .
ثم اننا لو حاولنا إرجاع هذه العناوين ـ الواقعة موضوعاً لمسائل علم الاُصول ـ الى الموضوع ـ الذي هو كل دليل عام صالح للوقوع في طريق الاستنباط ـ لوجدنا ان ذلك ممكناً بحيث لا يشذُّ موضوع مسألة من هذه المسائل عن هذا الجامع .
فمثلا حجيّةُ الظهور موضوعها الظهور ومحمولها الحجيّة والدليليّة ، ومن الواضح ان الظهور من العناوين الصالحة للدليلية فهو ينضوي تحت عنوان ـ كل دليل عام صالح للوقوع في طريق الاستنباط ـ وهكذا حجية خبر الثقة والشهرة وكذلك الحكم بوجوب شيء هل يستلزم حرمة ضدّه ، فالحكم بالوجوب عنوان صالح للوقوع في طريق اثبات حرمة الضد وصالح للوقوع في طريق إثبات وجوب المقدّمة وهكذا .
فمثل حرمة الضد ووجوب المقدمة محمولات لهذا الموضوع ـ وهو الحكم ـ وهو عنوان داخل تحت عنوان قولنا ـ كل دليل عام صالح للوقوع في طريق الاستنباط ـ وهكذا ينسحب الكلام الى الاُصول العملية فالبحث عن الشك مجرى للبراءة ـ مثلا ـ بحثٌ عن صلاحية الشك لإثبات حكم شرعي ـ وهو الترخيص ـ وعدم صلاحيته .
وخلاصة القول ان موضوع علم الاُصول هو الادلة العامة الواقعة في طريق استنباط الحكم الشرعي .
قوله (رحمه الله) : « والبحث الاُصولي يدور دائماً حول دليليّتها » ، أي صلاحيّتها للدلالة على الحكم الشرعي ، أو قلّ أهليتها لإثبات الحكم الشرعي ، فالبحث الاُصولي مثلا يبحث عن صلاحيّة الأدلّة الظنيّة المحرزة ، فمتى ما ثبتت لها الدليليّة ، فهذا معناه ثبوت الحجيّة والصلاحيّة للكشف عن الحكم الشرعي .
 

فائدة علم الاُصول :
وبما بنيناه سابقاً في مقام بحث تعريف وموضوع علم الاُصول يتّضح مدى الفوائد المترتبة على هذا العلم إذ انه تُحرَّر في هذا العلم وسائل المعرفة للأحكام الشرعية في كثير من الأبواب الفقهيّة فليس للفقيه طريق آخر يدخل من خلاله للفقه ومعرفة أحكام افعال المكلفين .
نعم الفقيه في مقام تحديد الأحكام الشرعية وان هذا حلال وهذا حرام أو واجب يحتاج الى عناصر اُخرى ليست من علم الاُصول تكون بمثابة المواد والصغريات للأقيسة التي يتوصل عن طريق تشكيلها لنتيجة الفقهيّة وهذه المواد والصغريات التي عُبِّر عنها بالعناصر الخاصة تتغير بتغير المطلوب الذي يريد الفقيه الوصول اليه فهي عناصر غير مطّردة في جميع أبواب الفقه ولا تكون الحاجة اليها الا في موارد خاصَّه وتكون موارد اُخرى محتاجة الى مواد وعناصر صغروية اُخرى .
وهذا بخلاف المسائل الاُصولية فإنها مطَّردة ونافعة للوصول الى كثير من نتائج فقهية .
وخلاصة القول انّ النتيجة الفقهية تتوقّف على نوعين من المقدّمات .
المقدّمة الاُولى : هي العناصر الخاصّة التي ليس لها اطّراد لغير مواردها والتي عبّرنا عنها بمواد وصغريات أقيسة النتائج الفقهيّة من قبيل وجود رواية على حرمة لحم الارنب وانّها رواية معتبرة وانّها ظاهرةٌ في الحرمة وانّها غير مبتلية بمعارض أو بمقيّد أو ما الى ذلك .
ومن الواضح ان هذه الرواية بتمام حيثياتها لا يُستفاد منها الا في موردها وهو وقوعها صغرى لقياس يراد استنتاج حرمة لحم الارنب منه .
المقدّمة الثانية : العناصر المشتركة وهي الأدلة العامة التي يمكن التوسّل بها للوصول الى كثير من النتائج الفقهية المتفرقة في أبواب الفقه مثل حجيّة خبر الثقة وحجيّة الشهرة وحجيّة ظواهر الكتاب ، فإنّ هذه المسائل تقع في طريق استنباط أحكام شرعية كثيرة ومختلفة ، فيمكن الاستفادة منها في باب الطهارة والصلاة والحج والخمس والرهن والقصاص وهكذا .
اذا اتضح هذا فنقول : ان المقدمة الاُولى يبحثها الفقيه في غير علم الاُصول واما المقدمة الثانية فيتم تنقيحها في علم الاُصول فيشكّل من مجموع المقدمتين قياساً صغراه المقدمة الاُولى وكبراه المقدمة الثانية بالبيان الذي بيّنّاه في تعريف علم الاُصول .
وبهذا يتّضح انّ علم الاُصول بمثابة علم المنطق لبقيّة العلوم حيث ان المنطق يُساهم في إعطاء الضوابط للوصول الى النتائج في شتى العلوم ، كذلك يصنع علم الاُصول بالنسبة للفقه ، فعلاقة علم الاُصول بعلم الفقه هي علاقة علم المنطق بسائر العلوم من حيث انّه المحرِّر لوسائل المعرفة والعاصم للفكر عن الخطأ في النتيجة العلمية ، وبهذا تتّضح فائدة علم الاُصول .


الحكم الشرعي وتقسيمه


الحكم من كل قضية هو ما ثبت لموضوع تلك القضية وحُمِلَ عليها ولا فرق بين الحكم الشرعي وبين غيره من الأحكام من هذه الجهة ، وانما قيدناهُ بالشرعي باعتبار ان الحكم وقع في مسألة وقضية يكون اثبات حكمها لموضوعها بيد الشارع .
فكما نقول ان الرفع الثابت للفاعل حكم نحوي ، وان عدم امتناع الصدق على كثيرين في الكلِّي حكم منطقي ، وان المعلول لا يختلف عن علته حكم فلسفي ، باعتبار ان اثبات هذه الأحكام لموضوعاتها يتم في علم اللغة والمنطق والفلسفة ، فكذلك المقام فان وجوب الصلاة وحرمة الخمر وفساد القرض الربوي أحكام شرعية باعتبار ان اثبات هذه الأحكام لموضوعاتها انما هو من الشارع المقدّس .
اذا اتّضح هذا ، فنقول : ان الأحكام الشرعية هي عبارة عن مجموعة من الاعتبارات المُبرَزة والمجعولة من قبل الله تعالى الناشئة عن اغراض وملاكات يراها المولى جلّ وعلا ، والتي منها تنظيم حياة الانسان والارتقاء به الى مستوى الكمال الروحي والاجتماعي ، قال الله تعالى : ] إنَّ الصلاةَ تنهى عنِ الفحشاءِ والمنكَر [() ، وقال تعالى : ] ولكم في القصاص حياة يا اُولي الألباب [() ، هذا ما يتصل بالتنظيم الاجتماعي لحياة الانساني ، واما ما يتّصل بروحه وتكامله النفسي ، فمثل قوله تعالى : ] كُتب عليكم الصّيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلّكم تتّقون [() اذن هذه الأحكام المجعولة من قبل الشارع المقدس تُوجّه الانسان وتحركه نحو ما فيه كماله ]  انّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم [() .

ثم إن الأحكام الشرعية تنقسم الى قسمين :
الأوّل : الأحكام التكليفية :
وهي عبارة عن الاعتبارات المجعولة من قبل الشارع ويكون لها إتصال بافعال المكلّفين مباشرةً وابتداءً ، كاعتبار الحرمة والوجوب على عهدة المكلف ، فالوجوب يحرك المكلف ابتداءً نحو الفعل ، كما ان الحرمة تحرك المكلف نحو ترك الفعل المجعول له الحرمة مباشرةً وبدون واسطة ، باعتبار الوجوب على عهدة المكلف موجبٌ للانبعاث نحو ذلك الفعل بدون انتظار شيء آخر ، فلكلُّ ما كان له توجيه مباشر بالمكلف فهو حكم تكليفي سواءً كان ذلك التكليف إلزامياً كالوجوب أو الحرمة ، أو لم يكن إلزامياً كالاستحباب والكراهة والاباحة ، اذ انّها جميعاً تشترك في انّها تتصل بفعل المكلف دون ان تكون منوطة بشيء آخر ، نعم اطلاق عنوان التكليفية عليها من باب تسمية الشيء باسم بعضه إذْ انّ « التكليفية » جعل الكلفة وجعل الذمة مشغولة به ، وهذا إنما يناسب الاحكام الالزامية .
الثاني : الأحكام الوضعية :
وهي الاعتبارات المجعولة من قبل الشارع التي لا تكون تكليفية ، فكل حكم ليس بتكليفي فهو حكم وضعي كالحكم بالفساد والصحة والملكيّة والزوجيّة وهكذا ، وهذه كلها تشترك في أنها ليس لها اتصال مباشر بتحريك المكلف ، وانما هي اعتبارات شرعية تكون عادة موضوعاً لاحكام تكليفية ، وهي عادةً ما تكون منوطة بامر خارجي اذا اتفق حصوله ترتب الحكم الوضعي ، فمثلا اذا اتفق الغرر في البيع حكم الشارع بفساد ذلك البيع ، واذا اتفق ان توضأ المكلف حكم الشارع بطهارته الحدثية ، واذا ما تحقق الايجاب من المرأة والقبول من الرجل حكم الشارع بالزوجية ، واذا اشترط الشارع الاستقبال في الصلاة فهذا يعني الشرطية .
والأحكام الوضعية كما ذكرنا تكون موضوعاً لاحكام تكليفية من وجوب وحرمة وإباحة ، فمثلا الحكم بالزوجية يكون موضوعاً لوجوب النفقة على الزوج ووجوب التمكين على الزوجة ، واباحة نظر الزوج والزوجة الى عورة الآخر ، وحرمة زواج الأجنبي من تلك المرأة ، وكذلك الملكية فانها موضوع لمجموعة من الأحكام التكليفية كحرمة التصرّف في أموال المالك بغير إذنه ووجوب تخميس المال المملوك اذا فضل عن المؤونة  ، واباحة مطلق التصرفات في المملوك للمالك .
ومرادنا من انّ الأحكام الوضعية تقع موضوعاً للأحكام التكليفيه ان الحكم الوضعي يكون في رتبة الموضوع في القضايا الحملية ويكون الحكم التلكيفي في رتبة المحمول والحكم ، فمثلا الزوجية تقتضي وجوب النفقة ، فالزوجية ـ التي هي حكم وضعي ـ وقعت موضوعاً لحكم تكليفي وهو وجوب النفقة .

مبادئ الحكم التكليفي :
وقبل بيان المراد من مبادئ الحكم التكليفي لابدّ من تقديم مقدمتين :
الاُولى : وهي ان كل فعل اختياري يصدر من فاعل مختار لابدّ أن يمرُّ عبْر مراحل ذهنية قبل صدور الفعل خارجاً وهذه المراحل هي :
أولا : تصوّر الفعل ثم تصوّر فائدته ثم التصديق والإذعان بتلك الفائدة ثم ينشأ عن ذلك شوق ورغبةٌ للفعل ثم يترتب على تلك الرغبة والشوق العزم على ايجاده وهذا العزم يتفاوت بتفاوت مستوى الرغبة والشوق ، وبعد طيّ كل هذه المراحل تصل النوبة لإعمال القدرة على ايجاد ذلك الفعل في الخارج فيسعى نحو تحقيقه في الخارج بالوسائل التي يراها مناسبة ، فتارةً يُعمل قواه العضلية في سبيل تحقيق ذلك الفعل وهذا ما يُعبَّر عنه بالارادة التكوينية كتحرك العطشان بنفسه لتحصيل الماء ، وتارةً اُخرى يُصدِر أمراً ـ بتحصيل الماء ـ لعبده أو ولده مثلا ويُعبَّر عن ذلك بالإرادة التشريعية .
الثانية : انّ الاحكام التشريعية الصادرة عن الله جلّ وعلا ليست جزافيّة بل هي احكام نشأت عن مصالح أو مفاسد في متعلقاتها ، وهذا هو ما اشتهر عن الامامية ـ ان أحكام الله تابعة للمصالح والمفاسد ـ فوجوب الصلاة مثلا ناشئٌ عن مصلحة في متعلق ذلك الوجوب وهكذا حرمة الخمر فانها ناشئة عن مفسدة في متعلق الحرمة وهو الخمر .
اذا اتضحت هاتان المقدّمتان فنقول : إنّ الحكم الشرعي وكذلك الأحكام الصادرة عن الموالي العرفيين يمرُّ بمرحلتين .
المرحلة الاُولى : عبّر عنها المصنّف بمرحلة الثبوت للحكم ، ويقصد بها العمليّة الذهنية التي يتدرّج فيها الفكر للوصول الى الحكم وهي التي بنّياها في المقدمة الاُولى .
ولا بأس بتطبيقها على المورد ، وهو الحكم في مرحلة الثبوت .
فالمولى العرفي مثلا يتصوّر أولا الحكم الذي هو فعل من الأفعال ثم يتصور فائدته ثم يحصل له الاذعان والتصديق بتلك الفائدة والمصلحة المعبَّر عنها بالملاك ، فهذه مراحل ثلاث تُولِّد الشوق والارادة لتحصيل هذا الحكم ومرتبة هذا الشوق والارادة تتفاوت قولاً وضعفاً بحسب ما ادركه المولى من مستوى تلك المصلحة ، فكلما كانت المصلحة أكيدة وشديدة كانت الإرادة قوية ومتناسبةً مع مستوى المصلحة المُدرَكة ، ثم تصل النوبة الى مرحلة الاعتبار التي هي حالة نفسانية تَفترِض وتعتبر ذلك الحكم على عهدة المكلّف ، وهذا الإعتبار ليس اكثر من التماس كيفية يرتبها المولى استعداداً لإبراز مطلوبه وهي ليست أمراً اساسياً في مرحلة الثبوت للحكم ولذلك لو افتُرض عدمه لما كان ذلك مؤثراً على سير الحكم وخروجه من مرحلة الثبوت الى مرحلة الاثبات ، بخلاف المصلحه مثلا فإنه لو افتُرض عدمها لأثّر ذلك على سير الحكم وخروجه من مرحلة الثبوت الى مرحلة الاثبات .
وخلاصة القول ان الحكم في مرحلة الثبوت يمرُّ بثلاث مراحل :
الاُولى : هي المصلحة المدركة « الملاك » ، وقد طُويت في هذه المرحلة المراحلُ التي سبقتها كما اتّضح مما تقدّم .
الثانية : الإرادة ، والتي قلنا انها تتفاوت بتفاوت مستوى المصلحة والملاك .
الثالثة : وهي الإعتبار ، وقد قلنا أنها حالة نفسانية تفترض وتعتبر الحكم ـ المشتمل على المصلحة والإرادة ـ على عُهدةِ المكلّف وهي ليست اكثر من التماس كيفية تُهي لغرض ابراز المطلوب بها ، فهي أشبه بالكلام النفسي الذي يرتّبه المتكلّم في نفسه استعداداً لإلقائه .
هذا تمام الكلام في المرحلة الاولى للحكم وهي مرحلة الثبوت .
المرحلة الثانية : وهي مرحلة الإثبات للحكم ، وهي تبدأ من حيث تنتهي المرحلة الاُولى .
وهذه المرحلة عبارة عن إبراز واظهار الحكم الناشئ عن الملاك والارادة ، فالمولى يُبيّن في هذه المرحلة النتيجة التي رست عليها نفسه في مرحلة الثبوت ويستخدم لهذا الغرض أحد الوسائل التي يتم بها الإبراز والإظهار مثل الجملة الإنشائية الطلبية كالأمر أو النهي أو الجملة الخبرية المسوقة لغرض الإنشاء والطلب .
ثم إنه قد يُبرِز الحكم عن طريق بيان تعلّق إرادته بفعل مباشرةً كأنْ يقول : « اُريد كذا » ، وقد يُبرِزه عن طريق الإعتبار ، والمراد من الإعتبار هنا هو افتراض الفعل على عُهدة المكلّف وأنّه مجعولٌ عليه ومسئولٌ عنه كقوله تعالى : ] وللهِ على الناسِ حجّ البيت [() ، فالمولى يقول : انَّ من حقه على الناس حجّ البيت ، ومن الواضح انَّ هذا الإعتبار يكشف عن تعلّق إرادة المولى بذلك المعتبرَ إذ أنّه لا يمكن أن يَعتبِر شيئاً على عُهدة المكلّف جزافاً وعبثاً ودون إرادة ، وبعد أن يُبرز المولى إرادته مباشرةً أو عَبْر الإعتبار يكون من حقه على العبد إطاعته والجريان على وفق إرادته قضاءً لحق المولوية ، وهذا من مدركات العقل العملي حيث انّه يُدرِك استقلالا لزوم طاعة المولى وولي النعمة .
إذا اتضح كلُّ ما ذكرناه يتّضح المراد من عنوان البحث وهو « مبادئ الحكم » وأنّه عبارة عن الملاك والإرادة ، وأمّا الإعتبار فهو نفس الحكم المأخوذ في العنوان وذلك إذا افترضنا أن الإعتبار ليس شيئاً آخر غير الحكم الناشئ عن الملاك والإرادة فالملاك والإرادة هما مبدء الحكم ومنشأ جعله والذي يكون واسطةً وسبباً لإيجاب العقل إمتثال مرادات المولى ، وهذا يعني ان الحكم روحاً هو عين الملاك والإرادة حيث أنّهما الموضوع والواسطة لثبوت إيجاب العقل للإمتثال ، فحكم العقل لوجوب الإمتثال موضوعه الإرادة المولويّة . وليس للإعتبار الإنشائي أيُّ دخالة في إثبات الحكم العقلي ـ بوجوب الإمتثال ـ لموضوعه وهي المرادات المولوية ولذلك لو لم يكن هناك إعتبار إنشائي وعرفنا من طريق آخر تعلّق إرادة المولى بإيجاد فعل ، لَحَكَم العقل بوجوب الطاعة والإمتثال .


مبادئ الأحكام التكليفيّة الخمسة :
وهذا البحث ليس بحثاً عن الأحكام الخمسة وإنما هو بحثٌ عن مناشئ هذه الأحكام ، ومن الطبيعي أن يكون هناك تناسب بين حقيقة هذه الأحكام وبين مبادئها ومناشئ جعلها .
والأحكام التكليفية الخمسة : هي الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة والإباحة .
أمّا الوجوب : فناشئ عن مصلحة أوجبت تولّد إرادة بحجم تلك المصلحة التي بلغت مبلغاً لا يُسمح معها بالترخيص في ترك متعلقها .
وأمّا الحرمة : فناشئة عن مفسدة شديدة أوجبت تولّد كراهة ومبغوضية بحجم تلك المفسدة التي بلغت مبلغاً لا يسمح معها بالترخيص في فعل متعلق تلك المفسدة .
وأمّا الإستحباب : فناشئ أيضاً عن مصلحة في متعلقها إلاَّ أنَّ هذه المصلحة ضعيفة ولذلك يتولّد عنها إرادة بحجمها تُوجب مطلوبية الفعل بمستوىً لو لم يتصدَّى المكلَّف لإيجاده لما كان في ذلك بأسٌ .
وأمّا الكراهة : فكذلك تكون ناشئةٌ عن مفسدة في متعلقها توجبُ تولّد مبغوضية بقدرها أي بمستوىً لا يمانع المولى من ارتكابها .
وأمّا الإباحة : فهي على قسمين :
الاُولى : الإباحة بالمعنى الأخص .
والثانية : الإباحة بالمعنى الأعم .
فالإباحة بالمعنى الأخص هي القسم الخامس من الأحكام التكليفية الخمسة وهي التي يتساوى فيها الفعل والترك بنظر المولى ، فليس له أيُّ ترجيح لأحدهما على الآخر ، وهذا ما يجعلها قسيماً للأحكام التي سبقتها ، وذلك لأنّها وان كانت تشترك معها في أنها حكم تكليفي الا انها لا تنطبق على أحد من تلك الأقسام ، فعلاقتها معهم علاقة التباين .
ولعلّ هذا هو منشأ التعبير عنها بالإباحة بالمعنى الأخص إذ انها مختصةٌ بمعنىً لا يتداخل مع أحد من الأقسام التي سبقته .
وتنقسم الإباحة بالمعنى الأخص الى قسمين :
الأول : الإباحة الاقتضائية ، وهي المشتملة على الملاك والمصلحة في متعلقها وهذا الملاك هو السعة والتسهيل على المكلفين وسُمّيت بالاقتضائية لأن الحكم بالإباحة نشأ عن مقتض وسبب وهو التسهيل على المكلَّفين .
الثاني : الإباحة غير الاقتضائية ، وهي الخالية عن أيٍّ ملاك يقتضي ترجيح الفعل أو الترك أو يقتضي جعل الاباحة ، وما ذكرناه هو التعبير الأنسب إذ لا يخلو تعبير المصنّف من تسامح واضح حيث ان الحديث عن الإباحة بالمعنى الأخص التي تكون دائماً خالية عن اي ملاك يقتضي الالزام فعلا أو تركاً .
القسم الثاني : الاباحة بالمعنى الأعم .
وهي التي تعني عدم الالزام بالفعل أو الترك ، ولذلك فهي تنطبق مع الاستحباب والكراهة والاباحة بالمعنى الأخص ، اذ انها جميعاً تنضوي تنطوي تحت عنوان جامع هو عدم الالزام .
وهذا النوع من الاباحة ليس قسيماً للأحكام التكليفية الأربعة ، نعم هو قسيم للأحكام الإلزامية التي هي الوجوب والحرمة ، وسُمّيت الاباحة بالمعنى الأعم لأنها تعمُّ الكراهة والاستحباب بالاضافة الى الاباحة بالمعنى الأخص .
 

التضاد بين الأحكام التكليفية :
التضاد : هو التنافي والتعاند والتباين الناشئ عن التغاير التام بين الشيئين أو الاشياء ، فاذا كان هناك أمران وجوديان بينهما تمام التغاير فان هذا يقتضي عدم اجتماعهما على موضوع واحد ، وانْ أمكن ارتفاعهما عنه .
وبعبارة اُخرى : انّ كلَّ عنوان بينه وبين عنوان آخر تمام المباينة والمغايرة بحيث لا يلتقي معه في اي فرد من افراده فهو التضاد القاضي باستحالة الاجتماع ، فالنسبة بين المتضادين هي نسبة التباين .
والتباين كما هو واضح ينحلُّ الى سالبتين كليتين يكون أحد الضدّين موضوعاً والآخر محمولا له وكذا العكس ، مثلا الأسود والأبيض بينهما تمام التنافي والتعاند ، فهما اذن ضدان ويتولّد عن النسبة بينهما سالبتان كليتان الاُولى « لا شيء من الأبيض بأسود » والثانية « لا شيء من الأسود بابيض » .
فموضوع إحدى القضيّتين محمول الاُخرى .
إذن كل عنوانين يتولّد عن النسبة بينهماسالبتان كليتان فهما متضادان.
إذا اتضح هذا فنقول : نحن اذا لاحظنا العلاقة والنسبة بين الأحكام لوجدنا انها متضادة ومتباينة بدليل أننا لو حلّلنا العلاقة بينهما لكانت كالعلاقة والنسبة بين السواد والبياض ، فمثلا الوجوب والحرمة لو حللنا النسبة بينهما لوجدناها تنحلُّ الى سالبتين كليتين الأولى « لا شيء من الوجوب بحرمة » والثانية « لا شيء من الحرمة بوجوب » ، فبينهما تمام التباين والتعاند ، وهكذا ينسحب الكلام الى سائر الأحكام ، فالعلاقة بين الاستحباب وبين الوجوب والحرمة والإباحة والكراهة هي التباين ، وكذا العلاقة بين الكراهة وبين سائر الأحكام .
ولكن لابدَّ من الالتفات الى شيء ، وهو : ان التنافي الواقع بين الأحكام منشؤه التنافي الواقع بين ملاكات هذه الأحكام ، إذ أنه لو كانت هذه الأحكام جزافية واعتبارية محضة لما كان بينها اي تناف وتضاد .
وتوضيح ذلك : لو كان الوجوب او الحرمة أو سائر الأحكام مجرد اعتبارات محضة ليس وراءها منشأ وسبب لما كانت متضادة ، وذلك لأن الاعتبار كما قيل سهل المؤونة اذ انه ينشأ عن كيفية نفسانية تفترض ثبوت شيء لشيء دون ان يكون لذلك الافتراض واقع ومُبرِّر كافتراض الليل نهاراً والحجر ماءً فإنه لا مانع من أنْ اُهي نفسي تهيئةً خاصة أجعلها تُذعِن انّ الليل نهاراً والحجر ماءً .
ويمكن تنظير ذلك بالأطفال عندما يلعبون مدرسة فإنهم يعتبرون أحدهم مدرِّساً والآخر تلميذاً ، ثم يعكسون ذلك الاعتبار فيعتبرون الأول تلميذاً والآخر مدرِّساً ، كلُّ ذلك لأنّ الاعتبار لمّا كان افتراضاً جزافياً فلا محذور في عروض اعتبارين متنافيين على موضوع واحد فيمكن اعتبار هذا الماء حاراً وفي نفس الوقت نعتبرهُ بارداً .
وقديماً قال الشاعر العربي :
فإذا نشوتُ فإنني ربُّ الخورنق والسديرِ***واذا صحوتُ فإنني ربُّ الشويهةِ والبعيرِ
فإنّه اذا اخذت الخمرة منه مأخذها فإنه يعتبر نفسه ملك العرب والعجم واذا ما آب اليه رشده فهو ليس اكثر من مالك لشاة وبعير .
اذا اتضح هذا فالكلام ينسحب الى الأحكام التكليفية ، فانها لو كانت اعتبارية محضة لما كان هناك اي محذور في جعل الوجوب والحرمة على فعل واحد وفي وقت واحد ، ومنه نعرف ان دعوى التضاد بين الأحكام مرجعها الى التضاد بين مبادئ تلك الأحكام من المصالح والمفاسد والمبغوضية والمحبوبية ، فاستحالة اجتماع الوجوب والحرمة منشؤه استحالة ان يكون هذا الفعل مشتملا على مصحلة تامة ومفسدة تامة وارادة تامة ومبغوضية تامة ، وكذلك الاستحباب والوجوب فإنه يستحيل اجتماعهما لاستحالة اجتماع مبدأيهما اذ لا يمكن ان يكون الفعل مُراداً بالارادة التامة الآبية عن الترخيص ومراداً بارادة ناقصة لا تأبى الترخيص ، ولا يمكن ان يكون الفعل ذا مصلحة شديدة ويكون ذا مصلحة ضعيفة ، وهكذا سائر الأحكام في علاقاتها مع بعضها البعض .



استحالة إجتماع حكمين متسانخين على فعل واحد :
كان الكلام فيما سبق حول التضاد بين الأحكام وانه يستحيل اجتماع حكمين متغايرين على فعل واحد ، والكلام هنا عن امكان اجتماع حكمين متماثلين وعدم امكانه .
فنقول : ان الأحكام لو كانت مجرّد اعتبارات محضة لما كان هناك أيُّ بأس من اجتماع حكمين متماثلين على فعل واحد وذلك لما بيّنّاه سابقاً ، ولكن لما كانت الاحكام اعتبارات شرعية ناشئةً عن مبادئ وملاكات في متعلقات تلك المعتبرات الشرعية ، فالنتيجة تختلف عن الفرض السابق ، فيكون اجتماع حكمين متسانخين من قبيل اجتماع المثلين الذي قام الدليل العقلي على استحالته وذلك لانّ اجتماع المثلين يؤول الى اجتماع علّتين مستقلّتين على معلول واحد ، وهو مستحيل لاستحالة صدور الواحد عن كثيرين اذ الواحد لا يصدر الا عن واحد ، فاذا قلنا ان فعلا واحداً واجب بوجوبين فهذا يعني ان وجوب هذا الفعل نشأ عن مصلحتين مستقلتين وإرادتين مستقلّتين وهذا مستحيلٌ .
نعم لو كانت المصلحتان متداخلتين بحيث تُشكِّلان بمجموعهما مصلحةً واحدة وعلّة تامة ، وكذلك لو كانت الإرادتان تشكّلان بمجموعهما إرادة واحدة شديدة لأمكن ذلك ، ولكنّ هذا خروج عن الفرض ، اذ انّ هذا يعني عدم وجود وجوبين لهذا الفعل بل هو وجوب واحد ناشئٌ عن مصلحة مركّبة وإرادة واحدة مؤكدة ، وهذا ما نروم إثباته إذ انّه يمكن توارد مجموعة من المصالح تُشكّل بمجموعها مصلحة واحدة تامة ، وكذلك مجموعة من الرغبات والإرادات تنتهي الى ارادة واحدة مؤكَّدة تكون هي ملاك الوجوب وتكون مُنتِجة لوجوب واحد .
فالنتيجة هي عدم امكان اجتماع حكمين متسانخين على فعل واحد لاستحالة اجتماع المثلين .


شمول الحكم الشرعي لجميع وقائع الحياة :
ذهب الإماميّة الى انّ لكلِّ واقعة من وقائع الحياة حكماً إلاهيّاً يُصيبه المجتهد أو يُخطئه ، وانّه لا تخلو واقعة من حكم حتى « أرش الخدش »() كما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) لذلك يُسمَّى الامامية « بالمـُخطِّئة » لانّهم يقولون انه هناك أحكام واقعية لكل فعل من افعال المكلفين ، نعم المجتهد في مقام بحثه عن الحكم الواقعي قد يُخطئه ولا يُصيبه ، فيكون ما وصل اليه من حكم منافياً لما هو الواقع ، هذا ما عليه الإمامية ، وفي مقابل هذا القول ما ذهب اليه العامة من أنّه ليس لله تعالى في كل واقعة حكم ، بل انَّ أحكام الله تابعةٌ لآراء المجتهدين فيكون كلُّ مجتهد مصيباً ، إذ انّه لا واقع لهذه الأحكام حتى يكون ما وصل إليه المجتهد مصيباً مع المطابقة ومخطئاً مع عدم المطابقة لذلك يُعبَّر عنهم في عُرف الاُصوليّين بالمُصوَّبة .
والذي يدلُّ ـ على ما ذهب إليه الإمامية من أنّه لا تخلو واقعةٌ من حكم ـ نصوصٌ كثيرة .
منها : قوله تعالى : ] ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدًى ورحمةً وبشرى للمسلمين [() .
وفي تفسير العيّاشي عن عبدالله بن الوليد قال : قال أبو عبدالله (عليه السلام) : «  قال الله لموسى : ] وكتبنا له في الألواحِ من كلِّ شيء [ فعلمنا أنّه لم يُكتب لموسى الشيء كله ، وقال الله لعيسى : ] ليبيّن لهم الذي يختلفون فيه  [ ، وقال الله لمحمّد (عليه وآله اسلام) : ] وجئنا بك شهيداً على هؤلاء ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء [ »() .


الحكم الواقعي والحكم الظاهري :
بعد ان اتضح المراد من الحكم الشرعي تعرّض المصنّف رحمه الله الى تقسيم الحكم الشرعي وانّه ينقسم الى قسمين :
الأول : الحكم الواقعي :
والمراد من الحكم الواقعي هو : الحكم المجعول على موضوعه ابتداءً دون ان يُفترض الشك في حكم آخر لذلك الموضوع ، فالمولى حينما يلحظ فعلا من افعال المكلّفين مشتملا على مصلحة تامة ، فإنه يجعل له الوجوب بإعتبار انّ ذلك الفعل مشتمل على تلك المصلحة التامة وليس هناك واسطة لثبوت الحكم لموضوعه غير أهليّة ذلك الموضوع لأنْ يُجعل عليه الوجوب  ، فمثلا « الصلاة واجبة » الوجوب في هذه القضية حكم واقعي ، إذْ انه يثبت لموضوعه وهي الصلاة ابتداءً ودون ان يكون لثبوته واسطة هي الشك في حكم الصلاة بل ان ثبوت الوجوب للصلاة باعتبار ما للصلاة من مصلحة تامة بنظر المولى .
وبعبارة اُخرى : انّ المولى قد يجعل الأحكام لموضوعاتها ابتداءً وقد يجعلها في ظرف الشك وعدم العلم بالأحكام الحقيقية المجعولة ابتداءً ، فيجعل البراءة من حرمة لحم الأرنب في ظرف الشك والجهل بالحكم الواقعي لأكل لحم الأرنب ، فالاول هو ما يُصطلح عليه بالحكم الواقعي .
الثاني : الحكم الظاهري :
المراد من الحكم الظاهري هو : الحكم المجعول على موضوعه مع افتراض الشك في الحكم الواقعي لذلك الموضوع ، ففي موارد الجهل بحكم موضوع من الموضوعات قد يجعل المولى حكماً آخر ويقول « اذا كنت جاهلا وشاكاً في الحكم الواقعي لهذا الموضوع فحكم الموضوع في هذه الحالة كذا » ، فمثلا اذا كنت شاكاً في حكم شرب العصير العنبي فهو لك حلال ، فثبوت الحلِّية للعصير العنبي انما تثبت في ظرف الشك في الحكم الواقعي لشرب العصير العنبي ، ولم تثبت الحلِّية له ابتداءً .
وبهذا يتّضح ان الاُصول العملية مثل أصالة الحِلِّ والطهارة ، وكذلك الأمارات الظنّية مثل خبر الثقة والظهور هي أحكام ظاهرية اذ ان حجيتها جُعلت في ظرف الشك بالأحكام الواقعية فأصالة الحل مثلا حكمت بثبوت الحلية لجميع الأشياء في ظرف الشك في الحكم الواقعي لهذه الأشياء ، امّا ما عُلِمَ حكمه الواقعي فليس مشمولا لاصالة الحِلِّ ، وكذلك أصالة الطهارة «  كل شيء لك طاهر حتى تعلم انّه قذر »() فإنّها حكمت بطهارة الأشياء ولكن في ظرف عدم العلم بحكمها الواقعي ، فلو عملنا مثلا انّ الخنزير نجس وان الماء طاهر واقعاً ، فلا يكون هاذان الموضوعان مشمولين لاصالة الطهارة ، إذ أنها إنما تجري في ظرف الشك وعدم العلم بالطهارة أو النجاسة الواقعتين ، وبهذا يتّضح انّ الأحكام الظاهرية في طول الأحكام الواقعية ومتأخرة عنها ، ففي كل مورد يكون الحكم الواقعي معلوماً لا تصل النوبة للحكم الظاهري وذلك لأن الحكم الظاهري اُخذ في موضوعه ـ أو ما يشابه ذلك ـ عدم العلم بالحكم الواقعي فمع العلم بالحكم الواقعي لا موضوع للحكم الظاهري ومن الواضح ان الأحكام تابعة لموضوعاتها ثبوتاً وانتفاءً .
وبعبارة اُخرى : انّ الموضوع بالنسبة الى الحكم في رتبة العلة بالنسبة الى معلولها ، فكما ان المعلول تابع لعلَّته ثبوتاً وانتفاءً ، فكذلك الحكم تابع لموضعه ثبوتاً وانتفاءً ، فاذا قلنا : اكرم الرجل العالم ، فان العالم اُخذ في موضوع الحكم بوجوب الإكرام ، فاذا ثبتت العالمية للرجل وجب اكرامه واذا انتفت انتفى وجوب الاكرام لانتفاء موضوعه وهو العالمية ، والمقام من هذا القبيل ، فالحلية الثابتة للاشياء انما هي ثابتة لها في ظرف الشك ، فكأنما المولى قال « الشيء المشكوك حكمه الواقعي فهو حلال » فاذا انتفى الشك وعلمنا بحكم ذلك الشيء ينتفي الحكم الظاهري تبعاً لانتفاء موضوعه وهو الشك ، وكذا الكلام في خبر الثقة فإنّ قوله تعالى ] فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تَعلمون [() اثباتٌ لحجية الخبر في ظرف الشك وعدم العلم بالحكم الواقعي ، فكأنما الشك وعدم العلم بالحكم الواقعي موضوع أو قل جزء موضوع لحجية مفاد الخبر ، وبالتالي لو كنّا نعلم بحكم واقعي في مورد وجاء خبر الثقة على خلافه أو وِفْقه لما كان لهذا الخبر ايُّ حجية اذْ انّ الحجّية مجعولة له في ظرف الشك ولا شك في المقام بحسب الفرض .
وبما ذكرنا يتضح معنى قول المصنّف « ولولا وجود الأحكام الواقعية لما كان هناك أحكام ظاهرية » وذلك لانَّ الأحكام الواقعية بمثابة الموضوع أو جزء الموضوع للأحكام الظاهرية ، ومن الواضح ان الأحكام تابعة لموضوعاتها فحينما ينعدم الموضوع أو لا يوجد لا يكون هناك حكم ، فنحن حين افترضنا انّ الشك في الحكم الواقعي هو جزء الموضوع للحكم الظاهري ، فهذا يعني انه لو لم يكن هناك حكم واقعي اصلا لما كان هناك حكم ظاهري اذ انه واقع في رتبة المحمول والحكم وهذا يقتضي وجود الموضوع أولا « وهو الحكم الواقعي » .
 

الأمارات والاُصول :
بعد اتّضاح معنى الحكم الظاهري وانّه الحكم المجعول في موارد الشك في الحكم الواقعي تصل النوبة الى ما ينقسم اليه الحكم الظاهري ، فإنّه ينقسم الى قسمين :
القسم الأوّل :
الحكم الظاهري في مورد الامارات ، وهذا يقتضي بيان معنى الامارات ، وذلك لأنّ الامارة غير الحكم الظاهري ، اذ الحكم الظاهري هو الحجية التي تجعل للامارة أوْ لا تجعل لها .
فنقول : إنّ الامارات هي عبارة عن الأدلّه الظنيّة التي لها نحو كشف عن الواقع الا انّ هذا الكشف ليس تاماً ، فمثلا خبر الثقة أمارة وذلك لأنّه دليل ظنّي يكشف عن الواقع كشفاً ناقصاً ، وقلنا بانّه ناقص لأنه لا يُعطي الإرائة التامة للواقع ولا يُورث القطع بالتطابق بين مفاده والواقع بل يبقى احتمال عدم المطابقة قائماً معه .
وكذا الكلام في الظهورات العرفيّة فإنّها كواشف ظنية عن مُرادات المتكلمين اذ انه يبقى احتمال عدم إرادة هذا المعنى الظاهر للمتكلّم قائماً معه ، وهكذا سائر الامارات .
اذا اتضح هذا فنقول : انّ الحكم الظاهري في مورد الامارة هو الحجية المجعولة من الشارع على الامارة لامارتيها .
وبعبارة اخرى هو الحكم الذي يكون موضوعه الدليل الظني الذي له نحو كاشفية ـ عن واقع ـ ناقصة ، ولكن بشرط أن يكون المنشأ والملاك من جعله هو كاشفيةُ ودليليّةُ موضوعه ، فجعل الحكم الظاهري ـ الحجية ـ لخبر الثقة مثلا إنّما هو لكونه دليلا وكاشفاً ظنياً ، فالواسطة والعلّه الوحيدة في إثبات الحكم الظاهري والحجية للامارة هو كونها غالباً ما تكون كاشفة عن الواقع ، نعم لا يُشترط لهذا الدليل الظني المجعول له الحجية أن يُفيد الظن الفعلي دائماً بحيث كلمّا قام هذا الدليل أورث الظن عند جميع أهل المحاورة بل يكفي ان يكون موجباً لحصول الظن عند نوع أهل المحاورة وغالبيتهم .
القسم الثاني :
من الأحكام الظاهرية هي : ما اصطُلح عليها بالاُصول العملية ، وهذا النوع من الأحكام لوحظ في جعلها نوع الحكم الواقعي المشكوك ، فالبراءة مثلا لُوحِظَ في جعلها الشك في الوجوب وعدمه ، وأصالة الحِلّ لُوحِظَ في جعلها الشك في الحليّه وعدمها ، وأصالة الطهارة لُوحِظَ في جعلها الشك في الطهارة وعدمها .
فلمَّا كانت الأحكام الواقعية في مورد هذه الاُصول مجهولة للمكلّف ولا يتمكّن من تشخيصها فحتماً سيقع في مخالفة الواقع لفرض جهله بالواقع  ، ولمّا لم يكن هناك سبيل لرفع الجهل ـ وذلك لفقد الأدلّة أو إجمالها ـ يلاحظ المولى ما هو الأهم من هذه الأحكام في نظره فيجعل الوظيفة على طبق الحكم الأهم في نظره لغرض المحافظة عليه وإنْ كان سيؤول الى الوقوع في مخالفة بعض الأحكام الواقعية ولكنّ هذا حاصل على ايِّ حال لفرض الجهل بالأحكام الواقعية ، فالغرض من جعل الحجية لهذا النوع من الحكم دون غيره هو أهميّته على غيره من الأحكام في نظر المولى ، فمثلا المولى حينما يجعل البراءة في موارد الشك في الوجوب وعدمه يكون قد لاحظ أهمية الترخيص والسعة واطلاق العنان ـ للمكلّف ـ على الأحكام الوجوبية فهو وان كان سيؤدي ذلك الى الوقوع في مخالفة الواقع وترك بعض الواجبات ولكن ذلك أهون في نظر المولى من تفويت مصلحة الترخيص والتسهيل على العباد .
وهكذا الكلام في اصالة الطهارة واصالة الحل .
نعم قد يلاحظ المولى في مقام جعل الأصل العملي شيئاً آخر بالاضافة الى نوع الحكم المشكوك واهميته وهو كون هذا الأصل له نحو كشف وان كانت هذه الكاشفية ليست هي الملاك التام لجعله بل هي بالاضافة الى نوع الحكم المشكوك واهميته ومثال ذلك قاعدة الفراغ ـ  الحاكمة بصحة العمل المفروغ عنه في ظرف الشك في صحته ـ فإنّ منشأ جعلها شيئان كل واحد منهما يمثل جزء الملاك .
الاول : كاشفية الفراغ عن العمل على الاتيان به صحيحاً اذ غالباً ما يكون المكلف مُلتفتاً اثناء ممارسته لعمله ، وهذا يقتضي الاتيان به على وجهه وهذا ما يُعبَّر عنه بأصالة الإلتفات والأذكرية التي تشير اليها الرواية الشريفة « هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك »() .
الثاني : كون المشكوك وهو العمل الصحيح قد تمّ الفراغ عنه ، فالصحة المشكوكة التي تم الفراغ عن متعلقها « مثل الصلاة » هي المنشأ والملاك الآخر لجعل قاعدة الفراغ اذ ان الحكم بالصحة في موارد الفراغ من العمل هو الحكم الأهم بنظر المولى وإن كان الحكم بالصحة سيؤدي للوقوع في مخالفة الواقع في بعض الأحيان الا ان المولى قد تنازل عن ذلك لأهمية الحكم بالصحة بعد الفراغ على الحكم بالبطلان .
فإذن الملاك في جعل قاعدة الفراغ ليس هو كاشفية الفراغ عن عدم الغفلة فقط والاّ للزم التعبّد باصالة عدم الغفلة والنسيان في غير موارد الفراغ ، مثلا الشك في الإتيان بالصلاة في الوقت لا تجري فيه اصالة عدم النسيان والغفلة بل لابدَّ من الاعتناء بهذا الشك والاتيان بالصلاة .
وبهذا يتّضح ان الاُصول العملية على قمسين :
الاول : الاُصول العملية غير المـُحرِزة وهي التي لحظ فيها نوع الحكم المشكوك وأهميّته مثل اصالة البراءة وأصالة الحل واصالة الطهارة ، وسميت بغير المحرزة لعدم وجود اي كشف فيها وانما هي محضُ وظيفة عمليّة قُرِّرت للمكلّف في ظرف الشك في الحكم الواقعي .
الثاني : الاُصول العملية المحرِزة وهي التي لوحظ فيها نوع الحكم واهميته بالاضافة الى اشتمالها على نحو من الكشف والمـُحرِزيّة للواقع ، وهذه مثل اصالة الإستصحاب وقاعدة الفراغ وتُسمّى ايضاً بالاُصول التنزيلية لأنّ لسان جعلها هو تنزيل المشكوك منزلة الواقع فمثلا قول الامام عليه السلام ـ في مقام جعل قاعدة التجاوز أو الفراغ ـ بناءً على اتحادهما ـ « بلى قد ركعت »() ـ حينما سُئل عن رجل أهوى الى السجود فلم يدر أرَكع أم لا ؟ فقوله : « بلى قد ركعت » تنزيلٌ للمشكوك ـ وهو وقوع الركوع ـ منزلة الواقع وانه قد ركع تعبّداً وتنزيلا .
وكذلك قول الامام عليه السلام في مقام جعل الاستصحاب في مورد الشك في انتقاض الوضوء بعد اليقين به « فإنّه على يقين من وضوئه »() ، فإنه نزّل الوضوء المشكوك منزلة الوضوء المتيقّن .
اذن الاُصول العملية التنزيلية هي ما كان لسان جعلها تنزيل المشكوك منزلة المتيقّن .


إجتماع الحكم الواقعي والظاهري :
قلنا في بحث التضاد بين الأحكام التكليفيّه انّ العلاقة بين هذه الأحكام هي علاقة التضاد ، فلذلك يستحيل اجتماع حكمين متغايرين من هذه الأحكام على موضوع واحد ، وذلك لاستحالة اجتماع الضدّين ، وقلنا ايضاً باستحالة اجتماع حكمين متسانحين على موضوع واحد كاجتماع وجوبين على فعل واحد ، وذلك لاستحالة اجتماع المثلين ، ومن هنا نواجه مشكلة في كيفيّة الجمع بين الحكم الواقعي والحكم الظاهري ، اذ انّ كلا الحكمين يعرضان موضوعاً واحداً ، فمثلا لو كان الحكم الواقعي « لأكمل لحم الأرنب » هو الحليّة وكان الحكم الظاهري لأكل لحم الأرنب هو الحرمة بمقتضى خبر الثقة مثلا ، فهذا يعني اجتماع حكمين متضادين على موضوع واحد وهو أكل لحم الأرنب ، وكذلك لو كان الحكم الواقعي للعصير التمري هو الحليّه ، وكان الحكم الظاهري ـ بمقضى أصالة الحل ـ هو الحليّة أيضاً ، فهذا يعني اجتماع حكمين متماثلين على موضوع واحد وهو مستحيل كما قلنا لاستحالة اجتماع المثلين .
وعلاج هذه المشكلة يتّضح بما بيّنّاه من معنى الحكم الواقعي والحكم الظاهري ، حيث قلنا هناك انّ الحكم الظاهري انما هو في طول الحكم الواقعي ومتأخّر عنه تأخر الحكم عن موضوعه ، فليس للحكم الظاهري وجود مع العلم بالحكم الواقعي إذْ انّ عدم العلم بالحكم الواقعي مأخوذ في موضوع الحكم الظاهري ومع إحراز الحكم الواقعي لا موضوع للحكم الظاهري ، وبالتالي لا وجود للحكم الظاهري اذ ان الأحكام كما قلنا تابعة لموضوعاتها وجوداً وعدماً اما مع عدم العلم بالحكم الواقعي ، فالحكم الظاهري موجود ومتحقق لوجود موضوعه الاّ انّ هذا لا يلزم منه محذور اجتماع الضدين أو المثلين وذلك لأنه وان كان هناك حكمان قد عرضا على موضوع واحد ولكن لمّا لم يكونا من طبيعة واحدة وفي عرض واحد ، فلا مانع من اجتماعهما بعد انْ كان احدهما واقعي والآخر ظاهري .
ويمكن تنظير ذلك ـ للتوضيح فقط ـ بالأحكام الاوليّة والأحكام الثانوية فأكل الميتة مثلا حرام بالحكم الاولي ولكنّه حلال بالحكم الثانوي اي في ظرف الاضطرار ، فاكل الميتة صار معروضاً لحكمين وهما الحرمة والحليّه وليس هذا من التضاد المستحيل وذلك لان الحرمة من سنخ الأحكام الاولية والحلية من سنخ الأحكام الثانوية .
وبعبارة اُخرى يُشترط في تحقق التضاد بين الأشياء ان تكون من طبيعة وحيثيّة واحدة ، اما اذا كانت من طبائع وحيثيّات مختلفة فلا محذور في الاجتماع ولا يكون من اجتماع الضدين أو المثلين ونذكر لذلك مثالا ـ توضيحيّاً وليس دقيقاً ـ وهو « ان زيداً قويُّ النفس وضعيفُ البدن » فزيد صار موضوعاً لعنوانين وهما الضعف والقوة وليس في هذا محذور إذ انه ليس من التضاد المستحيل بعد ان كان العنوانان من طبيعتين مختلفتين .
 

القضية الحقيقة والقضية الخارجية


القضيّة الحمليّة هي كل موضوع ثبت له حكم ويمكن تقسيمها باعتبار طبيعة موضوعها الى ثلاثة أقسام :
الأول : القضايا الذهنية وهي ما كان موضوعها ذهني وليس لها ما بازاء في الخارج مثل الضدين لا يجتمعان ، واجتماع النقيضين مستحيل ، فإنّ موضوع هاتين القضيتين ذهني ، وهذا خارج عن محل الكلام .
الثاني : القضايا الخارجيّة وهي ما كان موضوعها موجود في الخارج فعلا بحيث يمكن الاشارة اليه .
وبعبارة اُخرى : القضايا الخارجيّة هي ما كانت موضوعاتها موجودةٌ في الخارج حين إنشاء القضية وتأليفها وهذا يستدعي إحراز المؤلِّف للقضية الخارجية للموضوع وانّه موجود فعلا ومن ثمَّ يجعل عليه الحكم ، ومثال ذلك ان يقال : « انّ عدد المسلمين أقلُّ من عدد الكفّار في هذه الأيام » فإنّ المؤلِّف لهذه القضية أحصى أولا عدد المسلمين ونسبهم الى عدد الكفّار ثم جعل الحكم على هذا الموضوع المحقق الوجود حين تأليف القضية .
الثالث : القضايا الحقيقية ، وهي ما كانت موضوعاتها مقدَّرة الوجود بمعنى انه لا يلزم إحراز موضوع القضية الحقيقية خارجاً حين تأليف القضية بل يكفي تقديره ، وهذا لا يعني كون افراد الموضوع بأكملها مقدَّرة الوجود اذ لا مانع من كون بعض الأفراد متحققاً في الخارج إذ انّ المناط في صدق القضية الحقيقية ان المؤلِّف ليس له اي نظر الى الموضوع من حيث تحققه في الخارج او عدم تحققه وانما يفترضه إفتراضاً ويجعل الحكم عليه ، ومثال ذلك « الفقراء يستحقون العطف » فإنّ موضوع هذه القضية « وهو الفقراء  » افتُرض محقق الوجود ومن ثمَّ جعل عليه الحكم وهو استحقاق العطف وهذه القضية صادقة حتى لو لم يكن هناك اي فقير في الخارج إذ انّ الموضوع في هذه القضية هو المقدَّر الموجود ، فكلّما وُجد فقير في الخارج فهو مشمول للحكم وهو استحقاق العطف .
اذا اتضح هذا فنقول : ان الأحكام الشرعية قد تجعل على نهج القضية الخارجيّة وقد تُجعل على نهج القضية الحقيقية ، ومثال جعل الحكم على نهج القضية الخارجية ان يُلاحظ المولى جيرانه ويشخّصهم ويُحصيهم ثم يأمر عبده بإكرامهم فيقول : « أكرم جيراني » ، فهذا الحكم وهو وجوب الإكرام قد جُعل على موضوع متحقق الوجود خارجاً ، إذ انّ المولى بعد انْ لاحظ الجيران وأحصاهم وأحرز وجودهم حكمَ بوجوب اكرامهم ، فهذه القضية في قوة تعداد أسماء الجيران والحكم بوجوب إكرامهم ، فكأنّما المولى قال « جاري زيد أكرمه » و« جاري عمرو أكرمه » و« جاري صالح أكرمه  » فهي تنحلّ الى قضايا بعدد افراد الجيران ، فلو كان الجيران خمسة فعندنا في الواقع خمس قضايا ، موضوع كل واحد فردٌ من افراد الجيران ومحمولها وجوب الإكرام .
ومثال جعل الحكم على نهج القضية الحقيقية ان يقدِّر المولى موضوعاً مثل العلماء ثم يحكم بوجوب اكرامهم فيقول : « اكرام العلماء » ، فإنّ موضوع هذه القضية « وهو العلماء » مقدَّر الوجود بغضّ النظر عن وجود بعض افراده او عدم وجوده ، وهذه القضية تنحلُّ ايضاً الى قضايا موضوعها فرد من افراد العلماء الاّ انّ هذا الفرد الذي ينحلّ اليه الموضوع العام هو الأعم من المتحقِّق والمقدَّر الوجود فلا يكون لهذه القضية حصر لافراد مخصوصة بل انّه كلّما وُجد فرد من الموضوع فإنّه يشكّل قضيةً يكون هو موضوعها ويكون محمولها وجوب الإكرام .
إذن الثمرة المترتبة على الفرق بين القضيّتين الحقيقية والخارجية هي انه اذا جُعل الحكم على نهج القضية الحقيقية فإنّه بالامكان ترتيب الحكم حتى على الأفراد المعدومة في زمن تأليف القضية ، فلنا ان نتمسّك بالقضية لإثبات الحكم للأفراد التي تجدَّدت بعد تأليف القضية فنحكم بوجوب الإكرام لأفراد العلماء الذين وُجدوا بعد هذا الخطاب ، وهذا بخلاف الحكم على نهج القضية الخارجية فإنّه لا يمكن التعدّي من أفراد موضعها الى أفراد اُخرى تجدَّدت بعد تأليف القضية الخارجية فلو إتّفق تحقق جار جديد في مثالنا لما أمكن ان نتمسّك بالقضية الخارجية لإثبات وجوب إكرامه اذ انّه لم يقع موضوعاً لتلك القضية .

 

تنويع البحث


والبحث في المقام عن فهرَسة وتبويب المباحث الاُصولية التي سيتعرّض لها المصنّف في الكتاب ، وقد طرح المصنّف هنا طريقة جديدة غير التي اعتاد عليها الاُصوليّون في تبويب علم الاُصول حيث انهم بعد بيان المبادئ التصوّرية لهذا العلم ـ من بيان تعريفه وبيان موضوعه وفائدته  ـ يشرعون في مباحث الألفاظ كبحث المشتق والاوامر والمفاهيم والعام والخاص والاطلاق والتقييد .
وبعد ان ينتهوا من بيان تمام مباحث الألفاظ يشرعون في مباحث القطع كحجية القطع واقسامه وبحث الموافقة الالتزامية وبحث التجرّي وهكذا .
وبعد الانتهاء من هذه البحوث يشرعون في مباحث الظنون كالبحث عن حجية الظواهر وخبر الواحد والسيرة المتشرعيّة والعقلائية والإجماع المنقول بخبر الواحد .
ثم يدخلون في مباحث الشك وهي الاصول العملية ، مثل البراءة والاشتغال والاستصحاب والتخيير .
وبعد الانتهاء من كل ذلك يبحثون في الخاتمة عن تعارض الأدلة «  التعادل والتراجيح » وهذا البحث يتكفّل بمعالجة الأدلّة المتعارضة مثل كيفية معالجة التعارض بين الخبرين الموثَّقين .
إلاّ أنّ المصنّف رحمه الله تعالى قد عدل عن هذا التبويب لأنه انما يناسب كون علم الاُصول علماً مستقلا كسائر العلوم ، في حين ان علم الاُصول هو علم اُصول الفقه فلابدَّ اذن من ان يُساير هذا العلمُ الفقيهَ في المراحل والخطوات التي يسير على طبقها في مقام استنباطه للأحكام الشرعية من أدلتها ، فالفقيه عندما يُريد ان يستنبط حكماً يبحث أولا عن الأدلة التي لها كشف عن الحكم الشرعي ، فاذا تعذّر عليه الحصول على الدليل الكاشف عن الحكم الشرعي لجأَ الى الأدلة التي تُحدّد الوظيفة العمليّه للجاهل بالأحكام الواقعية وهي المُعبَّر عنها بالاُصول العملية ، وباعتبار ان هذا العلم قد جُعل لغرض تبيين الوسائل التي يستفيد منها الفقيه في عملية الاستنباط للحكم الشرعي فلابدَّ من انْ تُبوَّب هذه الوسائل بطريقة تناسب المراحل التي يمرُّ عليها الفقيه في عملية الاستنباط  .
فهذا هو المبرِّر لابتكار تبويب جديد لعلم الاُصول .
إذا اتّضح هذا فلنشرع في بيان هذا التبويب الذي اختاره المصنّف ، فنقول : ان العناصر المشتركة والأدلة العامة ـ التي يمكن الإستفادة منها في استنباط كثير من الأحكام الشرعيّة من مختلف الأبواب الفقهيّة ـ يمكن تصنيفها الى قسمين :
القسم الأوّل : هي الأدلة التي يكون منشأ جعلها الكشف عن الأحكام الشرعية وهي الأدلة الظنية المُعبَّر عنها بالأمارات كخبر الثقة والظهورات العرفية في بحثيها :
الصغروي : وهي التي يُبحث فيها عمّا هو ظاهر وما هو غير ظاهر كالبحث عن ظهور صيغة الأمر في الوجوب وهذه هي التي يُعبِّر عنها علماء الاُصول بمباحث الألفاظ .
والكبروي : وهو البحث عن حجية هذا الظهور بعد تحقق الظهور ، فكلا هذين البحثين يُبحثان تحت عنوان القسم الأوّل والذي اصطلح عليه بالأدلّة المحرزة لكونها بصغراها وكبراها مما يُحرَز بها الحكم ويُستكشف .
القسم الثاني : وهي الأدلّة العامّة التي جُعلت لغرض تحديد الوظيفة العملية في ظرف الشك والجهل بالحكم الشرعي وهي المعبّر عنها بالاُصول العملية مثل البراءة والاستصحاب .
وكلا هذين القسمين يمثّلان مجموع الأدلة العامة والعناصر المشتركة ، فكلما يحتاجه الفقيه في عملية الاستنباط لا يخرج عن أحد هذين القسمين ، إلاّ أنّ الفقيه يبدأ في عملية الاستنباط بالبحث عن الأدلّة العامة من القسم الأول ، فإن وجد ما يمكن ان يعتمد عليه لإثبات الحكم الشرعي اكتفى به ولم ينظر الى القسم الثاني ليحدِّد به الوظيفة العملية إذ لا تصل النوبة إليه إلاّ بعد فقدان القسم الأوّل من الأدلة ، وهذا ما سيتم إثباته في مباحث لاحقة إن شاء الله .
ومن هذا يتّضح أنَّ الفقيه لو لم يجد ـ ما يعتمد عليه في عملية الاستنباط ـ دليلا من القسم الأوّل يلجأ الى الأدلّة من القسم الثاني لغرض تحديد الوظيفة العملية .
وبعد اتضاح الترتُّب المرحلي في الأدلّه العامّة والعناصر المشتركة نقول : انّ المصنّف (رحمه الله) سار على وفق هذا الترتيب في تبويبه لمباحث الاُصول ، فأولا يقع البحث عن الأدلة المحرزة ، ثم عن الاُصول العملية ، وبعد بحث هذين النوعين من الأدلة العامة يقع البحث عن التعارض ، ومُبرِّر جعل هذا البحث في خاتمة المباحث الاُصولية أنّ الفقيه بعد تحديد الأدلّة العامة بقسميها يواجه في بعض الأحيان مشكلة وهي تعارض هذه الأدلّة ، فلابدَّ من البحث عن كيفية علاج هذه المشكلة .
والتعارض بين هذه الأدلّة على أنحاء ، فقد يكون التعارض بين دليلين من القسم الأول كالتعارض بين خبر ثقة وظهور آية ، أو بين دليلين من القسم الثاني كالتعارض بين أصالة البراءة وأصالة الاستصحاب .
فلابدّ للفقيه من معالجة هذه المشكلة ، ومن الواضح ان هذه المشكلة لا تواجه الفقيه الا بعد تحديد الأدلة وتنقيحها ، لذلك جعلها المصنّف (رحمه الله) في خاتمة المباحث الاُصوليّة .
اذن ! فالطريقة التي سوف يسير عليها المصنّف (رحمه الله) في عرضه لمباحث الاُصول يمكن إجمالها في بحثين وخاتمة .
الأوّل : البحث عن الأدلّة المحرزة .
الثاني : البحث عن الاُصول العمليّة .
والخاتمة : في علاج التعارض بين الأدلّة .
الاّ ان المصنّف (رحمه الله) وقبل الشروع في عرض هذه المباحث قدّم مقدّمة بحث فيها عن حجيّة القطع ، وقبل بيان المبرِّر لذلك لابدّ من اجمال معنى حجية القطع وان كان سيقع الحديث عنه مفصلا فيما بعد .
المراد من القطع هو : الانكشاف التام الذي لا يبقى معه اي إحتمال للخلاف .
وبعبارة اخرى : القطع هو : العلم ووضوح الرؤية لمتعلقه ، فمعنى القطع بوقوع حادثة معيّنة ـ التي هي متعلَّق القطع ـ ان وقوع هذه الحادثة محل جزم ويقين للقاطع بها بحيث لا يحتمل ـ ولو بمستوى ضئيل ـ انّها غير واقعة .
واما معنى الحجية فهي : المنجّزيّة والمعذّريّة .
والمراد من المنجزيّة هو : جعل المسؤولية على عهدة المكلّف تجاه المقطوع به ، بحيث يكون المكلّف ملزوماً بامتثاله وللمولى ان يعاقبه اذا خالف ، ويحتجّ عليه بقطعه .
واما المراد من المعذريّة فهي : نفي المسؤولية عن المكلّف لو اتفق مخالفة قطعه للواقع ، فلو قطع بالاباحة واتفق انّ الواقع هو الحرمة لما صحّ عقابه وإدانته وكان له ان يحتج لنفسه على المولى بكونه قاطعاً بالإباحة .
اذا اتضح ما أردنا إجماله من معنى (القطع) ومعنى (حجيّته) نصل لبيان المبرِّر من تصدير المصنّف (رحمه الله) هذه المباحث بالبحث حول حجية القطع .
فنقول : ان حجيّة القطع هو المرجع الذي تؤول اليه حجية الأدلّة العاملة والعناصر المشتركة سواءً كانت من قبيل الأدلّه المحرزة او من قبيل الاُصول العملية ، وكذلك هو المرجع في تشخيص موضوعات هذه الأدلّة إذ انه لابدّ من انْ نُحرز ونقطع ان هذا ظاهر مثلا وان هذا خبر ثقة وان موضوع البراءة وهو الشك متحقق .
وبدون القطع بحجية هذا الدليل او ذاك لا يمكن التعويل عليه وجعله واسطةً في اثبات الأحكام الشرعية اذ انّ الدليل لا يكون حجة الا اذا قام الدليل القطعي على حجيّته ، وكذلك الكلام في تشخيص موضوعات هذه الأدلّة فانه لابدَّ من القطع بتحقق الموضوع لكي نتمكّن من ترتيب الحكم عليه .
فإذا كان للقطع هذه الأهمية فلابدّ من تحريره وبيان حجيّته في مرحلة سابقة عن بحث الأدلة العامة والعناصر المشتركة التي نستعملها كوسائل لإثبات الأحكام الشرعية إذ أنَّ هذه الأدلّة لمّا كانت ظنية فهي تحتاج لإثبات دليليتها وحجّيتها الى مثبت قطعي وإلاّ تعذَّر إثبات دليليتها إذ أنَّ الإستدلال على القضايا الظنية بما هو ظني يلزم منه التسلسل المستحيل .
وبهذا يتّضح المبرّر من تصدير المصنّف المباحث الثلاثة ببحث حجّية القطع .

 


حجّيّة القطع


ويمكن تصنيف البحث الى مجموعة من المباحث :

المبحث الأوّل

المراد من معنى القطع :
القطع هو عبارة عن الإنكشاف التام للمقطوع ـ وهو متعلّق القطع ـ بحيث لا يبقى معه أيُّ احتمال ـ ولو بمستوىً ضئيل ـ للمخالفة فحينما نقطع بموت زيد فهذا يعني بأنَّ موت زيد من الوضوح بحيث لا نحتمل ولو بمرتبة ضعيفة عدم تحققه فلذلك نرتب تمام الاوثار المترتبة على موتهه بدون تردد  .
والكاشفية الثابتة للقطع ذاتية بمعنى أنَّها عين القطع فالقطع هو الكاشفية كما أنَّ الكاشفية هي القطع وليس القطع شيئاً ثبتت له الكاشفية .
ولتوضيح هذا المطلب لابدّ من بيان معنى الذاتي .
المراد من الذاتي في المقام هو الذاتي في باب الكليّات الخمسة «  الإيساغوجي » وهو عبارة عن مقوّم الماهيَّة بحيث تثبت بثبوته وتنتفي بانتفائه .
وبعبارة اُخرى : الذاتي من كل شيء ما يكون به قوامه بحيث يكون ذلك الذاتي هو حقيقة ذلك الشيء أو هو مع غيره حقيقة لذلك الشيء ، ومثال ذلك الإنسان هو الحيوان الناطق ، فالحيوان الناطق ذاتي للإنسان إذ هوالمقوّم للإنسان بحيث إذا انتفت الحيوانية الناطقية انتفت إنسانيته فهو عين الإنسان وحقيقته .
وقد يكون الذاتي جزء المقوّم لا تمام المقوّم مثل الحيوان بالنسبة للإنسان ، وكذلك الناطق بالنسبة للإنسان ، فالحيوانية والناطقية كلٌّ منهما يمثل الجزء المقوّم للإنسان ويكفي في انتفاء الإنسانية إنتفاء الجزء المقوّم لها مثل الحيوانية .
فإذا اتضح هذا يتّضح معنى قول الاُصوليّين أنَّ القطع كاشف بذاته أو أنَّ الكاشفية ذاتية للقطع إذ أنَّ هذا الكلام يعني أنَّ الكاشفية هي مقوّم القطع وحقيقته ، فإذن الكاشفية هي عين القطع لا أنَّ القطع شيء ثبتت له الكاشفية إذْ يستحيل ثبوت الشيء لنفسه وذاته فلا يقال : الإنسان شيء ثبتت له الحيوانية الناطقية إذ أنَّ هذا يؤول الى أنَّ الإنسان غير الحيوانية الناطقية وإنّما هي شيء عارض عليه وهذا خُلْف ذاتية الحيوانية الناطقية للإنسان .
وبهذا يتّضح عدم إمكان جعل الكاشفية للقطع إذ انّ جعل شيء لشيء فرغ تغايرهما وقد قلنا إنهما حقيقة واحدة وانما التغاير في التعبير ، وبه يتّضح دعوى المصنّف من ان الخصوصية الاُولى للقطع ـ وهي الكاشفية ـ بديهة إذ انّ ثبوت الشيء لنفسه بديهي ، فالانسان انسان بالبداهة فكذلك القطع قطع اي كاشف بالبداهة .


المبحث الثاني :

محركيّة القطع :
والمراد من محركية القطع : ان القطع يساهم في تحرّك وانبعاث القاطع نحو مقطوعه اي نحو الشيء الذي قطع به . وقلنا انه يساهم في التحريك والبعث لانه ليس السبب الوحيد في التحريك والبعث بل هناك سببٌ آخر اذا انضمَّ الى القطع يتولَّد عن مجموعهما التحرّك والإنبعاث ، وهذا السبب الآخر هو الغرض والحاجة فمثلا اذا قطع العطشان بوجود الماء في مكان معين فانَّه يتحرّك لتحصيل الماء ، والذي حرّكه نحو تحصيل الماء من المكان المعيّن أمران ، الاول : القطع بوجوده في ذلك المكان ، والثاني : تعلّق غرضه بتحصيله وهو الإرتواء ، فلو فُقد الغرض مثلا فلا يكون القطع محرّكاً ، فغير العطشان لو قطع بوجود الماء في مكان معيّن فلا يكون ذلك القطع محرّكاً له اذ ليس عنده داع وغرض لتحصيل الماء ، وكذلك لو كان عطشاناً والماء موجود بالقرب منه ولكنه لا يعلم به فإنَّ تعلّق ارادته بتحصيل الماء لا تُحرّكه نحو ذلك المكان فلذلك قالوا : « إنّ الانسان قد يموت عطشاً والماء في رحله » .
ما المراد من انّ المحركيّة أثر تكويني للقطع ؟
المراد هو : انَّ المحركيّة لازم ذاتي للقطع والمقصود من اللازم الذاتي هو المحمول الخارج عن الذات اللازم لها بحيث يستحيل انفكاكه عن الذات ، واللازم الذاتي غير الذاتي في باب الكليّات الذي تقدم بيانه حيث انّ المراد منه كما تقدم المقوّم للذات اما اللازم الذاتي فهو غير الذات وليس مقوِّماً لها  ، فلا هو جنس للذات ولا هو فصل لها ، وانّما هو شيءٌ خارج عنها محمول عليها ، ومثال ذلك الزوجية للأربعة والفردية للثلاثة ، فالزوجية ليست عين الأربعة ولا هي مقوِّم لها وإنما هي لازم يستحيل انفكاكه عنها ، وكذلك الحرارة بالنسبة الى النار ، فالنار غير الحرارة وإنما هي شيء متّصف بالحرارة ، والحرارة بالنسبة لها لازم ذاتي يستحيل انْ يتخلّف عنها .
وبهذا يتّضح معنى كون المحركيّة اثراً تكوينياً للقطع ولازماً ذاتياً له حيث انَّ طبيعة القطع انَّ له المحركية بحيث يستحيل تخلّفها عنه ، كما نقول انَّ الحرارة اثر تكويني للنار ولازم ذاتي لها ، وذلك في مقابل المحمول المفارق حيث لا يستحيل تخلّفه عن الذات كالحركة بالنسبة للفلك فإنه وان كانت الحركة تعرض للفلك ولكنه يمكن ان تتخلّف عنه .
هل المحركيّة للقطع بديهيَّة ؟
والجواب : انّ إثبات كون المحركيّة للقطع بديهية يحتاج الى إثبات انّها لازم ذاتي بيِّن سواء بالمعنى الأخص او بالمعنى الأعم ، اذ ان كلا النوعين للاّزم الذاتي البيّن بديهي ، وذلك في مقابل اللازم الذاتي غير البيّن فانه نظري .
وبيان ذلك : ان اللازم الذاتي تارةً يكون بيّناً وتارة يكون غير بيّن ، والبيّن ينقسم الى قسمين :
الأوّل : اللازم الذاتي البيّن بالمعنى الأخص ، وهو ما يكفي في الاذعان والجزم به تصوّرُ الذات المحمول عليها ذلك اللازم ، وبعبارة اُخرى : اللازم الذاتي هو ما يكون تصوّر الملزوم كافياً في تصوّر لازمه والتصديق والاذعان بالملازمة بينهما وذلك مثل الزوجية للأربعة فالأربعة ملزوم والزوجية لازم ذاتي لها ، ومن الواضح انّه بمجرد ان نتصوّر معنى الأربعة وندرك معناها يحصل لنا تصوّر الزوجية والاذعان بانّها لازم ذاتي للأربعة .
الثاني : اللازم البيّن بالمعنى الأعم وهو ما يكفي في حصول الجزم والاذعان بالملازمة بين الذاتي ولازمه تصوّر معنى الذات وتصوّر معنى اللازم وتصوّر النسبة بينهما ، فاذا حصلت هذه التصوّرات الثلاثة يحصل الجزم مباشرةً بالملازمة ، ومثال ذلك « الاثنين نصف الأربعة » فانّ الجزم بهذه القضيّة وانّ المحمول لازم للموضوع لا يحتاج لاكثر من تصوّر معنى الاثنين ومعنى الأربعة ومعنى النصف .
اذا اتّضح هذا يتّضح ان الجامع بين هذين القسمين هو انّ ثبوت الملازمة فيهما والجزم بها لا يحتاج الى اكثر من التصوّر ، وبعبارة اُخرى : الجزم بالملازمة في هذين القسمين لا يحتاج الى برهنة ودليل نظري ، وهذا بخلاف اللازم الغير البيّن فانه لا يمكن الجزم فيه بالملازمة الا عن طريق البرهان مثل القضايا الرياضية المعقّدة ، فان نتائجها ومحمولاتها لازمة لموضوعاتها ولكنّها تحتاج الى برهنة .
وبعد إتّضاح هذه المقدّمة يتّضح أنَّ المحركية للقطع من قسم اللازم البيّن بالمعنى الأخص الذي هو أحد القسمين البديهيّين اللَّذين لا يفتقران الى برهنة إذ يكفي في الجزم بثبوت المحركية للقطع تصوّر القطع وإدراك معناه  ، فالقاطع إذا تعلّق غرضه بالمقطوع تحرّك لا محالة لتحصيله .
الى هنا ثبت أنَّ للقطع خصوصيّتين ، الاُولى : الكاشفية وهي ذاتية للقطع ، والثانية : المحركيّة وهي لازم ذاتي وأثر تكويني ، وكلا الخصوصيّتين بديهيّتان إلاّ أنّهما لا تُحققان الغرض الذي من أجله يبحث الاُصولي مسألة القطع إذ أنَّ الاُصولي يبتغي من وراء بحث مسألة القطع إثبات الحجيّة له وهي شيء آخر غير الخصوصيّتين المذكورتين .
وبعبارة اُخرى : أنَّ الاُصولي في بحث الاُصول يبحث عن الأدلة من حيث أنها حجَّة ومنجّزة للتكاليف الشرعية أو لا ، فلذلك لابدَّ من بحث مسألة القطع من هذه الحيثية لأنّها هي التي تتناسب مع الغرض الذي من أجله وُضع علم الاُصول .


المبحث الثالث

حول حجّية القطع :
والبحث فيه يقع في جهات :
الجهة الاُولى : في معنى الحجيَّة : الحجَّة كما ذكر المناطقة هي المعلوم التصديقي الذي يمكن أن يُحتجّ به ويكون كبرى في القياس المنطقي لغرض إثبات مجهول تصديقي أو قضية غير مسلّمة .
وبعبارة اُخرى : كل قضية معلومة تصلح لإثبات قضية مجهولة أو غير مسلّمة عند الخصم فهذه القضيّة تسمَّى حجَّة ، ومثال ذلك قولنا : «  كل حديد فهو يتمدّد بالحرارة وينكمش بالبرودة » هذه القضية والتي هي معلوم تصديقي يمكن الاحتجاج بها لغرض إثبات مجهول تصديقي ـ مثل أنَّ الحديد الصلب هل يتمدّد بالحرارة وينكمش بالبرودة ـ وذلك عن طريق جعلها كبرى في القياس الأرسطي هكذا .
* الحديد الصلب نوع من أنواع الحديد (الصغرى) * وكل حديد فهو يتمدّد بالحرارة وينكمش بالبرودة (كبرى) * النتيجة : أن الحديد الصلب يتمدّد بالحرارة وينكمش بالبرودة .
هذه النتيجة حصلت عن طريق جعل المعلوم التصديقي كبرى في القياس ، إذاً هذه الكبرى حجّة لأنها تصلح للإحتجاج بها لإثبات النتيجة المجهولة قبل تشكيل القياس أو الغير مسلّمة لدى الخصم .
إذا اتّضحت هذه المقدّمة يتّضح معنى قولهم أنَّ القطع حجّة ، أي أنَّه يمكن الاحتجاج به وجعله كبرى لقياس الغرضُ من تشكيله إثبات قضية مجهولة أو غير مسلّمة لدى الخصم ، فمثلا قولنا : « أنَّ القطع حجّة » معلوم تصديقي ، فلو أنَّ أحداً يجهل حكم أكل غير المذكى فهذا مجهول تصديقي ، فيمكن أن نُخرجه من الجهل الى العلم عن طريق تشكيل قياس نجعل كبراه معلوماً تصديقياً وهو أنَّ القطع حجّة هكذا :
* أنَّ اللحم غير المذكى ميتة والميتة حرام قطعاً *  والقطع حجة * النتيجة : أنَّ اللحم غير المذكى حرام .
فهذه النتيجة التي كانت مجهولة ثبتت بواسطة كبرى القياس وهو حجيّة القطع وبالتالي يستطيع المولى أن يحتجّ على عبده عند المخالفة بهذه النتيجة الثابتة بالقطع ومن ثم يعاقبه إذا أراد ، وهذا هو معنى المنجزيّة .
وكذلك الكلام في المعذّريّة التي هي معنى ثان للحجيّة في اصطلاح الاُصوليّين إلاَّ أنَّ الاحتجاج هنا يكون للعبد على المولى في الموارد التي يقطع العبد بحلية شيء فيرتكبه ويتّفق حرمة ذلك الشيء واقعاً فإنَّه يستطيع أن يحتج على المولى بالقطع بالحليّة فيكون ذلك معذِّراً له على المخالفة ومصحّحاً لنفي المسؤولية عليه تجاه مولاه .
الجهة الثانية من المبحث الثالث : وهي البحث عن التلازم بين الخصوصيّتين ـ وهما الكاشفيّة والمحركيّة ـ وبين الخصوصيّة الثالثة وهي الحجيّة للقطع ، فنقول : أنَّه مع اتّضاح معنى الخصوصيّات الثلاث يتّضح عدم التلازم بين الخصوصيّتين وبين الحجيّة بمعنى أنَّ البحث لا ينتهي بثبوت الكاشفيّه والمحركية للقطع بحيث يكون ثبوتهما معنى آخر لثبوت الحجيّة للقطع وبه ينتهي الحديث عن حجيّة القطع ، بل لابدّ من بحث الخصوصيّة الثالثة وأنَّها ثاتبة للقطع أو لا . وذلك لأنَّ الخصوصيّة الاُولى ليست أكثر من بيان معنى القطع ، والحجيّة ليست هي معنى القطع ولا هي جزؤها المقوّم كما اتّضح ذلك من بيان معنى القطع ومعنى الحجيّة ، وكذلك الكلام في الخصوصيّة الثانية وهي المحركية فهي ليست أكثر من بيان أثر تكويني من آثار القطع ، والمحركيّة غير الحجيّة كما اتّضح من بيان معناهما فلا يلزم من ثبوت المحركية للقطع ثبوت الحجيّة له ، نعم ثبوت المحركيّة لا يمنع من ثبوت الحجيّة إذ من الممكن جداً أن يكون للشيء الواحد مجموعة من الآثار .
والنتيجة : انّ التسليم بالخصوصيّتين لا يعني التسليم بثبوت الحجيّة للقطع ، وبالتالي لو انكرنا الخصوصية الثالثة « الحجيّة » مع التسليم بالخصوصيّتين لا يؤول ذلك ان التناقض المنطقي وإنما يؤول لو كانت الحجية هي عين الكاشفية أو جزءها المقوّم أو هي عين المحركية أو جزءها المقوّم اما وقد ثبت التغاير بينها وبين كلٍّ من الخصوصيّتين فلا يكون الالتزام بهما مع انكارها تناقضاً منطقياً .
وبعبارة اُخرى : لو كانت الحجية معناً آخر للكاشفيّة فهذا يعني ان التسليم بالكاشفية للقطع مع انكار الحجية للقطع تناقض اذ ذلك يؤول الى ان الكاشفية للقطع ثابتة وغير ثابتة ، وكذلك لو كانت الحجية جزء مقوّم للكاشفية ، فالتسليم بها مع إنكار الحجيّة التي هي الجزء المقوّم لها يؤول الى التناقض المنطقي ، فكأنما نقول انّ الكاشفية للقطع ثابتة وغير ثابتة فكما ان القول ان الانسان ليس بناطق يؤول الى التناقض فكأنه قيل الانسان ليس بانسان ، كذلك الكلام في المحركيّة مع الحجيّة .
والمتحصّل اننا لما اثبتنا مغايرة الخصوصيّتين للخصوصيّة الثالثة (الحجيّة) فلا يكون تسليمنا بالخصوصيّتين مع انكارنا للثالثة تناقض فنحن في سعة من جهة التسليم بها وعدم التسليم .
الجهة الثالثة من المبحث الثالث : الحجيّة هل هي ثابتة للقطع أو  لا ؟
المعروف بين الاُصوليّين ثبوت الحجيّة للقطع بمعنى أنَّها لازم ذاتي للقطع .
وقد اتّضح مما سبق معنى اللازم الذاتي وأنه المحمول الخارج عن الذات اللازم لها مثل الحرارة بالنسبة الى النار ، فإنّها غير النار الا انّها لازمة للنار ، بحيث يستحيل تخلُّفها عن النار .
ومع اتّضاح معنى اللازم الذاتي يتّضح معنى قولهم ان القطع بذاته يستلزم الحجيّة ، فالحجية هي المحمول الخارج عن ذات القطع اللازم له بحيث لا يمكن التخلّف لاستحالة تخلف اللازم الذاتي عن ملزومه .
هل ان كل قطع حجّة ؟
بعد أن اتضح المراد من حجيّة القطع وانّ الحجيّة لازم ذاتي للقطع ، يقع الكلام في انّه هل أن مطلق القطع حجة ؟ وهل ان الحجية لازم ذاتي لكل قطع ؟ والجواب : ان القطع الذي تكون الحجيّة لازم ذاتي له هو القطع بتكليف المولى لا القطع بتكليف ايِّ آمر حتى لو لم يكن مولى حيث ان اوامر غير المولى لا يكون العبد مسؤولا عن امتثالها . اذن القطع الذي يكون حجّة ويكون المكلّف مسؤولا عن الجريان على طبقه هو القطع بتكاليف المولى لا القطع بايِّ تكليف حتى لو كان من غير المولى .
ومن هنا لابدَّ من معرفة المراد من المولى . المولى هو : من حكم العقل بوجوب طاعته وقبح مخالفته .
وتلاحظون انّ هذا البيان تعبيرٌ آخر عن معنى الحجيّة ، إذ انّ الحجيّة هي عبارةٌ عن المسؤولية التي يجعلها العقل على عهدة العبد تجاه أوامر المولى  ، فالمولى هو من تجب طاعته ، والحجية هي وجوب طاعة المولى في أوامره ، وهذا يقتضي ان الحجيّة ثابتة في مرحلة سابقة على القطع حيث انها تثبت بمجرّد وجود أوامر للمولى ، ولذلك يكون معنى قولنا ان القطع بأوامر المولى حجة هو ان القطع بأوامر من تجب طاعته تجب طاعته ، فيكون المحمول تكرارٌ للموضوع إذ ان الحجيّة وهي محمول القضية هي وجوب الطاعة للمولى والموضوع وهو القطع بأوامر المولى عبارة ثانية عن القطع بأوامر من تجب طاعته ، كل ذلك يُوضِح انّ الحجية ليست ثابتةً للقطع بما هو قطع ، بل بما هو كاشف عن أوامر المولى ، فالحجيّة إنما هي ثابتة لأوامر المولى بمقتضى مولويّته إذ هي الملاك في حكم العقل بوجوب الطاعة لأوامر المولى .
والمتحصّل من هذا البيان : أن المصنّف يريد انْ يثبّت ان القطع ليس هو الملاك لثبوت الحجيّة لنفسه ، وان الحجيّة ليست هي لازم ذاتي للقطع بما هو قطع ، وانما الحجيّة ثابتة للقطع باعتبار كاشفيّة القطع عن أوامر المولى فالحجيّة
واستدلّ المصنّف على ذلك بما يمكن ان يُستوحى من عبائره المشوّشة في المقام بدليلين :
الدليل الأوّل : انّنا بالوجدان نجد ان القطع بأوامر غير المولى ليست مُلزِمة ولا يجد المكلّف نفسه مسؤولا عن الجريان على طبقها .
الدليل الثاني : وهو مكوّن من مقدّمتين ، الاولى : هي ان المولى هو مَن حكم العقل بوجوب طاعته وهذا تعبيرٌ آخر عن الحجيّة إذ ان الحجيّة هي حكم العقل بوجوب طاعة اوامر المولى . المقدّمة الثانية : هي ان الملاك في حكم العقل بوجوب طاعة أوامر المولى هي المولويّة .
اذا تمّت هاتين المقدّمتين تعرف ان القطع ليس حجّة بما هو قطع وانما هو حجّة باعتبار كاشفيّته عن اوامر المولى اذ لا شيء يقتضي الحجيّة سوى المولوية ، فالمولوية هي الواسطة في ثبوت الحجيّة ووجوب الطاعة لأوامر المولى لا القطع .
فالقطع واسطة في الاثبات ، والمولويّة واسطة في الثبوت .
الجهة الرابعة من المبحث الثالث : حدود حق الطاعة للمولى .
اذا اتّضح ان الحجيّة ليست ثابتةً للقطع بما هو قطع وانما الحجيّة ثابتة له باعتبار كاشفيّته عن أمر المولى ، فلزوم الجريان على طبق القطع بالتكليف المولوي منشأهُ حكم العقل باستحقاق المولى للطاعة .
ومن هنا لابدَّ من البحث عن حدود حقِّ الطاعة للمولى ، فنقول : ان الأقوال في المقام ثلاثة :
الأول : كل قطع يكشف عن التكليف المولوي فهو يُنقّح ويُحقّق موضوع حق الطاعة اي ان مطلق القطع منجز دون اعتبار نوع خاص من القطع ، فالقطع سواءً نشأ عن مقدّمات عقلائية أو غير عقلائية وسواءً كان منشأه الكتاب والسنّة او كان منشأه الأحكام العقلية ، وهذا القول تبناه أكثر الاُصوليّين .
الثاني : انه ليس كل قطع بالتكليف يُحقِّق موضوع حق الطاعة وانما الذي يُثبت حق الطاعة للمولى هو بعض القطوعات دون بعض وهذا مثل التفصيل الذي ذهب اليه بعض الأعلام بين القطع الذي نشأ عن مبررات عقلائية والقطع الذي نشأ عن مبررات غير عقلائية « قطع القطّاع » ، فالأول يثبت به حق الطاعة دون الثاني ، وكالتفصيل الذي ذهب اليه بعض الأخباريّين من انّ القطع الناشئ عن غير الكتاب والسنّة لا يثبت به التكليف وليس للمولى حق الطاعة في التكليف المُنكشف عن غير الكتاب والسنّة .
الثالث : من الأقوال وهو ما تبنّاه المصنّف (رحمه الله) من انّ مطلق الانكشاف منجّز ومُثبت لحق الطاعة للمولى سواءً كانت مرتبة الانكشاف هي القطع الذي هو أعلى مراتب الإنكشاف أو الظن الذي هو مرتبة أضعف أو الإحتمال الذي تكون مرتبة كشفه عن التكليف المولوي ضئيلة جدّاً .
فهذه هي الأقوال الثلاثة في المقام ، وواضح انها تتفاوت من حيث سعة دائرة حق الطاعة للمولى وضيقها ، فالقول الثاني يُضيّق دائرة حق الطاعة للمولى بحيث لا يكون للمولى حق الطاعة الاّ في بعض موارد القطع كالقطع الناشئ مثلا عن الكتاب والسنّة الشريفة .
اما القول الأوّل فهو أوسع دائرةً من القول الثاني حيث انه يُثبت حق الطاعة في تمام موارد القطع بالتكليف المولوي بغضّ النظر عن منشأ ذلك القطع .
واما القول الثالث فقد توسَّع في اثبات حق الطاعة للمولى بحيث ذهب الى انّ مطلق الانكشاف يُنقِّح موضوع حق الطاعة سواءً كان هذا الانكشاف بمرتبة القطع او بمرتبة الظن او الاحتمال . وقلنا ان المصنّف قد اختار هذا القول ولم يستدل المصنّف على هذه الدعوى في هذا الكتاب الا بانّ هذا هو مقتضى ما يُدركه العقل ولعلّه يشير الى ان هذه الدعوى بديهيّة لا تحتاج الى اكثر من تصوّرها ومنه يحصل الجزم بها إذ أن مولانا سبحانه وتعالى الذي هو وليُّ نعمتنا لا يمكن ان يُقاس بالموالي العرفيّين الذين لا تتّسع مولويّتهم لأكثر من القطع .
وبه يتّضح ان المصنّف (رحمه الله) يذهب الى انّ مولويّة المولى تتّسع لمطلق الإنكشاف حتى وان كانت مرتبته الاحتمال فكلُّ انكشاف للتكليف مهما كانت مرتبته فهو منجّز ، ويكون العبد مسؤولا عن امتثاله أداءً لحق المولويّة ، ومن هنا نعرف انّ تنجيز تكاليف المولى ليس ثابتاً للقطع بعنوانه بل باعتبار كونه نحواً من أنحاء الإنكشاف اذ أنّ كلَّ أنحاء الكشف عن التكليف المولوي منجّز الاَّ ان يُرخص المولى في تركه كما هو حاصل مثلا في موارد الكشف الاحتمالي وبعض موارد الكشف الظني حيث انه رخص في ترك متعلّق ذلك الكشف ، فقال : « رفع عن اُمتي ما لا يعلمون »() وقال : « ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم »() ، نعم سيتّضح عدم امكان الترخيص في موارد الانكشاف بنحو القطع .
الجهة الخامسة من المبحث الثالث : وهي انّ المولى هل له ان يمنع عن العمل بالقطع ؟ وهل يمكن التكفيك بين المنجزيّة والقطع بالتكليف بحيث يكون القطع بالتكليف موجوداً ومع ذلك لا يكون منجّزاً ؟
والجواب : انّنا وان قلنا بأن المولى يمكن له ان يُرخص في ترك التكليف المُنكشَف بالظن أو الاحتمال ولكنّ ذلك غير ممكن في موارد الكشف القطعي ، بل انّ الإنكشاف القطعي كلّما حصل فهو منجّز ولا يمكن تجريده عن المنجزية والحجية ، والدليل على ذلك : ان الأحكام الشرعيّة تنقسم كما تقدّم الى قسمين : واقعية وظاهرية ، والترخيص المتصوّر في موارد القطع بالتكليف انما هو في الاحكام الواقعية إذ انّ الأحكام الظاهرية لا وجود لها في موارد القطع إذ اننا قلنا في محلِّه إن الأحكام الظاهرية اُخذ في موضوعها الشك في الحكم الواقعي أو أنها تثبت في موارد الشك ، ولا شك في مفروض الكلام إذ اننا نتحدّث عن الترخيص في موارد القطع ولا يتصوّر فيه الترخيص الظاهري لعدم وجود موضوعه وهو الشك والاحكام تابعة وجوداً وعدماً لموضوعاتها ، إذن الترخيص الذي يُبحث عن امكانه وعدم امكانه في المقام انما هو في الاحكام الواقعية إذ هي التي لم يُؤخذ في موضوعها ولا في موردها الشك .
ومع اتّضاح هذه المقدّمة نقول : انّ الترخيص في التكليف الثابت بواسطة القطع مستحيل لأنه يلزم منه اجتماع الضدّين وذلك لأنّ التكليف لمّا كان ثابتاً بالقطع فهو واقعي فلو حكم المولى بالإباحة لذلك الشيء الذي ثبتت حرمتُهُ مثلا فهذا يعني ان المولى قد جعل حكماً واقعياً آخر لنفس ذلك الشيء ، وهذا يؤول الى ثبوت حكمين متغايرين لموضوع واحد ، الاول هو الحرمة الثابتة للقطع ، والثاني هو الاباحة الواقعية ، وبه يثبت اجتماع الضدّين إذ اننا قلنا في محلّه ان الأحكام التكليفية متضادّة فيما بينها ، فلا يمكن اجتماع حكمين متغايرين على موضوع واحد .
وبهذا البيان يتّضح استحالة الترخيص في التكاليف الثابتة بالقطع .
وهنا لابدّ من التنبيه على أمر وهو انّ المراد من الترخيص الذي يستحيل في موارد القطع بالتكليف هو الترخيص مع عدم التنازل عن التكليف الثابت بالقطع لا الترخيص الذي هو عبارة عن تبديل المولى حكمه بنسخ مثلا إذ ان هذا ليس من اجتماع الضدّين بل هو من قبيل استبدال حكم بآخر .
وفرض الكلام هو القطع بعدم تبديل المولى لحكمه ، اذ ان هذا هو معنى القطع بالتكليف فكيف نُصغي للترخيص ونحن نقطع بفعليّة التكليف  ، وهل هذا الاّ من اجتماع الضدّين ـ لا اقل في إعتقاد القاطع ـ أو من قيام الحكم الظاهري في موارد القطع بالحكم الواقعي .
اذا اتّضح كل ما ذكرنا يتّضح الفرق بين الانكشاف القطعي وبين الانكشاف الغير القطعي فإنهما وان كانا يشتركان في ان كلاًّ منهما منجّز الا ان الأول ـ وهو الانكشاف القطعي ـ لا يمكن الترخيص في ترك متعلّقه بخلاف الانكشاف الغير القطعي فإنه يمكن الترخيص في مورده وذلك لأن الترخيص حكم ظاهري بالاباحة والحكم الظاهري موضوعه أو مورده الشك وعدم العلم وهو حاصل في موارد الانكشاف الظني والاحتمالي .
وبهذا يتّضح معنى قول المصنّف انّ منجزيّة القطع غير معلّقة بخلاف منجزيّة الظن والاحتمال فإنها معلّقة على عدم الترخيص ، فالظن بالتكليف مثلا منجزٌ الا انْ يُرخِّص المولى في تركه وكذلك الاحتمال ، وهذا لا يقال في القطع بالتكليف اذ يستحيل الترخيص في متعلّقه فهو اذنْ غير معلّق بل هو منجزٌ دائماً وأبداً .
الجهة السادسة من المبحث الثالث : والحديث فيها عن معذّرية القطع وعن الحدود التي يكون المكلّف فيها معذوراً في تركه التكليف المولوي .
أقول : انّ تنقيح هذا المطلب يرتبط ايضاً بمدى سعة أو ضيق حق الطاعة للمولى ، فالاحتمالات الثبوتيّة في المقام ثلاثة :
الأوّل : ان موضوع حق الطاعة هو التكليف في لوح الواقع وليس لانكشاف ذلك بايِّ نحو من أنحائه داخلة في الموضوع بل الموضوع لحق الطاعة هو التكليف المولوي في نفس الأمر والواقع ، فكلّما كان هناك تكليف ـ ولو لم يصل بايِّ نحو من أنحاء الوصول ـ فالمكلّف مسؤول عن امتثاله . وبناءً على هذا الاحتمال لا يكون القطع بعدم التكليف معذّراً فضلا عمّا إذا كان المكلف يظنّ بالتكليف او يحتمله ، ومن هنا لو قطع المكلّف بعدم التكليف فتركه واتفق وجوده في الواقع فإنَّ للمولى ان يعاقبه على تركه اذ انّ ذلك حق له تعالى بناءً على هذا الاحتمال اذ انه يفترض ان حق الطاعة موضوعها التكليف المولوي بغضّ النظر عن قطع المكلّف بثبوته أو قطعه بعدمه أو ظنه بثبوته واحتماله لعدمه او احتماله بثبوته وظنّه بعدمه .
الثاني : ان يكون موضوع حق الطاعة هو القطع بالتكليف فليس التكليف بنفسه منجزاً وموجباً للمسؤولية بل ان الموجب لطاعة المولى هو التكليف المقطوع به وبناءً على هذا الاحتمال لا تكون للمولى حق الطاعة في غير موارد القطع بالتكليف ، فلو كان هناك تكليف في الواقع الا ان المكلف يقطع بعدمه أو لا يقطع بوجوده ـ بل يظن او يحتمل ـ فهو كاف في عدم مسؤوليّته عن ذلك التكليف اذ ان موضوع حق الطاعة ـ بناءً على هذا الاحتمال ـ ليس هو التكليف بما هو ، وليس هو التكليف الواصل بمرتبة الظن أو الاحتمال ، بل هو التكليف الواصل بمرتبة القطع ، فلذلك يكون المكلّف معذوراً حتى في موارد الظن بالتكليف أو احتماله فضلا عن القطع بعدم وجوده .
الثالث : وهو أن موضوع حق الطاعة هو التكليف الواصل بأيِّ نحو من أنحاء الوصول ، أي سواءً كان واصلا بالقطع أو بالظن أو بالاحتمال ، والفارق بين هذا الاحتمال والاحتمال الثاني هو : ان الثاني اُفترض الموضوع فيه ـ لحق الطاعة ـ التكليف الواصل بالقطع فقط ، اما هذا الاحتمال فموضوع حق الطاعة فيه هو التكليف الواصل والمنكشف باي نحو من انحاء الانكشاف ، والثمرة التي تظهر بين الاحتمالين الثاني والثالث هي انه بناءً على الثاني لا يكون المكلّف مسؤولا الا في موارد القطع بالتكليف وبالتالي يكون معذوراً في مخالفة التكليف الواقعي إذا كان وصوله بنحو الظن أو الاحتمال فضلا عمّا اذا كان المكلّف قاطعاً بعدم التكليف ، وأما بناءً على الاحتمال الثالث فالمكلّف لا يكون معذوراً الا في موارد القطع بعدم التكليف اما في حالة وصول التكليف وصولا ظنياً أو إحتمالياً ، فالمكلّف مسؤولٌ عن ذلك التكليف .
اذا اتّضحت هذه الاحتمالات الثبوتية نصل لبيان ما هو مقتضى مقام الإثبات وانه أيُّ الاحتمالات التي قام الدليل على صحّتها وأيُّها قام الدليل على عدم صحّتها ، فنقول :
ان الاحتمال الأول ـ وهو الذي يفترض أنّ حق الطاعة ثابتٌ للمولى حتى في موارد القطع بعدم التكليف ـ فهو باطل قطعاً لاستحالة ان يحكم العقل بلزوم امتثال التكاليف التي يقطع المكلّف بعدمها اذ على اي مستند يعتمد المكلف في امتثاله للتكاليف في حين انه يقطع بعدمها فحتى الاحتياط في مثل هذه الموارد غير معقول ، فبأيِّ وسيلة يتوسّل العقل بتحريك المكلّف بعد ان كان قاطعاً بعدم التكليف .
وبعبارة اُخرى : ان المولى غير قادر على تحريك المكلّف نحو الامتثال بعد ان كان المكلّف قاطعاً بعدمه الا ان يُلجأه او يجبره وهو خلف الفرض ، ولا العقل قادرٌ على ذلك بعد استحالة الاحتياط في مثل هذه الموارد .
واما الاحتمال الثاني وهو انَّ موضوع حق الطاعة هو التكليف الواصل بالقطع دون الظن أو الاحتمال فهو ما ذهب اليه مشهور الاُصوليّين لقاعدة «  قبح العقاب بلا بيان » ، والظن والاحتمال ليس بياناً فلا يكون منجّزاً بل ان المكلّف معذورٌ في المخالفة لو اتفقت ، نعم لا يكون معذوراً في تركه للتكليف لو كان قاطعاً به .
واما الاحتمال الثالث هو ان موضع حق الطاعة هو التكليف الواصل بايِّ نحو من انحاء الوصول (القطعي والظني والاحتمالي) فهو ما تبنّاه المصنّف  (رحمه الله) واستدلّ عليه فيما سبق بان ذلك هو ما يدركه العقل العملي من ان مولانا سبحانه وتعالى الذي هو وليُّ نعمتنا تتّسع حدود استحقاقه للطاعة حتى موارد الظن والاحتمال .
وهكذا نصل الى النتيجة التي هي الغاية من هذا البحث وهي معذّريّة القطع ، وأن القاطع بعدم التكليف لا يكون مسؤولا عن ذلك التكليف لو كان ثابتاً في نفس الأمر والواقع خلافاً للاحتمال الأول ، فالمشهور والمصنّف يتّفقون على معذّريّة القطع .
هذا تمام الكلام في المبحث الثالث بجهاته السِّت ، وقد صنّفناه الى هذه الجهات تسهيلا على الطالب الكريم .
قوله (رحمه الله) : « من يحكم العقل بوجوب امتثاله واستحقاق العقاب على مخالفته » ، الظاهر أنَّ في العبارة سقط ، ولعلَّ واقع العبارة هكذا : « مَن يحكم العقل بوجوب امتثال أمره واستحقاق العقاب على مخالفته » وعلى أي حال فهذا هو مقصود المصنّف (رحمه الله) .
قوله (رحمه الله) : « إنّ القطع بتكليف مَن يجب امتثاله يجب امتثاله » ، الظاهر أنَّ هذه العبارة غير مستقيمة ، ولعلَّهُ خطأ مطبعي وحق العبارة أن تكون بهذه الصياغة : « إنَّ القطع بتكليف مَن يجب امتثال أمره يجب امتثاله » ، أي متعلّق القطع والتكليف المقطوع .
قوله (رحمه الله) : « وهذا تكرار لما هو المفترض » ، أي أنَّ محمول القضية (يجب امتثاله) تكرار للموضوع المفترض ، وعبَّر عن الموضوع بالمفترض لأنَّهُ لوحظ مقدّر الوجود وصيغ الموضوع بصورة يتناسب مع لحاظه مقدر الوجود ، حيث أنَّ القضيّة التي صاغها السيد الشهيد قضيّة شرطيّة .
قوله (رحمه الله) : « والذي ندركه بعقولنا » ، هذا الإدراك مِن مدركات العقل العملي ، إذ أنّه يستتبع جرياً عملياً .


المبحث الرابع

في التجرّي :
وقبل بيان ما هو الغرض من هذا البحث لابدّ من شرح معنى التجرّي والفرق بينه وبين المعصية ، فنقول :
ان المعصية هي : مخالفة تكاليف المولى المعلومة مع افتراض أنها تكاليف واقعية ، فالمكلّف اذا كان يعلم ان شرب الخمر حرام ومع ذلك شرب الخمر واتّفق ان ما قطع به من حرمة شرب الخمر مطابق للواقع فهذا المكلّف عاص ، والفعل الذي ارتكبه يُسمّى معصية .
إذن المعصية تتقوّم بشيئين : الأول : مخالفة التكليف المعلوم ، الثاني : مطابقة ذلك التكليف المعلوم للواقع ، فاذا تحقّق كلا القيدين فقد تحقّقت المعصية .
واما التجرّي فهو : عبارة عن مخالفة التكاليف المعلومة مع افتراض أنَّ هذه التكاليف ليست تكاليف واقعاً وإنَّما المكلف كان يقطع بكونها تكاليف .
فلو قطع المكلّف مثلا بوجوب صلاة الجمعة ومع ذلك خالف ولم يصلِّ ، واتّفق أنَّ قطعه كان خاطئاً وأنّ صلاة الجمعة ليست واجبة فإنَّ هذا المكلّف مُت