عودة للصفحة الرئيسية

 


يتبع 2... علم الأصول ( الجزء الأول )

 

الفهرس

 

 

 الأدلّة المحرزة





1 ـ الدليل الشرعي
2 ـ الدليل العقلـي



الأدلّة المحرزة

والكلام فيها يقع في نوعين من الأدلّة التي تكشف عن الحكم الشرعي الأعم من الكشف التام أو الكشف الناقص .
والأوّل منها هو : الدليل الشرعي .
والثاني هو : الدليل العقلي .

تقسيم البحث في الأدلّة المحرزة :
قلنا في ما سبق أنّ ضابطة المسألة الاُصولية : هي كل قضية يمكن أن تقع في طريق استنباط كثير من الأحكام الشرعية في مختلف الأبواب الفقهيّة .
وإذا لاحظنا الأدلة الاثباتيّة المحرزة نجد أنّ ضابطة المسألة الاُصولية تنطبق عليها تمام الانطباق وذلك لأنّ الأدلة الاثباتية المحرزة الأعم من القطعية وغير القطعية يمكن أن يُستفاد منها في استنباط كثير من الأحكام الشرعية من مختلف الأبواب الفقهيّة ، فخبر الواحد مثلا وكذلك ظواهر الكتاب العزيز لهما الصلاحية ـ لو تمّت حجّيتهما ـ لإثبات كثير من الأحكام الشرعية المتفرقة في أبواب الفقه .
ولهذا يبحث الاُصولي عن دلالة هذه الأدلة وعن حجّيتها لعظم الفائدة المترتّبة على ذلك في البحث الفقهي .
ومع اتضاح هذه المقدمة نشرع في بيان أقسام الأدلة المحرزة والتي ـ  كما قلنا ـ تكشف عن الأحكام الشرعية ، فنقول :
أنّ الأدلة المحرزة تنقسم باعتبار مقدار كشفها إلى قسمين :
القسم الأوّل : الدليل القطعي ، والذي فرغنا عن حجيته ومثبتيّته للحكم الشرعي بنفسه وبقطع النظر عن الشارع ، نعم قد يُساهم الشارع في إيجاد القطع عن طريق إيجاد مقدّمات شرعية توجب القطع للمطّلع عليها ولكنّ هذا غير الحجية كما هو واضح ، إذ الحجية مترتّبة على تنقّح القطع في مرحلة سابقة والشارع لم يساهم في إيجادها وإنما ساهم في إيجاد القطع الذي هو موضوع الحجية .
القسم الثاني : هو الدليل الظني المُعبَّر عنه بالأمارة ، وهذا النوع من الأدلة لم نفرغ عن حجيّته ومثبتيّته للأحكام الشرعية ، والبحث الاُصولي هو المتكفّل بإثبات حجيّته ، ولابدّ في إثبات حجّيته من قيام دليل قطعي على ذلك وإلاّ للزم التسلسل إذ أنّه إذا لم يقم الدليل القطعي على حجّيته فهذا يعني قيام دليل ظني على حجّيته ، فينسحب الكلام الى ذلك الدليل الظني الآخر ، وانه ما هو الدليل على اعتباره فإن كان الدليل الذي دلَّ عليه ظني أيضاً تسلسل وإن كان قطعياً ثبت المطلوب وهو ان الدليل الظني قد قام الدليل القطعي على دليليّته وحجّيته ، وهذا هو معنى قولهم : انّ كلّما بالعرض يرجع الى ما بالذات ، حيث أنّ الحجّية لو ثبتت للدليل الظني فهي حجية عرضية ليست ناشئة عن مقام الذات للدليل الظني ، فلذلك يمكن أن تعرض وتثبت له الحجية ، ويمكن أن لا تثبت ، فخبر الواحد والقياس كلاهما دليل ظني ولكن الأوّل ثبتت له الحجية والآخر لم تثبت له .
وهذا بخلاف الدليل القطعي فإنَّ الحجية له ناشئة عن مقام الذات للقطع فلذلك لا يمكن التفصيل في حجيّته بأن يقال أن القطع بالتكليف المولوي تارة يكون حجة وتارة يكون غير حجة ، إذن لابدَّ في مقام إثبات الحجية للدليل الظني من قيام دليل قطعي على ذلك .
والمتحصّل مما ذكرناه أنَّ الدليل المحرز باعتبار مرتبة كشفه ينقسم الى قسمين : الأول : الدليل القطعي ، الثاني : الدليل الظني .

تقسيم آخر للأدلة المحرزة :
ويمكن تقسيم الدليل المحرز بكلا قسميه « القطعي والظني » الى تقسيم آخر ، ولكن بلحاظ منشئه وسبب كشفه .
فالدليل المحرز بهذا اللحاظ ينقسم الى قسمين :
القسم الأوّل : الدليل الشرعي : وهو كل دليل دلَّ على حكم شرعي بواسطة الشارع المقدّس ، وذلك مثل النص القرآني ، ومثل ظواهر الكتاب ، فإنَّ النص القرآني وكذلك ظواهر الكتاب يكشفان عن الحكم الشرعي ، ومنشأ تسمية هذا الدليل بالشرعي هو أنَّ هذا النوع من الأدلة جاء بها الشارع المقدّس ، فالقرآن الكريم بنصوصه وظواهره وكذلك السنّة الشريفة سواء ما وصل منها عبْر التواتر أو عن طريق أخبار الثقات كلّها أدلة شرعية باعتبار انتسابها الى الشارع المقدّس .
القسم الثاني : الدليل العقلي : وهو عبارة عن المدركات أو قل القواعد العقلية التي يمكن لها أن تساهم في إثبات حكم شرعي ، مثل قاعدة « أنَّ وجوب الشيء يقتضي وجوب مقدّمته » وقاعدة « أنَّ وجوب الشيء يقتضي حرمة ضدّه » وكذلك قاعدة « الحسن والقبح العقليّين » ، فهذه كلّها مدركات عقلية يمكن لها « لو تمّت » أن تساهم في استنباط حكم شرعي .
وتفصيل الكلام يأتي في بحث الدليل العقلي إلاّ أننا سوف نبيّن ـ  وبشكل إجمالي ـ كيفيّة مساهمة مثل هذه القضايا العقلية في إثبات حكم شرعي ، فنقول :
لو أخذنا مثلا القاعدة العقلية وهي : « أنَّ وجوب الشيء يقتضي وجوب مقدّمته » ، فعندنا في المقام حكمان شرعيّان أحدهما معلوم والآخر مجهول .
أمّا الحكم المعلوم فهو وجوب شيء مثل الحج ، وأمّا الحكم المجهول فهو جوب مقدّمة الحج مثل السفر إذ أنَّ المقدمة بحسب الفرض لم يقم دليل شرعي على وجوبها وإنما الذي قام عليه الدليل الشرعي هو وجوب ذي المقدّمة وهو الحج في المثال . وهنا يأتي دور القاعدة العقلية « ان وجوب شيء يقتضي وجوب مقدّمته » لغرض إثبات الحكم الشرعي وهو وجوب المقدّمة ، وذلك عن طريق إدراك العقل للملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمة ذلك الشيء ، فالمُدرك العقلي صار سبباً وواسطة في إثبات وجوب المقدّمة ، وهذ هو معنى مساهمة العقل في إثبات حكم شرعي . وقلنا أنّه يساهم في إثبات الحكم الشرعي لأنه ليس هو وحده الذي أثبت الوجوب بل مع شيء آخر ، وهذا ما سيأتي توضيحه في محلّه .
والمتحصّل من كل ما ذكرناه : أنَّ الدليل العقلي هو المُدرَك العقلي الذي يقع واسطة في طريق إثبات حكم شرعي .


تقسيم الدليل الشرعي :
عودة الى الدليل الشرعي لغرض تقسيمه وبيان المباحث التي تؤهّله لإثبات الأحكام الشرعيّة .
وقد عرفت مما سبق أنَّ الدليل الشرعي هو الدليل المنتسبة دليليّته الى الشارع المقدّس وذلك في مقابل الدليل العقلي الذي يرجع في دليليّته الى المدركات العقلية .
ومن هنا لابدَّ من معرفة ما ينقسم عليه الدليل الشرعي سواء كان قطعيّاً أو ظنيّاً ، فنقول : أنَّ الدليل الشرعي على قسمين :
القسم الأوّل : وهو ما يكون من قبيل الخطابات الصادرة عن الشارع المقدّس كالقرآن الكريم والأحاديث الواصلة إلينا عن طريق المعصومين (عليهم السلام) ، وهذا ما يُسمَّى بالدليل الشرعي اللفظي .
القسم الثاني : وهو ما يكون من قبيل السِّيَر العقلائيّة الممضاة من الشارع ومن قبيل الروايات الحاكية عن فعل المعصوم (عليه السلام) وتقريره ، وهذا ما يُسمَّى بالدليل الشرعي غير اللفظي .
ومع اتّضاح معنى الدليل الشرعي ، وما ينقسم عليه من أدلّة لفظيّة واُخرى غير لفظية ، نصل الى ما هو العمدة في البحث الاُصولي عن الدليل الشرعي ، وهو : البحث عنه من حيث مفاده ، ومتى يتحقّق خارجاً ، وما هو الدليل على حجّيّته .
وبعبارة اُخرى : يمكن تصنيف المباحث التي تُبحث في الدليل الشرعي إلى ثلاثة مباحث :
المبحث الأول : يتصدَّى لشرح مدلولات الدليل الشرعي وكيفيّة الاستفادة منها ، ولتوضيح ذلك نقول :
أنّه لا يمكن الاستفادة من الدليل الشرعي ما لم نحدّد الضوابط العامّة لمدلولاته ، فالدليل الشرعي قد يثبت لنا أنّه صادر عن الشارع المقدّس وتثبت لنا حجّيته أيضاً ولكن ذلك وحده لا ينفع لإثبات الأحكام الشرعية كالوجوب والحرمة وذلك لأنّه أيُّ جدوى لكلام نُحرز أنه صادر عن الشارع وأنه حجة ولكننا لا نعرف معناه والمراد منه ولذلك يتصدى المبحث الأول لهذه المهمَّة ، فيبحث عن الضوابط العامّة التي توجب فهم الدليل الشرعي ، وقلنا الضوابط العامة للاحتراز عن مدلولات الدليل الشرعي التي لا يُستفاد منها الا في مورد أو موردين فإنّ بحث مثل هذه المدلولات من وظائف الفقه ، أمّا الاُصول فهو يبحث عن الضوابط العامّة والتي هي مطّردة ونافعة في استنباط كثير من الأحكام الشرعيّة ، ومثال هذه الضوابط التي يُبحث عنها في علم الاُصول بحث الأوامر والاطلاق والمفاهيم .
المبحث الثاني : وهو ما يبحث فيه عن صغرى الدليل الشرعي .
وتوضيح ذلك : إنَّ واقع الدليل الشرعي هو النتيجة الحاصلة من قياس منطقي صغراه أنَّ هذا الخطاب أو هذا الإمضاء ثابت عن الشارع وكبراه أنَّ كلَّ ما ثبت عن الشارع فهو حجة ، فتكون النتيجة أنّ هذا الخطاب أو هذا الإمضاء حجّة . وهذه النتيجة هي الدليل الشرعي .
إذن صغرى الدليل الشرعي هي صغرى القياس الذي تكون نتيجته الدليل الشرعي .
مثلا :
* القرآن الكريم صادر عن الشارع * وكلما صدر عن الشارع فهو حجّة * إذن القرآن الكريم حجّة
فنتيجة هذا القياس ـ وهي أنّ القرآن الكريم حجّة ـ هي : الدليل الشرعي . وصغرى هذه النتيجة ـ وهي أنَّ القرآن صادر عن الشارع ـ صغرى الدليل الشرعي ، والبحث هنا يقع عن هذه الصغرى وأنّه متى تثبت هذه الصغرى . فقولنا : انّ القرآن الكريم صادر عن الشارع دعوى تحتاج الى دليل ، والذي يتصدَّى لإثبات هذه الدعوى والاستدلال عليها هو هذا البحث ، وكذلك الكلام في خبر الثقة مثلا ، فقولنا : إنّ خبر الثقة صادر عن المعصوم هو صغرى لقياس نتيجته الدليل الشرعي ، وهذه الصغرى محتاجة الى دليل والذي يتصدّى لإثبات ذلك هو هذا البحث .
وإذا أردنا أن نعمّق هذا البحث أكثر نقول : أنَّ هذه الصغرى هي نتيجة لقياس آخر غير الذي شكلّناه ، صغراه تُبحث في غير هذا العلم وكبراه هي التي تُبحث في هذا المبحث ـ الذي هو المبحث الثاني من مباحث الدليل الشرعي ـ ونتيجته هي التي تقع صغرى في القياس الأول ، مثلا :
* أنَّ هذا الخبر خبر ثقة * وكل خبر ثقة فهو صادر عن المعصوم * إذن هذا الخبر صادر عن المعصوم
تلاحظون أن صغرى هذا القياس تبحث في غير علم الاُصول فإنَّ إثبات أنَّ هذا خبر ثقة من شؤون علم الرجال ولا صلة له بعلم الاُصول .
وتلاحظون أنَّ النتيجة هي الصغرى في القياس الأول ، أمّا الكبرى ـ  وهي أنَّ كل خبر ثقة فهو صادر عن المعصوم (عليهم السلام) ـ فهي التي نبحث عنها هنا إذ أننا نبحث في المقام عن الدليل الذي يدلّ على أنَّ كل خبر ثقة فهو صادر عن المعصوم .
إذن فنحن هنا نبحث عن الكبرى ـ في القياس الثاني ـ التي تُنقّح الصغرى في القياس الأول ، فالبحث في المقام ليس عن معنى وحقيقة الصغرى في الدليل الشرعي بل البحث عن الدليل الذي يدل على ثبوت الصغرى . فلذلك قال المصنّف (رحمه الله) : « أنَّ المبحث الثاني عن ثبوت صغرى الدليل الشرعي » ولم يقل عن نفس صغرى الدليل الشرعي .
والمتحصّل مما تقدّم أنَّ صغرى الدليل الشرعي هي الصغرى التي تقع في قياس نتيجته الدليل الشرعي . والبحث هنا عن اثباتها وما هو الدليل عليها ، فنحن هنا نبحث عن الدليل الذي يدلّ على أنَّ القرآن صادر عن الله عزّوجلّ ، وعن الدليل الذي يدلّ على أنّ خبر الثقة صادر عن المعصوم وهكذا .
ولعلّك تسأل عن موقع المبحث الأول في القياس الأول الذي شكّلناه وما هو الفرق بين موقعه وموقع المبحث الثاني أليس المبحث الأول يُبحث فيه أيضاً عن صغرى الدليل الشرعي ؟
والجواب :
هو أنَّ الذي يبحث عنه في المبحث الأول هو الحدُّ الأصغر لصغرى ذلك القياس .
وبتعبير آخر : أنّ الذي يُبحث عنه في المبحث الأول هو الحد الأصغر الذي يقع موضوعاً في نتيجة هي الدليل الشرعي .
ولتوضيح ذلك نقول : ان المبحث الأول كما قلنا هو ما يبحث فيه عن مدلولات الدليل الشرعي ، وهذا يعني أن المبحث الأول يتكفل ببيان المراد من الخطاب والإمضاء الشرعيّين .
وعليه فلنرجع الى القياس الأوّل الذي شكّلناه لنرى ما هو موقع المبحث الأول من هذا القياس :
* القرآن الكريم صادر عن الشارع * وكلما صدر عن الشارع فهو حجّة * إذن القرآن الكريم حجّة
وإذا تأمّلنا في هذا القياس نعرف أنَّ ما يبحث عنه في المبحث الأول ليس هو صغرى في هذا القياس ولا هو كبرى بل هو الحد الأصغر في صغرى هذا القياس « وهو القرآن الكريم » فنحن في المبحث الأوّل نبحث عن مدلولات القرآن الكريم والذي هو أحد الخطابات الشرعية .
وبتعبير آخر : انما ما يُبحث عنه في المبحث الأول هو الحدُّ الأصغر الواقع موضوعاً في نتيجة هي الدليل الشرعي ، فالنتيجة في هذا القياس هي « القرآن الكريم حجّة » وهي معنىً آخر للدليل الشرعي كما هو واضح  ، وموضوع هذه النتيجة « هو القرآن الكريم » والمبحث الأول يبحث عن القرآن الكريم من حيث مداليله .
والمتحصّل من الفرق بين هذين المبحثين ان المبحث الثاني يبحث عن تمام القضية الواقعة في صغرى هذا القياس ، فهو يبحث عن الدليل على ان القرآن صادر من المولى عزّوجلّ ، واما المبحث الأول فهو يبحث عن موضوع هذه الصغرى وهو القرآن الكريم مثلا من حيث ما يدلّ عليه من مدلولات .
المبحث الثالث : ـ من مباحث الدليل الشرعي ـ هو ما يبحث فيه عن حجية الدليل الشرعي وان الخطابات والامضاءات الصادرة عن الشارع حجة او غير حجة ؟
فنبحث مثلا عن حجية القرآن الكريم بعد الفراغ عن صدوره ، ونبحث عن حجية خبر الثقة بعد الفراغ عن صدوره ، وهكذا .
فالبحث إذن عن كبرى القياس الذي نتيجته الدليل الشرعي ، ولمزيد من التوضيح نرجع الى القياس الأول الذي شكّلناه وهو أن :
* القرآن الكريم صادر عن الشارع * وكلما صدر عن الشارع فهو حجّة * إذن القرآن الكريم حجّة
واذا تأمّلنا في القياس وجدنا أن كبراه هي ما يبحث عنها في المبحث الثالث « وهي كلّما صدر عن الشارع فهو حجّة » ، فنبحث عن هذه القضية من حيث ما هو الدليل عليها اي ما هو الدليل على ان القرآن ـ الذي ثبت صدوره عن الشارع ـ حجة .
ومعنى أننا نبحث عن الدليل على هذه الكبرى هو أننا نشكّل قياساً منطقيّاً آخر تكون هذه الكبرى هي نتيجته ، فنقول مثلا في مقام الاستدلال على هذه الكبرى :
* ان هذا القرآن الكريم صادر عن الشارع *  ومولويّة الشارع تقتضي حجية ما يصدر
عنه * إذن الصادر عن الشارع حجة
وتلاحظون ان هذه النتيجة هي عين الكبرى الواقعة في القياس الأوّل والدليل ، على هذه النتيجة هي الكبرى الواقعية في هذا القياس « الثاني » .
إذن فنحن لا نبحث في المبحث الثالث عن نفس كبرى القياس الأول  ، بل نبحث عن ما هو الدليل على هذه الكبرى ، فنقول مثلا : ان الدليل على حجية الصادر عن الشارع هو حكم العقل بوجوب طاعة المولى ، نعم قد نستدلّ على حجية الصادر عن الشارع بادلة إثباتية اخرى الا انها ترجع روحاً الى ما يحكم به العقل من وجوب طاعة المولى جلّ  وعلا  .
والمتحصَّل من كلّ ما ذكرناه في المباحث الثلاثة هو : ان المبحث الثاني يبحث عن صغرى القياس الأول من حيث ما هو الدليل عليها ، والمبحث الثالث يبحث عن كبرى هذا القياس من حيث ما هو الدليل عليها .
وأما المبحث الأول فهو يبحث عن الحدِّ الأصغر في الصغرى من نفس هذا القياس من حيث دلالته ، وما هو المراد منه ، أو قل ان المبحث الأول يبحث عن موضوع نتيجة هذا القياس اي عن موضوع الدليل الشرعي .
هذا هو روح المباحث الثلاثة وقد اطلنا في بيانها لأن فهم كثير من المطالب الآتية يتوقّف على فهمها .
اذا اتّضح كل ما ذكرناه ، فلنشرع في بيان هذه المباحث الثلاثة إلاّ أنه وقبل بيان هذه المباحث لابدَّ من طرح مجموعة من المطالب لها تأثير على سير البحث في المباحث الثلاثة .

 



المطلب الأول

الأصل عند الشك في الحجّة

والكلام في هذا المطلب يقع في جهتين :

الجهة الاُولى : في بيان المراد من الأصل عند الشك في الحجية .
الجهة الثانية : في بيان ما هو الأصل عند الشك في الحجية ، هل هي
الحجية أو عدم الحجية ؟
الجهة الاُولى : ـ والتي هي في بيان المراد من الأصل عند الشك في الحجية ـ تحتاج الى بيان أمرين :
الأول : هو بيان المراد من الأصل .
الثاني : هو بيان المراد من الشك في الحجية .
ونبدأ بالأمر الثاني ـ والذي هو : بيان المراد من الشك في الحجية لتوقف فهم الأول عليه ـ فنقول : ان المراد من الشك في الحجية هو عدم إحراز ثبوت المنجزية والمعذرية لدليل ظني من الأدلة ، مثلا الشهرة الفتوائية لو بحثنا عن دليلها فلم نجد لها دليلا يُثبت لها الحجية ـ المنجزية والمعذرية ـ .
وبعبارة اُخرى : لو بحثنا عن الدليل على الشهرة الفتوائية فلم نعثر على دليل لها يثبت على أنها صالحة للكشف عن حكم شرعي أو نفي حكم شرعي ، ففي مثل هذه الحالة نشك في حجية الشهرة الفتوائية إذ ليس عندنا ما يثبت الحجية كما أنه لا نجزم بعدم حجيتها وصلاحيتها للكشف عن الحكم الشرعي ، فنحن إذن نشك في ثبوت الحجية للشهرة وعدم ثبوتها ، وهذا هو معنى الشك في الحجية .
وأمّا الأمر الأول : ـ الذي هو بيان المراد من الأصل ـ فتوضيحه ان المقصود من الأصل في المقام هو المرجع الذي نستند إليه في موارد الشك في الحجية ، ففي المثال السابق حينما شككنا في حجية الشهرة الفتوائية ولم نعثر على دليل يُثبت لها الحجية أو عدم الحجية ، نحتاج للبحث عن ما هو المرجع في مثل هذه الحالة ، وهل المرجع هو تنجّز الشهرة الفتوائية ولزوم العمل بمقتضاها ، او ان المرجع هو عدم تنجّز الشهرة وعدم لزوم العمل بمفادها ، وبالتالي لابدَّ من الرجوع الى الاُصول العملية الجارية في المقام ، وهذا يعني عدم الالتفات الى الشهرة الفتوائية وتنزيلها منزلة العدم .
إذن لو كان الأصل عند الشك في الحجية يقتضي الحجية ، فهذا يعني ان الشهرة الفتوائية ـ المشكوك في حجّيتها ـ حجة اي مرجع ومستند لإثبات مفادها ، فلو كان مفادها الحرمة فيجب الالتزام بالحرمة وعدم الرجوع الى أصالة البراءة العقلية ـ بناءً على جريانها في موارد الشك ـ ولو كان مفادها الاباحة فيمكننا الالتزام بالاباحة وتجاوز الاحتياط العقلي ـ بناءً على جريانه في موارد الشك ـ .
أما لو كان الأصل عند الشك في الحجة يقتضي عدم الحجية ، فهذا يعني ان الشهرة الفتوائية المشكوك في حجيتها ليست حجة وليست مرجعاً لاثبات مفادها ، بل ان المرجع حينئذ هي الاُصول العملية الجارية في موارد الشك .
وباتّضاح هذين الأمرين تتّضح الجهة الاُولى من هذا المطلب وهي أنه ما المراد من الأصل عند الشك في الحجية .
الجهة الثانية : في بيان ما هو الأصل عند الشك في الحجية ، هل هو الحجية أو عدم الحجية ؟
وقبل بيان ذلك لابدّ من تحرير محل النزاع ، فنقول : ان الادلّة ـ الأعم من الشرعية والعقلية ـ تتصوّر على أربعة أنحاء :
النحو الأول : ما نقطع بحجيته ، اي ما نحرز بأنه طريق لاثبات الأحكام الشرعية ، وذلك مثل القرآن الكريم والسنة المتواترة والأحكام العقلية القطعية كالحسن والقبح العقليّين .
وهذا النحو من الأدلة خارج من محلّ النزاع لأن محلّ النزاع هو الشك في الحجية وهنا نقطع بالحجية .
الثاني : ما نقطع بعدم حجيّته وعدم طريقيته لاثبات الأحكام الشرعية ، وذلك مثل خبر الكذّاب والنصوص الشرعية المجملة والقياس الحنيفي والاستحسان والمصالح المرسلة وسدّ الذرايع .
وهذا النحو من الأدلة خارج ايضاً عن محلّ النزاع ، وذلك للقطع بعدم الحجية ومورد الكلام هو الشك في الحجية .
الثالث : ما نشك في حجّيته وصلاحيّته للكشف عن الأحكام الشرعية ، إلا إننا وجدنا في مقام البحث ما يدل على حجيّته ، وذلك مثل خبر الثقة وظواهر الكتاب ، فاننا وان كنّا بدواً نشكّ في حجّيتها إلا أننا وجدنا ما يدلُّ على حجّيتهما ، وهذا النحو من الأدلة خارج ايضاً عن محلّ النزاع ، اذ محلّ النزاع هو الشك في الحجية استمراراً وهذا النحو من الأدلة وان كنّا نشك في حجّيتها إبتداء ولكن هذا الشك قد زال بواسطة قيام الدليل القطعي على حجّيتها .
الرابع : ما نشك في حجّيته وصلاحيته للكشف عن الأحكام الشرعية ولم نعثر على دليل قطعي يثبت له الحجية أو ينفيها ويمكن التمثيل لذلك بالشهرة الفتوائية ، وبقول اللغوي وبالاجماع المنقول ; وهذا النحو من الأدلة هو محلُّ النزاع في المقام .
ومع اتضاح محلِّ النزاع نقول : ان الصحيح هو عدم الحجية في موارد الشك في الحجية ، فإذا شككنا في حجية دليل من الأدلّة ولم نعثر على ما يثبت الحجية له أو ينفيها عنها لابدَّ من البناء عملا على عدم الحجية وعدم ترتيب اي أثر على مفاد هذا الدليل المشكوك الحجية ، فكأنّ هذا الدليل في حيِّز العدم ، فكما أننا لو قطعنا بعدم حجية دليل من الأدلة لم نرتّب أي أثر على ذلك الدليل ، فكذلك الكلام في موارد الشك في حجية دليل من الأدلة  ، وهذا هو معنى قول الاُصوليّين ان الشك في الحجية يساوق القطع بعدم الحجية ، فان المراد من مساوقة الشك في الحجية للقطع بعدمها هو إتحاد الشك في الحجية مع القطع بعدمها في النتيجة ، فكما أننا في موارد القطع بعدم الحجية لا نرتّب اي أثر على الدليل المقطوع بعدم حجيّته كذلك يجب أن يكون موقفنا في موارد الشك في الحجية .
ومن هنا فالمرجع في موارد الشك في الحجية هو الاُصول الجارية في كل مورد بحسبه .
ويمكن الاستدلال على هذه الدعوى ـ وهي ان الأصل في الحجية هو عدم الحجية ، وان المرجع في مثل هذا المورد هو الاُصول العملية ـ بهذا الدليل وهو : أنه لا سبيل لرفع اليد عن الاُصول العملية الجارية في موارد الشك في الحجية بعد قيام الدليل القطعي على منجّزيتها ومعذّريتها ، وبعد ان لم يكن هذا الدليل المشكوك الحجية صالحاً لنفي موضوع الأصل العملي الجاري في مورد الدليل المشكوك .
ولمزيد من التوضيح نقول : إن الدليل المشكوك الحجية لا يخلو عن إحدى حالتين إما أن يكون مثبتاً لتكليف أو نافياً لتكليف .
أما الحالة الاُولى : وهي ما إذا كان مفيداً لحكم لزامي كأن يكون مفاده حرمة العصير التمري ، ففي هذه الحالة يكون الأصل العملي الجاري في المقام هو أصالة الحِل ، ولا مبرّر لرفع اليد عن هذا الأصل بعد قيام الدليل القطعي على معذّريته ، إذ ان الدليل المشكوك الحجية لا يرفع موضوع أصالة الحِل ـ وهو الشك ـ إذ أننا بالوجدان نجد ان الشك باقياً على حاله دون ان يؤثر هذا الدليل المشكوك الحجية لرفع الشك ، ومع بقاء موضوع أصالة الحِل تكون هي المرجع في المقام .
وأمّا الحالة الثانية : وهي ما اذا كان الدليل المشكوك الحجية نافياً للتكليف ، كأن يكون مفاده عدم وجوب صلاة الجمعة ، فهنا يكون الأصل الجاري ـ بناءً على مسلك حق الطاعة ـ هو الاحتياط العقلي وهو أيضاً قام الدليل القطعي على حجيّته فلا يمكن رفع اليد عن منجزيّته بالدليل المشكوك الحجية وذلك لعدم صلاحيته لرفع موضوع الاحتياط العقلي الذي هو الظن والاحتمال بالتكليف ، إذ أننا بالوجدان نجد ان الظن أو الاحتمال باقيين على حالهما دون ان يؤثر هذا الدليل المشكوك الحجية لرفع الظن أو الاحتمال بالتكليف ، ومع بقاء موضوع الاحتياط العقلي يكون هو المرجع في مثل المقام .
هذا تمام الكلام في هذا المطلب ، ومنه إتّضح ان الشك في الحجية هو عدم الحجية ، والمرجع في مثل هذه الحالة هو الأصل العملي الجاري في كلّ مورد بحسبه .

 

المطلب الثاني

مقدار ما يثبت بالأدلّة المحرزة

ومن أجل أن يتّضح هذا المطلب لابدّ من بيان مقدّمة .
كلّ دليل سواء كان قطعيّاً أو غير قطعي ، وسواء كان محرزاً أو أصلا عمليّاً يمكن أن يكون له مدلول إلتزامي اضافةً الى مدلوله المطابقي ، ولكي تتّضح هذه الدعوى نذكر مثالا يناسب الدليل المحرز بكلا قسميه : القطعي ، وغير القطعي ; ومثالا يناسب الأدلّة العملية المعبّر عنها بالاُصول العمليّة .
أما ما يناسب الدليل المحرز ، فمثاله : لو أخبر مخبر عن غرق زيد فان هذا الخبر له مدلولان :
الأوّل : هو أن زيداَ قد غرق في الماء ، وهذا ما يسمّى بالمدلول المطابقي  .
الثاني : أن زيداً قد مات ، وهذا هو المدلول الالتزامي للخبر ، إذ ان الخبر وبحسب المدلول اللغوي لألفاظه لا يدل على أكثر من غرق زيد في الماء ، نعم ثبوت غرق زيد ـ وبواسطة مقدمة خارجية وهي ان الغرق موجب للموت ـ قد دلَّ على موت زيد .
إذن ثبوت موت زيد نشأ عن مقدمتين الاولى إخبار المخبر بغرقه والثانية هي العلم الخارجي بان الغرق من موجبات الموت .
وأما ما يناسب الأصل العملي ، فنذكر له مثالا في الاستصحاب ، فنقول : لو كنّا على يقين سابق بحياة زيد ثم شككنا في بقائه على قيد الحياة فان مقتضى الاستصحاب هو أنّ زيداً لا زال حيّاً ، وهذا هو المدلول المطابقي للاستصحاب ، وللاستصحاب مدلول آخر وهو « أن زيداً يأكل ويشرب » وهذا هو المدلول الالتزامي للاستصحاب وهو لا يقتضيه الاستصحاب بنفسه إذ ان الاستصحاب لا يعني أكثر من إسراء الحالة السابقة المتيقّنة الى ظرف الشك ، ومن الواضح أن كون زيد يأكل ويشرب الآن ليس مستفاداً من حاق المستصحَب « حياة زيد » ، نعم هو مستفاد من الاستصحاب باعتبار أنه صار واسطةً في اثبات موضوع الملازمة ، فالاستصحاب أثبت حياة زيد فترتّب اللازم من حياة زيد وهو أنه يأكل ويشرب .
وبعد إتّضاح هذه المقدّمة ، يقع البحث حول الدلالة الالتزاميّة من حيث ثبوت الحجية بالإضافة إلى المدلول المطابقي وعدم ثبوت الحجيّة ، وهل أنه كلّما ثبتت الحجية لدليل فانها تثبت لكلا مدلوليه المطابقي والالتزامي أوْ لا ؟
ويمكن تصنيف البحث الى موارد أربعة نذكرها تباعاً :
المورد الأول : ما إذا كان الدليل من قبيل الأدلة المحرزة القطعيّة ، كما لو قام الدليل القطعي على غرق زيد في الماء وفي مثل هذا المورد لا اشكال فيى ثبوت الحجية لكلا مدلوليه المطابقي والالتزامي ، وذلك لأن القطع بالمدلول المطابقي قطع بالمدلول الالتزامي ، ولذلك قالوا « ان العلم بشيء علم بلوازمه » .
إذن المنشأ لثبوت الحجيّة للمدلول الالتزامي هو العلم بالملازمة ، إذ هو الذي يؤدّي إلى العلم باللازم بعد العلم بتحقّق الملزوم ـ وهو المدلول المطابقي ـ وفي المثال المذكور يكون القطع بغرق زيد قطع بموته ، ولذا يمكن ترتيب جميع الآثار المترتّبة على موت زيد كإعتداد زوجته وتقسيم تركته .
المورد الثاني : ما اذا كان الدليل من قبيل الأدلة المحرزة الظنية ، والذي قام الدليل القطعي على حجيته بكلا مدلوليه المطابقي والالتزامي بأن كان موضوع الحجية الثابت لهذا الدليل هو كلا المدلولين ، فهنا لا اشكال أيضاً فيى ثبوت الحجية للمدلول الالتزامي وذلك لأنه وقع موضوعاً للحجية بمعنى ان الدليل المثبت للحجية قد اثبتها لكلا المدلولين على حدٍّ سواء .
ومثال ذلك : خبر الثقة لو استظهرنا من الأدلة التي دلّت على حجيّته أنها في مقام إثبات الحجية لكلا مدلولي الخبر المطابقي والالتزامي فإن خبر الثقة في مثل هذه الحالة يكون حجة في المدلول الالتزامي كما هو حجة في المطابقي ، فلو أخبر الثقة بغرق زيد فان هذا الخبر يكون حجة في إثبات موت زيد .
المورد الثالث : لو كان الدليل من الأدلة المحرزة الظنية إلا ان الدليل الذي دل على حجيّته دل على حجية المدلول المطابقي دون أن تكون له دلالة على حجية المدلول الالتزامي .
ومثال ذلك : الإجماع ، فإن الدليل الذي دل على حجيّته لم يدل على أكثر من حجية معقد الاجماع ـ والذي هو المدلول المطابقي ـ فلا يكون المدلول الالتزامي لمعقد الاجماع مشمولا لدليل الحجية ، فلو قام الاجماع مثلا على وجوب صلاة الجمعة فإن وجوب صلاة الجمعة هي معقد الاجماع الا أنّ لذلك مدلول إلتزامي وهو عدم وجوب صلاة الظهر في يوم الجمعة ، وهذا المدلول الالتزامي خارج عن موضوع الحجية ، اذ ان موضوع الحجية ـ كما قلنا ـ هو معقد الاجماع ـ والذي هو في المثال وجوب صلاة الجمعة ـ .
ومن هنا قد يقال بعدم حجية المدلول الالتزامي ، فلو كان له آثار فانها لا تترتّب وذلك لان موضوع الحجية ليس شاملا لها ، نعم من الممكن ثبوتاً ان تكون الحجية شاملةً للمدلول الالتزامي ، ولكنّ ذلك لا ينفع لاثبات الحجية له إذ أن إمكان ثبوت الحجية له لا يسوِّغ الاعتماد عليه ما لم يقم دليل إثباتي على الحجية ، وفرض الكلام عدم شمول الحجية للمدلول الالتزامي ، وكوننا نعلم ان ثبوت المدلول المطابقي يلازم خارجاً ثبوت المدلول الالتزامي لا يسوِّغ أيضاً ثبوت الحجية للمدلول الالتزامي ، وذلك لأن فرض الكلام ان الدليل المحرز دليل ظني يفتقر في ثبوت الحجية له الى التعبّد الشرعي ، ومن الممكن جداً أن يتعبّدنا الشارع بحجية المدلول المطابقي دون ان يتعبّدنا بحجية المدلول الالتزامي ، فيقول مثلا : ان الزوج اذا كان مفقوداً ولم يُعرف له خبر فإنه قد مات تعبداً ولكن مع ذلك لا تنفصل عنه زوجته إلا بطلاق الحاكم الشرعي في حين ان موت الزوج يلازم شرعاً عدم الحاجة الى الطلاق .
ومن هنا ذهب السيد الخوئي (رحمه الله) الى عدم حجية المدلول الالتزامي في هذا المورد ، وفي مقابل هذا القول ذهب المشهور الى حجيّته وأنه لا فرق في الحجيّة بين المدلول المطابقي والمدلول الالتزامي الا اذا كان المدلول المطابقي من قبيل الأدلّة الظنية المحرزة « الامارة » ، ولذلك قالوا « ان مثبتات الامارة مطلقاً حجة » أي أن المدلولات الالتزامي للامارة مطلقاً تكون حجة وهذا هو الصحيح بنظر المصنّف (رحمه الله) ، واستدلّ على ذلك بما ذكره في بحث الامارات والاُصول .
وحاصل ما ذكره هناك ان الدليل الظني المحرز ـ الذي قام الدليل القطعي على حجّيته ـ هو ما كان منشأ جعله الكاشفيّه عن متعلّقه وليس له منشأ وسبب غير كاشفيّته عن متعلّقه وبالتالي تكون حجية هذا الدليل ثابتةً لكل ما كشف عنه هذا الدليل ، ومن الواضح ان كاشفية الدليل الظني المحرز على المدلول الالتزامي بمستوى كاشفيّته عن المدلول المطابقي ، فلا مبرّر للتفريق بينهما من حيث الحجية إذ ان الحجية ثابتة لكل ما كشف عنه الدليل .
ويمكن صياغة الدليل بشكل آخر ، بأن يقال : أننا فرغنا في بحث سابق عن أن السبب الوحيد في جعل الحجية للامارة هو أن الامارة كاشفةٌ عن مفادها وليس للمولى أي ملاحظة لنوع الحكم الذي تكشف عنه الامارة بل أن نظره مقتصرٌ ـ في مقام جعل الحجية للامارة ـ على ما للأمارة من كاشفيّة عن الواقع .
ومن هنا يمكن ان نستظهر ان المولى حينما جعل الحجية للامارة جعلها لكل ما تكشف عنه الامارة فلمّا كانت تكشف عن المدلول المطابقي والمدلول الالتزامي معاً فهذا يعني ان المولى قد جعل الحجية لكلا المدلولين إذ ان كلا منهما قد كشفت عنه الامارة ، وبهذا يتّضح منشأ ذهاب المشهور إلى حجية المدلولات الالتزامية لمطلق الامارات .
المورد الرابع : ما إذا كان الدليل من قبيل الأدلة العملية المقرّرة لوظيفة المكلَّف في ظرف الشك في الحكم الواقعي . وهنا ذهب المشهور الى عدم حجية مدلولاتها الالتزامية ، فلذلك إشتهر عنهم « ان مثبتات الاُصول ليست بحجة » ويمكن ان نمثل لذلك بقاعدة الفراغ المثبتة لصحة العبادة في ظرف الشك في الصحة إذا كان الشك قد وقع بعد الفراغ عن العبادة ، فان هذه القاعدة لا تقتضي أكثر من الحكم بصحة الصلاة مثلا المفروغ عنها إذ أن هذا هو مدلولها المطابقي ولقاعدة الفراغ في بعض الموارد مدلول إلتزامي فلو فرغ المكلف من الصلاة ثم شك في صحتها من جهة أنه هل كان متطهّراً عندما دخل في الصلاة أم لا ؟ فإن مقتضى قاعدة الفراغ هو الحكم بصحّة هذه الصلاة ، وهذا هو مدلول القاعدة المطابقي وللحكم بصحة الصلاة مدلول إلتزامي وهو أنه كان على طهارة حين دخل الصلاة الاّ ان هذا المدلول الالتزامي غير حجة ، فلو أراد الدخول في صلاة اُخرى فانه ملزم بالاتيان بوضوء جديد لها ولا تكون قاعدة الفراغ التي أجراها لغرض تصحيح الصلاة صالحة لاثبات طهارته الحديثة .
ويمكن الاستدلال على ذلك بأن المجعول في الاُصول العملية هو الجري العملي على طبق الأصل إذ أنَّ الملحوظ حين جعل الحجية للأصل هو نوع الحكم المشكوك وأهميته بنظر المولى دون أن يكون للمولى ملاحظة لكاشفية الأصل حتى لمدلوله المطابقي فضلا عن الإلتزامي إذ أنَّ الأصل لا يكشف عن أن مؤدّاه هو الواقع ، وقد تكون للمولى ـ كما في موارد الاُصول المحرزة ـ ملاحظة لكاشفية الأصل عن الواقع إلاّ أنَّ الكاشفية ليست هي الملاك التام في جعل الحجية للأصل بل أنَّ الملاك هو الكاشفية مع ملاحظة نوع الحكم المشكوك وأهميّته بنظر المولى وقد أوضحنا كل ذلك في بحث الأمارات والاُصول .
وبهذا البيان يتّضح ما هو المنشأ لمبنى المشهور في عدم حجية المدلولات الالتزامية للاُصول ، إذ أنه لمّا كانت الحجية مجعولة على الأصل العملي بوصف كونه وظيفة مقررة في ظرف الشك واهتمام المولى بهذه الوظيفة واهميتها على سائر الوظائف دون أن يكون المنشأ لجعل هذه الوظيفة هو كاشفية الوظيفة العملية عن الواقع ، فإنه لا يمكن في مثل هذه الحالة تعدية الحجية الثابتة للوظيفة العملية لمدلولاتها الإلتزامية إذ أنّه من أين لنا العلم أن الشارع جعل الحجية للمدلول الإلتزامي بالاضافة الى المدلول المطابقي ، وهل هذا إلاّ « مِن حلب الدم » والتخرّص على المولى جلّ وعلا بغير علم ، نعم لو كان دليل جعل الحجية صادقاً عرفاً على كلا المدلولين لكان ذلك مسوغاً للتمسّك بالمدلول الالتزامي كما هو الحال في بعض المدلولات الالتزامية للاستصحاب والبحث في محلّه ، وسيأتي مزيد توضيح في بحث الاُصول العمليّة إن شاء الله تعالى .
وبهذا البيان إتّضح عدم حجية المدلولات الإلتزامية للاُصول العملية  .
والمتحصّل من كل ما ذكرناه في الموارد الأربعة أنَّ الموردين الأول والثاني تكون فيهما المدلولات الالتزاميّة حجة ، وفي المورد الثالث وقع الخلاف وذهب المشهور الى الحجيّة ، وأمّا المورد الرابع فلا إشكال في عدم الحجيّة .
 


المطلب الثالث

تبعيّة الدلالة الإلتزاميّة للمطابقيّة

لمّا أن فرغنا في البحث السابق عن حجية المدلول الالتزامي وانه لا فرق بين المدلول المطابقي والمدلول الالتزامي من حيث ثبوت الحجية لهما ، يقع البحث عن مطلب له صلة بالبحث السابق ، وهو : ان المدلول المطابقي لو سقط عن الحجية لسبب ما فهل يسقط المدلول الالتزامي تبعاً لسقوطه أم لا ؟
ومن الواضح أن هذا البحث يعتمد على القول بالحجيّة للمدلول الالتزامي ، أمّا لو بنينا على عدم حجيّته ، فلا يأتي هذا البحث ، إذ ان البحث هنا عن سقوط الحجية للمدلول الالتزامي لو اتفق سقوطها عن المدلول المطابقي وسقوط الحجية فرع ثبوتها في مرحلة سابقة ، ولهذا لا يقع البحث عن المدلولات الالتزامية للاُصول العملية هنا ، إذ انه لم تثبت الحجية لها ، فالكلام في المقام خاص بالأدلّة المحرزة .
وقبل الشروع في بيان المطلب لا بأس بذكر مقدّمة لها صلّه بفهمه نبيّن فيها ما ينقسم عليه المدلول الالتزامي ، فنقول :
إن المدلول الالتزامي أما ان يكون مساوياً للمدلول المطابقي ، واما ان يكون أخص منه ، أو يكون اعم منه .
أما ما كان منه مساوياً للمدلول المطابقي فهو ما كان معلولا أو لازماً أو علةً يفترض إنحصارهم للمدلول المطابقي ، ومثاله : الإخبار عن « أن زيداً يرى » فإن لازمه أنّ لزيد عيناً يبصر بها ، إذ ان الرؤية معلول منحصر بامتلاك الرائي عيناً يبصر بها .
واما ما كان منه أخص من المدلول المطابقي فهو ما كان معلولا أو لازماً مع كون المدلول المطابقي علة للوازم اُخرى ، فمثاله : الأخبار عن موت زيد فإن لازمه توقف نفَس زيد ، وهذا اللازم أخص من المدلول المطابقي إذ أن لموت زيد مدلولات التزامية اُخرى بالاضافة الى توقف نفَسه وهي مثلا توقف قلبه عن النبض وامتناع الكلام والأكل والشرب والحركة والإراديّة عليه وهكذا .
واما ما كان منه أعم فهو ما كان معلولا أو لازماً مع إمكان ان يكون هذا اللازم ناشئاً عن ملزوم أو علة اُخرى ، ومثاله : الأخبار عن غرق زيد في الماء ، فان لازمه موت زيد ، وهذا اللازم اعم من المدلول المطابقي إذ ان الغرق ليس هو الموجب الوحيد للموت بل قد يحدث الموت بموجب آخر غير الغرق مثل الاحتراق أو السقوط من شاهق وهكذا .
والمتحصّل من هذه الأقسام ان اللازم قد يكون منحصراً بالمدلول المطابقي ويكون المدلول المطابقي منحصراً به أيضاً ، وهذا هو اللازم المساوي وقد يكون اللازم منحصراً بالمدلول المطابقي دون أن يكون المدلول المطابقي منحصراً به حيث يكون للمدلول المطابقي لوازم اُخرى ، وهذا هو اللازم الأخص .
وقد يكون اللازم غير منحصر بالمدلول المطابقي إذْ قد ينشأ عن هذا المدلول المطابقي وقد ينشأ عن غيره ، وهذا هو اللازم الأعم .
إذا إتضح ما بيّناه من اقسام المدلول الالتزامي يصل بنا الكلام الى الحديث حول تبعيّة هذه الأقسام للمدلول المطابقي من حيث السقوط بعد أن تكلّمنا عن تبعيّتها له من حيث ثبوت الحجية ، ويقع الحديث عن هذه الأقسام تباعاً .
القسم الأول : وهو ما كان المدلول الالتزامي مساوياً للمدلول المطابقي ، وهنا لابدّ من سقوط المدلول الالتزامي عن الحجية لو اتفق لنا العلم بسقوط المدلول المطابقي عن الحجية ، وذلك لأن المدلول الالتزامي منحصر ثبوته بتحقق المدلول المطابقي ، فمع إنتفائه لا شيء يوجب بقاء أو تحقق المدلول الالتزامي بعد إفتراض ان تحققه منحصرٌ بتحقق المدلول المطابقي ، فيكون العلم بسقوطه علماً بسقوط المدلول الالتزامي .
فلو أخبر مخبر عن ان زيداً يرى ، فهذا ـ كما قلنا ـ يلازم امتلاك زيد لعين باصرة ، فحين العلم باشتباه المخبر أو كذبه يسقط المدلول المطابقي عن الحجية وبتبعه يسقط المدلول الالتزامي عن الحجية ، وذلك لأن العلم بسقوط الأول يوجب العلم بسقوط الثاني ، لافتراض إنحصار وجود الثاني بتحقق الاول فلا يكون هناك موجب للمدلول الالتزامي بعد إفتراض عدم المدلول المطابقي .
القسم الثاني : وهو ما إذا كان المدلول الالتزامي أخص من المدلول المطابقي فهنا أيضاً لابدَّ من سقوط المدلول الالتزامي عن الحجية اذا سقط المدلول المطابقي عن الحجية ، وذلك لعين ما ذكرناه في القسم الأول ، إذ انهما يشتركان في كون اللازم منحصراً بالمدلول المطابقي ، بمعنى أنه لا موجب للمدلول الالتزامي غير هذا المدلول المطابقي ، نعم هما يفترقان من حيث ان القسم الأول يكون فيه المدلول المطابقي منحصراً باللازم كما ان اللازم منحصراً به ، وهذا بخلاف القسم الثاني فهو وان كان اللازم فيه منحصراً بالمدلول المطابقي بحيث لا يوجد عن غيره الا ان المدلول المطابقي غير منحصر باللازم فهو يُوجِد اللازم ويُوجِد غيره من اللوازم الاخرى ، إلا ان هذا الفرق لا يؤثر في النتيجة بعد افتراض كون اللازم منحصراً في كلا القسمين ، وانحصار اللازم بالمدلول المطابقي هو الذي يوجب العلم بسقوط اللازم عند سقوط المدلول المطابقي وهذا هو المبرّر للقول بتبعيّة المدلول الالتزامي للمدلول المطابقي في السقوط في كلا القسمين .
ولعلّ هذا هو السبب الذي جعل المصنّف (رحمه الله) يُهمل هذا القسم أو ان المنشأ هو أن الاُصوليّين يعتبرون القسمين من واد واحد كما لعلَّه هو المستفاد من إهمالهم لهذا القسم .
القسم الثالث : وهو ما اذا كان المدلول الالتزامي أعم من المدلول المطابقي ، وهذا القسم هو الذي وقع فيه الكلام بين الاعلام رضوان الله عليهم حيث ذهب المشهور الى التبعيّه في السقوط عن الحجية ، وذهب آخرون الى عدم التبعيّة في السقوط وان سقوط المدلول المطابقي عن الحجية لا يقتضي سقوط المدلول الالتزامي عن الحجية بل ان الحجية تبقى ثابتة ما لم يقم دليل على سقوطها بالخصوص .
ولنرجع الى المثال الذي ذكرناه في بيان الأقسام ، وهو أنه لو أخبر مخبر بغرق زيد فإن لازمه موت زيد ، وبهذا الخبر ثبتت الحجية لكلا المدلولين ، انما الكلام لو سقطت الحجية عن المدلول المطابقي لهذا الخبر كأن علمنا بأن المخبر قد كذب علينا أو انه كان مشتبهاً فيما أخبر به من غرق زيد فهل ان العلم بكذب المخبر أو اشتباهه فيما أخبر موجب لسقوط مدلول هذا الخبر الالتزامي تبعاً لسقوط المدلول المطابقي أو لا ؟
والفارق بين هذا اللازم اي الأعم وبين اللازم المساوي والأخص هو أنه لا يبقى أي احتمال لوجود المدلول الالتزامي في ظرف العلم بسقوط المدلول المطابقي ، وهذا بخلاف اللازم الأعم ، فان إحتمال بقائه في ظرف العلم بسقوط مدلوله المطابقي موجود .
وبعبارة اُخرى : ان العلم بانتفاء المدلول المطابقي وعدم وجوده لا يلازم العلم بانتفاء المدلول الالتزامي وعدم وجوده ، فالعلم بكذب الخبر وان كان يوجب عدم ثبوت الغرق لزيد الا انه لا يوجب العلم بعدم موت زيد ، إذ لعلّه قد مات بموجب آخر كالاحتراق او السقوط من شاهق ، فايُّ موجب لسقوط الحجية عن اللازم الاعم بعد افتراض ثبوت الحجية له في مرحلة سابقة وبعد ان كان العلم بسقوط المدلول المطابقي عن الحجية لا يوجب العلم بسقوطه وهذا هو السبب الذي اعتمد عليه بعض الأعلام في مقام الاستدلال على عدم التبعيّة .
وفي مقابل هذا القول ذهب آخرون ومنهم المصنّف (رحمه الله) الى القول بالتبعيّة في السقوط وانه كلما سقط المدلول المطابقي عن الحجية سقط بتبعه المدلول الالتزامي . وقد ذكر المصنّف في مقام الاستدلال على هذه الدعوى دليلين ردَّ أحدهما ولم يعلِّق على الآخر .
الدليل الأول : هو أنَّه لمَّا كان المدلول الإلتزامي تابعاً في وجوده للمدلول المطابقي فهذا يقتضي ان تكون حجيّته تابعة أيضاً للمدلول المطابقي  ، فمتى ما ثبتت الحجية للمدلول المطابقي ثبتت للمدلول الإلتزامي ، ومتى ما سقطت الحجية عن المدلول المطابقي فإنها تسقط عن المدلول الالتزامي .
وبعبارة اُخرى لمّا كان اللازم الأعم ـ وهو موت زيد في المثال ـ متفرّعاً في وجوده على غرق زيد فهذا يقتضي سقوط هذا اللازم عن الحجية عندما نعلم بسقوط الخبر وهو غرق زيد عن الحجية .
والجواب على هذا الدليل : أنه لم تتّضح الملازمة بين التبعيّة في مقام الوجود والتبعية في مقام الحجيّة إذ أنّ من المحتمل جداً أن تكون الحجية لكل منهما ثابتة بجعل مستقل بحيث يكون موضوع الحجية لكل واحد منهما يغاير موضوع الحجية للآخر وذلك بأن يكون الملاك في جعل الحجية للمدلول المطابقي هو كاشفيّته عن واقع متعلّقه ، وكذلك يكون هناك ملاك مستقل لجعل الحجية للمدلول الإلتزامي وهو كاشفيّته عن واقع آخر ـ وهو متعلّقه الخاص به ـ .
ولنذكر لذلك مثالا لتوضيح الجواب ولرفع الاستيحاش عن المبنى القائل بعدم التبعيّة ، وهو : أنّه لو أخبر الثقة بوجوب صلاة الجمعة فإنَّ لهذا الخبر مدلولان ، الأول : منهما مطابقي وهو وجوب الجمعة ، والثاني : إلتزامي وهو عدم استحباب صلاة الجمعة وهذا اللازم أعم لأنّه قد ينشأ عن مدلول مطابقي آخر ، فلو افترضنا أن هذا المخبر أو غيره من الثقات أخبر بحرمة صلاة الجمعة ، فهنا يتعارض الخبران وبالتالي تسقط دلالتهما المطابقيّة عن الحجية إلاّ أنَّ لهذين الخبرين مدلول إلتزامي وهو عدم استحباب صلاة الجمعة ، فهنا نقول : ان هذا المدلول الإلتزامي وإن كان ناشئاً عن المدلول المطابقي لكلا الخبرين إلاّ أنّ ذلك لا يقتضي سقوطه عن الحجيّة بعد سقوط المدلول المطابقي للخبرين ـ بسبب التعارض ـ إذ أنّه من الممكن جداً أن تكون الحجية المجعولة للمدلول الإلتزامي مستقلة عن الحجية المجعولة للمدلول المطابقي لكلا الخبرين بحيث يكون الملاك في جعل الحجية للمدلول الإلتزامي هو كاشفيّته عن واقع متعلّقه وهو عدم استحباب صلاة الجمعة .
وبهذا البيان اتّضح عدم صحّة الدليل الأوّل على التبعيّة في السقوط .
الدليل الثاني : وحاصله أنَّ المدلول الإلتزامي دائماً يكون مساوياً للمدلول المطابقي وذلك لأن المدلول المطابقي إنما يكشف عن خصوص الحصّة الملازمة له لا أنه يكشف عن طبيعي اللازم ، فمثلا عندما يُخبر المخبر عن غرق زيد فإنه وإن كان لازمه موت زيد إلاّ أن هذا اللازم بسعته ليس مُنكشفاً ومدلولا إلتزامياً لهذا الخبر بل أن المدلول الإلتزامي لهذا الخبر هو موت زيد عن الغرق لا موت زيد مطلقاً ولو بموجب آخر كالإحتراق فإنَّ ذلك خارج عن مدلول الخبر الإلتزامي إذ أنَّ ذلك من شؤون واقع اللازم ، حيث أن اللازم في الواقع لغرق زيد هو طبيعي الموت إلاّ أن ذلك خارج عن محل الكلام إذ أنَّ محل الكلام هو المدلول الإلتزامي للخبر ونحن بالوجدان نجد أنَّ الإخبار بغرق زيد لم يكشف عن أكثر من موت زيد بالغرق .
وإذا تمّت دعوى التساوي بين المدلول المطابقي والإلتزامي فهذا يعني أنَّ العلم بسقوط الحجية عن المدلول المطابقي علم بسقوطها عن الإلتزامي لعين ما ذكرناه في القسم الأوّل .
 


المطلب الرابع

وفاء الدليل بدور القطع الموضوعي

ذكرنا في بحث الدليل الشرعي أنّه ينقسم الى أدلة محرزة وأدلة عملية وأنَّ الأدلة المحرزة تارة تكون قطعية واُخرى ظنية وقلنا أيضاً أنَّ الأدلة القطعية الطريقية صالحة بذاتها لتنجيز أو تعذير ما تكشف عنه من أحكام .
كما ذكرنا أيضاً أن الأدلة الظنية المحرزة ـ التي قام الدليل القطعي على حجيّتها ـ صالحة لإثبات مدلولاتها بمعنى أنها إذا كشفت عن حليّة شيء فإنها تكون معذّرة أي نافية لمسؤولية المكلّف تجاه ما كشفت عنه من حكم ترخيصي لو اتّفق مخالفة مفادها للواقع وبمعنى أنها مؤكدة أو منجّزة إذا كان مدلولها وجوب شيء أو حرمة شيء فهي مؤكدة بناءً على مسلك حق الطاعة ـ والذي هو الاحتياط العقلي ـ ومنجزة بناءً على مسلك قبح العقاب بلا بيان ـ والذي هو البراءة العقلية ـ فهي بناءً على المسلك الثاني مُثبتة لمسؤولية المكلّف تجاه الحكم المنكشف بها ، وأمّا بناءً على مسلك الإحتياط العقلي فدور الامارة المثبتة للتكليف ينحصر في تأكيد ما يحكم به العقل من لزوم الإحتياط .
كما ذكرنا أيضاً أن الاُصول العملية المقرّرة للوظيفة في ظرف الشك منجّزة أو معذّرة بمعنى أنها مثبتة للتكليف على عهدة المكلّف أو نافية للمسؤولية عن التكليف .
كل ذلك ذكرناه مفصّلا في بحوث سابقة وأشرنا إليه هنا لدخالته في فهم المطلب .
ومع اتّضاح هذه المقدّمة نقول : أن كل هذه الأدلة التي استعرضناها تشترك في الكشف أو في إثبات الأحكام لموضوعاتها دون أن يكون لها دخالة في موضوعات هذه الأحكام ، فدور هذه الأدلّة دور الواسطة في إثبات الأحكام لموضوعاتها ، ودورها بعبارة اُخرى دور الدليليّة على ثبوت الأحكام لموضوعاتها .
وهذا هو معنى طريقيّة هذه الأدلة للأحكام الشرعية غاية ما في الأمر أنّها قد تكون طريقاً للكشف عن الواقع امّا بكشف تام أو بكشف ناقص ، وهذه هي الأدلة المحرزة وقد تكون طريقاً للتعرّف على الوظائف الشرعيّة المقرّرة في ظرف الشك ، وهذه هي الأصول العمليّة .
ومن هنا نصل الى ما هو الغرض من عقد هذا المطلب وهو البحث عن دور آخر للأدلة ، وهذا الدور هو قيام الأدلة مقام القطع الموضوعي .
ولتوضيح هذا الدور للأدلّه نقول : أنّه إذا ثبت عن الشارع أنه جعل القطع موضوعاً لحكم من الأحكام الشرعيّة فهل أنّ هذه الأدلة تصلح لتحقيق موضوع هذه الأحكام التي جُعل القطع موضوعاً لها أو لا ؟
ونذكر لذلك مثالا ونطبِّق عليه جميع أقسام الأدلة ، لو قال المولى : «  المرأة المقطوع بكونها في العدة يحرم عليك الزواج منها » ، فالحكم في هذه المسألة الشرعية (وهو الحرمة) قد ترتّب على موضوع مكوّن من جزئين ، الأول : « المرأة » والثاني : « المقطوع بكونها في العدّة » ، فالقطع بكون المرأة في العدة قد جُعل جزءً في موضوع الحرمة وهذا هو القطع الموضوعي ـ على وما بيّناه في محلّه ـ فهنا نبحث عن كيفيّة تحقّق موضوع الحرمة ـ والذي هو القطع بكون المرأة في العدّة ـ إذ لابدَّ من تنقّحه وتحقّقه في رتبة سابقة على الحكم كما هو الحال في سائر موضوعات الأحكام ، فنقول :
إنَّ المتصور فيما يحقّق موضوع الحرمة هو أحد أدلة ثلاثة :
الأول : الأدلة القطعية الطريقية .
الثاني : الأدلة الظنية المحرزة .
الثالث : الأدلة العملية (الاُصول العملية) .
أمَّا الأول : وهو الدليل القطعي الطريقي ، فكيفيّة تحقيقه لموضوع الحرمة هو أن يحصل القطع للمكلّف بأن هذه المرأة في العدة ، وهنا لا إشكال في تحقّق موضوع الحرمة وبه يترتّب الحكم وهو حرمة الزواج من هذه المرأة ، وذلك لأنه لمّا كان موضوع الحرمة هو القطع بكون المرأة في العدّة فذلك يعني أنّه متى ما حصل قطع للمكلّف بكون هذه المرأة في العدّة فقد تحقّق موضوع الحرمة إذ الموضوع للحرمة هو القطع وقد حصل .
وهذا هو معنى قيام القطع الطريقي مقام القطع الموضوعي ، فكما أن القطع الطريقي صالح للكشف عن ثبوت الأحكام لموضوعاتها ، كذلك هو صالح للكشف عن تحقّق الموضوعات خارجاً ، فهو صالح للكشف عن دخول الوقت الذي هو موضوع لوجوب الصلاة ، وصالح للكشف عن ثبوت هلال شهر رمضان الذي هو موضوع لوجوب الصوم ، فكذلك هو صالح للقيام مقام القطع الموضوعي الذي هو عبارة ثانية عن صلاحيّته للكشف عن الموضوعات ، إذ أنه لمّا كان القطع بكون المرأة في العدّة موضوعاً للحرمة ، فالقطع الطريقي صالح للكشف عن تحقق هذا الموضوع وذلك عن طريق حصول القطع للمكلّف بأنّ هذه المرأة في العدّة ، وحينما يحصل هذا القطع للمكلّف يجد نفسه مذعنة بتحقّق موضوع الحرمة خارجاً  .
وأمّا الثاني : وهو الدليل الظني المحرز والمعبَّر عنه بالامارات ، وكيفية تحقيقه لموضوع الحرمة ـ وهو القطع بكونها في العدة ـ هو أن تقوم بيّنة مثلا على أن هذه المرأة في العدّة ، وهنا وقع البحث عند الأعلام في صلاحيّة مثل البيّنة لتنقيح وتحقيق موضوع الحرمة ـ والذي هو القطع بكون المرأه في العدّة ـ والبيّنة لا تحقّق القطع بل أكثر ما تحقّقه هو الظن ، نعم الأدلة الظنيّة المحرزة قام الدليل القطعي على حجيتها ، الاّ ان القدر المحرز من قيام الدليل هو حجيّتها وتنجيزها أو تعذيرها لما تكشف عنه من أحكام شرعيّة ، وهذا هو معنى قيام الامارات مقام القطع الطريقي ، أما قيامها مقام القطع الموضوعي وتحقيقها لموضوع حكم اُخذ في موضوع ذلك الحكم القطعي بشيء من الأشياء ، فهذا يحتاج الى دليل مستقل .
وهذا البحث هو المتصدّي لهذه المهمّة اي مهمة إثبات أو نفي قيام الامارات مقام القطع الموضوعي بعد الفراغ عن قيامها مقام القطع الطريقي كما بيَّنّا ذلك .
فنقول : ان الأعلام « رضوان الله عليهم » قد اختلفوا في ذلك ومنشأ الخلاف الواقع بينهم هو الاختلاف فيما هو المراد من القطع المأخوذ موضوعاً في حكم من الأحكام .
وبعبارة اُخرى : ان الاختلاف في تحديد معنى القطع الموضوعي هو المؤثر في ما هو المبنى في المقام .
وهنا يوجد اتجاهان :
الاتجاه الأوّل : المراد من القطع المأخوذ في موضوع حكم من الأحكام هو الحجة وليس القطع إلا واحداً مما له الحجة ، وليس هو المقصود بالذات بل هو كل ما يصلح للتنجيز والتعذير ، فكما ان القطع صالح للتنجيز والتعذير كذلك الامارة ، فتكون الامارة محقّقة أيضاً لموضوع حكم اُخذ فيه القطع إذ المراد من القطع هو ما له الحجية ، والامارة مما لها الحجية ، وما القطع الذي ذُكر في موضوع الحكم الا مثالا لما له الحجيّة .
وبناءً على هذا المبنى تكون الامارات صالحة للقيام مقام القطع الموضوعي ، ففي مثالنا ـ وهو ان المرأة المقطوع بكونها في العدّة يحرم الزواج منها ـ يمكن للامارة ان تحقّق موضوع هذا الحكم وان تثبت انّ هذه المرأة في العدّة ، وذلك لما قلنا من ان القطع المأخوذ في هذا الحكم ما هو الاّ مثالٌ للحجية ، والحجية هي موضوع هذا الحكم واقعاً ، فكأنما المولى قال : المراة التي قامت الحجة على أنها في العدّة يحرم الزواج منها .
الاتجاه الثاني : ان المراد من القطع المأخوذ في موضوع حكم من الأحكام هو الكاشف التام عن متعلّقه .
وبعبارة اُخرى : ان القطع الذي جُعل موضوعاً للحكم هو القطع الحقيقي والذي لا يكون معه شك ، وبناءً على هذا الفهم من معنى القطع المأخوذ في الموضوع لا تكون الامارات صالحة لتنقيح الموضوعات المأخوذ فيها القطع وذلك لأنها لا تبلغ مرتبة العلم الذي لا يكون معه شك  ، فهي لا تخرج عن حيّز الظن ، ففي مثالنا لا تكون البيّنة صالحة لتحقيق موضوع حرمة الزواج من هذه المرأة ، اذ ان البيّنة لا تبلغ مرتبة العلم الذي ليس معه شك في حين ان موضوع الحرمة هو العلم بكون المرأة في العدّة .
نعم لو استظهرنا من الأدلة التي دلّت على حجيّة الامارة انّ الامارة مُنزَّلة منزلة العلم تعبّداً بحيث يكون هذا التنزيل التعبّدي مُلغياً لمقدار النقص في كاشفية الامارة ، ففي هذه الحالة لا اشكال في صلوح الامارة لتنقيح الموضوع المأخوذ فيه القطع أي قيامها مقام القطع الموضوعي في ذلك  .
ومن الواضح انّ هذا التنزيل يحتاج الى لسان خاص ولا يكفي فيه جعل الامارة حجة أي ان قيام الدليل القطعي على حجيّة الامارة لا يفي باثبات كون الامارة منزّلة منزلة القطع ، إذ ان جعل الامارة حجة لا يعني أكثر من كون الامارة صالحة للتنجيز والتعذير أما انها صالحة للقيام مقام ما اُخذ القطع فيه فليس لهذه الادلة المثبتة للحجيّة دلالة عليه ، فنحتاج لإثبات هذه الخصوصيّة الزائدة ـ وهي تنزيل الامارة منزلة العلم ـ الى لسان خاص يُثبت التنزيل عرفاً كما في تنزيل الطواف في البيت منزلة الصلاة حيث ان مبرّر هذا التنزيل هو هذه الرواية « الطواف بالبيت صلاة  »() إذْ انّ هذه الرواية يُستفاد منها التنزيل عرفاً .
والمتحصّل مما ذكرنا ان قيام الامارة مقام القطع الموضوعي مبنيٌّ على تحديد المراد من القطع المأخوذ في الموضوع ، فبناءً على الاتجاه الأول تكون الامارة صالحة للقيام مقام القطع الموضوعي ، وعلى الثاني لا تكون الامارة صالحة لذلك إلاّ ان يُستفاد من دليل حجّيتها التنزيل او يُستفاد من دليل آخر غير دليل الحجيّة كأن يقوم دليل آخر على تنزيل الامارة منزلة العلم بعد الفراغ عن ثبوت الحجيّة لها .
وأمّا الثالث : وهو الأدلة العمليّة ، فلم يتعرّض المصنّف لها ولا باس ببيان كيفيّة قيامها مقام القطع الموضوعي ، وذلك عن طريق الرجوع الى المثال السابق ، فقول المولى : « المرأة المقطوع بكونها في العدّة يحرم الزواج منها » حكم شرعي ترتّب على موضوع اُخذ في هذا الموضوع القطع ، فلو كنّا على يقين سابق بكون هذه المرأة في العدّه فهنا يجري الاستصحاب ، فيقع الكلام في هذا الاستصحاب هل هو كاف في تحقيق موضوع الحرمة أو لا ؟ فلو كان كافياً لذلك فهذا يعني قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي ، واما اذا لم يكن كافياً لذلك فهو يعني عدم قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي .
 

لمطلب الخامس

إثبات الدليل لجواز الإسناد

قلنا في بحث جواز الاسناد : ان المراد من جواز الإسناد هو جواز إضافة ونسبة الحكم المنكشف الى المولى ، فلو كشف الدليل عن وجوب شيء او حرمة شيء فإن جواز الإسناد يعني صحة اضافة ونسبة هذا الحكم الى المولى بأن نقول ان المولى قد أوجب هذا وحرّم هذا .
والمتصدّي لإثبات جواز الاسناد وعدمه هو علم الفقه إذ ان البحث في هذه المسألة إنما هو عن حكم فعل من أفعال المكلّفين ، وبيان أحكام أفعال المكلّفين إنما هو من وظائف علم الفقه لا علم الاُصول ، إذ قلنا ان الذي يُبحث عنه في علم الاُصول انما هو الأدلة العامّة التي يمكن ان تقطع طريقاً في استنباط الأحكام الشرعيّة .
ومع إتّضاح هذه المقدّمة ، نقول : ان اسناد الحكم الى الشارع يُتصوّر له ثلاث حالات :
الحالة الاُولى : الاسناد بغير علم ، كأن ينسب المكلّف حكماً الى الشارع دون أن يكون له أيّ مستند على ذلك .
وفي مثل هذه الحالة لا اشكال في حرمة الاسناد وقد تصدّى الفقهاء (رضوان الله عليهم) للاستدلال على هذا الحكم .
الحالة الثانية : الاسناد بعلم ، وهذه الحالة هي القدر المتيقّن من جواز الاسناد وقد تحدّثنا عنها في بحث سابق .
الحالة الثالثة : الاسناد إعتماداً على دليل ظنّي محرِز « الامارة » إلا أنه مما دل الدليل القطعي على حجّيته ، ويمكن التفصيل في هذه الحالة بين إسناد نفس الحجية الى الشارع المقدّس كأن نقول ان الشارع قد جعل الحجية لخبر الثقة وبين اسناد الحكم المنكَشف بهذا الدليل الى الشارع المقدّس .
أمّا الأول : وهو اسناد نفس الحجية الى الشارع ، فهو داخل في الحالة الثانية إذ ان اسناد الحجيّة الى الشارع ـ وأنّ هذا حكم ظاهري قد جعل الشارع له الحجية ـ اسناد بعلم لانّ فرض الكلام انّ هذا الدليل الظني مما دل الدليل القطعي على حجيّته .
وأمّا الثاني : وهو إسناد الحكم المنكشف بالدليل الظني الى الشارع ، كأنْ يسند حرمة العصير العنبي ـ التي كشفت عنها الامارة ـ الى الشارع .
وهذا المقدار هو الذي وقع فيه الكلام بين الاعلام (رضوان الله تعالى عليهم) ، فمن قال بعدم جواز الاسناد أرجع هذه الحالة الى الحالة الثانية ـ  وهي الاسناد بغير علم ـ بدعوى أنها لا تنقّح موضوع الحكم بجواز الاسناد والذي هو القطع بالحكم الذي يُراد اسناده الى المولى حيث قلنا في بحث جواز الاسناد ان موضوع جواز الاسناد هو القطع بكون الحكم صادراً عن المولى ، فالقطع قد جعل موضوعاً لجواز الاسناد ، والامارة لا تحقق هذا الموضوع ، إذ ان جعل الحجية لها لا يُفيد أكثر من جواز الاستناد إليها في مقام العمل ، وهذا هو معنى جعل المنجزيّة والمعذريّة للامارة ـ كما قلنا ذلك في بحث جواز الاسناد ـ .
وفي مقابل هذا القول ، ذهب بعض الأعلام الى جواز الاسناد إعتماداً على الامارة ، وذلك لأن الامارة تقوم مقام القطع الموضوعي ، اذ أن المراد من القطع المأخوذ في موضوع جواز الاسناد هو مطلق الحجّة ، وما القطع إلاّ مثال للحجّة ، فالمأخوذ واقعاً في موضوع جواز الإسناد هو الحجة الأعم من الدليل القطعي أو الدليل الظني الذي دلَّ الدليل القطعي على حجّيته ، أو بأن يُقال بأنَّ القطع المأخوذ في موضوع جواز الإسناد وإن كان هو القطع الحقيقي ولكن لمّا كان دليل الحجية للأمارة قد نزّل الأمارة منزلة العلم تعبّداً فإنّ هذا يصلح ان يكون مبرّراً لصلوح الأمارة لتنقيح وتحقيق موضوع جواز الإسناد ، فكما أنّ القطع الطريقي ينقّح موضوع جواز الإسناد فكذلك الأمارة بناءً على التنزيل . وبهذا تقوم الأمارة مقام القطع الموضوعي وتكون مصحّحة لجواز الإسناد .
وهناك حالة رابعة لإسناد الحكم للشارع أهملها المصنّف (رحمه الله) وهي الإسناد إعتماداً على الأدلّة العمليّة كما لو أسند الحكم الى الشارع إعتماداً على الاستصحاب ، وهنا يأتي التفصيل السابق أيضاً بين إسناد نفس حجية الاستصحاب الى الشارع ، وهذا لا إشكال في جوازه وذلك لانّ إسناد نفس حجية الاستصحاب الى الشارع إسناد بعلم لقيام الدليل القطعي على حجيّة الاستصحاب .
ويبقى الكلام في جواز إسناد نفس الحكم المستصحب إلى الشارع ، كإسناد وجوب الجمعة المستفاد من الاستصحاب الى الشارع .
وهنا يأتي نفس الكلام السابق من أنّ المراد من القطع هو الحجة أو القطع الحقيقي ، فإن كان الأوّل فالاستصحاب مصحّح لجواز الإسناد ، وإن كان الثاني فالاستصحاب لا يصحّح الإسناد إلاّ إذا قلنا بأنَّ دليل الحجية للاستصحاب قد نزّل الاستصحاب منزلة العلم . والبحث في محلّه .
هذا تمام الكلام في المبادئ التي أراد المصنّف إيرادها قبل بحث الأدلة المحرزة .
والمراد من المبادئ في المقام هي : المبادئ التصديقيّة لهذا العلم ، والتي هي في مقابل المبادئ التصورية ، وقد بيّنّا معنى المبادئ التصوّرية في بحث موضوع علم الاُصول .
أمّا المبادئ التصديقية لكل علم فهي عبارة عن المقدّمات التي يكون تحريرها نافعاً في الاستدلال على مسائل ذلك العلم ، فتكون هذه المبادئ بمثابة الاُصول الموضوعية التي يرجع إليها الباحث عن ذلك العلم لتحصيل الوثوق بنتائج تلك المسائل .
وبتعبير آخر : هذه المبادئ تُبحث لغرض إيقاعها بعد ذلك في كبرى أو صغرى أقيسة ذلك العلم .
وتطبيق ما ذكرنا على المقدّمات الخمس التي بحثناها يتّضح بالتأمّل ، فمثلا قاعدة أنَّ الأصل عند الشك في الحجية هو عدم الحجية يمكن الاستفادة منها في بحث حجية قول اللغوي أو حجية خبر الثقة في الموضوعات ، وكذلك لو شككنا في إطلاق حجية الاستصحاب في حالات الشك في المقتضي ، وهكذا .
 

الدليل الشرعي

ويقع البحث عنه في مباحث :

المبحـث الأول : في تحديد دلالات الدليل الشرعي والذي ـ كما قلنا ـ يبحث عن الحد الأصغر لقياس نتيجته الدليل الشرعي .
المبحث الثاني : في إثبات صغرى الدليل الشرعي : وهو ـ كما قلنا ـ ما يبحث عن الأدة المحقِّقة لصغرى قياس نتيجته الدليل الشرعي .
المبحث الثالث : في إثبات حجيّة الدلالة في الدليل الشرعي وهو ـ كما قلنا ـ البحث عن كبرى قياس نتيجته الدليل الشرعي .





سفيد








المبحث الأوّل

تحديد دلالات الدليل الشرعي









1 ـ الدليل الشرعي اللفظي
2 ـ الدليل الشرعي غير اللفظي


سفيد




الدليل الشرعي اللفظي

تمهيد :
قلنا ـ فيما سبق ـ أن الدليل الشرعي اللفظي هو : عبارة عن الخطابات الصادرة عن الشارع المقدّس ، كالقرآن الكريم ، وكالأحاديث الواصلة لنا عن المعصومين (عليهم السلام) .
وهذا النوع من الأدلّة الشرعيّة له ارتباط وثيق باللغة العربية وبما يحكمها من ضوابط واُصول . ومنشأ هذا الارتباط هو أنّ مادة هذا الدليل الشرعي هي الألفاظ العربية إذ أنّ مدار البحث في الدليل الشرعي اللفظي هو استنطاق الآيات والروايات لغرض التعرّف على الأحكام الشرعيّة المودعة في هذه المركّبات اللفظية فلابدّ للممارس لعملية الاستنباط أن يكون متوفّراً على آلة الدخول في هذا المعترك الشائك . وهذا ما يُبرر البحث عن مجموعة من الضوابط اللغوية التي تساهم في معرفة ما للألفاظ من علاقة بالمعاني ، كما تساهم في تشخيص الظهور وعلاقة هذا الظهور باللفظ أو بمناسبات الحكم والموضوع مثلا ، كما انها تساعد على استكشاف الخلل الذي قد يتّفق وقوعه في بعض الروايات نتيجة نقلها بالمعنى أو وقوع التصحيف الناشئ من اشتباه النسّاخ .
فالتعرّف على ضوابط اللغة العربية وبالخصوص ما سنطرحه منها مهم جداً للممارس لعملية الاستنباط .

الظهور التصوّري والظهور التصديقي :
يمكن تقسيم دلالات الألفاظ على المعاني إلى ثلاث دلالات :
الاُولى : الدلالة التصوّريّة :
وهي الدلالة التي توجب خطور معنى اللفظ في الذهن ، وهذا النوع من الدلالات لا يتوقّف على كون المتلفّظ بها عاقلا فضلا عن أن يكون ملتفتاً ، بل أنَّ هذه الدلالة تتحقّق بمجرّد صدور اللفظ من أي لافظ حتى وإن كان ببغاء ، أو كان من غير ملتفت كأنْ كان نائماً ، أو ملتفتاً ولكنه لم يقصد إخطار هذا المعنى من اللفظ بل أراد اخطار معنىً آخر كما لو أراد من اللفظ غير ما وضع له كأنْ يقول : « زرت في هذا اليوم ثعلباً » فإنَّ السامع وإن كان يعلم بأنَّ اللافظ لم يرد من الثعلب معناه الحقيقي ، ولكن مع مع ذلك ينخطر في ذهنه معنى الثعلب .
وهذه الدلالة تسمّى أيضاً بالدلالة الوضعيّة ، وذلك لأنَّ منشأ خطور المعنى من اللفظ هو العلم بأنَّ هذا اللفظ وُضع لهذا المعنى ، فلذلك لا يحصل هذا الخطور الذهني من اللفظ ممن لا يعلم بالوضع ، فالجاهل باللغة العربية لا يحصل له تصوّر معنى « الماء » من إطلاق لفظ « الماء » .
الثانية : الدلالة التصديقيّة :
وهي التي توجب أيضاً خطور معنى اللفظ في الذهن إلا أنها توجب شيئاً آخر بالاضافة الى ذلك وهو أن المتكلّم أراد إخطار هذا المعنى في ذهن السامع ، فهي إذن تُضيف الى الدلالة التصورية معنىً زائد ، وهذا هو المبرّر لاختلافها عن الدلالة التصوريّة .
وبهذا يتّضح ان الدلالة التصديقيّة تتوقّف على كون المتلفّظ عاقلا وملتفتاً إذ انه لا يمكن إستظهار كون المتكلّم مريداً لإخطار المعنى من اللفظ ما لم يكن إلتفاته محرزاً .
ومن هنا تعرف أن هذا النحو من الدلالة يتوقّف على مقدّمتين :
المقدّمة الاُولى : هي علم السامع بالوضع ، وهذه هي جهة الاشتراك بينها وبين الدلالة التصوّرية .
المقدّمة الثانية : العلم بأنّ المتكلّم عاقل ملتفت وهذه هي جهة الافتراق عن الدلالة التصوّرية .
إذن حقيقة الدلالة التصديقيّة هو أنها دلالة حالية مستفادة من ظهور حال المتكلّم .
ومثالها أن يأتي المتكلّم الملتفت بلفظ الأسد ، فإنَّ السامع حينئذ يتصوّر معنى الأسد ويعرف أنَّ المتكلّم قصد إخطار معنى الأسد في ذهن السامع .
وتسمَّى هذه الدلالة بالتصديقيّة الاُولى ، وتسمّى أيضاً بالدلالة الاستعمالية ، والتي هي بمعنى استعمال اللفظ لغرض إخطار المعنى في ذهن السامع .
الثالثة : الدلالة التصديقية الثانية :
وهي التي تكون متوفّرة على الدلالتين الاُولى والثانية بالاضافة الى دلالة ثالثة وهي قصد المتكلم الحكاية عن الواقع الأعم من الواقع الخارجي أو واقع نفسه ، فحينما يقول المتكلّم الملتفت الجاد « زيد فقير » فهو يُحدث في ذهن السامع ثلاث دلالات :
الاُولى : تصور معنى « زيد » ، وتصور معنى « فقير » وتصور النسبة بين « زيد و« فقير » .
الدلالة الثانية : هي ان المتكلم استعمل هذه الألفاظ لغرض إخطار هذه المعاني في ذهن السامع .
والدلالة الثالثة : هي ان المتكلم قاصد الحكاية عن واقع خارجي هو « فقر زيد » ، وهذه هي الدلالة التصديقية الثانية .
وقد يكون المتكلّم قاصداً الحكاية عن واقع نفسه كما في الجمل الانشائيّة ، كأن يقول المتكلّم الملتفت الجاد « أكرموا العلماء » فانّ هذه الجملة متوفّرة على الدلالتين الاُولى والثانية ، بالاضافة الى دلالة ثالثة وهي قصد المتكلم الحكاية عن واقع نفسه ، وهو أن له إرادة في إكرام العلماء .
وهذه الدلالة تفترق عن الدلالتين ـ بالإضافة الى ما ذكرناه ـ بأنها لا تُتعقل إلا في الجمل التركيبية التامة إذ أن قصد الحكاية عن الواقع الخارجي أو واقع النفس لا يكون إلا بجملة مشتملة على موضوع وحكم ويكون الحكم فيها منتسباً الى الموضوع .
وهذا بخلاف الدلالة التصورية وكذلك الدلالة التصديقية الاُولى فإنهما يمكن تعقلهما في الجمل التركبية التامة وكذلك يمكن تعقلهما في المفردات اللفظية الغير الواقعة في إطار جمل تركيبية تامة ، فلفظ الماء اذا صدر عن غير ملتفت فالدلالة تصورية ، واذا صدر من ملتفت فالدلالة تصديقية اُولى ، وكذلك لو قال « زيد فقير » فاذا صدرت هذه الجملة من متكلّم نائم أو غافل فهي تصورية وان صدرت من ملتفت قاصد لإخطار هذه الجملة في ذهن السامع الا انه غير جاد وغير قاصد الحكاية والاخبار عن الواقع بل كان هازلا أو كاذباً ، فهذه دلالة تصديقية اُولى ، والمسمّاة بالدلالة الاستعمالية .
وبهذا البيان يتّضح معنى الدلالة التصديقية الثانية والتي تسمّى بالدلالة الجدِّية ، واتّضح ايضاً ان هذه الدلالة لا تستفاد من حاقِ اللفظ ، بل انها مستفادة منه ومن شيء آخر وهو العلم بحال المتكلم وانه جاد فيما يقول وقاصد للحكاية عن الواقع .
والمتحصّل مما ذكرنا ان الدلالة التصورية دلالة لفظية ناشئة عن العلم بالاوضاع اللغوية ، والدلالة التصديقية الاُولى والثانية دلالة حالية مستفادة من معرفة حال المتكلّم فان كان المتكلّم مريداً لإخطار المعاني من الالفاظ فحسب فهي دلالة تصديقية اُولى ، وان كان مريداً ـ بالاضافة الى ذلك ـ الحكاية عن الواقع وجادّاً في حكايتهِ فالدلالة تصديقيّة ثانية .

الوضع وعلاقته بالدلالات المتقدّمة
ذكرنا في البحث السابق ان الدلالة التصورية هي الدلالة الموجبة لتصوّر المعنى عند إطلاق اللفظ ، فاللفظ بمثابة السبب لخطور المعاني في الذهن ، وهنا نتسائل عن ما هو المنشأ لهذه السببية الواقعة بين الالفاظ ومعانيها وما هو السرّ في هذه العلاقة .
وهنا نشأت مجموعة من النظريات لغرض الكشف عن منشأ هذه العلاقة .
النظرية الاُولى : السببيّة الذاتية
هي ان العلاقة الواقعة بين اللفظ والمعنى هي علاقة السببيّة الذاتية ، فاللفظ سبب ذاتي لوجود المعنى .
وبعبارة اُخرى : ان المعنى لازم ذاتي للفظ ، واللازم الذاتي ـ كما ذكرنا في بحث القطع ـ هو المحمول الخارج عن الذات اللازم لها بحيث يستحيل تخلّفه عنها ، فعلاقة اللفظ بالمعنى كعلاقة النار بالحرارة ، فكما انّ الحرارة لازم ذاتي للنار ، كذلك المعنى لازم ذاتي للفظ ، وهذا يقتضي إستحالة تخلّف إنخطار المعنى عند إطلاق اللفظ لأن ذلك خلف الذاتيّة الواقعة بينهما .
والجواب على هذه النظريّة :
هو أننا بالوجدان نرى ان إنخطار المعاني من الالفاظ يحتاج الى اكتساب ، فغير العالم بالأوضاع اللغوية لا ينقدح في ذهنه المعنى عند إطلاق لفظه وما ذلك الا لأن تصوّر المعاني عن الألفاظ مفتقر الى دراسة الأوضاع اللغوية وهذا ما ينافي الذاتية المدعاة ، إذ ان الذاتية تقتضي كفاية تصوّر اللفظ لانقداح المعنى في الذهن ، كما هو الشأن في سائر اللوازم الذاتية بالنسبة لملزوماتها .
وبهذا اتّضح فساد هذه النظرية التي تبنّاها مجموعة من الاُدباء .
النظريّة الثانية : السببية الوضعية الاعتبارية
انّ العلاقة الواقعة بين اللفظ والمعنى نشأت عن الأوضاع اللغوية وذلك ان الواضع يضع لفظاً بإزاء معنىً من المعاني فيكون هذا الوضع سبباً في نشوء هذه العلاقة وانتقال ذهن السامع الى المعنى حين إطلاق اللفظ .
واذا كانت العلاقة ناشئة عن الوضع فهذا يعني ان هذه العلاقة إعتباريّة وليس لها واقع وراء إعتبار الواضع .
ومع اتّضاح هذا نقول : إنّ مجموعة من الاعلام « رضوان الله تعالى عليهم » تبنّوا هذه النظرية وان منشأ هذه العلاقة بين اللفظ والمعنى هو إعتبار الواضع الا انهم اختلفوا في كيفيّه الإعتبار الذي أنشأ العلاقة ، فهل هو إعتبار السببيّة أو إعتبار الآلية أو انه اعتبار اللفظ علامة على المعنى .
ولتوضيح هذه المسالك الثلاثة لابدّ من افراد كل واحد منها ببيان .
المسلك الأول :
والذي هو مسلك السببيّة وهو عبارة عن أنَّ الواضع يعتبر اللفظ سبباً في تصوّر المعنى ، فكأنَّ اللفظ علّة لانخطار المعنى في الذهن والمعنى المُتصوّر عن اللفظ معلول لها ، غايته أنها عليّة ومعلوليّة اعتباريّة .
ويمكن إيضاح ذلك ببعض الاعتبارات الشرعيّة مثل أن يقول المولى : (إذا قالت المرأة للرجل زوّجتك نفسي ، وقال الرجل للمرأة قبلت الزواج) فإنَّ المرأة بهذا الكلام تصبح زوجة والرجل يصبح زوجاً لها ، فكأنّما المولى اعتبر هذه الألفاظ سبباً لتحقّق الزوجيّة ، فكذلك المقام فإنَّ الواضع إذا اعتبر اللفظ سبباً في تصوّر المعنى فإن ذلك يقتضي تصوّر المعنى عند إطلاق اللفظ إذ أنَّ تصوّر المعنى يصبح مسبّباً عن اللفظ .
المسلك الثاني :
والذي عبّرنا عنه بمسلك الآليّة ، وهو عبارة عن اعتبار الواضع اللفظ آلة في تفهيم المعنى .
والفرق بين الآلية والسببيّة هو : انَّ الآلة ليست أكثر من الوسيلة التي يتوصّل بها إلى الغرض ، فهي كالمنشار بالنسبة للنجار ، فكما أنَّ المنشار قد تُوجد وبإزائها الخشبة ومع ذلك فهي لا تنشر الخشبة إلاّ أن يأتي النجار فينشرُ الخشبة بها ، فكذلك اللفظ ليس له أن يخطر المعنى في الذهن إلاّ أن يستعمله مستعمل فعند ذلك يحصل الإنخطار .
وهذا بخلاف السببية فإنَّ السببية تقتضي تحقّق المسبّب بمجرّد وجود سببه التام .  ومن هنا فإنَّ اللفظ يوجب تصوّر المعنى مطلقاً بناءً على السببية ولا يوجبه بغير الاستعمال بناءً على الآلية .
المسلك الثالث :
والذي عبّرنا عنه بمسلك العلاميّة ، والذي هو عبارة عن اعتبار الواضع اللفظ علامة على المعنى فهو بمثابة الإشارات التي يُحدثها الأخرس لغرض تفهيم مراداته وكالعلامات الموضوعة على الطرقات لبيان أنّها مغلقة أو سالكة .
وباتّضاح هذه المسالك الثلاثة ، نجد أنها وإن كانت تختلف في بيان كيفيّة الاعتبار إلاّ أنّها تشترك في أنَّ المنشأ للعلاقة بين اللفظ والمعنى هو اعتبار الواضع .
والجواب على هذه النظريّة بتمام مسالكها :
إنّ هذه النظريّة تفترض أن المنشأ لحدوث العلاقة بين اللفظ والمعنى هو الاعتبار ، والاعتبار ليس له واقع إذ أنّه ليس له وجود وراء اعتبار المعتبر في حين أننا نرى وبالوجدان أنَّ العلاقة بين اللفظ والمعنى علاقة واقعيّة حتى لو قطعنا النظر عن الاعتبار والمعتبر ، فلو كانت العلاقة إعتباريّة محضة فإنّ ذلك يقتضي انتهاء العلاقة بمجرّد قطّع النظر عن الاعتبار إذ أنَّ الاعتبار متقوّم بالالتزام به فلو ألغيناه أو تجاوزناه فإن ذلك يُفضي الى إنعدام العلائق الناشئة عنه .
ومن هنا نقول : أنَّ هذه النظريّه لم تقف على السر في نشوء هذه العلاقة الواقعيّة بين اللفظ والمعنى ، إذ أنَّ الاعتبار أقصى ما يمكن أن يُفسّره هو أن الوضع نشأ عن الاعتبار ، أمّا كيف تحققّت بعد ذلك العلاقة الواقعيّة والتي لا تنتهي بانتهاء وبإلغاء الاعتبار .
ولمزيد من التوضيح نقول : انّه يمكن تنظير العلاقة الواقعيّة بين اللفظ والمعنى بالماء والحرارة والذي نشأت حرارته عن النار ثم رفعناه عن النار ، فإنَّ علاقة النار بالحرارة علاقة واقعيّة كما أنّه لا يمكن تفسير بقاء هذه العلاقة بالنار ، بأن نقول : أن النار هي السبب في بقاء الحرارة للماء إذ أنَّ الفرض هو رفع الماء عن النار ومع ذلك بقيت الحرارة للماء على حالها ، تُرى ما هو تفسير بقاء الحرراة للماء ؟
هذا التفسير هو الذي نبحث عنه في علاقة اللفظ بالمعنى إذ أننا لو سلّمنا أن المنشأ في حصول العلاقة بين اللفظ والمعنى هو اعتبار الواضع إلاّ أنَّ ذلك لا يُفسّر لنا سرّ بقاء العلاقة على حالها حتى مع رفع اليد عن هذا الاعتبار .
إذن لابدّ من البحث عن نظرية اُخرى تُفسّر لنا حقيقة هذه العلاقة الواقعيّة .
النظريّة الثالثة : التعهّد
وهذه النظريّة تحتفظ بدعوى أنَّ العلاقة بين اللفظ والمعنى نشأت عن الوضع إلاّ أنها تُفسّر هذه العلاقة بما يتناسب مع واقعيّتها .
وبتعبير آخر : هذه النظرية تطرح تفسيراً للعلاقة بين اللفظ والمعنى ينسجم مع واقعية هذه العلاقة .
والمراد من التعهّد ـ والذي جعلته هذه النظرية مبرراً للعلاقة بين اللفظ والمعنى ـ المراد منه الالتزام والتباني النفساني من الواضع بأن لا يتلفظ بهذا اللفظ إلاّ إذا كان مريداً لتفهيم هذا المعنى ، فيكون قصد تفهيم المعنى هو المبرّر للوضع ولولاه لما نشأ الوضع ولما كان للواضع أيّ غرض في اعتبار لفظ بإزاء معنى .
وبتعبير آخر : لولا تعلّق الغرض عند الواضع بإبراز مقاصده وحاجاته لما كان يُنشأ الوضع ويعتبر ألفاظاً دالّة على معان ، فكما أنَّ الأخرس يُحدث إشارات لتفهيم مقاصده ولو لم يكن له قصد لما أحدث هذه الإشارات فكذلك الواضع لولا أن يحتاج الى إيصال مقاصده لما أنشأ الوضع ، فهذا إذن هو السرّ في العلاقة الواقعيّة بين اللفظ والمعنى ، إذ أن هذه العلاقة مرتبطة بواقع نفس الواضع وحاجته في إيصال أغراضه ومراداته ، فإذن العلاقة بين اللفظ والمعنى بناءً على هذه النظرية ليست جزافية بل لها منشأ يرتبط بواقع النفس ، وهذا الواقع لا يمكن تجاوزه كما هو الحال بناءً على مسلك الاعتبار إذ أن تجاوز الاعتبار يكون عن أحد أمرين إما ان يتنازل الواضع عن غرضه في تفهيم مقاصده وهذا إن حصل فهو يعنى إنتهاء العلاقة بين اللفظ والمعنى ـ وهذا ما يؤكد أن منشأ العلاقة هو تعلّق غرض الواضع بتفهيم مقاصده ـ في حين أنَّنا على مسلك الاعتبار نرى بالوجدان عدم انعدام العلاقة برفع اليد عن الاعتبار مما يؤكّد ان الاعتبار ليس هو المبرّر للعلاقة .
الثاني من الأمرين اللذين يُتصوّر بهما تجاوز الاعتبار هو أن يكون المتجاوز للاعتبار غير الواضع ، وهذا لا يكون على مسلك التعهّد إذ أنّ كلّ متكلّم واضع كما سيأتي ، نعم هو مُتصوّر بناءً على مسلك الإعتبار ، إذ أنّ المعتبر قد يكون غير المستعمل .
ومع إتّضاح مسلك التعهّد تتّضح الثمرة المترتّبة بينه وبين مسلك الاعتبار ، فبناءً على مسلك التعهّد يكون كلُّ متكلّم واضع ، وذلك لأن التعهد ـ كما قلنا ـ عبارة عن التباني النفساني بأن لا يتلفّظ بهذا اللفظ الا إذا كان قاصداً لتفهيم هذا المعنى ، وهذا التباني لا يُتصوّر إلا في حالة يكون فيها كل متكلّم واضع إذ ان المتكلّم اذا لم يكن واضعاً فهذا يعني انه غير ملتزم ومتعهّد وإنما المتعهد غيره وهو خلف الفرض .
أما بناءً على مسلك الاعتبار ، فيمكن ان يكون الواضع غير المتكلّم إذ ان الواضع يعتبر اللفظ علامة على المعنى فتنشأ عن ذلك علاقة بين اللفظ والمعنى يستفيد منها كلّ متكلّم .
وهناك ثمرة اُخرى مهمّة تترتّب على الفرق بين المسلكين ، وهي : ان الوضع بناءً على التعهّد هو الذي ينشأ الدلالة التصديقية الاُولى «  الاستعمالية » إذ أن الدلالة التصديقية الاُولى « كما قلنا » هي ما يكون فيها المتكلّم قاصداً لتفهيم المعنى من اللفظ ، وهذا هو معنى التعهّد المحقق للوضع ، ولذلك لا تُتعقّل بناءً على مسلك التعهّد الدلالة التصوّرية التي هي مستفادة من حاق اللفظ إذ أن اللفظ بناءً على هذا المسلك لا يكشف عن المعنى ما لم يكن المتكلّم متعهّداً باستخدام هذا اللفظ لغرض تفهيم المعنى فاللفظ وحده بناءً على التعهّد غير كاف في تحقيق الدلالة ، فلذلك ليس عندنا بناءً على هذا المسلك الاّ دلالتان ، الاُولى : هي الدلالة التصديقيّة الاُولى ، والثانية : هي الدلالة التصديقيّة الثانية .
واما بناء على مسلك الاعتبار ، فالدلالة التصديقية الاُولى ليست ناشئة عن الوضع بل هي ناشئة عن معرفة حال المتكلّم وأنه ملتفت وقاصد لإخطار المعنى في الذهن ، فالدلالة التصديقية الاُولى بناء على هذا المسلك دلالة حالية سياقية ، والذي هو ناشئ عن الوضع بناءً على هذا المسلك هو الدلالة التصوّرية حيث ان الدلالة بناءً على الاعتبار نشأت عن إعتبار اللفظ مفيداً لتصور المعنى .
الإشكال على مسلك التعهّد :
أوْرَدَ المصنّف (رحمه الله) على مسلك التعهّد بإيرادين :
الأول : ان مسلك التعهّد لا يستطيع تفسير الاستعمالات المجازيّة والتي يستعمها كل متكلّم إذ ان المتكلّم إذا كان بانياً على عدم الاتيان بهذا اللفظ الا اذا كان مريداً لتفهيم هذا المعنى فهذا يعني ان استعمالاته المجازية تكون على خلاف ما تعهّد به إذ انّه في الاستعمال المجازي يأتي باللفظ ولا يكون قاصداً لتفهيم ذلك المعنى ـ الذي تعهّد بأن لا يأتي بهذا اللفظ إلاّ لتفهيمه ـ بل يكون قاصداً لتفهيم معنىً آخر .
وقد تقول ان المتكلّم وان كان متعهّداً بالاّ يأتي بهذا اللفظ الا اذا كان قاصداً لتفهيم هذا المعنى الا انه ملتزم ضمناً بأن ذلك التعهّد في غير حالات الاستعمال المجازي بأن يقول هكذا : « أنا متعهّد بأن لا آتي بهذا اللفظ إلاّ اذا كنت مريداً لتفهيم هذا المعنى ما عدى حالات الاستعمال المجازي » .
الثاني : ان مسلك التعهّد يفترض ان المتكلم وقبل أن يتكلم يتصوّر معنىً ثم يضع بازاء هذا المعنى لفظاً ثم يتعهّد بينه وبين نفسه بأنْ لا يأتي بهذا اللفظ الا ان يكون قاصداً لتفهيم هذا المعنى ، ويفترض أيضاً أن المتكلّم حينما يُريد استعمال هذا اللفظ لتفهيم هذا المعنى يرجع الى نفسه ليرى بأيِّ شيءِ هي التزمت ، ثم يطابق بين ما إلتزم به وبين هذا اللفظ وهذا المعنى الذي يريد تفهيمه الآن ، فاذا رأى ذلك مطابقاً لما التزم به استعمله والاّ لا يستعمله ، فكأنه يشكّل قياساً استثنائياً هكذا .
هذا اللفظ قد تعهّدت ان لا استعمله الا في تفهيم هذا المعنى ، وهذا المعنى الذي اُريد تفهيمه الآن مطابق للمعنى الذي تعهّدت به إذن يصح ان استعمل هذا اللفظ لتفهيم هذا المعنى .
وفي حالات اُخرى تنعكس النتيجة هكذا .
ان هذا اللفظ قد تعهّدت ان لا استعمله الا لتفهيم هذا المعنى ، والمعنى الذي اُريد تفهيمه الآن يغاير المعنى الذي تعهدت بان لا آتي بهذا اللفظ الا لتفهيمه ، إذن هذا اللفظ لا استعمله لتفهيم هذا المعنى الثاني .
إذن المتكلّم بناءً على هذا المسلك حينما يضع لفظاً بازاء معنى وحينما يريد استعمال اللفظ في المعنى يحتاج الى تشكيل أقيسة منطقيّة ويحتاج أيضاً الى ادراك معنى الملازمة لأنه في تعهّده يجعل اللفظ ملزوماً والمعنى لازماً كما يفترض ان يكون المتكلّم قادراً حين الاستعمال على الانتقال من الملزوم الى اللازم .
كل ذلك يحتاجه المتكلّم بناءً على مسلك التعهّد في حين ان ذلك لا يتناسب مع المتكلّم في مرحلة طفولته فإمّا ان نتنازل عن مسلك التعهّد في مرحلة الطفولة لعدم تعقّله في هذه المرحلة ، ولا نحتمل ان صاحب هذه النظرية يقبل ذلك لأنه يعنى عدم الاجابة عن منشأ العلاقة بين اللفظ والمعنى إذ ان منشأ العلاقة بين اللفظ والمعنى لا تتفاوت بتفاوت عُمرِ الانسان .
النظرية الرابعة : نظرية القرن الأكيد
وهي التي تبنّاها المصنّف (رحمه الله) ، وهذه النظرية تقف على جذور العلاقة الواقعية بين اللفظ والمعنى ، فهي وإن كانت تقبل بأن الوضع قد ينشأ عن إختراع الواضع لفظاً واعتباره دالا على معنىً من المعاني ، إلاّ أنها تعتبر ذلك وسيلة من وسائل نشوء العلاقة وليس هو السبب في واقعيّة هذه العلاقة ، وإنّما السبب في واقعيّة هذه العلاقة هو الإقتران الأكيد في ذهن الإنسان بين اللفظ والمعنى إذ أنَّ فكر الإنسان رُكّب تكويناً على أنّه إذا ارتبط شيء في ذهنه بشيء واستوثق ذلك الإرتباط فإنَّ ذلك يؤدي الى انخطار الثاني بتصوّر الأول ، مثلا حينما يصاب الإنسان بمشكلة مستعصية ويكون سبب هذه المشكلة هو زيد من الناس فهنا يُحْدِث ذهن الإنسان ـ بحسب طبعه ـ ربطاً بين هذه المشكلة المستعصية وبين زيد من الناس ، ثم انّ هذا الإرتباط يظلُّ مختزناً في ذهن هذا الإنسان بحيث لو مضى على هذه المشكلة عقود من الزمن فإنَّه كلّما تذكّر المشكلة إنقدحت في ذهنه صورة زيد وكذلك العكس ، وما ذلك إلاّ للإرتباط الذهني الوثيق بين المشكلة وبين زيد .
والإرتباط بين الألفاظ والمعاني من هذا القبيل إذ أنَّ هذا الإرتباط يحدث في ذهن الإنسان نتيجة عوامل معيّنة توجب توثيق الربط بين اللفظ والمعنى ، وهذه العوامل وإن كانت تختلف في طبيعتها إلاّ أنها تشترك في إحداثها للربط الوثيق بين اللفظ والمعنى ، فقد تكون هذه العوامل إتفاقية ، وقد تكون عنائية مقصودة .
ويمكن تنظير ذلك بتعليم الطفل اللغة ، فتارة يتم تعليمه عن طريق تكرار لفظ معيّن عند مشاهدة شيء معيّن فيحصل في ذهن الطفل إقتران بين هذا اللفظ وبين ذلك الشيء ، وهذا الاقتران إنما هو من مقتضيات طبع الإنسان وتكوينه ، وتارة اخرى يكون التعليم عن طريق تلقين الطفل وتفهيمه بأنَّ هذا الشيء يُسمّى كذا وذاك يُسمّى كذا ، وبهذا التلقين ينحدث ربط واقتران في ذهنه بين اللفظ وذاك المعنى ، وهذا الربط والاقتران أيضاً من مقتضيات تكوين الإنسان وطبعه الذي طبعه الله عزّوجلّ عليه .
إذن يمكن إجمال هذه النظرية بأن يقال : انَّ السرَّ في واقعيّة العلاقة بين اللفظ والمعنى هو ما طبع عليه ذهن الإنسان من القدرة على تشكيل علائق وروابط بين الأشياء ، وتكون طبيعة هذه العلائق بعد ذلك أنّه كلما خطر في ذهنه أحد الشيئين المقترنين ينقدح الآخر حتى ولو لم يكن مُريداً لذلك .
ومع اتضاح معنى هذه النظرية يتّضح أنها تتّفق مع نظرية الاعتبار في أنَّ الوضع سبب للدلالة التصورية فحسبت ، وذلك لأنَّ الإقتران لا يوجب أكثر من تصوّر المعنى عند صدور اللفظ ، أمّا أنَّ الآتي باللفظ قاصد لتفهيم المعنى فهذا خارج عمّا تقتضيه نظرية القرن وعليه تكون الدلالة التصديقيّة مستفادة ـ بناء على هذه النظرية ـ من حال المتكلّم .

الوضع التعييني والتعيّني :
ذكروا أنَّ الوضع بلحاظ ما يُسبّبه ويحقّقه ينقسم الى قسمين :
الأوّل : الوضع التعييني : وهو ما يتصدّى فيه الواضع لجعل لفظ دالا على معنى بحيث يبذل عناية خاصة ومقصودة لهذه العملية كأنْ يقول : وضعت لفظ الأسد للحيوان المفترس .
الثاني : الوضع التعيّني : وهو ما يكون تحقّقه إتفاقي بحيث يكون ناشئاً عن كثرة استعمال لفظ في معنىً فينتج عن هذه الكثرة في الاستعمال إنس ذهني يوجب الانتقال من اللفظ الى المعنى .
وهنا تظهر ثمرة ـ بين نظرية القرن الأكيد وبين نظريّتَي الإعتبار والتعهّد ـ وهي أنّه بناءً على نظرية القرن الأكيد يمكن تبرير القسم الثاني من قسمي الوضع ، وذلك لأننا قلنا أنَّ القرن الأكيد هو عبارة عن ربط يحدثه ذهن الإنسان ـ بمقتضى طبعه وتكوينه ـ بين اللفظ والمعنى ، وهذا الربط الذهني يكون ناشئاً عن اقتران خارجي أيّاً كانت طبيعة هذا الإقتران ، فإذا كان كذلك فمن الواضح أنَّ كثرة استعمال لفظ في معنى نوع إقتران خارجي بين اللفظ والمعنى ، هذا الإقتران الخارجي يوجب نشوء إرتباط في الذهن بين اللفظ والمعنى وبه تكون كثرة الاستعمال موجبة للوضع التعيّني بناءً على نظريّه القرن الأكيد .
وأمّا بناءً على نظريّتَي الإعتبار والتعهّد فلا يُتعقّل فيهما الوضع التعيّني إذ الاعتبار متقوّم ببذل العناية المخصوصة والمقصودة لغرض جعل اللفظ دالا على المعنى في حين انّ كثرة الإستعمال عملية عفويّة لم يتصدّى أحد لإيجادها ، فلا اعتبار ولا معتبر .
وكذلك الكلام في التعهّد إذ هو متقوّم بالتباني النفساني على أن لا يأتي باللفظ إلاّ أن يقصد تفهيم المعنى ، فإذن هو متقوّم بوجود تعهّد ومتعهِّد  ، وكثرة الإستعمال ليست الاّ عملية اتفاقية ، بل أنّه بناءً على التعهّد لا يوجد استعمال إلاّ بتعهّد مسبق ولا يشذ عن ذلك أحد كما اتضح مما تقدّم  .
نعم ; يمكن أن تكون كثرة الاستعمال كاشفة عن وجود اعتبار وتعهّد  ، فيكون الفرق بين نظرية القرن الأكيد وبين النظريّتين أنّه بناءً على القرن الأكيد تكون كثرة الاستعمال موجده للوضع ، فلذلك يكون الوضع متأخّراً عنها ، وأمّا بناءً على النظريّتين ـ الاعتبار والتعهّد ـ فدور كثرة الاستعمال هو دور الكاشف عن وجود تعهّد واعتبار .
وبهذا يتّضح أنَّ الوضع التعييني والتعيّني ليسا مُوجدين للوضع وإنما لهما دور الكشف عنه ، غاية ما في الأمر أنَّ كيفيّه الكشف مختلفة ، فهي في التعيّني تكون كثرة الاستعمال كاشفة ، وأمّا في التعييني فالكاشف عن الوضع هو تصريح الواضع بأنه قد وضع اللفظ بازاء هذا المعنى .
توقّف الوضع على تصوّر المعنى
قلنا : انا الوضع عبارة عن جعل اللفظ دالا على معنىً من المعاني ، فالوضع بهذا حكم على المعنى كما هو حكم على اللفظ ، فيكون المعنى واللفظ محكوماً عليهما ، أي ان المعنى واللفظ كلا منهما يمثّل جزء موضوع لقضيّة يكون المحمول فيها الوضع ، فكأنّما الواضع يشكّل قضيةً هذه صورتها « اللفظ والمعنى يدلّ الأوّل منهما على الثاني » ، فاللفظ والمعنى يمثّلان موضوع القضية « ويدل الأول على الثاني » هو محمول القضية وهو عين الوضع كما هو واضح ، فإذا كان الوضع هو الحكم على اللفظ والمعنى فهذا يقتضي ان يتصوّر الحاكم اللفظ والمعنى في رتبة سابقة على جعل الحكم اي جعل الوضع ، وذلك لاستحالة جعل الأحكام قبل تقرر موضوعاتها كما ذكرنا ذلك في بحث القطع الموضوعي .
وباتّضاح هذه المقدّمة نقول : ان الوضع ينقسم الى عدّة تقسيمات ، منشأ هذه التقسيمات هو ملاحظة الوضع في كل تقسيم بلحاظ يختلف عنه في التقسيم الآخر ، فحينما نلحظ الوضع من جهة ما يُسببه ويُحققه ، فالوضع ينقسم الى وضع تعييني ووضع تعيّني ، وحينما نلاحظه من جهة اللفظ الذي يراد جعله دالا على المعنى ، فالوضع ينقسم الى وضع شخصي ووضع نوعي  ، وهكذا تختلف تقسيمات الوضع باختلاف الحيثية الملحوظة فيه عند التقسيم .
وهنا نتعرّض لبيان أحد تقسيمات الوضع ، والذي هو تقسيم بلحاظ المعنى الذي يراد جعل اللفظ دالا عليه ، فهو إذن تقسيم الوضع بلحاظ موضوعه وهو المعنى ، فنقول : ان المعنى الذي يمكن تصوّره حين الوضع على نحوين :
النحو الأول : ان نتصوّر المعنى ـ الذي نريد جعل اللفظ دالا عليه ـ بنفسه بحيث نستحضره في ذهننا كاملا ومن تمام حيثيّاته وبما له من سعة أو ضيق وذلك مثل ان نستحضر ونتصوّر معنى زيد بما له من مشخّصات ، ثم نضع اللفظ بازاء هذا المعنى المتشخّص والمحدّد ، وكذلك مثل ان نتصوّر معنى الانسان بما له من حيثيّات تُميِّزه عن سائر المعاني وبما له من سعة بحيث يشمل افراده ، ثم نضع اللفظ بازاء هذا المعنى المحدّد .
النحو الثاني : ان نستحضر ونتصوّر المعنى ولكن ليس بنفسه وإنما بعنوانه المنطبق عليه ، فيكون هذا العنوان العام مشيراً ومنوّهاً بالمعنى الذي يُراد جعل اللفظ دالا عليه ، وذلك مثل ان نتصوّر معنى زيد ولكن ليس بنفسه وبمشخّصاته الخاصة به وانما بعنوان هذا العنوان صالح لأن ينطبق عليه ، وهو مثلا عنوان الانسان أو عنوان الرجل ، فهنا نكون قد تصوّرنا معنى زيد بعنوان كلّي صالح للانطباق عليه .
ومع اتّضاح هذين النحوين من تصوّر المعنى ، نكون توفّرنا على الشرط الذي يصحّح لنا الوضع ، اذ قلنا ان الوضع لا يمكن إلا بعد تقرّر الموضوع . والمعنى أحد جزئي الموضوع ، واذا ما تقرّر الموضوع عندنا وتصوّرناه امكن جعل لفظ دالا عليه .
ومن هنا يكون الوضع بلحاظ المعنى المتصوّر منقسماً الى ثلاثة أقسام  :
القسم الأول : الوضع العام والموضوع له العام :
وهو ان يتصوّر الواضع معنىً من المعاني الكلّيّة ويحدّده في ذهنه بما له من جنس وفصل ثم يجعل لفظاً بازاء هذا المعنى الكلي المحدّد ، مثل ان يتصوّر معنى الحيوان الناطق ويميّز هذا المعنى عن المعاني الكليّة الاُخرى ، ثم بعد ذلك يجعل لفظاً من الالفاظ دالا عليه كلفظ الإنسان فيكون لفظ الانسان دالا على المعنى الكلّي والذي هو الحيوان الناطق .
فالموضوع له في هذا القسم هو المعنى الكلي المتصوّر في الذهن قبل الوضع ، والمراد من الموضوع له أي الذي وُضع له اللفظ ، فالضمير في «  له  » راجع الى اللفظ .
والمراد من الوضع العام هو هذه العملية التي يتصدّى لها الواضع والتي هي جعل اللفظ بازاء المعنى ، وسمّي وضعاً عاماً لأن اللفظ الذي جعله الواضع بازاء المعنى لفظٌ جُعل دالا على معنىً كلّي عام ، فاتِّصاف الوضع بالعموم إنما هو بلحاظ المعنى الموضوع له اللفظ والذي هو في المثال الحيوان الناطق .
القسم الثاني : الوضع الخاص والموضوع له الخاص :
وهو ان يتصوّر الواضع معنىً من المعاني الجزئيّة ويشخّصه ويحدّده في ذهنه ، ثم يجعل لفظاً بازاء هذا المعنى الجزئي المشخّص ، مثل ان يتصوّر الواضع فرداً من أفراد الانسان ويحدّده في ذهنه بتمام مشخّصاته الخاصّة به ، ثم يجعل لفظ زيد دالا على هذا المعنى الخاص المتصوّر في الذهن .
فالموضوع له في هذا القسم هو المعنى الجزئي المتشخّص في الذهن والذي عُبِّر عنه بالخاص .
وسمِّي هذا الوضع خاصّاً لأن اللفظ الذي جعله الواضع بازاء المعنى لفظ جعل دالا على معنىً جزئي متشخّص .
الوضع العام والموضوع له الخاص :
وهو ان يتصوّر الواضع معنىً من المعاني الجزئيّة ولكن عن طريق تصوّر عنوان كلي صالح للانطباق على المعنى الجزئي ، ويكون دور العنوان الكلّي دور المشير والمُلفِت للمعنى الجزئي المشمول لهذا العنوان الكلي .
كأن يتصوّر الواضع فرداً من افراد الانسان الا ان هذا التصوّر يتم عن طريق تصوّر عنوان هذا الفرد الذي يكون هذا الفرد داخلا تحته ، ثم يضع لهذا الفرد من أفراد الانسان لفظاً يدل على هذا الفرد ، ولكن بعنوانه الكلي لا بحدوده الخاصّة به ، فيقول هذا هذا الفرد ـ المتصوّر عن طريق تصوّر عنوانه ـ إنسان فلفظ الانسان جُعل دالا على الفرد المتصوّر ولكن بما هو مشمول لعنوانه العام .
فالموضوع له في هذا القسم هو المعنى الجزئي الغير المتشخّص بمشخّصاته الخاصّة به ، وانما بعنوانه الكلي الصادق عليه ، ولذلك صار الموضوع له في هذا القسم خاصّاً ، أي الذي وُضع له اللفظ هو معنىً خاص  .
وسمّي الوضع هنا عامّاً لأن اللفظ الذي جعله الواضع دالا جعله دالا على معنىً خاص متعنون بعنوان عام .
ومع اتّضاح هذه الأقسام الثلاثة نعرف ان المناسب للقسم الأول هو وضع اسماء الأجناس ، مثل وضع لفظ الأسد دالا على معنى الحيوان المفترس ، والمناسب للقسم الثاني هو وضع الاعلام الشخصيّة ، كوضع لفظ « مكّة » بازاء تلك البقعة المباركة .
واما القسم الثالث فقد وقع الخلاف فيما يُناسبه وهل أن وضع الحروف مما يناسب هذا القسم أو لا ؟ وهذا ما سنبحثه في المعاني الحرفية إنشاء الله تعالى .
هذا تمام الكلام في الأقسام الممكنة في الوضع ، ويقع الكلام في قسم رابع من الوضع وهو :
الوضع الخاص والموضوع له العام :
ويفترض في هذا القسم من الوضع ان الواضع يتصوّر معنىً جزئي غير صالح للانطباق الاّ على نفسه ، ثم بعد ذلك يضع اللفظ بازاء معنىً كلي عام ، فالموضوع له اللفظ هو المعنى الكلي العام وان كان المتصوّر حين الوضع هو المعنى الجزئي .
وتلاحظون ان هذا مستحيل إذ انَّ الوضع كما قلنا هو حكم على المعنى وهذا يقتضي ان يكون المعنى متصوّراً قبل الوضع ، وفي هذا القسم يكون المعنى المتصوّر غير المعنى المحكوم عليه ، أي غير المعنى الموضوع له اللفظ ، فالمعنى الموضوع له اللفظ هو العنوان الكلي أو قل هو المفهوم الكلي  ، والمعنى المتصوّر للواضع حين الوضع هو المعنى الجزئي ، ومن الواضح ان المعنى الجزئي لا يوجب تصوّر المعنى الكلّي ، فهو غير مساو للكلّي إذ أنَّ هذا خُلْفُ جزئيته ، كما لا يصلح للإشارة إلى العنوان الكلّي إذ أنَّ العنوان الكلّي ليس داخلا تحت الجزئي وصلوح المعنى لأن يُشير انما هو في حالة يكون المعنى المشار اليه مشمولا وداخلا تحت العنوان المشير .
ويمكن أن نمثّل لذلك بما لو تصوّر الواضع مفهوم الحيوان الناطق بما له من سعة ثم وضع لفظ زيد بإزاء ذات من أفراد هذا المفهوم العام ، فهنا يكون المعنى المتصوّر غير المعنى الموضوع له لفظ زيد إذ أن المعنى المتصوّر حين الوضع هو مفهوم الحيوان الناطق بما له من السعة والمعنى الذي وضع اللفظ بإزاءه وللدلالة عليه هو ذات من أفراد هذا المفهوم الكلّي ، وهذا يعني أن الذي وضع بإزاءه اللفظ هو معنىً جزئي ، والمعنى الجزئي لا يصلح للإشارة الى المعنى الكلّي لعدم مساوته له وعدم دخوله تحت عنوان جزئي كما هو واضح .
وبهذا اتّضح إستحالة هذا القسم ، وهو الوضع الخاص والموضوع له العام .

توقّف الوضع على تصوّر اللفظ :
قلنا فيما سبق أنَّ الوضع حكم على اللفظ والمعنى ، وهذا يقتضي تصوّر اللفظ والمعنى قبل الوضع .
وقد ذكرنا فيما سبق أقسام الوضع بلحاظ تصوّر المعنى الذي يراد وضع اللفظ دالا عليه ، ويقع الكلام في المقام عن تقسيم الوضع بلحاظ تصوّر اللفظ الذي يراد جعله دالا على المعنى .
فنقول : أنَّ الوضع بهذا اللحاظ ينقسم إلى قسمين :
الأول : الوضع الشخصي : وهو ما يكون اللفظ فيه متصوّراً بنفسه  ، وذلك بأن يتصوّر الواضع لفظاً بمادّته وهيئته ثم يضعه بإزاء معنىً من المعاني ، ويمكن التمثيل لهذا القسم من الوضع بأسماء الأجناس وبأسماء الأعلام الشخصيّة ، وذلك مثلا بأن يتصوّر الواضع لفظ أسد بمادته والتي هي ( أ ، س ، د ) وبهيئته والتي هي (فَعَل) بفتح الفاء والعين ، ثم يضع هذا اللفظ بإزاء معنىً كلّي وهو الحيوان المفترس ، وهذا هو وضع أسماء الأجناس ، وأما وضع أسماء الأعلام الشخصية فمثاله أن يتصوّر الواضع لفظ زيد بمادّته وهيئته ثم يضعه بإزاء معنىً جزئي وهو في المثال ذات من أفراد الإنسان .
الثاني : الوضع النوعي : وهو ما يكون اللفظ فيه متصوّراً بعنوان عام ومشير ، وذلك بأن يتصوّر الواضع مادّة في هيئة من الهيئات ، تكون هذه المادة عنواناً مشيراً الى الهيئة ، ثم يضع المادّة المتهيّئة بهيئة خاصّة بإزاء معنىً كلّي وليس غرضه من الوضع سوى تحديد هيئة للمعنى الكلّي ، وإنّما جعل الهيئة في ضمن مادة لأجل الإشارة الى الهيئة لعدم قدرة الواضع على إحصاء كل المواد المتهيّئة بهذه الهيئة ، ومثال ذلك أن يتصوّر الواضع هيئة الفعل الماضي في ضمن عنوان مشير إليها ـ وهو (فَعَلَ) « الفاء والعين واللام فتح الثلاثة » وهو إنّما احتاج في تصوّر هيئة الفعل الماضي إلى المادّة لأنَّ الهيئة لا تكون إلاّ في ضمن مادة من المواد ـ ثم يضع هذه المادّة المتهيّئة بهذه الهيئة المخصوصة بإزاء معنىً كلّي عام وهو في المثال (الحدث الذي مضى زمانه) .
فهذا هو الوضع النوعي وسمّي هذا الوضع نوعيّاً لأنَّ اللفظ المتصوّر حال الوضع لفظ غير مقصود بنفسه وإنّما بهيئته التي لها سريان في سائر المواد المتهيّئة بمثل هذه الهيئة .

المجـــاز :
يُعرَّف المجاز عادة : بأنّهُ استعمال اللفظ في غير ما وضع له ، أي : في معنىً ليس ذلك اللفظ موضوعاً للدلالة عليه بل أنَّ اللفظ الموضوع للدلالة عليه غيره ، كاستعمال لفظ الأسد في الرجل الشجاع ، فإنَّ الرجل الشجاع ليس موضوعاً له لفظ الأسد .
والمصحّح للمجاز عادة المشابهة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي ، فالمعنى الذي وضع الواضع اللفظ للدلالة عليه إذا شابهه معنىً آخر تكون هذه المشابهة مبرِّرة لاستعمال ذلك اللفظ الذي وضع للمعنى المشابَه ـ بفتح الباء ـ في المعنى المشابِه ـ بكسر الباء ـ وذلك مثل استعمال لفظ السواد للتعبير عن الكراهة وعبوس الوجه ، فإن لفظ السواد لم يوضع لذلك وانما وضع للون من الألوان ، ولكن المشابهة بين معنى لفظ السواد ـ وهو اللون الخاص ـ وبين الكراهة وعبوس الوجه سوّغ استعماله في المعنى المشابه للمعنى الموضوع له لفظ السواد ، قال الله تعالى : ] واذا بُشّر أحدهم بالاُنثى ظلَّ وجهه مسودّاً وهو كظيم [() .
ومع اتّضاح هذه المقدّمة نقول : إنَّ الوضع وبسبب القرن الأكيد يحدث علاقة بين المعنى وبين اللفظ الذي وضع لغرض الدلالة على ذلك المعنى ، وهذه العلاقة توجب تصوّر المعنى بمجرّد إطلاق اللفظ . ولمَّا كان لهذا المعنى ما يشابهه من معان اُخرى ـ بحيث تكون هذه المشابهة نحو علاقة موجبة للتقارن في الذهن ـ هذه المشابهة تكون مبرّراً لاستعمال اللفظ في المعنى الآخر المشابه للمعنى الموضوع له اللفظ ، فيكون الإقتران الذهني بين المعنى الموضوع له اللفظ والمعنى المشابه له محققاً للإقتران بين اللفظ المقترن بمعناه الحقيقي وبين المعنى المشابه والذي هو المعنى المجازي  .
وبعبارة اُخرى : المشابهة بين معنى ومعنى آخر تولّد إقتراناً بين اللفظ الذي هو للمعنى الأوّل وبين المعنى الثاني فتكون المشابهة سبباً في نشوء علاقة بين اللفظ والمعنى الثاني إلاّ أن هذه العلاقة ليست في إستيثاقها واستحكامها كالعلاقة الواقعة بين اللفظ والمعنى الأول الموضوع له ذلك اللفظ ، فلذلك عندما يطلق اللفظ يكون المنسبق منه الى الذهن هو المعنى الأول ، بل إستحكام العلاقة بين المعنى واللفظ الموضوع لذلك المعنى توجب إنسباق المعنى الاول من اللفظ حتى في موارد العلم بعدم إرادته وقد بيّنّا ذلك فيما سبق .
إذن العلاقة بين اللفظ والمعنى المجازي في طول العلاقة بينه وبين المعنى الحقيقي ، نعم عندما نستعمل اللفظ في المعنى الثاني المجازي مع القرينة تكون دلالة اللفظ بإضافة القرينة على المعنى المجازي دلالة فعلية يمكن الاعتماد عليها .
ثم ان الكلام في إحتياج دلالة اللفظ على المعنى المجازي الى وضع جديد ، فنقول : إن من الواضح عدم الحاجة الى ذلك لكفاية المعنى الحقيقي في الربط بين المعنى المجازي واللفظ ، فيكون المعنى الحقيقي واسطة في ثبوت العلاقة بين اللفظ والمعنى المجازي ، وبالتالي يكون اللفظ صالحاً للدلالة على المعنى المجازي ، وهذا المقدار لا اشكال فيه .
إنما الإشكال في إستعمال اللفظ في المعنى المجازي بدون وضع جديد  ، بأن يقال : ان صحة استعمال اللفظ في المعنى المجازي متوقّفة على انشاء وضع جديد بين اللفظ وبين المعنى الثاني المجازي ، وذلك لأنّ دلالة اللفظ على المعنى المجازي غير كافية وحدها لتصحيح الاستعمال ما لم يكن هناك وضع إذ المصحح للإستعمال هو الاوضاع اللغوية ، وبهذا يكون استعمال اللفظ في المعنى المجازي ـ بناءً على هذا القول ـ مفتقراً الى الوضع .
وفي مقابل هذا القول قول بكفاية دلالة اللفظ على المعنى المجازي في تصحيح الاستعمال .
وبتعبير آخر : ان العلاقة بين المعنى الاول والذي وُضع اللفظ له والمعنى الثاني كافية في تصحيح إستعمال اللفظ في المعنى الثاني المجازي .
ثم ان القائلين بلا بدّيّة الوضع في الاستعمال المجازي مسؤولون عن تصوير كيفيّة هذا الوضع الجديد ، إذ أنه لابدّ من أن يكون الوضع الجديد مشتملا على حيثيّة تحتفظ بمجازيّة الوضع الجديد ، وبأنه في طول الوضع الأول وإلا لصار استعمال اللفظ في المعنى الثاني استعمالا حقيقيّاً ويكون بذلك اللفظ موضوعاً بوضعين كل وضع على حدة ، وهذا ما يُحوّل المجاز الى مشترك لفظي وهو خُلْف الفرض إذ ان الدعوى هي الاحتفاظ بمجازية المعنى المجازي بعد الوضع الجديد .
ولذلك قال بعضهم في مقام تصوير وضع جديد يحتفظ بهذه الحيثية المذكورة ان الواضع يضع اللفظ بإزاء المعنى المجازي ، ولكن بشرط اشتماله على القرينة ، وبهذا يحتفظ المعنى المجازي بمجازيّته وطوليّته للوضع الأول .
ومع ذلك لم يقبل المصنّف (رحمه الله) بدعوى احتياج الاستعمال المجازي الى وضع جديد وان دلالة اللفظ على المعنى المجازي الناشئة عن العلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي كافية لتصحيح الاستعمال في المعنى المجازي ، وذلك لأنّه ما المراد من صحّه الاستعمال التي تمسك بها القائلون بلزوم الوضع الجديد في المعنى المجازي ؟
نقول : انّ مرادهم من صحّه الإستعمال لا يخلو عن أحد معنيين :
المعنى الأوّل : انّ صحة الاستعمال حسْنُهُ فقولهم لا يصح الإستعمال بغير وضع اي لا يحسن الاستعمال بغير وضع .
المعنى الثاني : ان المراد من صحة الاستعمال أنه لا يكون هذا الاستعمال منسوباً الى لغة إلا اذا كان واضع هذه اللغة قد وضع هذا اللفظ دالا على هذا المعنى وبه يصحّ نسبة إستعمال هذا اللفظ في هذا المعنى الى هذه اللغة . وكلا هذين المعنيين لا يقتضيان لزوم وضع جديد .
اما المعنى الأوّل : ـ وهو أن المراد من صحة الاستعمال حسْنُهُ وانّه لا يحسن الاستعمال بغير وضع ـ فلا نسلم انّ حُسْنَ الاستعمال متوقّف على خصوص الوضع اذ أن الغرض من الوضع هو ايجاد الدلالة على المعنى من اللفظ الموضوع فاذا كانت الدلالة موجودة فأيّ حاجة الى الوضع ، وهل هو الا من تحصيل الحاصل إذ قلنا بكفاية العلاقة بين المعنى الأول الحقيقي والمعنى المجازي لتحقق الدلالة على المعنى المجازي باللفظ الموضوع للمعنى الأول الحقيقي .
واما المعنى الثاني : ـ وهو أن المراد من صحة الاستعمال هو صحة انتسابه الى لغة ـ فهذا غير مسلَّم أيضاً إذ أنّ صحة الانتساب الى اللغة التي يتكلّم بها المتكلّم غير متوقّف على الوضع الجديد إذ ان استعمال اللفظ في المعنى المشابه ـ بصيغة الفاعل ـ للمعنى الموضوع له اللفظ مصحّح لانتساب هذا الاستعمال الى تلك اللغة .

علامات الحقيقة والمجاز :
لمّا لم نكن مطّلعين على كل الأوضاع اللغوية حيث تستوقفنا كثير من الألفاظ المستعملة في معان معيّنة ولا ندري أنّه استعمال فيما وضعت له هذه الألفاظ حتى يكون الاستعمال حقيقيّاً أو أنّه استعمال في غير ما وضعت له هذه الألفاظ فيكون الاستعمال مجازيّاً ، لمّا لم نكن مطّلعين على ذلك نشأتْ الحاجة إلى البحث عن ما يُميّز الاستعمال الحقيقي عن الاستعمال المجازي .
وهذا البحث يتصدَّى لبيان هذه العلائم التي تُميّز الحقيقة عن المجاز وهي كما يلي :
الأوّل : التبادر :
والمراد منه تصوّر معنىً من المعاني بمجرّد إطلاق اللفظ بحيث يكون هذا اللفظ هو المتصوّر الأول في الذهن دون بقيّة المعاني ـ التي يمكن أن يكون هذا اللفظ دالا عليها ـ وهذا الإنسياق والتصوّر السريع الحاصل من اللفظ يكون علامة على أنّ هذا المعنى هو الموضوع له ذلك اللفظ ، ولولا ذلك لاحتجنا في تصوّره من اللفظ الى قرينة خارجة عن حاق اللفظ تدل على أنّ هذا اللفظ استعمل في ذي القرينة .
الإشكال على علاميّة التبادر : وقد أورد على هذه العلامة بأنَّ جعل التبادر علامة الحقيقة يلزم منه الدور ، وذلك لأنّ التبادر متوقّف على العلم بالوضع ، وهنا نريد أن نحصّل العلم بالوضع عن طريق التبادر فيكون التبادر متوقّف على عين المتوقّف عليه ـ وهو العلم بالوضع ـ .
وبتعبير آخر : تنشأ العلاقة الدلاليّة بين اللفظ والمعنى عن طريق العلم بالوضع لأنّه ما لم نعلم بالوضع لا يكون اللفظ عندنا دالا على المعنى ، نعم إذا علمنا بالوضع تبادر المعنى بمجرّد إطلاق اللفظ ، وهذا يعني أن التبادر معلول للعلم بالوضع ، ونحن في مفروض البحث نجهل بالوضع ونبحث عن ما يرفع عنّا الجهل بالوضع فإذا إدّعينا أن التبادر يرفع الجهل بالوضع فهذا خُلْف ما ذكرناه من أنَّ التبادر معلول للعلم بالوضع إذ أنَّ التبادر بناءً على هذه الدعوى يكون علّة لتحصيل العلم بالوضع ، وهذا مستحيل بعد إفتراض كونه معلولا للعلم بالوضع إذ يلزم منه أن يكون التبادر معلولا وعلّة لشيء واحد ، فهو علّة للعلم بالوضع ومعلول للعلم بالوضع . وهذا هو معنى أن التبادر متوقّف على المتوقّف عليه إذ أنَّه متوقّف على العلم بالوضع الذي هو متوقّف على التبادر ، فالتبادر متوقِّف ومتوقَّف عليه ، أي : معلول وعلَّة لشيء واحد وهو العلم بالوضع كما أنَّ العلم بالوضع معلول وعلَّة لشيء واحد وهو التبادر .
الجواب الأوّل :
وقد اُجيب عن هذا الإيراد بنفي الدور ، وذلك بأنَّ المتوقِّف غير المتوقَّف عليه ، وبيان ذلك :
إنَّ التبادر وإن كان متوقّفاً على العلم بالوضع إلاّ أنّه العلم الإرتكازي بالوضع والذي ينسجم مع الغفلة والذهول عن تفاصيل الوضع . والذي يحقّقه التبادر هو العلم التفصيلي بالوضع .
إذن التبادر علّة لشيء ومعلول لشيء آخر فهو علّة للعلم التفصيلي بالوضع ومعلول للعلم الإرتكازي الإجمالي بالوضع . وكذلك العلم بالوضع العلَّة غيرُ العلم بالوضع المعلول إذ أنَّ العلم بالوضع العلَّة هو العلم الإرتكازي بالوضع والعلم بالوضع المعلول هو التفصيلي بالوضع .
وحتى يكون الجواب مأنوساً أكثر نقول : إنَّ هناك فرقاً بين العلم التفصيلي وبين العلم الإرتكازي ، فالعلم التفصيلي هو ما يكون المعلوم فيه جليّاً وواضحاً من تمام حيثيّاته ، بحيث لا يكون على ذلك المعلوم أي غشاوة مهما رقّت .
ونمثّل على ذلك بقول الله تعالى حاكياً عن أحبار اليهود ورهبانهم في أنّهم يعرفون النبي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأنَّه النبي الموعود ، قال الله عزّوجلّ : ]  يعرفونه كما يعرفون أبناءهم [() ، فالقرآن الكريم يشير إلى أنَّ أحبار اليهود يعرفون النبي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) معرفة تفصيليّة لا يشوبها أدنى شكّ كما أنّ معرفتهم لأبنائهم معرفة تفصيليّة .
أمّا العلم الإرتكازي فهو ما يكون المعلوم فيه مبتلياً بالإبهام والغموض من بعض حيثيّاته بحيث يكون أصل الشيء معلوماً إلاّ انّ فيه تشويشاً وإبهاماً أو تكون هذه الحيثيّات المبهمة مختزنة في دفائن النفس نحتاج في إبرازها إلى منطقة الوعي إلى بعض المنبّهات .
ومثال ذلك معرفة الله عزّوجلّ ، فإن كلّ أحد من الناس مفطور على معرفة الله جلَّ وعلا ، إلاّ أنَّ هذه المعرفة مكتنفة بشيء من الغموض نتيجة الحجب المكتسبة عن الشبهات والأوهام المثارة من اللذين طبع الله على قلوبهم ، فلذلك يكون دور الأنبياء (عليهم السلام) دور التنبيه على الفطرة المختزنة في كلّ نفس ، قال الله تعالى : ] ولإنْ سألتهم مَن خلقَ السموات والأرض ليقولُنَّ الله [() ، وقال تعالى على لسان إبراهيم (عليه السلام) : ] فإنَّ اللهَ يأتي بالشمس من المشرق فأتِ بها من المغرب فبهت الذي كفر [() ، ومـا هـذا القول من إبراهيم إلاّ تنبيه على ما هو مغروس في جبلّة
الإنسان .
ومع اتّضاح الفرق بين العلم التفصيلي والعلم الإرتكازي يتّضح الجواب على إشكال الدور ، إذ تكون مهمّة التبادر هي التنبيه على ما هو مرتكز في النفس من العلاقة بين اللفظ والمعنى ، فصحَّ أن يكون التبادر علّة للعلم بالوضع ولكن التفصيلي منه وأنّه معلول للعلم بالوضع ولكنّه الإرتكازي منه .
الجواب الثاني على إشكال الدور :
انّ إشكال الدور يكون له وجه لو كان الباحث عن المعنى الحقيقي هو عين الذي حصل له التبادر ، اما إذا كان الباحث عن المعنى الحقيقي للفظ هو غير الذي حصل له التبادر ، ففي مثل هذه الحالة لا يكون الدور متصوّراً إذ ان الذي حقّقه التبادر ، وإن كان هو الكشف عن المعنى الحقيقي ولكن لطرف ثان وهو الجاهل بأصل الوضع ، فيكون التبادر معلولا للعلم بالوضع لمن حصل له التبادر ويكون علةً للعلم بالوضع بالنسبة للطرف الثاني وهو الباحث ن المعنى الحقيقي .
وهذا هو الذي يحصل للباحثين عن معاني بعض مفردات لغة من اللغات ولم يكونوا من اهل تلك اللغة ، فإنهم يرجعون الى ما يتبادر في أذهان أهل تلك اللغة عند اطلاق هذه المفردات لغرض التعرّف على المعاني الحقيقيّة لتلك المفردات .
الجواب الثالث على إشكال الدور :
وهو يتناسب مع نظرية القرن الأكيد وحاصله : أننا ذكرنا ـ فيما سبق  ـ ان الاقتران الخارجي بين اللفظ والمعنى يقتضي أن يُحدِث الذهن ـ وبحسب طبعه وتكوينه ـ ربطاً وعلاقةً بين اللفظ والمعنى هذه العلاقة توجب تصوّر المعنى بمجرّد سماع اللفظ .
إذن تصوّر المعنى من اللفظ بناءً على هذه النظرية لا يتوقّف على العلم بالوضع بل هو متوقّف على نفس الوضع ، وهي تلك العلاقة التي احدثها الذهن بحسب طبعه عندما رأى الاقتران الخارجي مستوثقاً بين اللفظ والمعنى .
وبهذا يتّضح ان التبادر ناشئ عن نفس الوضع ـ وهي العلاقة الوثيقة بين اللفظ والمعنى في الذهن ـ فهو إذن ينشأ عن واقع العلاقة وان لم يعلم أنها وضع كما هو الحال في الأطفال ، وكذلك الغافل عن الأوضاع اللغويّة .
والمتحصّل من الكلام : ان التبادر ينشأ عن واقع الوضع ـ وهي تلك العلاقة الوثيقة بين اللفظ والمعنى في الذهن ـ والذي يكون التبادر علّة في ايجاده هو العلم بالوضع إذ انه قبل التبادر يكون غافلا عن كون هذا اللفظ موضوعاً لهذا المعنى وان كان يستفيد من اللفظ الدلالة على المعنى ولكنه غير متوجّه الى انّ هذه الاستفادة ناشئة عن الوضع والعلاقة الذهنيّة الوثيقة .
الثاني : صحّة الحمل :
والمراد من صحّة الحمل هو : ان المعنى الذي نبحث عن أنه حقيقة في هذا اللفظ أو مجاز اذا صحّ ان نجعله محمولا على اللفظ ويكون اللفظ موضوعاً له فهذا يدلّ على أن اللفظ حقيقة في هذا المعنى الذي صح حمله على اللفظ ، مثلا لو كنّا نبحث عن ان لفظ الأسد هل هو حقيقة في الحيوان المفترس أو لا ؟ ومن أجل معرفة الجواب لهذا السؤال نشكل قضيةً نجعل فيها اللفظ موضوعاً والمعنى محمولا ، فاذا صحّ الحمل فهذا دليل على ان هذا اللفظ حقيقة في هذا المعنى والا فلا .
هكذا « الاسد حيوان مفترس » .
ثم بعد أن شكّلنا هذه القضية نرجع الى وجداننا لنرى ان هذه القضية متناسبة أو لا ؟ فإن كانت متناسبة فهذا يعني ان اللفظ الموضوع في القضية حقيقة في المعنى الذي صحّ حمله عليه وإلا فلا .
ثم ان الحمل تارةً يكون حملا أوليّاً ذاتيّاً ـ وهو ما يكون الاتحاد فيه بين المحمول والموضوع في المفهوم ـ وتارةً يكون الحمل حملا شايعاً صناعياً  ـ وهو ما يكون الاتحاد فيه بين المحمول والموضوع في الوجود .
فان صحّ الحمل الاول فهذا يعني ان اللفظ حقيقة في المعنى المحمول عليه ، وان صحّ الحمل الشايع الصناعي فهذا يعني ان معنى اللفظ مصداق للمعنى المحمول عليه .
ومثال الأول « الأسد حيوان مفترس » فإن الحمل فيه حمل أولي لأن الاتحاد بينهما في المفهوم ، اذ انّ مفهوم الأسد متّحدٌ مع مفهوم الحيوان المفترس ، ومع صحّه الحمل يكون الأسد حقيقة في الحيوان المفترس المحمول على الأسد .
ومثال الثاني « النرجسة وردة » فإنَّ الحمل فيها حمل شايع صناعي لأن الاتحاد بينهما إنما هو في الوجود ، إذ ان مفهوم « النرجسة » غير مفهوم « الوردة » الا ان « النرجسة » متّحدة وجوداً وخارجاً مع « الوردة » . ومع صحّة هذا الحمل تكون النرجسة مصداقاً لعنوان الوردة المحمول على النرجسة .
اذا إتّضح هذا فنقول : ان صحّة الحمل ليس علامة على الحقيقة ، وغاية ما يكشف عنه صحّة الحمل هو صحّة إستعمال اللفظ في المعنى الذي يصحّ حمله على اللفظ ، وصحة الاستعمال ناشئة عن وجود نحو دلالة للفظ على المعنى أمّا ما هو واقع هذه الدلالة ، وهل هي ناشئة عن الوضع أو أنها ناشئة عن مشابهة المعنى الموضوع له اللفظ للمعنى المستعمل فيه اللفظ .
وبهذا البيان تعرف ان صحّة الحمل لا تكشف عن أكثر من انّ المحمول عليه هو عين المعنى المحمول أو أن المحمول عليه مصداق لعنوان المحمول ، اما ان اللفظ في المحمول عليه « الموضوع » حقيقة في المعنى المحمول فهذا ما لا يمكن استكشافه من صحّة الحمل ، إذ أن الاتحاد في المفهوم لا يعني ان اللفظ في المحمول عليه حقيقة في المحمول إذ ان الاتحاد في المفهوم من شئون واقع المفهومين المتّحدين وكون اللفظ حقيقة في المعنى المحمول من شئون الأوضاع اللغوية ، وكذلك الكلام في الاتحاد في الوجود فإن ذلك من شأن الواقع ولا صلة له بالوضع والواضع .
الثالث : الإطِّراد :
إذا صحّ استعمال لفظ في معنىً من المعاني وكانت صحة الإستعمال ثابتة في جميع حالات المعنى بحيث لا تشذ حالة من حالاته عن ذلك ، وكذلك لو كانت للمعنى أفراد ورأينا أنَّ كل فرد من هذه الأفراد يصح حمله على ذلك اللفظ فإنّ ذلك هو الإطّراد ، وبه يُستكشف أنَّ اللفظ الذي تطّرد دلالته على معنىً يكون استعماله في ذلك المعنى حقيقيّاً .
ومثال ذلك : الأسد والحيوان المفترس ، فإنَّ لفظ الأسد يصح استعماله في الحيوان المفترس مطلقاً صغيراً كان الحيوان المفترس أو كبيراً مفترِساً أو مفترَساً ـ بصيغة المفعول ـ صحيحاً أو مريضاً ، وكذلك أفراد الحيوان المفترس يصح استعمال لفظ الأسد فيها مطلقاً فتقول : (الأسد لبؤة) و(الأسد شبل) وهكذا . وهذا بخلاف استعمال لفظ الأسد في الرجل الشجاع  ، فإنَّ الاستعمال لا يصحّ في تمام الحالات ، فلا يقال عن الرجل الشجاع إذا صار جباناً أنّه أسد .
ويمكن الإشكال على علاميّة الإطّراد بما حاصله :
ذكر علماء المعاني أنَّ كلّ لفظ يصحّ استعماله في المعنى الغير الموضوع له إذا اشتمل ذلك المعنى على خصوصيّة من الخصوصيّات المذكورة عندهم والمصحّحة للاستعمال ، فما دام هو مشتملا على تلك الخصوصيّه فيصح استعماله في ذلك المعنى مطلقاً ، مثلا استعمال الأسد في الرجل الشجاع يصح مطلقاً ولكن في كل استعمال من هذه الاستعمالات لابد من أن تكون هناك خصوصيّة مصحّحة لهذا الاستعمال ، فإطلاق الأسد على الرجل الشجاع في حال شجاعته صحيح باعتبار فعليّة المشابهة وفي حال انتفاء الشجاعة عنه يكون المصحّح باعتبار ما كان وفي حال عدم تلبّسه بعدُ يكون المصحّح بلحاظ ما يؤول وفي حالة النوم يكون المصحّح باعتبار الشأنيّة وهكذا .
إذن كما تطرد صحّة الاستعمال في المعنى الحقيقي كذلك هي في المعنى المجازي .
فالنتيجة من كل ما تقدّم أنَّ الصحيح من علامات الحقيقة هو التبادر.

تحويل المجاز إلى حقيقة :
ذكر السكّاكي أنَّ هناك مجاز يمكن تسميته بالمجاز العقلي ، وهذا المجاز غير المجاز في الكلمة ، إذ أنَّ المجاز في الكلمة هو أنَّ تستعملها في غير المعنى الموضوع لها كاستعمال لفظ الحجر في الحديد الصلب .
أمّا المجاز العقلي فهو أن نفترض أنَّ المعنى المجازي مصداق حقيقي لمعنى ذلك اللفظ ، وهذا الإفتراض ينشأ عن عناية نفسانيّة يعتبر فيها المفترض ـ بصيغة الفاعل ـ المعنى المجازي أحد أفراد المعنى الحقيقي للفظ ، فكأنّما المعنى المجازي فرد من أفراد المعنى الحقيقي ، فالتصرّف هنا لم يقع على الكلمة وإنما هو في تطبيقها على المعنى المفترَض (المجازي) فكأنّما يقول : «  اعتبرت هذا المعنى المجازي فرداً من أفراد المعنى الحقيقي » وهذا النوع من المجاز أبلغ في التشبيه ـ بين المعنى الحقيقي والمجازي ـ من المجاز في الكلمة .
وبتعبير آخر : أنّ المجاز العقلي هو عبارة عن تنزيل المعنى المجازي منزلة المعنى الحقيقي ، ومثال ذلك تنزيل الرجل الشجاع منزلة الفرد من الأسد .
وهذا هو معنى تحويل المجاز إلى حقيقة .

استعمال اللفظ وإرادة الخاص :
تارة نستعمل اللفظ في المعنى الذي وضع له ذلك اللفظ فهذا استعمال حقيقي ، واخرى نستعمل اللفظ في معنىً مغاير للمعنى الموضوع له اللفظ فهذا استعمال مجازي ، وثالثة نستعمل اللفظ الدال على المعنى الكلّي في معناه الكلي وهذا أيضاً استعمال حقيقي ، في حالة اُخرى نستعمل اللفظ الدال على المعنى الكلّي في فرد من أفراد ذلك الكلّي وهذا ما يحتاج الى تفصيل بين استعمال اللفظ الدال على المعنى الكلّي في فرد من أفراده دون أن نُردفه بلفظ يدل على الفرد ، فهذا استعمال مجازي إذ أنَّ استعمال الكلّي في جزئه استعمال في غير ما وضع له اللفظ ، وبين استعمال اللفظ الدال على المعنى الكلّي في فرد من أفراده ولكن مع إضافة ما يدل على خصوص ذلك الفرد ، فهذا الاستعمال حقيقي غايته أنَّ هنا استعمالين : الأول استعمال الكلّي في معناه الموضوع له ، والثاني استعمال اللفظ الدال على الفرد في معناه الموضوع له على سبيل تعدد الدال والمدلول .
ومثال الأول : الانسان فإنه دال على معنى كلي وهو الحيوان الناطق ، فاذا استعملت لفظ الانسان في خصوص الذكر دون ان تأتي بلفظ الذكر بان قلت « اكرم الانسان » وأنت تقصد خصوص الذكر ، فهذا استعمال مجازي إذ أن الانسان موضوع للأعم من الذكر والاُنثى وأنت استعملته في خصوص الذكر ولم تأتِ بدالٍّ يدلّ عليه .
ومثال الثاني : ان تستعمل الانسان في خصوص الذكر ولكن تأتي بما يدل على ذلك كأنْ تقول مثلا « اكرم الانسان الذكر » فهذا الاستعمال حقيقي إذ أنك استعملت الانسان في معناه الكلي وإنما استفدنا خصوص الذكر باعتبار وجود دالٍّ آخر يدل عليه وهو لفظ الذكر فنكون قد استفدنا معنيين ولكن بدالَّين ، المعنى الاول هو كلي الحيوان الناطق والدال عليه هو لفظ الانسان ، والمعنى الثاني هو حصّة خاصّة من الانسان والدال عليه هو لفظ الذكر ، وهذا هو معنى تعدد الدال وتعدد المدلول ، فالدال المتعدد هو لفظ الانسان ولفظ الذكر والمدلول المتعدد هو كلي الحيوان الناطق والحصة الخاصة منه .

الاشتراك والترادف :
المترادف هو : ما يكون فيه المعنى قد وضع له أكثر من لفظ لغرض الدلالة عليه ومثاله الحيوان المفترس فإنّ له مجموعة من الالفاظ وُضعت للدلالة عليه مثل الأسد والليث والهزبر .
والمشترك اللفظي هو ما يكون فيه اللفظ قد وضع بوضعين أو أكثر كل وضع يكون فيه المعنى الموضوع له اللفظ مغايراً للمعنى الموضوع له نفس اللفظ في الوضع الآخر ، ومثاله : لفظ « القُرء » ، فإنه موضوع بوضعين  ، فهو موضوع بالوضع الأول لمعنى الطهر ، وموضوع في الوضع الثاني لمعنى الحيض .
وبه يكون المشترك اللفظي محتاجاً فيى مقام تعيين المراد منه الى قرينة ، وهذا يقتضي الاجمال في المعنى المراد مع فقدان القرينة ، وهذا المقدار لا محذور فيه وذلك لأنه قد يتعلّق غرض المتكلّم بالإجمال في مراده ثم أنه يمكن ان يتحقّق الغرض من الوضع ـ وهو تفهيم المراد ـ عن طريق وضع قرينة على المراد ، نعم صاحب مسلك التعهّد يحتاج الى تفسير لوجود المشتركات اللفظية وكذلك المترادفات في اللغة العربية وسائر اللغات .
وذلك لأن التعهّد ـ كما قلنا ـ هو التباني النفساني على ألاّ يأتي باللفظ إلاّ إذا كان قاصداً لتفهيم هذا المعنى ، وفي المشترك اللفظي لا يكون هناك إلتزام بهذا التعهّد وذلك لأنه إذا كان قد تعهّد بأن لا يأتي بلفظ العين الا اذا كان قاصداً لتفهيم معنى الجارحة الباصرة فانه متى ما جاء بالعين وقصد تفهيم الماء النابع فهذا يعني عدم الالتزام بما تعهّد به إلا ان يكون قد تعهّد بان لا يأتي بلفظ « العين » إلا ان يكون قاصداً لتفهيم كلا المعنيين وهذا لا يكون لأنه يلزم ان يكون قد تعهّد باستعمال المشترك اللفظي في أكثر من معنى في آن واحد ، وهذا إن لم يكن مستحيلا فلا أقل أنه خلاف المتعارف عند أهل المحاورة ، كما أنه مناقض لما هو الغرض من التعهّد وهو تفهيم المراد ، إذ لا يمكن تفهيم المراد بالمشترك اللفظي مع قصد كلا المعنيين .
وكذا الكلام في المترادف إذ أن المتعهّد إذا التزم بان لا يقصد تفهيم هذا المعنى إلا إذا جاء بهذا اللفظ ، فهذا يعني ان لا يكون ملتزماً بتعهّده إذا جاء باللفظ الآخر المرادف وقصد تفهيم نفس المعنى ، إلا ان يكون قد التزم بالتزامين وهو أنه لا يقصد تفهيم هذا المعنى إلا أن يأتِ بهذا اللفظ ، ثم يلتزم إلتزاماً آخر بان لا يقصد تفهيم نفس المعنى الاّ اذا جاء باللفظ الآخر ولا يخفى التهافت بين الالتزامين إذ ان أحد الالتزامين ينافي الآخر ، نعم يمكن ان يلتزم بان لا يقصد تفهيم هذا المعنى إلا اذا جاء بكلا اللفظين وهذا الالتزام غير ممكن لأنه خلاف المتعارف إذ لا نجد ان المتكلّم يأتي بكلّ المترادفات لغرض تفهيم معنىً واحد ، فلا يأتي المتكلّم بلفظ الأسد الهزبر والليث لغرض تفهيم معنى الحيوان المفترس ، مما يكشف عن ان المتكلّم غير متعهّد بذلك .
ويمكن التفصّي عن كلِّ ما ذكرناه بأحد هذه الحلول .
الأول : أن يكون لكلّ تعهّد ـ بإستعمال لفظ في أحد المعاني أو باستعمال أحد الالفاظ في المعنى ـ متعهِّد مستقل وذلك بأن يكون المتعهّد ـ بأن لا يأتي بلفظ العين الا لغرض تفهيم الجارحة الباصرة أو ان لا يقصد تفهيم معنى الحيوان المفترس الا اذا جاء بلفظ الأسد ـ غير المتعهّد بان لا يأتي بلفظ العين الا اذا كان قاصداً لتفهيم معنى الماء النابع أو ان لا يقصد تفهيم معنى الحيوان المفترس الا ان يأتي بلفظ الليث .
وهذا الجواب ـ اذا تم ـ فانه يصلح لتفسير وجود المشتركات اللفظية والمترادفات في اللغة العربية وسائر اللغات بناءً على مسلك التعهّد .
الثاني : الالتزام باتّحاد المتعهِّد ولكن يكون التعهّد في المشترك والمترادف بهذه الكيفيّة .
اما في المشترك اللفظي ، فيتعهّد بأن لا يأتي بهذا اللفظ الا ان يكون قاصداً لتفهيم أحد المعنيين دون الآخر هكذا « أتعهّدُ بأن لا أستعمل لفظ العين الاّ اذا قصدت تفهيم الجارحة الباصرة أو الماء النابع » ، وبهذا يكون المتعهّد ـ حين استعماله لفظ العين في الماء النابع ـ يكون ملتزماً بتعهّده إذْ انه تعهّد بقصد أحدهما حين استعمال المشترك وقد فعل .
وامّا في المترادف فيتعهّد بان لا يقصد هذا المعنى إلا إذا جاء بأحد اللفظين هكذا « اتعهّد بان لا أقصد تفهيم معنى الحيوان المفترس الا اذا جئتُ بلفظ الأسد أو الليث » فإذا جاء بلفظ الأسد حين قصد تفهيم معنى الحيوان المفترس فقد التزم بما تعهّد به إذ أنه تعهّد بالاتيان بأحد اللفظين حين قصد معنى الحيوان المفترس وقد فعل .
الثالث : الالتزام أيضاً باتحاد المتعهِّد ، ولكن التعهّد يكون مشروطاً وذلك بأن نفترض ان المتعهّد يتعهّد بان لا يأتي بالمشترك الا اذا كان قاصداً أحد المعنيين بشرط ألاّ يقصد المعنى الآخر ، ثم يتعهّد تعهّداً آخر بأن لا يأتي بالمشترك الا اذا كان قاصداً المعنى الثاني ، ولكن بشرط ان لا يكون قاصداً المعنى الأول ، هكذا « أتعهّد ان لا آتي بلفظ العين الا ان أكون قاصداً لتفهيم معنى الجارحة الباصرة ، ولكن بشرط أن لا أقصد الماء النابع » ثم يعكس المعنى فيكون المقيّد شرطاً والشرط مقيّداً مع الاحتفاظ باتّحاد اللفظ .
وكذلك الكلام في المترادف حيث نفترض ان المتعهّد يتعهّد بأن لا يقصد تفهيم المرادف الا ان يأتي بهذا اللفظ ولكن بشرط ان لا يأتي باللفظ الآخر ، ثم يتعهّد تعهّداً آخر يعكس فيه اللفظ فيجعل المقيّد شرطاً والشرط مقيّداً ، هكذا « أتعهّد بأن لا أقصد معنى الحيوان المفترس إلا اذا جئت بلفظ الأسد بشرط ان لا أجيء بلفظ الليث » ثم يعكس اللفظ فيجعل الشرط مقيّداً والمقيّد شرطاً .

تصنيف اللغة :
إنَّ أيَّ لغة فهي تحتوي على كلمة بسيطة أو مركّبة أو هيئة تركيبيّة ، فهنا ثلاثة أنواع لمحتوى كلّ لغة :
النوع الأول : الكلمة البسيطة : وهي الكلمة الموضوعة بمادّتها وهيئتها لمعنىً واحد ، وذلك مثل أسماء الأجناس والأعلام الشخصيّة والحروف .
أمّا أسماء الأجناس ، فمثل (أسد) فإنَّ كلمة أسد بمادّتها ـ وهي : الألف والسين والدال ـ وهيئتها ـ وهي : وزن فَعَل ـ موضوعة لمعنى الحيوان المفترس بمعنى أنّ الواضع حينما أراد أن يضع لفظ أسد للحيوان المفترس فإنَّه لاحظ مادّة لفظ أسد ـ وبهذا الترتيب ـ ولاحظ هيئة أسد ـ بوزنها المخصوص ـ وجعل مجموع الأمرين دالا على معنى الحيوان المفترس  .
وأمّا الأعلام الشخصيّه فهي مثل « زيد » لفرد من الإنسان و« مكة » لبلد من البلدان و« ذي الفقار » لآلة من الآلات ، وهكذا وبنفس التقريب السابق لكيفية الوضع .
وأمّا الحروف فهي مثل (مِنْ وعنْ والباء الجارة ولن الناصبة ولم الجازمة) وهكذا ، والواضع حينما وضع مثل كلمة (مِن) فإنَّه لاحظ مادّتها ـ  وبهذا الترتيب ـ وهيئتها ـ وبهذا الوزن أي بكسر الميم وتسكين النون ـ ثم جعل مجموع المادّة والهيئة دالا على معنى الإبتداء مثلا أو التبعيض .
النوع الثاني : الكلمة المركّبة : وهي الكلمة الموضوعة بوضعين ، وضع لخصوص المادة ووضع آخر للهيئة ، وذلك مثل الأفعال وأسماء الفاعلين وصيغ المبالغة وهكذا ، فإنَّ كلمة (أكَلَ) مثلا موضوعة بوضعين الأول بلحاظ المادة ـ والتي هي موضوعة بوضع شخصي كما ذكرنا فيما سبق  ـ والثاني الهيئة وهي هيئة الفعل الماضي والتي هي موضوعة بوضع نوعي كما ذكرنا .
وتلاحظون أنَّ المادة تدلُّ على معنىً غير الذي تدل عليه الهيئة ، فالمادّة في المثال تدلُّ على ازداد الطعام ، والهيئة تدلُّ على صدور الحدث في الزمن الماضي .
النوع الثالث : الهيئة التركيبيّة : والمراد منها الكيفيّة الخاصة الحاصلة عن ربط كلمة بكلمة ، سواء كان هذا الربط متقوّماً بإسمين ، أو بفعل واسم ، أو بحرف واسم ، أو بحرف وفعل ، والأفعال الغير المنضمّة خارجاً باسم أو بحرف فهي مركبة أيضاً باعتبار تقدير الاسم فيها مثل : (صلِّ) ، فإنّها هيئة تركيبيّة لأنَّها واقعاً منضمّة مع اسم ، فصلِّ فعل أمر فعاله مقدّر وهو (أنت) فكأنَّ الجملة كذا (صلِّ أنت) .
وتلاحظون أنَّ الهيئة التركيبيّة ليست هي نفس الكلمات المتهيّئة بالهيئة وإنّما هي الارتباط الواقع بين الكلمات ، فلذلك فهي تفيد معنىً إضافي غير المعاني التي تفيدها الكلمات . فمثلا جملة (زيد نائم) مفيدة لثلاثة معان ، المعنى الأول والثاني مستفادان من كلمتي زيد ونائم ، والمعنى الثالث مستفاد من الربط الواقع بين زيد ونائم ، وهو انتساب النوم إلى زيد ، فالنسبة بين الكلمتين هي مدلول الهيئة التركيبيّة .
إذا اتّضح هذا فنقول : إنَّ الهيئة التركيبيّة تنقسم إلى قمسين :
الأولى : الهيئة التركيبيّة التامّة والمعبّر عنها بالجملة التامة : وهي ما تكون فيها الهيئة التركيبيّة دالة على نسبة تامّة ومفيدة لفائدة تامّة ، مثل الجمل الخبريّة التامّة والجمل الإنشائيّة التامّة .
ومثال الجملة الخبريّة التامّة قوله تعالى : ] محمّدٌ رسولُ اللهِ [() فإنَّ النسبة المستفادة من التركيب الواقع بين محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ورسول الله تامّة ومفيدة لفائدة تامّة .
ومثال الجملة الإنشائيّة قوله تعالى : ] اتّقوا اللهَ حقَّ تُقاتِه [()بالتقريب السابق .
الثانية : الهيئة التركيبيّة الناقصة والمعبّر عنها بالجملة الناقصة ، وهي : ما تكون فيها الهيئة التركيبيّة دالّة على نسبة ناقصة ومفيدة لفائدة ناقصة ، وذلك مثل التركيب الحاصل بين المضاف والمضاف إليه والجار والمجرور والموصوف وصفته ، ومثال المضاف والمضاف إليه (غلام زيد) فإنَّ النسبة المستفادة من هذا التركيب ناقصة إذ أنها لا تفيد إلا فائدة ناقصة ولذلك يظلُّ السامع ينتظر الحكم على غلام زيد .
إذا اتّضح كل ما ذكرنا يقع الكلام في تطبيق ذلك على المعاني الحرفيّة والمعاني الاسميّة .
والمراد من المعاني الاسميّة هي تلك المعاني المستفادة استقلالا من موادّها الموضوعة للدلالة عليها ، فهي تشمل الأسماء ـ باصطلاح النحاة ـ ومواد الهيئات كمادّة ضرب ومادّة نائم .
والمراد من المعاني الحرفيّة هي تلك المعاني الغير المستقلّة المستفادة من الحروف بموادّها وهيئاتها ، والهيئات التركيبّة التامّة والناقصة وهيئات الكلمات المركّبة .
ومرادنا من عدم الاستقلال هو : أن الحروف والهيئات التركيبيّة لا يكون لها معنىً محصّل إلاّ في إطار جمل تركيبيّة ، فالحرف مثلا إذا لُوحظ مستقلا عن الجملة فإنَّه لا يدلّ على أي معنىً .
تطبيق ما ذكرناه على المعاني الحرفيّة والمعاني الإسميّة :
ولنمثل بهذه الجملة (سرتُ من المدينة المنوّرة إلى مكّة المكرّمة) ، لو حلّلنا هذه الجملة لوجدناها مشتملة على معان اسميّة واُخرى حرفيّة .
أمّا المعاني الاسميّة فمثل مادة الفعل سرتُ ومكّة والمكرّمة والمدينة والمنوّرة ، وذلك لأنَّ هذه الكلمات تدلُّ على معانيها حتى لو فصلت عن الجملة .
أمّا المعاني الحرفية فهي : مثل هيئة الفعل الماضي (سرت) وكلمة (مِن) وكذلك (إلى) والنسبة بين الفعل وتاء الفاعل في (سرتُ) والنسبة بين الموصوف والصفة في (مكّة المكرّمة) .
اذا لاحظنا تمام هذه المعاني وجدنا أنها تشترك في إفادتها للنسبة الربطيّة ، فهيئة الفعل أفادت النسبة الربطيّة بين الحدث ] السير [ والزمن ، وجملة (سرتُ) أفادت النسبة بين الحدث والفاعل ، وجملة (سرتُ من المدينة) مشتملة على نسبة ربطية بين السير والمدينة ، وأن السير بدأ من المدينة ، وهذه النسبة استفيدت بواسطة كلمة (من) ، وجملة (المدينة المنوّرة) و(مكّة المكرّمة) مشتملة على نسبة بين الموصوف والصفة ، وان المدينة متّصفة بالمنوّرة ، وهذه النسبة استفيدت من الهيئة التركيبية الواقعة بين الموصوف والصفة ، وجملة (سرتُ إلى مكّة) مشتملة على نسبة ربطيّة بين السير ومكّة وأن السير غايته ومنتهاه (مكّة) ، وهذه النسبة استفيدت بواسطة كلمة (إلى) ، واذا لاحظنا هذه الجملة وجدنا أنها مشتملة على نسب ربطية تامّة واُخرى ناقصة ، فالتامة مثل (سرت الى المدينة) والناقصة مثل (المدينة المنوّرة) .
وباتّضاح هذه النسب الربطيّة سواءً المستفادة من الحروف أو من الهيئات التركيبيّة تعرف أنه ليس لهذه النسب وجود لولا وقوعها في إطار جملة تامّة أو ناقصة .
ثم إن الكلام يقع حول ما هو الفرق بين المعنى الأسمي والمعنى الحرفي  ؟ فقد ذكر المصنّف لذلك فرقين :
الأول : إتّضح مما سبق ومجمله : ان المعاني الاسميّة هي ما تلحظ لحاظاً مستقلا حين الوضع وتستفاد من الألفاظ الموضوعة لها دون الحاجة الى وقوع هذه الألفاظ في اطار جمل تامّة أو ناقصة .
واما المعاني الحرفيّة فهي التي لا يكون لها معنىً محصَّل دون وقوعها في إطار جملة تامّة أو ناقصة لأن المعاني الحرفيّة ليست أكثر من نسب ربطيّة ، وطبع النسب الربطيّة أن تقع بين طرفين .
الثاني : وهو ما نسب إلى المحقق النائيني (قدس سره) من أن المعاني الاسميّة إخطاريّة ، والمعاني الحرفيّة إيجاديّة .
والمراد من إخطاريّة المعاني الإسميّة هو أن لهذه المعاني تقرر وثبوت في الذهن في مرحلة سابقة عن الإبراز ، والذي يتمّ عن طريق الألفاظ فتكون مهمّة الألفاظ الاسميّة إبراز ما تقرّر في الذهن ، فالألفاظ الاسميّة لا توجد المعاني وإنما تبرز الخواطر الذهنيّة في إطار جمل لفظيّة .
وأما المراد من ايجاديّة المعاني الحرفيّة فهو أن المعاني الحرفيّة ليس لها تقرّر قبل نشوء الجمل اللفظية ، فهي توجد بوجود الحروف والهيئات التركيبيّة في الجمل اللفظية وذلك لأن الحرف ، وكذلك الهيئات التركيبيّة هي وسيلة الربط في الجمل اللفظية وهي الموجدة للنسب الربطيّة بين الأسماء ، وبهذا تكون الحروف والهيئات موجدة للمعنى الحرفي في الذهن وقبل ذلك لم يكن له وجود .
والجواب : انه لا فرق بين المعنى الاسمي والمعنى الحرفي من هذه الجهة فكما ان المعاني الاسميّة إخطاريّة ، فكذلك المعاني الحرفيّة إذ ان الجمل اللفظية باسمائها وحروفها وهيئاتها التركيبيّة إنعكاس عما ينخطر في الذهن من صور هذه الجمل ، نعم الحروف والهيئات التركيبيّة تُوجد الربط بين الأسماء في الجمل اللفظية إلا ان إيجادها هذه النسب الربطيّة نشأ عن تقرّر هذه المعاني وواقع النسب في مرحلة سابقة على الابراز .
ولما كان ما ذكرناه أوضح من أن يخفى على المحقق النائيني (قدس سره) لذلك يقع التشكيك في هذه النسبة .


المقارنة بين الحروف والأسماء الموازية لها :
قلنا فيما سبق أن ألفاظ الحروف وألفاظ الأسماء كلّها من قبيل الكلمات البسيطة التي وضعت بموادّها وهيئاتها بوضع واحد ، ولو لاحظنا كلّ الحروف لوجدنا انّ لكلّ واحد منها ما يماثله ـ من حيث المعنى ـ في الأسماء ، فمثلا حرف (ل) يماثله في الأسماء كلمة (الغرض) ، فحينما أقول : (جئتُ لزيارتك) ، فهذا مثل (غرضي زيارتك) ، وحرف (لا) يمثاله من الأسماء كلمة (النهي) ، فقول : (لا تضرب) مثل (أنهاك عن الضرب) ، وحرف (في) يماثله من الأسماء (الظرفية) ، فحينما نقول : (الماء في الكأس) فهو مثل (ظرف الماء الكأسُ) وهكذا سائر الحروف .
وكذلك الكلام في الهيئات التركيبيّة والتي هي النسب الربطيّة في الجمل فإنّ لكلِّ هيئة ما يماثلها من الألفاظ الاسميّة ، فمثلا (زيد يشرب الماء) فإن الهيئة التركيبيّة في هذه الجملة أفادت نسبة الشرب لزيد ولهذه النسبة المستفادة من الهيئة التركيبيّة من الجملة ما يماثلها في الألفاظ الاسمية وهي (شرب زيد للماء واقع فعلا) .
إذنْ إتّضح مما تقدم انّ ألفاظ الحروف وكذلك الهيئات لها ما يماثلها من الالفاظ الاسمية الا انه لابدّ من الإلتفات الى ان هذا التماثل ليس من قبيل الترادف وإلا لصحَّ وقوع كلٍّ منهما محل الآخر إذ ان هذا هو مقتضى الترادف فإنه في الترادف يصح ان نستبدل مثلا لفظ أسد في مثل رأيتُ أسداً بلفظ ليث الا ان ذلك لا يصحّ في مثل الحروف والأسماء المتماثلة معنىً إذ انه لا يمكن استبدال الحرف الواقع في جملة بالاسم المماثل له في المعنى ، فقولنا مثلا (سافرت الى مكّة) لا يصح إستبدال (الى) بـ (الانتهاء) فلا يصح ان نقول (سافرت انتهاء مكة) أو مثلا قولنا (لا تضرب) لا يصح استبدال (لا) (بالنهي) بانْ نقول (نهي تضرب) .
وهكذا الكلام في الهيئات التركيبيّة ، فإنه لا يصح استبدالها بما يماثلها من أسماء ، فقولنا : (زيد يشرب الماء) لا يصحّ استبداله (شرب زيد للماء) وذلك لأن النسبة في الجملة الاُولى تامّه بخلافها في الجملة الثانية فإن النسبة فيها ناقصة مما يُعبِّر عن عدم الترادف بين الجملتين .
والسرُّ في عدم صحّة استبدال الحروف والهيئات التركيبيّة بما يماثلها من اسماء هو أن الحروف والهيئات التركيبيّة تدل على النسب الربطيّة ، ومن الواضح ان النسب ليس لها وجود خارج إطار أطرافها ، فلذلك لا يمكن ان تلحظ مستقلة ، وهذا بخلاف الأسماء فإنها تدل على معانيها بالاستقلال ودون ان نستعين على ذلك بوجودها في اطار جملة من الجمل .

تنوّع المدلول التصديقي :
يمكن تصنيف البحث إلى ثلاث جهات :
الجهة الاُولى : والكلام فيها عن المدلول التصوّري ، وقد قلنا أنَّ المدلول التصوّري هو عبارة عن خطور المعنى في الذهن عند سماع اللفظ الموضوع لذلك المعنى ، ولا يختلف الحال في انخطار المدلول التصوّري بين أن يكون اللافظ ملتفتاً أو ذاهلا أو كان اللفظ صادراً ممن يعقل أو ممن لا يعقل كصدور اللفظ اتفاقاً من حيوان ، بل قلنا أنَّ المدلول التصوّري ينقدح في الذهن حتّى لو علمنا أنَّ المتكلّم لا يريده كما في موارد استعمال المتكلّم اللفظ في المعنى المجازي .
كما أنَّ المداليل التصوّريّة تحصل من الألفاظ والجمل سواءً كانت تامّة أو ناقصة ، ثمّ أنه قد ذكرنا أنَّ المداليل التصوّريّة منشأها الوضع لذلك فهي تسمّى بالمداليل الوضعيّة نسبة الى مَنشئها وهو الوضع ، نعم على مسلك التعهّد في الوضع ـ وهو مسلك السيد الخوئي (قدس سره) ـ لا يكون هناك مدلول تصوّري إلاّ في إطار المدلول التصديقي إذ أنَّ منشأ الوضع هو التعهّد ، والتعهّد لا يتعقّل إلاّ من مريد عاقل وبالتالي لا يكون للألفاظ أو الجمل الصادرة من غير العاقل أي مدلول ، فهي ليست أكثر من أصوات عائمة في الهواء .
الجهة الثانية : والكلام فيها حول المدلول التصديقي الأول والمسمّى بالمدلول الاستعمالي ، وهو كما قلنا عبارة عن المدلول التصوّري الصادر من العاقل المريد لإخطار المعنى في ذهن السامع ، ولا يختلف الحال في المدلول الاستعمالي بين كون الألفاظ المستعملة لإفادته وايقاعه في إطار جملة تامّة أو ناقصة أو كانت هذه الألفاظ مجرّد مفردات متناثرة ، وتشترك جميعها في أنَّ المتكلّم بها قاصد لاخطار معانيها ومداليلها في ذهن السامع .
ومن هنا قالوا : أنَّ الدلالة التصديقيّة الاُولى دلالة حاليّة سياقيّة مستفادة من معرفة حال المتكلّم وأنَّه ملتفت قاصد لاخطار مداليل كلامه في ذهن السامع .
ثم أنّ المدلول التصديقي الاستعمالي يحصل من كل متكلّم ملتفت بغض النظر عن كونه جادّاً أو هازلا ، غايته أنّه إذا كان جادّاً يحصل لكلامه مدلول آخر بالإضافة الى المدلول الاستعمالي ، وهذا المدلول الآخر هو المعبَّر عنه بالمدلول التصديقي الثاني .
الجهة الثالثة : والكلام فيها حول المدلول التصديقي الثاني المعبَّر عنه بالمدلول الجدّي .
وقد قلنا أنَّه عبارة عن المدلول التصوّري الصادر من العاقل المريد الجادّ في الحكاية عن الواقع الخارجي أو واقع نفسه ، والمناسب للحكاية عن الواقع الخارجي هو الجمل الخبريّة كما أنَّ المناسب للحكاية عن واقع النفس هو الجمل الإنشائيّة .
وقد لاحظتم أنَّ المدلول التصديقي الثاني يحتفظ بحيثيّة المدلول التصوّري والاستعمالي ، ويضيف عليهما حيثيّة ثالثة وهي أنّه مستفاد من متكلّم جاد في الحكاية عن الواقع .
كما أنَّ هناك حيثيّة مترتّبة على هذه الحيثيّة الثالثة وهي أنَّ المدلول التصديقي لا يُتعقّل في غير الجمل التامّة وذلك لأنَّ قصد الحكاية عن الواقع لا يتم بغير الجمل التامّة .
ومع اتّضاح هذا نقول : إنَّ طبيعة المدلول التصديقي الثاني تختلف باختلاف نوعيّه الجملة فإذا كانت الجملة خبريّة فإنَّ طبيعة مدلولها هي الحكاية عن ثبوت النسبة ـ بين المخبَر به والمخبر عنه ـ في الواقع الخارجي أو الحكاية عن عدم ثبوت النسبة ، ومثال الأول : زيد عالم ، ومثال الثاني : زيد ليس بعالم .
أمّا إذا كانت الجملة إنشائيّة من نوع التمنّي مثلا فطبيعة مدلولها طلب المستحيل أو ما يقاربه كقول الله تعالى على لسان فرعون : ] لَعَلِّي أبلغ الأسباب * أسباب السموات والأرض فأطّلع الى إلـه موسى [() ، كما أن طبيعة الجملة الانشائيّة من نوع النهي هو إنشاء النسبة الزجريّة بين النهي والمنهي عنه كقوله تعالى : ] ولا تقربوا الزنا إنَّه كان فاحشة وساء سبيلا  [() .
والمتحصّل مما ذكرنا أنَّ المدلول التصديقي ـ والذي يكون في الجمل التامّة ـ لا يتحقّق إلاّ من القاصد الجاد في الحكاية عن الواقع فهو بهذا غير مستفاد من الوضع وإنّما هو متسفاد من معرفة حال المتكلّم ، فلذلك لا تكون الجمل التامّة مفيدة للمدلول التصديقي الثاني لو كانت صادرة من غير عاقل أو من عاقل غير جادّ في الحكاية عن الواقع .
وهذا الكلام ينسجم مع جميع نظريّات الوضع ما عدا نظريّة التعهّد فإنّه بناءً على نظرية التعهّد يكون المدلول التصديقي مستفاداً عن الوضع والذي هو التعهّد وذلك لأن التعهّد كما قلنا هو التباني النفساني على أن لا يأتي باللفظ إلاّ إذا كان قاصداً لتفهيم المعنى ، وهذا يقتضي أن يكون متعلّق التعهّد واقعاً تحت اختيار المتعهّد إذ من غير المعقول تعلّق التعهّد بشيء خارج عن القدرة والاختيار .
ومع اتّضاح هذا هناك أمر لابدّ من التنبيه عليه ، وهو : أنَّ المشهور ذهبوا إلى أن الجملة الخبريّة مثلا في مرحلة المدلول التصوّري تدل على ثبوت النسبة أو لا ثبوتها ، وبمجموع ما ذكرناه يتّضح استحالة تعلّق التعهّد بالجملة الخبريّة ـ بالمعنى المذكور عند المشهور ـ إذ أنَّ ثبوت النسبة أو عدم ثبوتها خارج عن اختيار المتعهّد إذْ أنَّ ذلك من شؤون الواقع ، ولهذا لابدّ أن يكون متعلّق التعهّد في الجملة الخبريّة هو قصد الحكاية عن وقوع النسبة أو عدم وقوعها لأنَّ قصد الحكاية هو الواقع تحت الاختيار ، وبالتالي تكون الجمل الخبريّة موضوعة بناءً على التعهّد لقصد الحكاية عن الواقع ، وهذا يقتضي أن تكون الجمل الخبريّة موضوعة للمدلول التصديقي الثاني ، فالمدلول التصديقي الجدّي إذن بنا،ً على هذه النظريّة يكون هو المدلول الوضعي ، وهذا بخلاف ما ذهب إليه المشهور من أنَّ المدلول التصديقي الجدّي إنَّما هو مدلول حالي سياقي .

المقارنة بين الجمل التامّة والجمل الناقصة :
لا إشكال في أنَّ هناك فرقاً بين الجمل التامّة والجمل الناقصة وذلك لأننا نرى وبالوجدان أنّ الجمل التامّة توجب الاكتفاء بمدلولها والاستغناء بمدلولها عن الاستزادة من المتكلّم بحيث لا ينتظر السامع معها شيئاً آخر ، وهذا بخلاف الجمل الناقصة فإنَّ السامع يبقى معها منتظراً للمزيد .
ومن هنا اتّجه البحث عن ما هو السرّ في هذا الفارق الوجداني بين الجملتين ، وقد ذكر لهذا الفارق الواقع بين الجملتين مبرّران :
المبرّر الأوّل : هو ما ذهب إليه السيّد الخوئي (رحمه الله) مِن أنَّ المنشأ لهذا الإفتراق الواقع بين الجملتين هو الوضع ـ والذي هو التعهّد بحسب مذهبه في الوضع ـ فالجملة التامّة موضوعة لقصد الحكاية عن الواقع الخارجي أو واقع النفس ، ففي مثل الجمل الخبرية تكون هذه الجمل موضوعة للدلالة على أنَّ المتكلّم قاصد للإخبار عن وقوع النسبة خارجاً بين المخبر به والمخبر عنه .
وأمّا الجمل الناقصة فموضوعة لقصد إخطار معناها في ذهن السامع ، فهي إذن لا تُفيد أكثر من المدلول الاستعمالي إذ أنّه لا يُتعقّل في مثل الجملة الناقصة المدلول التصديقي الثاني إذ أنها لا تصلح للحكاية عن النسب التامّة والحال أن المدلول التصديقي الثاني متقوّم بالنسب التامّة كما أوضحنا كلَّ ذلك فيما سبق .
والمتحصّل من هذا : أنَّ المبرّر للإفتراق بين الجملتين هو أنَّ الجملة التامّة موضوعة للمدلول التصديقي الثاني ، والجملة الناقصة موضوعة للمدلول التصديقي الأول .
والجواب : هو عدم تماميّة هذا المبنى وذلك لأننا قلنا أنَّ المدلول التصديقي ليس مستفاداً عن الوضع وإنما هو مستفاد من حال المتكلّم ، والمستفاد من الوضع إنّما هو المدلول التصوّري وهو النسبة الارتباطيّة إلاّ أننا لمّا كنّا نرى أنَّ النسبة التي هي مدلول الدلالة التصوّريّة تختلف باختلاف طبيعة الجملة من حيث التمام والنقصان إتّجه البحث عن مبرّر هذا الإختلاف وإلاّ فمدلول الدلالة التصوّريّة في الجمل التامّة والناقصة واحد وهو النسبة الإرتباطيّة .
المبرّر الثاني : هو أنّه مع الاحتفاظ بأنَّ الجملة التامّة والناقصة موضوعة للدلالة على النسبة الإرتباطيّة إلاّ أنَّ طبيعة هذه النسبة تختلف باختلاف الجمل فإن كانت من الجمل الناقصة فالنسبة فيها نسبة إندماجيّة موجبة لصيرورة الشيئين المنتسبين فيها شيئاً واحداً ، فإنَّ الصفة والموصوف مثلا وكذلك المضاف والمضاف إليه وإن كانا لُبّاً شيئين متغايرين ولكنّهما وببركة النسبة يصيران شيئاً واحداً ويُعبّران عن معنىً واحد ، فقولنا : (مكّه المكرّمة) وإن كانا بحسب التحليل مفهومين إلاّ أنّه وبواسطة وقوعهما في إطار جملة ناقصة أصبحا مفهوماً واحد أو قل مفهومين مفيدين لذات واحدة ، وكذلك الكلام في مثل : (غلام زيد) فإنَّ معنى غلام بحسب التحليل مباين لمعنى زيد إلاّ أنهما وببركة النسبة المدلول عليها من الجملة الناقصة صار هذان المفهومان حاكيين عن ذات واحدة ، وهذا هو معنى أنَّ النسبة المدلول عليها من الجملة الناقصة نسبة إندماجيّة .
وأمّا النسبة في الجمل التامّة فهي نسبة غير إندماجيّة إذ تبقى معها الألفاظ الاسميّة محتفظة بإستقلاليّتها وحكايتها عن معانيها المتباينة ولا تكون النسبة مؤثِّرة في تحويل هذه المفاهيم المتغايرة الى مفهوم واحد ، نعم الذي تُحدثه النسبة في الجمل التامّه هو الربط بين هذه المفاهيم دون أن يؤثّر هذا الربط في تحويلها الى معنى واحد ، ومثال ذلك : « الصلاة واجبة » فإنَّ هذه الجملة تامّة حُمِلَ فيها الوجوب على الصلاة فصارت الصلاة منتسبة الى الوجوب وهذه النسبة نسبة تامّة والذي يكشف عن تماميّة هذه النسبة هو أنَّ المفهومين المنتسبين فيها لم يندمجا بواسطة النسبة ولم يتحوّلا إلى معنىً واحد بل بقي مفهوم الصلاة ومفهوم الوجوب على حالهما في إفادة كلٍّ منهما لمعناه ، وغاية ما حقّقته النسبة هو ربط الوجوب بالصلاة وثبوت الوجوب للصلاة .
وبهذا يتّضح ما هو السرُّ في ما نجدهُ من الفارق بين الجملة التامّة والجملة الناقصة .

الدلالات الخاصّة والمشتركة
قلنا ـ فيما سبق ـ ان دلالات الدليل الشرعي على قسمين ، فتارةً تكون من قبيل العناصر المختصّة واُخرى من قبيل العناصر المشتركة ، والقسم الأول منها هو ما تكون فائدته ـ في الوصول الى النتيجة الشرعيّة ـ محدودة ومختصّة بمورد أو موردين ، ومثل هذه الدلالات يتمّ تنقيحها في علم الفقه .
وأمّا القسم الثاني فهو ما تكون فائدته ـ في الوصول الى النتائج الشرعيّة ـ عامّة ، وهذا النوع من الدلالات هو الذي يتصدّى علم الاُصول لبيانه ، ومن هنا سوف يقع البحث عن الدلالات العامّة .
 


الأمرُ والنهي


الأمــر :

ويقع الكلام أولا حول الأمر :
والأمر ينفهم عن طريق اسلوبين من الكلام .

الاُسلوب الأول :
مادّة الأمر : فإنَّ مادة الأمر مفيدة لمعنى الأمر بأيِّ صيغة اُنشأت ، فهي مفيدة لمعناها اذا وقعت في إطار هيئة الفعل الماضي كقوله تعالى : ]  وما اُمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء [() ، وكذلك إذا وقعت في إطار هيئة الفعل المضارع كقوله تعالى : ] كنتم خير اُمّة اُخرجت للناس تأمرون بالمعروف [() ، وهكذا اذا وقعت بصيغة فعل الأمر كقوله تعالى : ] وامُر أهلك بالصلاة [() ، غايته أنه في هذه الحالة يكون مدلول الأمر استفيد من المادّة والهيئة بخلافه في سائر الصيغ والهيئات ، فإنَّ مدلول الأمر يُستفاد من مادّة الأمر فحسب .
والكلام عن سائر الهيئات والصيغ عينه الكلام عن الصيغ والهيئات التي مثلنا لها والتي قلنا انّ مادّة الأمر مفيدة لمعناها بأيِّ صيغة وقعت .

الاُسلوب الثاني :
صيغة الأمر : وصيغة الأمر وكذلك الفعل المضارع المقرون بلام الأمر مفيدان لمعنى الأمر بأيِّ مادة وقعتا ، مثلا قوله تعالى : ] وصلِّ عليهم إنَّ صلاتك سكنٌ لهم [() فإنَّ صيغة « إفعل » في صلِّ مفيدة لمعنى الأمر وان كانت المادة التي وقعت الصيغة في إطارها غير مادّه الأمر ، وكذلك الكلام في الفعل المضارع المقرون بلام الأمر مثل قوله تعالى : ] وليكتبْ بينكم كاتبٌ بالعدل [() .
ومع اتّضاح ذلك يقع البحث أولا عن مادّة الأمر وهو في جهات :
الجهة الاُولى :
فيما وضعت له مادّة الأمر : لم يقع خلاف في أنّ مادّة الأمر وضعت لحصّة خاصّة من مفهوم الطلب ، فهي تفيد معنى الطلب الخاصّ وهو الطلب التشريعي الصادر من العالي .
والمراد من الطلب التشريعي المأخوذ في تعريف مادّة الأمر يمكن توضيحه بهذا البيان : وهو أنَّ كلّ أحد إذا تعلّقت إرادته التامّة بشيء فإنّه يبادر نحو إيجاد متعلّق إرادته عن طريق وسيلتين :
الوسيلة الاُولى : أن يبادر هو بنفسه لتحصيل مراده ومطلوبه ، وذلك كتحرّك العطشان نحو تحصيل الماء ، وهذا النوع من التحرّك نحو المراد والمطلوب يعبّر عنه بالطلب التكويني ، ومادّة الأمر لم توضع لإفادة هذا المعنى من الطلب ، وهذا النوع من الطلب هو المراد من قوله تعالى : ] وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه ضعف الطالب والمطلوب [() ، وقوله تعالى  : ] أو يصبح ماؤها غوراً فلن تستطيع له طلبا [() .
الوسيلة الثانية : أن يطلب من غيره تحقيق مراده ومطلوبه ، وهذا ما يُعبّر عنه بالطلب التشريعي ، وهو يصدق في تمام الموارد التي يطلب فيها المريد من غيره تحصيل إرادته بقطع النظر عن كون الطالب عالياً أو مستعلياً أو ملتمساً أو راجياً أو ما إلى ذلك فإنَّ كل هذا يصدق عليه طلب تشريعي .
وبهذا البيان اتّضح المراد من الطلب التشريعي المأخوذ في تعريف مادّة الأمر واتّضح أنَّ مادّة الأمر مشمولة للطلب التشريعي ولكنّها غير مختصّة به بل أنّ الطلب التشريعي يصدق عليها وعلى غيرها ، ولذلك قلنا في التعريف أنّ الأمر لا يتحقّق إلاّ بالطلب التشريعي الصادر من العالي .
الجهة الثانية :
فيما وضعت له مادّة الأمر من معان اُخرى : فقد ذكر اللغويُّون أنَّ مادة الأمر وضعت لمجموعة من المعاني :
منها : أنها وضعت لمعنى الشيء فإذا قلت : « وجدتُ أمراً » فهذا يعني « وجدتُ شيئاً » ، ولعلّ منه قوله تعالى : ] وإلى الله عاقبة الاُمور [() أي الأشياء .
ومنها : أنّها وُضعت لمعنى الحادثة ، كأنْ تقول : « حصل أمر » أي حادثة ، وكانت العرب إذا فاجئها حدث غريب غير متوقّع قالت : « أمرٌ دُبّر بليل » أي حادث خُطّط له بليل .
ومنها : أنها وُضعت لمعنى الغرض ، كما تقول : « عندي أمرٌ اُريد تحقيقه » أي عندي غرض ، ولعلَّ منه قوله تعالى : ] ثم لا يكنْ أمرُكم عليكم غمّة ثم أقضوا إليَّ ولا تُنْظِرون [() أي ثم لا يكن غرضكم من البغي عليَّ مخفيّاً .
وبهذا تكون مادّة الأمر من المشتركات اللفظيّة ، وإذا كان كذلك فهي لا تدل على الطلب الخاص إلاّ إذا قامت القرينة على تعيينه دون سائر المعاني .
الجهة الثالثة :
هل أنَّ مادّة الأمر دالّة على مطلق الطلب الخاص وبذلك تشمل المستحب أو أنها دالّة على خصوص الوجوب منه ؟
وقع الكلام في ذلك بين الأعلام وذهب المشهور منهم على دلالتها على الوجوب واستُدلَّ لذلك بمجموعة من الأدلّة :
الدليل الأول : قوله تعالى : ] فليحذر الذين يخالفون عن أمره [() ، وتقريب الاستدلال على الوجوب أنَّ مطلق الأمر وقع متعلّقاً للتحذير ولو كان الأمر صادقاً على المستحب لما كان هناك أيَّ مبرّر للتحذير عن مخالفته إذ أنَّ التحذير عن المخالفة إنّما يناسب التكاليف الالزاميّة .
وبتعبير آخر : التحذير عن المخالفة وقع على مطلق الأوامر الإلهيّة ولا معنى للتحذير عن مخالفة المستحبّات إذ أنَّ ذلك خُلْف كونها مستحبّات مما يكشف عن أنَّ الأوامر الإلهيّة خاصّة بالواجبات ، ثبت المطلوب .
الدليل الثاني : وهو قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « لولا أن اشقَّ على اُمّتي لأمرتهم بالسِواك »() ، وتقريب الاستدلال على الوجوب هو أنَّ المستحبّات لا مشقّة في جعلها على المكلّف لأنّه في سعة من جهتها ، فلو كان الأمر صادقاً على المستحب فلا معنى لمراعات الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) للاُمّة عدم أمرها بالإستياك بعد أن كان الإستياك متوفّراً على ملاك يقتضي جعله على الاُمّة ، نعم المناسب لمراعاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في عدم إيقاع الاُمّة في المشقّة من جهة الإستياك ـ رغم توفّره على الملاك ـ هو الوجوب .
وبتعبير آخر : إنَّ مراعات الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) للاُمّة في عدم أمرها بالإستياك باعتبار أنَّ الأمر فيه مشقّة على الاُمّة مما يعني أنَّ الأمر يقتضي الإلزام إذ أنّه لا مشقّة مع عدم الالزام .
الدليل الثالث : هو التبادر : وهي علامة الحقيقة بتقريب أنَّ المنسبق إلى الذهن عند إطلاق المولى للأمر هو الوجوب ، والإنسباق من اللفظ هو التبادر .

البحث الثاني : في صيغة الأمر :
وهي هيئة فعل الأمر بقطع النظر عن المادّة الواقعة في إطارها ، ويقع البحث عنها في جهات :
الجهة الاُولى : فيما وضعت له صيغة الأمر :
ذكروا أنَّ صيغة الأمر وُضعت لمجموعة من المعاني بالإضافة إلى معنى الطلب .
منها : أنّها وُضعت للتمنّي ، كقوله تعالى : ] ربي ارجعوني لعلّي أعمل صالحاً فيما تركت [() .
ومنها : أنّها وُضعت للترجّي ، كقوله تعالى : ] ربّنا اخرجنا منها فإن عدنا فانّا ظالمون [() .
ومنها : أنّها وُضعت للتهديد ، كقوله تعالى : ] واستفرز من استطعت منهم وأجلِب عليهم بخيلِك ورَجلك [() .
ومنها : أنّها وُضعت للتعجيز ، كقوله تعالى : ] قُل فأتوا بسورة مثله  [() .
إلاّ أن هذه المعاني لا يمكن أن تكون صيغة الأمر موضوعة لها ، وذلك لأننا حين نبحث عن وضع كلمة لمعنى انما نبحث عن مدلولها التصوّري إذ أنه هو المدلول الوضعي ، وهذه المعاني التي ذُكرت لصيغة الأمر إنما تناسب المدلول التصديقي إذ أنَّ المدّعي لكونها موضوعة لهذه المعاني لاحظ وقوعها في إطار جملة تامّه ومرادة من المتكلّم بالمراد الجدِّي ، وهذا انما يُناسب المدلول التصديقي الجدِّي والذي هو غير مستفاد من الوضع بل أنّه مستفاد من حال المتكلّم وأنه في مقام الطلب او التمنّي أو الترجّي أو ما إلى ذلك ، ونحن هنا نبحث عن مدلول الصيغة التصوّري الذي ينشأ عن الوضع .
فحقُّ البحث أن يتّجه نحو ملاحظة الصيغة باعتبارها معنى حرفياً إذ أنّها من الهيئات وقد قلنا ان الهيئات من المعاني الحرفية ، فالبحث عن الصيغة يقع من حيثيّتين :
الحيثيّة الاُولى : ملاحظة صيغة الأمر باعتبارها معنىً حرفيّاً والمعنى الحرفي كما ذكرنا موضوع للنسبة الربطيّة بين الطرفين غايته أن هذه النسبة تختلف باختلاف الهيئات والحروف كما اتّضح ذلك مما سبق ، واذا لاحظنا صيغة الأمر وجدنا أنّها تدل على النسبة الربطيّة الطلبيّة بين متعلّق الصيغة وبين المطلوب منه الأمر ، فقول المولى « صلّ » تدلُّ فيه هذه الصيغة على النسبة الطلبية بين متعلّق الصيغة وهو الصلاة المطلوبة وبين المأمور بالصلاة  ، أو تكون هذه الصيغة مفيدة للنسبة الارساليّة بين المرسَل «  بصيغة المفعول » والمرسَل إليه ـ بصيغة المفعول وهي الصلاة ، فعليه تكون النسبة الارسالية أو الطلبيّة مفيدة لنحو من أنحاء الربط وهو الربط الواقع بين المأمور به والمأمور وهو المكلّف وكذلك متعلّق الأمر .
هذا هو المستفاد من صيغة الأمر إذ أنه هو المناسب لكون الصيغة من المعاني الحرفية .
وبهذا يتّضح أنّ صيغة الأمر ليست موضوعة لمفهوم الطلب أو الارسال إذ أن ذلك لا يتناسب مع كونها معناً حرفيّاً ، فالمعنى الحرفي لا يكون مدلوله معنىً إسميّاً ، نعم يمكن أن يكون للمعنى الحرفي ما يماثله في المعاني الاسميّة كما ذكرنا ذلك ، الا أنّ هذا لا يعني أن المعنى الحرفي مرادف للمعنى الاسمي .
فكما قلنا أنّ « في » لا يرادف مفهوم الظرفيّة وانما يماثلها ويوازيها فكذلك الكلام في صيغة الأمر فهي لا تُرادف مفهوم الطلب أو الارسال وانما توازيه وتماثله مع الاحتفاظ بكون صيغة الأمر معنى حرفيّاً مفيداً للنسبة وأنّ مفهوم الطلب معنى إسميّاً .
الحيثيّة الثانية : ملاحظة صيغة الأمر باعتبارها واقعة في إطار جملة تامّة مشتملة على فعل وهو صيغة الأمر وفاعل وهو المأمور وبهذا الاعتبار يمكن ان يكون للصيغة الواقعة في الجملة التامّة مدلولٌ تصديقي ثان إلا أنّ هذا المدلول مُستفاد من معرفة حال المتكلم وأنّه جادٌّ في الحكاية عن واقع نفسه ، فإذا جاء المتكلّم بصيغة الأمر في إطار جملة تامّة نبحث عن ما هو الداعي الذي دعاه لاستعمال الصيغة في الجملة التامّة وسنجد أنّ هذا الداعي هو أحد المعاني التي ذُكرت لصيغة الأمر .
ومن هنا لا تكون هذه المعاني موضوعة لصيغة الأمر ، وانّما هي مستفادة من معرفة الداعي الذي دعى المتكلّم أن يستعمل صيغة الأمر في الجملة التامّة ، وهذا يعني أنها مستفادة من معرفة حال المتكلّم والذي هو منشأ المدلول التصديقي الثاني .
إذن فهذه المعاني ليست أكثر من دواع يبرزها المتكلّم عن طريق صيغة الأمر فتبقى محتفظة بمدلولها التصوّري مع اكتسابها معنىً زائداً هو الطلب أو التعجيز أو التمنّي وهكذا .
هذا بناءً على ما هو المعروف من أنّ الدلالة التصوّرية هي الدلالة الوضعيّة ، واما بناءً بناءً على مسلك التعهّد ـ النافي لكون الدلالة التصوّرية هي الدلالة الوضعية وانّ الدلالة الوضعيّة انما هي الدلالة التصديقيّة وأنها تكون في الجمل التامة ـ يكون المدلول الوضعي فيها هو المدلول الجدِّي ، فهنا لا محالة تكون صيغة الأمر الواقعة في إطار الجملة التامّة موضوعة لمجموع هذه المعاني على نحو الاشتراك اللفظي ، وقد بيّنّا فيما سبق كيفيّة الوضع في الجملة التامّة بناءً على مسلك التعهّد وانها موضوعة للمدلول التصديقي الثاني فراجع .
الجهة الثانية : فيما هو الظاهر من صيغة الأمر في مرحلة المدلول التصديقي الثاني :
والظاهر من صيغة الأمر في هذه المرحلة هو الطلب وذلك لأن المدلول التصوّري لصيغة الأمر هو إما النسبة الطلبية أو النسبة الارساليّة وكلاهما يقتضي أن تكون صيغة الأمر في مرحلة المدلول التصديقي الثاني هو الطلب دون غيره من الدواعي المذكورة .
وتوضيح ذلك :
أما بناءً على كون المدلول التصوّري هو النسبة الطلبيّة فلأنَّ واقع الطلب فردٌ حقيقي للنسبة الطلبيّة بل أنّ واقع النسبة الطلبيّة ليس شيئاً آخر غير مصداق الطلب ، فإرادة غير الطلب من النسبة الطلبيّة حينئذ خلاف الظاهر إذْ أنّ ظاهر المتكلّم انّه يستعمل الكلام فيما وُضع له وهذا هو مدرك أصالة التطابق بين المدلول التصوّري والمدلول الجدّي .
وأما بناءً على ان المدلول التصوّري هو النسبة الارساليّة ، فلأنّ الارسال يعني البعث والتحريك نحو الغاية والهدف ، فإذا قلت : « أرسلت زيداً » فإن المتفاهم من هذا التعبير هو بعث زيد نحو المطلوب .
ومع اتّضاح هذا نقول : إنَّ صيغة الأمر اذا كانت موضوعة للنسبة الارساليّة فهي ظاهرة في الطلب دون سائر المعاني وذلك لأن النسبّة الارسالية والتي هي الربط المخصوص بين المرسَل ـ بصيغة المفعول ـ والمرسَل إليه إنما تنشأ غالباً عن تعلّق إرادة المستعمل للصيغة بالمرسَل إليه ، وهذه الغالبية هي التي تُكوّن الظهور في الطلب لكلّ صيغةِ أمر وقعت في إطار جملة تامّة .
واذا تم ما ذكرناه فإنّ كلَّ مورد من موارد إستعمال الصيغة في إطار جملة تامّة يكون ظاهراً في الطلب ما لم تقم قرينة على الخلاف .
الجهة الثالثة : ظهور صيغة الأمر في الوجوب :
اتّضح ـ ممّا سبق ـ أنَّ صيغة الأمر موضوعة للنسبة الطلبيّة أو الإرساليّة ، وظاهرة في الطلب في مرحلة المدلول الجدّي إلاّ أنَّ الكلام يقع في أنَّ هذا الطلب الذي هو المدلول الجدّي للصيغة هل هو مطلق الطلب أو خصوص الطلب الوجوبي ؟
نقول : إنَّ المشهور بين الأعلام (رضوان ألله عليهم) هو أنَّ صيغة الأمر في مرحلة المدلول التصديقي الجدّي ظاهرة في خصوص الطلب اللزومي وأنَّ المتكلّم الجاد حين استعمال الصيغة يُريد الطلب الوجوبي واستُدلّ على ذلك بما هو المتفاهم عرفاً من صيغة الأمر عندما يكون المستعمِل لها جادّاً .
وبعبارة اُخرى : إنَّ المتبادر من صيغة الأمر عند أهل المحاورة هو الوجوب .
إذا اتّضح هذا فنقول : إنَّه وقع الكلام في الأفعال المفيدة للطلب والتي لا تكون من قبيل فعل الأمر ، وهذه الأفعال يمكن تصنيفها إلى صنفين :
الأول : الفعل المضارع المقرون بلام الأمر : كقوله تعالى : ] وليستعففِ الّذين لا يجدون نكاحاً [() ، فإنَّ (يستعفف) في الآية الشريفة وإن كان فعلا مضارعاً إلاّ أنَّه مفيد للطلب ببركة إقترانه بلام الأمر ، وهذا النوع من الأفعال لم يختلف الأعلام (رضوان الله عليهم) في كونه مشمولا لتمام الأحكام الواقعة على صيغة الأمر ، فكما أنَّ صيغة الأمر مثلا موضوعة للنسبة الإرساليّة أو الطلبيّة فكذلك الفعل المضارع المقرون بلام الأمر ، وكما أنَّ صيغة الأمر في مرحلة المدلول الجدّي ظاهرة في الطلب الوجوبي فكذلك الفعل المضارع المقرون بلام الأمر .
الثاني : الفعل المضارع المجرّد والفعل الماضي : كقوله (عليه السلام) : « لا تُعاد الصلاة إلاّ من خمس ... »() ، وكذلك قوله تعالى : ] والمؤمنون والمؤمنات بعضُهم أولياءُ بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر [() ، هذا في الفعل المضارع ، وأمّا الفعل الماضي فيمكن أن نمثّل له بما لو سأل سائل عمّن صلّى قبل الوقت فجاء الجواب « أعادَ صلاته » فإنَّ هذه الجملة المشتملة على الفعل وكذلك الجمل السابقة جمل خبريّة إلاّ أنَّها استُعملت لغرض الإنشاء والطلب ، فهي خبريّة صورةً إلاّ أنّها إنشائيّة طلبيّة روحاً . وهذا النوع من الأفعال المفيدة للإنشاء والطلب وقع الكلام عنها من حيث دلالتها على الوجوب أو عدم دلالتها ، وهذا ما أرجأ المصنف بحثه إلى الحلقة الثالثة .
الجهة الرابعة : والكلام فيها عن الأوامر الإرشاديّة :
تنقسم الأوامر سواء المدلول عليها بالصيغة أو بالمادّة أو بشيء آخر إلى قسمين : أوامر مولويّة وأوامر إرشاديّة ، وهذا التقسيم إنّما هو بلحاظ ما تكشف عنه الأوامر .
أمّا الأوامر المولويّة : فهو ما يكون مدلولها حكماً من الأحكام التكليفيّة الطلبيّة والتي هي الوجوب والاستحباب ، ومولويّتها ناشئة عن أنَّ المولى يجعل هذه الأحكام على عهدة المكلّف بحيث يكون المكلّف مبعوثاً نحو تحقيق متعلّقاتها أداءً لحقِّ المولويَّة للمولى ، غايته أنَّ المولى قد يُرخِّص في ترك بعض متعلّقات هذه الأوامر إلاّ أنَّ الترخيص لا يسقطها عن الطلب  .
وأمَّا الأوامر الإرشاديّة : فهي ما يكون مدلولها حكماً عقليّاً أو حكماً شرعيّاً وضعيّاً .
وتوضيح ذلك : أنَّ الأمر سواء المدلول عليه بالصيغة أو بالمادّة ظاهر ـ كما قلنا ـ في الوجوب أي ظاهر في الأمر المولوي إلاّ أنَّه قد تقوم قرينة تصرفُ هذا الظهور إلى مدلول آخر تبعاً للقرينة . فمن الموارد الذي استعمل فيها في غير الأوامر المولويّة الوجوبيّة هو هذا المورد الذي نحن بصدد الحديث عنه ، وهو : (الأوامر الإرشادية) وهي التي لا يكون متعلقها مبعوثاً نحوه ومطلوباً من المكلّف تحصيله ، وإذا كان فيه طلب فهو ليس من مقتضيات نفس الأمر الإرشادي ، إذ الأمر الإرشادي لا يبعث بنفسه نحو متعلّقه .
وبتعبير آخر : الأمر الإرشادي دوره دور الكاشف وليس له دور البعث نحو متعلّق الأمر كما في الأوامر المولويَّة .
ولمزيد من التوضيح نقول : إنَّ الأوامر الإرشاديّة يمكن تقسيمها إلى قسمين :
القسم الأول : ما يكون فيه الأمر كاشفاً عن مُدْرَك من المُدركات العقليّة ، أو قل عن حكم من الأحكام العقليّة والتي يكون لها تقررٌ وثبوت في مرحلة سابقة على صدور الأمر ويكون دور الأمر الإرشادي فيها دور المُنبِّه والمرشد إلى الحكم العقلي وبالتالي يكون المطلوب في مثل هذه الأوامر ليس مطلوباً مولويّاً بل هو مطلوب يقتضيه العقل ، وذلك كقوله تعالى : ]  وأطيعوا الله [() ، فإنَّ صيغة الأمر هنا استعملت في الأمر الإرشادي ، والذي صرف ظهور هذه الصيغة عن الأمر المولوي الوجوبي هو وجود قرينة عقليّة تمنع من هذا الظهور بل وتكوّن ظهوراً آخر وهو الظهور في الإرشاديّة ، وهذه القرينة هي حكم العقل باستحالة أن يكون هذا الأمر مولويّاً إذ لو كانت طاعة الله عزّوجلّ مستندة إلى أمر الله جلَّ وعلا لكنَّا قد احتجنا إلى أمر يبعثنا نحو طاعة أمر الله الذي يقتضي طاعة الله .
وهكذا الكلام في هذا الأمر الأخير ، فإما أن يدور أو يتسلسل وكلاهما مستحيل ، أما إذا استندت طاعة الله عزّوجلّ الى ما يقتضيه العقل من لزوم طاعة المولى جلّ وعلا انتفى كلا المحذورين ، وهذه القرينة هي التي صرفت صيغة الأمر عن ظهورها في الوجوب وكوَّنت ظهوراً جديداً للأمر وهو الإرشاديّة ، فالمراد من الإرشاديّة إذن في المقام هو التنبيه على ما يحكم به العقل من لزوم طاعة المولى جلّ وعلا ، إذن الأمر الإرشادي لا يبعث بنفسه نحو متعلّقه .
القسم الثاني : ـ من الأوامر الإرشاديّة ـ ما يكون مدلوله حكماً وضعيّاً ـ وقد قلنا ـ ان الأحكام الوضعيّة هي مجعولات شرعيّة لا تتّصل بفعل المكلّف مباشرة أي أنها ليست حكماً تكليفيّاً مجعولا على عهدة المكلَّف بحيث يكون المكلف مبعوثاً نحوها ومطلوباً منه إيجادها ، نعم قد تكون موضوعاً لحكم تكليفي ـ كما بيّنّا ذلك في محلّه ـ ، والأحكام الوضعيّة هي مثل الطهارة والنجاسة والملكية والصحة والفساد لأن هذه المجعولات الشرعيّة لا يكون المكلّف مسؤولا عن تحصيلها ، ولهذا لو صدر أمرٌ وكان متعلّقه أحد هذه المجعولات الشرعيّة فإنّ هذا الأمر يكون إرشاديّاً ، والقرينة على إرشاديّته هي معرفة عدم مطلوبيّته بنفسه من المكلّف ، فلو قال المولى « طهِّر ثوبك من الدم بالماء » فإنّ هذا الأمر ليس ظاهراً في الوجوب وذلك لوجود قرينة صارفة عن ظهور هذا الأمر في الوجوب ، وهذه القرينة هي أنّ متعلّق الأمر وهو الطهارة ليس مطلوباً من المكلّف تحصيله إذ ان للمكلّف أن لا يطهّر الثوب عن الدم ولا يكون بذلك قد خالف أمر المولى ، إذن يكون هذا الأمر مرشداً الى حكم وضعي وهو أنّ الدم من النجاسات وانّ الماء من المطهّرات .

دلالات اُخرى للأمر :
والكلام عنها يقع في مباحث :
المبحث الأول : الأمر بعد الحظر أو بعد توهّم الحظر :
إذا ورد أمر بفعل من الأفعال وقد كان هذا الفعل ممنوعاً عنه في مرحلة سابقة أو كان متوهّم المنع فقد وقع الكلام في إحتفاظ هذا الأمر بدلالته على الوجوب أو أنَّ وروده بعد الحظر أو بعد توهّم الحظر قرينة عامّة على انهدام الظهور في الوجوب .
وقبل بيان ما هو الصحيح في ذلك نمثّل لكلا الموردين حتى يكون البحث أكثر وضوحاً .
أما المورد الأول : ـ وهو ورود الأمر بعد الحظر ـ فيمكن أن يُمثّل له بقوله تعالى : ] واذا حللتم فاصطادوا [() فان الأمر بالاصطياد ورد بعد المنع عنه بقوله تعالى : ] ولا تقتلوا الصيد وأنتم حُرم [() وهذا المثال وإن لم يكن دقيقاً ـ إذ أن موضوع الحكمين مختلف ـ إلا أنه يصلح للتوضيح من حيث ان الأمر بالاصطياد وقع بعد المنع عنه .
المورد الثاني : ـ ورود الأمر بعد توهّم الحظر ـ ويمكن ان يمثّل له برواية يونس بن يعقوب ، قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يُريد أن يتزوّج المرأة وأحبَّ أن ينظر إليها ، قال (عليه السلام) : « تحتجز ثم لتقعدْ وليدخل فلينظرْ »() فان الأمر بالنظر الى المرأة قبل الزواج ورد بعد توهّم السائل الحظر والمنع عن النظر .
واذا اتّضح هذا فنقول : إنَّ الأمر الوارد بعد الحظر أو بعد توهّم الحظر تارةً يُلحظ من حيث مدلوله التصوّري واُخرى من حيث المراد الجدّي والمدلول التصديقي .
أمّا من حيث المدلول التصوّري فالصحيح هو عدم تبدل دلالته على النسبة الطلبيّة وذلك لأن المدلول التصوّري يبقى منحفظاً حتى في موارد العلم بعدم إرادة المستعمل للمعنى الموضوع له اللفظ ـ كما ذكرنا ذلك فيما سبق ـ فلو قال المتكلّ مثلا : « رأيت أسداً يرمي » فإنَّ الأسد هنا لم يُرد المتكلّم منه المعنى الموضوع له لفظ الأسد ، ومع ذلك يبقى لفظ الأسد دالا على معناه الموضوع له ، ولذلك يخطر معناه في ذهن السامع رغم العلم بعدم إرادة المتكلّم للمدلول الوضعي التصوّري .
وأمّا من حيث المدلول الجدِّي التصديقي فالصحيح هو إنهدام ظهور صيغة الأمر في الوجوب وتبدّله من الظهور الى الاجمال ، فلا يكون الأمر ظاهراً في الوجوب كما لا يكون ظاهراً في خصوص نفي الحرمة ، وذلك لأن ورود الأمر بعد الحظر يصلح ان يكون قرينة على صرف ظهور الأمر في الوجوب كما يصلح ان يكون قرينة على خصوص نفي الحرمة ، نعم لا نُحرز قرينيّة الورود بعد الحظر أو بعد توهّمه على صرف الظهور عن الوجوب أو نفي الحرمة .
وفرق بين كون الأمر بعد الحظر قرينة على صرف الظهور عن الوجوب وانعقاد الظهور في نفي الحرمة وبين أن يكون الأمر بعد الحظر صالح للقرينيّة ، فإنّ إحراز القرينيّة يوجب سلب الظهور عن الوجوب وانعقاد الظهور في الاختصاص بنفي الحرمة أما صلوح الأمر بعد الحظر أو توهّمه للقرينيّة فان غايته إجمال المراد من الأمر ، وهل أنّ هذا الأمر ظاهر في الوجوب أو ظاهر في خصوص نفي الحرمة ، وهذا التردد في المراد من الأمر هو ما يُعبَّر عنه بالإجمال .
المبحث الثاني : دلالة الأمر الموقّت على لزوم القضاء :
وموضوع البحث في المقام هو أنَّ توقيت الواجب بوقت محدد هل هو قرينة عامّة على لزوم القضاء في خارج الوقت فيما لو فات المكلّف امتثال الواجب في وقته ، مثلا قوله تعالى : ] فمن شهد منكم الشهر فليصمه [() ، فإنَّ هذه الآية الشريفة تدلّ على وجوب إيقاع الصوم في شهر رمضان المبارك ، وهذا لا كلام فيه إنما الكلام في أنَّ توقيت الوجوب بشهر رمضان هل يدل على لزوم قضاء هذا الواجب فيما لو فات المكلّف إمتثاله في الوقت المعيّن أو لا ؟
ومن أجل أن يكون الجواب واضحاً نقول : إنَّ الأوامر الموقّتة على نحوين :
النحو الأوّل : ما يكون الواجب فيها حصّة خاصّة من الفعل وهو الفعل الكائن في الوقت المعيّن ، وبعبارة اُخرى : ما يكون الأمر دالا على مطلوب واحد وهو الفعل المقيّد بالوقت وذلك مثل صلاة الجمعة في قوله تعالى : ] إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله [() ، فإنَّ الأمر بصلاة الجمعة المستفاد من قوله تعالى : ] فاسعوا [ أمر بحصّة خاصّة من الصلاة وهي الكائنة في يوم الجمعة ، وفي مثل هذا النحو من الأوامر الموقّتة لا يكون التوقيت دالا على لزوم القضاء لو فات المكلّف إمتثال المأمور به في وقته فعليه يكون ثبوت القضاء على المكلّف يقتضي خطاباً آخر من المولى ، إذ لا يكون الخطاب الأول كافياً في ثبوت القضاء في ظرف الفوت ، هذا هو معنى عدم تبعيّة القضاء للأداء .
النحو الثاني : ما يكون مدلولها منحلا إلى أمرين على نحو تعدّد المطلوب ، وذلك بأن يكون الخطاب الدال على الوجوب الموقَّت مشتملا على أمرين :
الأول : الأمر بالفعل على سعته ، والثاني هو : لزوم إمتثاله في وقت معيّن ، ويمكن التمثيل لذلك بقوله تعالى : ] كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الّذين من قبلكم لعلّكم تتّقون * أيّاماً معدودات [() ، فإنَّ الخطاب في هذه الآية يمكن أن يقال أنَّه منحلّ إلى أمرين : الأوّل الأمر بذات الصوم ، والثاني الأمر بلزوم إمتثاله في الأيام المعدودات ـ شهر رمضان ـ ، وهذا النحو من الأوامر هو محل النزاع في المسألة إذ أنَّه هو الذي يمكن أن يقال فيه بأن سقوط الأمر الثاني بفواته أو معصيته لا يقتضي سقوط الأول بل يبقى الخطاب بامتثاله على حاله إذ لا مقتضي لسقوطه وزوال فعليّته ولذلك لا يكون الأمر بالقضاء محتاجاً إلى خطاب جديد إلاّ انّ ذلك لا يتم إلا مع قيام القرينة على تعدّد المطلوب وأن خروج الوقت لا يوجب سقوط الأمر عن الفعليّة ، وأمّا مع فقدان القرينة فالظاهر في الأوامر الموقّتة هو وحدة المطلوب إذ أنَّ الظاهر من التوقيت هو أخذ الوقت في متعلّق الأمر أي أن المأمور به هو الحصّة المقيّدة بالوقت لا أنَّ الحصّه المقيّدة بالوقت هي أكمل الأفراد مثلا ، فلذلك تكون مطلوبة لمزية فيها ويكون مطلق الفعل الشامل لهذه الحصّة مطلوباً آخر حتى تكون ثمرة ذلك هو عدم سقوط الأمر بفوات الحصّة الخاصّة .

المبحث الثالث : الأمر بالأمر :
يقع الكلام في هذا المبحث عن أنَّ الأمر بالأمر بشيء هل يدلّ على أنَّ متعلّق الأمر الثاني مطلوب من المأمور الثاني بحيث يكون مسئولا عنه ، كما لو كان قد توجّه إليه الأمر مباشرة .
وبتعبير آخر : لو أنَّ المولى أمر مكلّفاً بأن يأمر مكلّفاً آخر بفعل شيء ، فإنَّه لا كلام في تنجُّز الأمر الأول على المكلَّف الأوّل ـ أي أنَّ المكلَّف الأوّل مسئول عن امتثال الأمر بالأمر ـ وإنَّما الكلام في تنجُّز متعلَّق الأمر الثاني على المكلَّف الثاني .
وهنا ثلاثة احتمالات :
الإحتمال الأوّل : أن يكون المكلَّف الثاني مسئولا عن امتثال الأمر الثاني مطلقاً .
الإحتمال الثاني : أن لا يكون المكلَّف الثاني مسئولا عن امتثال الأمر الثاني مطلقاً .
الإحتمال الثالث : أن يكون المكلَّف الثاني مسئولا عن امتثال الأمر الثاني فيما لو امتثل المكلَّف الأوّل الأمر الأوّل ولا يكون مسئولا في حالة عدم الإمتثال .
ومنشأ الإحتمال الأول : هو استظهار طريقيَّة الأمر الأوّل للأمر الثاني ، وأنّ إرادة المولى قد تعلَّقت بإيجاد المأمور به الثاني من المكلَّف الثاني ، وبهذا لا يكون للأمر الأوّل والمكلَّف الأوّل سوى دور الوساطة ، ولو تمَّ هذا الإستظهار فإنَّه يُنتج مسئوليّة المكلَّف الثاني عن متعلَّق الأمر الثاني حتى لو لم يمتثل المكلَّف الأول بالأمر الأول .
مثلا قوله تعالى : ] وَأمُر أهلك بالصلاة [() ، فإنَّ الخطاب هنا موجَّه للمكلَّف الأوّل بأن يأمر أهله (المكلَّف الثاني) بالصلاة ، فلو كنَّا نبني على الاحتمال الأوّل ، فهذا معناه تنجُّز الصلاة على الأهل مطلقاً سواء امتثل المكلَّف الأول ـ وأمر أهله بالصلاة ـ أو لم يمتثل ، فإنَّ الأهل مسئولون عن الصلاة لو اطّلعوا على أن المولى قد أمر المكلَّف الأوّل بأن يأمرهم بالصلاة .
ومنشأ الإحتمال الثاني : هو استظهار اختصاص تعلُّق غرض المولى بامتثال المكلَّف الأوّل للأمر الأوّل دون أن يكون له أيُّ غرض بمتعلّق الأمر الثاني ، بمعنى أن يكون مصبّ الغرض المولوي هو امتثال المكلَّف الأوّل للأمر الأوّل .
وهذا ما يتّفق كثيراً عند الموالي العرفيّين كأن يأمر المولى إبنه بأن يأمر العبيد بأمر معيّن ولا يكون للمولى غرض سوى تعليم ابنه طريقة الأمر والنهي .
ولو كان هذا الإستظهار هو المتعيّن فإنّ المكلَّف الثاني لا يكون مسئولا عن متعلَّق الأمر الثاني سواء امتثل المكلَّف الأول الأمر بالأمر أو لم يمتثل .
ومنشأ الإحتمال الثالث : هو استظهار تعلُّق غرض المولى بمتعلَّق الأمر الثاني ، إلاَّ أنَّ تعلُّق غرضه بذلك منوط بامتثال المكلَّف الأول للأمر بالأمر  ، فيكون لامتثال المكلّف الأول موضوعيّة بمعنى أنَّ التكليف المتوجّه للمكلَّف الثاني رُتّب على موضوع مقدَّر الوجود وهو امتثال المكلَّف الأوّل للأمر بالأمر .
ولو تمّ هذا الإستظهار فمعناه أنَّ المكلَّف الثاني لا يكون مسئولا عن امتثال الأمر الثاني إلاّ حين يمتثل المكلَّف الأول الأمر الأول .
ويترتّب على نتيجة هذا البحث ثمرات مهمّة في الفقه ، ولعلَّ من أهمّها مسألة مشروعيّة عبادات الصبي ، حيث وردت مجموعة من الروايات مفادها أمر الأب أو الولي بأن يأمر الصبي بالصلاة أو الصوم . منها معتبرة الحلبي : « ... فمروا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا بني سبع سنين »() ، ومنها : معتبرة الحلبي : « ... فمروا صبيانكم إذا كانوا بني تسع سنين بالصوم »() .
فلو كنّا نستظهر الاحتمال الأول وأنَّ الأمر بالأمر يدلُّ على مطلوبيّة متعلَّق الأمر الثاني من المأمور الثاني فهذا يقتضي البناء على مشروعيّة عبادات الصبي إذ أنَّ المأمور به الثاني وهو الصلاة أو الصوم يُصبح حينئذ مطلبواً من الصبي ، وطلبه من الصبي يعني مشروعيّته
المبحث الثالث : الأمر بالأمر :
يقع الكلام في هذا المبحث عن أنَّ الأمر بالأمر بشيء هل يدلّ على أنَّ متعلّق الأمر الثاني مطلوب من المأمور الثاني بحيث يكون مسئولا عنه ، كما لو كان قد توجّه إليه الأمر مباشرة .
وبتعبير آخر : لو أنَّ المولى أمر مكلّفاً بأن يأمر مكلّفاً آخر بفعل شيء ، فإنَّه لا كلام في تنجُّز الأمر الأول على المكلَّف الأوّل ـ أي أنَّ المكلَّف الأوّل مسئول عن امتثال الأمر بالأمر ـ وإنَّما الكلام في تنجُّز متعلَّق الأمر الثاني على المكلَّف الثاني .
وهنا ثلاثة احتمالات :
الإحتمال الأوّل : أن يكون المكلَّف الثاني مسئولا عن امتثال الأمر الثاني مطلقاً .
الإحتمال الثاني : أن لا يكون المكلَّف الثاني مسئولا عن امتثال الأمر الثاني مطلقاً .
الإحتمال الثالث : أن يكون المكلَّف الثاني مسئولا عن امتثال الأمر الثاني فيما لو امتثل المكلَّف الأوّل الأمر الأوّل ولا يكون مسئولا في حالة عدم الإمتثال .
ومنشأ الإحتمال الأول : هو استظهار طريقيَّة الأمر الأوّل للأمر الثاني ، وأنّ إرادة المولى قد تعلَّقت بإيجاد المأمور به الثاني من المكلَّف الثاني ، وبهذا لا يكون للأمر الأوّل والمكلَّف الأوّل سوى دور الوساطة ، ولو تمَّ هذا الإستظهار فإنَّه يُنتج مسئوليّة المكلَّف الثاني عن متعلَّق الأمر الثاني حتى لو لم يمتثل المكلَّف الأول بالأمر الأول .
مثلا قوله تعالى : ] وَأمُر أهلك بالصلاة [() ، فإنَّ الخطاب هنا موجَّه للمكلَّف الأوّل بأن يأمر أهله (المكلَّف الثاني) بالصلاة ، فلو كنَّا نبني على الاحتمال الأوّل ، فهذا معناه تنجُّز الصلاة على الأهل مطلقاً سواء امتثل المكلَّف الأول ـ وأمر أهله بالصلاة ـ أو لم يمتثل ، فإنَّ الأهل مسئولون عن الصلاة لو اطّلعوا على أن المولى قد أمر المكلَّف الأوّل بأن يأمرهم بالصلاة .
ومنشأ الإحتمال الثاني : هو استظهار اختصاص تعلُّق غرض المولى بامتثال المكلَّف الأوّل للأمر الأوّل دون أن يكون له أيُّ غرض بمتعلّق الأمر الثاني ، بمعنى أن يكون مصبّ الغرض المولوي هو امتثال المكلَّف الأوّل للأمر الأوّل .
وهذا ما يتّفق كثيراً عند الموالي العرفيّين كأن يأمر المولى إبنه بأن يأمر العبيد بأمر معيّن ولا يكون للمولى غرض سوى تعليم ابنه طريقة الأمر والنهي .
ولو كان هذا الإستظهار هو المتعيّن فإنّ المكلَّف الثاني لا يكون مسئولا عن متعلَّق الأمر الثاني سواء امتثل المكلَّف الأول الأمر بالأمر أو لم يمتثل .
ومنشأ الإحتمال الثالث : هو استظهار تعلُّق غرض المولى بمتعلَّق الأمر الثاني ، إلاَّ أنَّ تعلُّق غرضه بذلك منوط بامتثال المكلَّف الأول للأمر بالأمر  ، فيكون لامتثال المكلّف الأول موضوعيّة بمعنى أنَّ التكليف المتوجّه للمكلَّف الثاني رُتّب على موضوع مقدَّر الوجود وهو امتثال المكلَّف الأوّل للأمر بالأمر .
ولو تمّ هذا الإستظهار فمعناه أنَّ المكلَّف الثاني لا يكون مسئولا عن امتثال الأمر الثاني إلاّ حين يمتثل المكلَّف الأول الأمر الأول .
ويترتّب على نتيجة هذا البحث ثمرات مهمّة في الفقه ، ولعلَّ من أهمّها مسألة مشروعيّة عبادات الصبي ، حيث وردت مجموعة من الروايات مفادها أمر الأب أو الولي بأن يأمر الصبي بالصلاة أو الصوم . منها معتبرة الحلبي : « ... فمروا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا بني سبع سنين »() ، ومنها : معتبرة الحلبي : « ... فمروا صبيانكم إذا كانوا بني تسع سنين بالصوم »() .
فلو كنّا نستظهر الاحتمال الأول وأنَّ الأمر بالأمر يدلُّ على مطلوبيّة متعلَّق الأمر الثاني من المأمور الثاني فهذا يقتضي البناء على مشروعيّة عبادات الصبي إذ أنَّ المأمور به الثاني وهو الصلاة أو الصوم يُصبح حينئذ مطلبواً من الصبي ، وطلبه من الصبي يعني مشروعيّته كما هو واضح ، وكذلك لو كنَّا نستظهر الإحتمال الثالث ، غايته أنَّ فعلية الأمر الثاني تكون منوطة بامتثال الولي الأمر الأوّل .
أمَّا لو كنَّا نستظهر الإحتمال الثاني وأنَّ الأمر بالأمر لا يدلُّ على أنَّ متعلّق الأمر الثاني مطلوب من المأمور الثاني ، فهذا يقتضي عدم صلاحيّة الأمر بالأمر للدلالة على مشروعيّة عبادات الصبي .
 

النــهـي



قلنا أنَّ للأمر اسلوبان من الكلام ، الأوّل هو الأمر بواسطة مادّته ، والثاني هو الأمر بواسطة هيئته ، وهذا البيان يجري أيضاً في النهي إذ أنَّه يتم تارة عن طريق مادّة النهي وتارة بواسطة هيئة النهي .
أمّا النهي بواسطة المادّة فهو يتمّ عن طريق استعمال لفظ النهي في إطار أي هيئة من الهيئات ، وذلك مثل قوله تعالى : ] وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي [() .
وأمّا النهي بواسطة الهيئة فهو يتمُّ عن طريق إستعمال الفعل المضارع المدخول لِلا الناهية ، وذلك مثل قوله تعالى : ] ولا تقربوا مال اليتيم إلاَّ بالّتي هي أحسن [() .

ثم انّ الكلام في مدلول النهي بإسلوبيه :
وفي المقام ثلاثة إتجاهات في تفسير معنى النهي :
الإتجاه الأول : هو أنَّ معنى النهي طلب الترك ، أي أنَّ المطلوب في النواهي هو ترك متعلّقاتها ، فلو قال المولى : لا تشرب الخمر ، فإنَّ هذا يعني طلب تَرك شرب الخمر ، وبتعبير آخر : هذه الجملة تساوق أن نقول : (أترك شرب الخمر) .
وباتّضاح هذا يتّضح أنَّ متعلّق النهي من سنخ الاُمور العدميّة إذ أنَّ الإمتثال بناءً على هذا المعنى يتحقّق بمجرّد عدم ارتكاب الفعل المنهي عنه حتى لو كان عدم الإرتكاب ناشئاً عن مناشئ قهريّة كما لو قصد شرب الخمر وشرب سائلا باعتقاد أنّه خمر ثم اتّفق عدم خمريّة ذلك السائل فإنَّه ـ  بناءً على هذا القول ـ لا يكون المكلّف عاصياً للنهي المولوي بل هو ممتثل للنهي إذ أنّه ليس أكثر من عدم إيقاع المكلّف المنهي عنه ، ومن الواضح أنه لم يتّفق وقوع الفعل المنهي عنه من المكلّف وإن كان عدم الوقوع نشأ عن أمر قهري .
الإتجاه الثاني : هو أنَّ معنى النهي طلب الكفِّ عن الفعل المنهي عنه  ، والكفُّ هو حالة من إعمال النفس وتوطينها وحملها على فعل شيء أو تركه ، وبهذا يكون النهي من سنخ الاُمور الوجوديّة إذ أنَّ امتثاله لا يتمُّ إلاّ عبر هذه الحالة من التوطين النفساني على الترك ، فإنَّ المكلّف إذا أراد أن يمتثل فإنَّه لا يكتفي بعدم شرب الخمر ، بل لابدَّ أن يكون عدم الشرب ناشئاً عن إعمال النفس .
ومع اتّضاح هذين الإتجاهين في معنى النهي يقع الكلام في الدليل على كل واحد منهما ، وقد استدلَّ كلُّ واحد من أصحاب هذين الإتجاهين بما يسقط الإتّجاه الآخر ، حيث استدل أصحاب الاتجاه الثاني على فساد الإتجاه الأول بما حاصله :
إنَّ الترك لمّا كان من سنخ الاُمور العدميّة فهو ثابت من الأزل فيستحيل أن يتعلّق به الطلب إذ أنَّ تعلّق الطلب به يكون من تحصيل الحاصل ، أو قل إعدام المعدوم ، فمثلا « لا تشرب الخمر » لو كان المراد منه لزوم إعدام شرب الخمر فإنّ ذلك يعني إعدام ما هو عدم من الأزل وهو مستحيل لعدم القدرة على إعدام ما هو عدم .
ولمزيد من التوضيح نقول : لو أنَّ إنساناً لم يشرب الخمر منذ أن وُلد إلى أن بلغ وخُوطب بالنهي عن شرب الخمر فإنَّه لو كان النهي عن شرب الخمر يعني مخاطبة المكلّف بإعدام شرب الخمر فإنَّ ذلك ثابت للمكلّف من الأزل إلى أن وُلد إلى أن بلغ وخُوطب بالنهي عن شرب الخمر ، فتكليفه بإعدام شرب الخمر تكليف بغير المقدور إذ أنَّ التكليف بالمنع عن شرب الخمر ـ بناءً على هذا الإتجاه ـ تكليف بإعدام المعدوم إذ كيف يعدم ما هو معدوم والحال أنَّه فرع الوجود للشيء الذي يُراد إعدامه .
لا يقال : إنَّ هذا الإشكال إنّما يتم في فرض المثال وهو عدم شرب المكلّف للخمر من الأزل الى البلوغ ، أمّا في ظرف شرب المكلّف للخمر قبل البلوغ أو حين البلوغ مثلا لا يكون إعدامه لشرب الخمر من قبيل إعدام المعدوم .
فإنَّه يقال : إنَّ هذا الكلام لا يتم وعلى فرض تماميّته فإنّه يكفي في التنبيه على فساد هذا المبنى تماميّة الإشكال ولو في مثل ما افترضناه ، إذ أنّه لا يُتعقّل وجود معنيين للنهي ، معنىً يناسب ما افترضناه في المثال ومعنىً آخر هو طلب الترك .
هذا ما استدل به أصحاب الإتجاه الثاني لإثبات مدّعاهم ، وتلاحظون أنهم استدلوا لإثبات دعواهم عن طريق إسقاط الإتجاه الأول وكأنهم يرون أنَّ معنى النهي لا يخلو عن أحد هذين المعنيين فإذا سقط أحدهما تعيَّن الآخر .
وكيف كان فالدليل الذي استدلّوا به على إثبات مدّعاهم ليس تاماً وذلك : لأنَّ الترك وإن كان ثابتاً من الأزل إلاّ أنَّ إنقطاعه مقدور للمكلّف ، وهذا هو المصحّح للتكليف بالترك ـ أي الإستمرار على الترك ـ إذ انّه كل ما كان أحد النقيضين مقدوراً كان نقيضه ايضاً داخلا تحت القدرة ، فالقادر على الفعل قادر على نقيضه وهو الترك وإلاّ لما كان الفعل مقدوراً له ، وفي المقام لمَّا كان فعل المنهي عنه مقدوراً فهذا يعني أنَّ تركه أيضاً مقدور لعدم إمكان تحقّق القدرة في أحد طرفي النقيضين دون الآخر ، وذلك لأن القدرة هي ما كان فيها كلا النقيضين داخلين تحت الإختيار .
وأمَّا ما استدلَّ به أصحاب الإتجاه الأول لإسقاط الإتجاه الثاني ـ القائل بأنَّ النهي هو الكفّ وتوطين النفس على ترك الفعل المنهي عنه ـ فهو انّه لا إشكال في أنَّ الذي ترك الفعل لا عن توطين وإعمال من النفس على الترك ـ بل عن دافع آخر ـ لا يعدُّ بنظر العرف مخالفاً للمولى وعاصياً له .
الإتجاه الثالث : وهو مختار المصنّف (رحمه الله) ، وحاصله : أنَّ النهي يعني الزجر عن الفعل الذي وقع متعلّقاً للنهي أو قل أنَّه الإمساك من قبل المولى عبده عن أن يقع في مخالفة المنهي عنه ، غايته أنَّ النهي تارة يُستفاد من المادة فيكون معناه الزجر والإمساك بالمعنى الإسمي وتارة يُستفاد من الهيئة فيكون مفاده النسبة الزجريّة الواقعة بين المزجور ـ وهو المكلّف ـ والمزجور عنه ـ وهو الفعل المنهي عنه ـ أو النسبة الإمساكيّة الواقعة بين الممسوك والممسوك عنه ـ وهو متعلّق النهي ـ .
وبناءً على هذا يكون متعلّق النهي هو الفعل والذي هو الإنزجار والإمتناع والإنمساك إذ أنَّ متعلّق الزجر هو الإنزجار ، والإمساك متعلّقه الإنمساك عن الفعل ومتعلّق المنع هو الإمتناع ، وكل هذه المتعلّقات من سنخ الأفعال كما هو واضح .
ظهور النهي في الحرمة :
لم يقع إشكال في ظهور النهي بمادّته وهيئته في الحرمة ، وإن وقع الخلاف في كيفيّه نشوء هذا الظهور ، وكل المناشئ المذكورة يُدّعى توليدها للظهور .
وكيف كان فانّ الحرمة هي مقتضى المتفاهم العرفي من النهي المولوي وهي المنسبقة منه عند إطلاقه ، وهذا هو التبادر .

 




الإحتراز في القيود

وقبل بيان ما هو الغرض من عقد هذا البحث نذكر مقدّمةً نُبيّن فيها أنحاء القيود المرتبطة بالحكم ونشرح فيها كيفيّة إرتباطها به .
فنقول : إنَّ القيود التي أشار إليها المصنّف (رحمه الله) خمسة :
النحو الأول : هو متعلّق الحكم : والمراد من متعلّق الحكم هو ما يكون ناشئاً عن الحكم ومترتّباً عليه ومتولّداً منه ، فمتعلّق الوجوب هو المطلوب تحصيله ومتعلّق الحرمة هو المطلوب تركه أو قل المزجور عنه ومتعلّق الاباحة هو الفعل الذي للمكلّف تركه أو إرتكابه .
ومن الواضح أنّ كلَّ ذلك انما ينشأ عن فعليّة الحكم ، فمتى ما تحققت الفعليّة صار متعلّقه ـ أي الفعل الذي وقع مصباً للحكم ـ مطلوباً أو مزجوراً عنه أو موسعاً على المكلّف فعله أو تركه .
ومثال ذلك لو قال المولى « صلِّ » فإنَّ متعلّق الأمر هو الصلاة إذ هي المطلوب بالأمر وهي التي لم تكن مطلوبة قبل الأمر ، وهكذا لو قال المولى « لا تشرب الخمر » فإنَّ المزجور عنه هو شرب الخمر فهو إذن متعلّق النهي .
هذا فيما يتّصل بالأحكام التكليفيّة ، وأمَّا ما يتّصل بالأحكام الوضعيّة فكذلك تجري عليه نفس الضابطة المذكورة وهي كلّ ما نشأ عن الحكم وكان مصبّاً له فهو متعلّق الحكم .
ومثال ذلك : الإيجاب والقبول في البيع العقدي فإنَّ المكلّف اذا ما أراد تحقيق البيع العقدي فإنّه مُلزم بالاتيان بالايجاب والقبول .
وبما ذكرناه يتَّضح انّ متعلّق الحكم يشمل قيود الواجب إذ أنّها تنشأ عن الحكم وتكون لازمة التحصيل .
النحو الثاني : موضوع الحكم : وهو ما يكون الحكم مترتّباً عليه ومتأخراً عنه من غير فرق بين كون الموضوع متقرّراً خارجاً وقبل عروض الحكم عليه وبين كونه مفترض الوجود فإنّه في كلا الحالتين يكون الحكم مترتّباً عليه .
ومثاله ما لو قال المولى « لا تشرب الخمر » فإنّ موضوع الحكم في هذه القضية هو الخمر وكذلك المكلّف المخاطب بالمنع عن شرب الخمر ، ولو أردنا أن نطبق الضابطة عليهما لوجدناها منطبقة تماماً حيث أنّ المولى حينما جعل الحرمة على شرب الخمر إفترض وجود الخمر والمكلّف ثم جعل الحرمة على المكلّف والخمر ، غايته أنّ نسبة الحرمة الى المكلّف هي نسبة الزجر الى المزجور ونسبتها الى الخمر نسبة الزجر الى المزجور عنه .
وبتعبير أدق وأشمل لبيان الضابطة : إنَّ كلَّ شيء اُنيطت فعليّة الحكم به فهو موضوع الحكم ، وهذا لا يكون إلاّ في حالة يُؤخذ فيها الموضوع مقدَّر الوجود أي متى ما اتفق وجودُه ترتّبت الفعليّة للحكم .
وبهذا تكون قيود الوجوب مشمولة للموضوع ، فالاستطاعة للحج من قيود الوجوب فهي إذن موضوع الحكم بالوجوب وكذلك البلوغ من قيود الحكم فهو إذن موضوع للحكم .
النحو الثالث : الشرط : وهو روحاً عين الموضوع في القضايا الحمليّه أو قل إنَّ الموضوع في القضايا الحمليّة يؤول الى الشرط فحينما تقول  : أكرم العالم فكأنّك قلت : أكرم الإنسان إذا كان عالماً ، وكيف كان فالموضوع والشرط يشتركان في كون الحكم مترتّباً عليهما ، والاختلاف بين الموضوع ـ في القضايا الحمليّة ـ والشرط ـ في القضايا الشرطيّة ـ إنَّما هو في الصياغة .
النحو الرابع : الغاية : والمراد منها الأَمَد الذي تنتهي معه فعليّة الحكم ، وهي روحاً جزء موضوع الحكم إذ أنَّ القطعة الزمنيّة التي تبدأ مع بدايتها فعليّة الحكم وتنتهي مع نهايتها فعليّة الحكم هي الموضوع الذي افتُرض وجوده ثم رُتِّب عليه الحكم ، والغاية إنما هي الحد الأخير للموضوع الذي رُتّب عليه الحكم .
النحو الخامس : الوصف : وهو القيد المضيّق لدائرة الموضوع فهو يشمل مثل النعت النحوي والحال والتمييز فإنها جميعاً تشترك في كونها مضيّقة لموضوع الحكم ، مثلا : « أكرم الفقير العالم » ، و« أكرم الفقير عالماً  »  ، و« أكرم الفقير الأكثر علماً » ، كلُّها تشترك في أنّها مضيّقة لموضوع الحكم وهو الفقير .
ومع اتِّضاح هذه المقدّمة نرجع إلى ما هو الغرض مِن عقد هذا البحث وهو انَّ القيود المأخوذة في الأحكام في مرحلة المدلول التصوّري هل تكون مرادة في مرحلة المدلول التصديقي الجدّي بحيث تكون تلك القيود المُفادة بالألفاظ دخيلة في الحكم جدّاً وواقعاً أو أنَّ هذه القيود ذُكرتْ لغرض التوضيح أو التمثيل مثلا ، بحيث لا يكون وجودها وعدمها مؤثراً في ترتّب الحكم .
والصحيح أنَّ ما يقتضيه الظهور العرفي والذي عليه أهل المحاورة هو التطابق بين المدلول التصوّري والمدلول الجدّي ، فكلُّ القيود المرتبطة بالحكم في مرحلة الدلالة الوضعية التصوّرية تكون مرادة في مرحلة الدلال التصديقية الثانية ، إذ أنَّ ظاهر حال كل متكلّم أنَّه مُريد لكل ما يُخطـره من معـان بواسطـة الألفاظ الموضوعة لها ، فإذا أخطر المتكلم قيداً لحكم بواسطة اللفظ الموضوع له فإنَّ ظاهر حاله أنَّه مريد وقاصد لجعل ذلك الحكم مرتبطاً بذلك القيد ، مثلا قوله تعالى : ] فتيمّموا صعيداً طيّباً [() ، فإنَّ الحكم بالتيمّم ارتبط بحسب المدلول التصوّري بالصعيد الطيّب فلا يشمل بحسب هذا المدلول غير الصعيد كما لا يشمل الصعيد غير الطيّب ، وإذا كان كذلك بحسب المدلول التصوّري فهو أيضاً كذلك بحسب المدلول الجدّي وذلك لأصالة التطابق بين المدلولين المستفادة من ظهور حال كل متكلّم .
أنَّ ما يقوله ويُخطره من معان فهو يُريده جدّاً وواقعاً ، ومنشأ هذا الظهور هو أنَّ كل عاقل يريد أن يؤدي مقاصده يؤديها عن طريق الوسائل المتعارفة إذ أنَّه قد لا يحقق مقاصده فيما لو استعمل غير الوسائل المتعارفة ، ومن الواضح أنَّ المتكلّم لو لم يكن مريداً لتقييد الحكم بقيد ومع ذلك استعمل القيد لغرض التمثيل أو التوضيح ، فهذا يعني أنَّه أراد التوصل لأغراضه بغير الطريقة المتعارفة إذ أنَّ الطريقة المتعارفة حين إرادة التوضيح أو التمثيل هو إبراز قرينة تدلُّ على ذلك لا أن يأتي بلفظ ويُريد غير معناه
فإنَّ ذلك خلاف ما تبانى عليه العقلاء من تأدية مقاصدهم بالوسائل المتعارفة .
وبما ذكرناه يتّضح المراد من قاعدة إحترازيّة القيود ، وهي أنَّ كل القيود المتحيّث بها الحكم في مرحلة المدلول التصوّري فهي مرادة للمتكلّم بحسب المدلول الجدّي .
وبعبارة اُخرى : إنَّ كلَّ الألفاظ الموضوعة لإفادة تقييد الحكم بقيد فإنَّ مفاداتها مرادة للمتكلّم ، فكما أنّها قيود بحسب مدلولاتها الوضعيّة فكذلك هي قيود واقعاً وبحسب مراد المتكلّم .
ومنشأ هذه القاعدة كما ذكرنا هي ظهور حال كلّ متكلّم أنَّ ما يقوله ويُخطره من معان بواسطة الألفاظ فإنَّه مريد لهذه المعاني في مقام الجدِّ .
وإذا اتَّضح ما ذكرناه يتَّضح أنَّ الحكم المرتبط بهذه القيود لا يشمل الفاقد لها وإلاَّ لما كان القيد قيداً إذ أنَّ طبيعة كل قيد نفي الحكم عن غير المتقيّد به فلو قال المولى مثلا « السائل الخمري نجس » فهذا يعني أنَّ السائل غير المتقيّد بعنوان الخمريّة لا يكون مشمولا للحكم بالنجاسة ، نعم قد تثبت لسائل آخر النجاسبة ولكن بغير هذا الحكم المُفاد بهذا الخطاب ، فشخص الحكم بالنجاسة الثابت للسائل الخمري لا يشمل غير المتقيّد بالخمريّة ، فشأن القيود وإن كان هو نفي الحكم الشخصي عن الموضوعات الغير المتقيّدة بها إلاّ أنَّ ذلك لا يعني أنَّ هذه القيود تنفي ثبوت مثل هذا الحكم لتلك الموضوعات بقيود اُخرى أو ملاكات اُخرى .
وبهذا يتّضح معنى الإحترازيّة في القيود وأنّها تعني المانعيّة من شمول الحكم لغير المتقيّد بتلك القيود إلاّ أنَّ المانعيّة التي تُوجبها القيود هي المانعيّة عن شمول شخص الحكم لغير المتقيّد بتلك القيود .
 

          يـتـبـع 3..

عودة للصفحة الرئيسية