عودة للصفحة الرئيسية

 


يتبع 2... علم الأصول ( الجزء الأول )

 

الفهرس

 

 

 الأدلّة المحرزة





1 ـ الدليل الشرعي
2 ـ الدليل العقلـي



الأدلّة المحرزة

والكلام فيها يقع في نوعين من الأدلّة التي تكشف عن الحكم الشرعي الأعم من الكشف التام أو الكشف الناقص .
والأوّل منها هو : الدليل الشرعي .
والثاني هو : الدليل العقلي .

تقسيم البحث في الأدلّة المحرزة :
قلنا في ما سبق أنّ ضابطة المسألة الاُصولية : هي كل قضية يمكن أن تقع في طريق استنباط كثير من الأحكام الشرعية في مختلف الأبواب الفقهيّة .
وإذا لاحظنا الأدلة الاثباتيّة المحرزة نجد أنّ ضابطة المسألة الاُصولية تنطبق عليها تمام الانطباق وذلك لأنّ الأدلة الاثباتية المحرزة الأعم من القطعية وغير القطعية يمكن أن يُستفاد منها في استنباط كثير من الأحكام الشرعية من مختلف الأبواب الفقهيّة ، فخبر الواحد مثلا وكذلك ظواهر الكتاب العزيز لهما الصلاحية ـ لو تمّت حجّيتهما ـ لإثبات كثير من الأحكام الشرعية المتفرقة في أبواب الفقه .
ولهذا يبحث الاُصولي عن دلالة هذه الأدلة وعن حجّيتها لعظم الفائدة المترتّبة على ذلك في البحث الفقهي .
ومع اتضاح هذه المقدمة نشرع في بيان أقسام الأدلة المحرزة والتي ـ  كما قلنا ـ تكشف عن الأحكام الشرعية ، فنقول :
أنّ الأدلة المحرزة تنقسم باعتبار مقدار كشفها إلى قسمين :
القسم الأوّل : الدليل القطعي ، والذي فرغنا عن حجيته ومثبتيّته للحكم الشرعي بنفسه وبقطع النظر عن الشارع ، نعم قد يُساهم الشارع في إيجاد القطع عن طريق إيجاد مقدّمات شرعية توجب القطع للمطّلع عليها ولكنّ هذا غير الحجية كما هو واضح ، إذ الحجية مترتّبة على تنقّح القطع في مرحلة سابقة والشارع لم يساهم في إيجادها وإنما ساهم في إيجاد القطع الذي هو موضوع الحجية .
القسم الثاني : هو الدليل الظني المُعبَّر عنه بالأمارة ، وهذا النوع من الأدلة لم نفرغ عن حجيّته ومثبتيّته للأحكام الشرعية ، والبحث الاُصولي هو المتكفّل بإثبات حجيّته ، ولابدّ في إثبات حجّيته من قيام دليل قطعي على ذلك وإلاّ للزم التسلسل إذ أنّه إذا لم يقم الدليل القطعي على حجّيته فهذا يعني قيام دليل ظني على حجّيته ، فينسحب الكلام الى ذلك الدليل الظني الآخر ، وانه ما هو الدليل على اعتباره فإن كان الدليل الذي دلَّ عليه ظني أيضاً تسلسل وإن كان قطعياً ثبت المطلوب وهو ان الدليل الظني قد قام الدليل القطعي على دليليّته وحجّيته ، وهذا هو معنى قولهم : انّ كلّما بالعرض يرجع الى ما بالذات ، حيث أنّ الحجّية لو ثبتت للدليل الظني فهي حجية عرضية ليست ناشئة عن مقام الذات للدليل الظني ، فلذلك يمكن أن تعرض وتثبت له الحجية ، ويمكن أن لا تثبت ، فخبر الواحد والقياس كلاهما دليل ظني ولكن الأوّل ثبتت له الحجية والآخر لم تثبت له .
وهذا بخلاف الدليل القطعي فإنَّ الحجية له ناشئة عن مقام الذات للقطع فلذلك لا يمكن التفصيل في حجيّته بأن يقال أن القطع بالتكليف المولوي تارة يكون حجة وتارة يكون غير حجة ، إذن لابدَّ في مقام إثبات الحجية للدليل الظني من قيام دليل قطعي على ذلك .
والمتحصّل مما ذكرناه أنَّ الدليل المحرز باعتبار مرتبة كشفه ينقسم الى قسمين : الأول : الدليل القطعي ، الثاني : الدليل الظني .

تقسيم آخر للأدلة المحرزة :
ويمكن تقسيم الدليل المحرز بكلا قسميه « القطعي والظني » الى تقسيم آخر ، ولكن بلحاظ منشئه وسبب كشفه .
فالدليل المحرز بهذا اللحاظ ينقسم الى قسمين :
القسم الأوّل : الدليل الشرعي : وهو كل دليل دلَّ على حكم شرعي بواسطة الشارع المقدّس ، وذلك مثل النص القرآني ، ومثل ظواهر الكتاب ، فإنَّ النص القرآني وكذلك ظواهر الكتاب يكشفان عن الحكم الشرعي ، ومنشأ تسمية هذا الدليل بالشرعي هو أنَّ هذا النوع من الأدلة جاء بها الشارع المقدّس ، فالقرآن الكريم بنصوصه وظواهره وكذلك السنّة الشريفة سواء ما وصل منها عبْر التواتر أو عن طريق أخبار الثقات كلّها أدلة شرعية باعتبار انتسابها الى الشارع المقدّس .
القسم الثاني : الدليل العقلي : وهو عبارة عن المدركات أو قل القواعد العقلية التي يمكن لها أن تساهم في إثبات حكم شرعي ، مثل قاعدة « أنَّ وجوب الشيء يقتضي وجوب مقدّمته » وقاعدة « أنَّ وجوب الشيء يقتضي حرمة ضدّه » وكذلك قاعدة « الحسن والقبح العقليّين » ، فهذه كلّها مدركات عقلية يمكن لها « لو تمّت » أن تساهم في استنباط حكم شرعي .
وتفصيل الكلام يأتي في بحث الدليل العقلي إلاّ أننا سوف نبيّن ـ  وبشكل إجمالي ـ كيفيّة مساهمة مثل هذه القضايا العقلية في إثبات حكم شرعي ، فنقول :
لو أخذنا مثلا القاعدة العقلية وهي : « أنَّ وجوب الشيء يقتضي وجوب مقدّمته » ، فعندنا في المقام حكمان شرعيّان أحدهما معلوم والآخر مجهول .
أمّا الحكم المعلوم فهو وجوب شيء مثل الحج ، وأمّا الحكم المجهول فهو جوب مقدّمة الحج مثل السفر إذ أنَّ المقدمة بحسب الفرض لم يقم دليل شرعي على وجوبها وإنما الذي قام عليه الدليل الشرعي هو وجوب ذي المقدّمة وهو الحج في المثال . وهنا يأتي دور القاعدة العقلية « ان وجوب شيء يقتضي وجوب مقدّمته » لغرض إثبات الحكم الشرعي وهو وجوب المقدّمة ، وذلك عن طريق إدراك العقل للملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمة ذلك الشيء ، فالمُدرك العقلي صار سبباً وواسطة في إثبات وجوب المقدّمة ، وهذ هو معنى مساهمة العقل في إثبات حكم شرعي . وقلنا أنّه يساهم في إثبات الحكم الشرعي لأنه ليس هو وحده الذي أثبت الوجوب بل مع شيء آخر ، وهذا ما سيأتي توضيحه في محلّه .
والمتحصّل من كل ما ذكرناه : أنَّ الدليل العقلي هو المُدرَك العقلي الذي يقع واسطة في طريق إثبات حكم شرعي .


تقسيم الدليل الشرعي :
عودة الى الدليل الشرعي لغرض تقسيمه وبيان المباحث التي تؤهّله لإثبات الأحكام الشرعيّة .
وقد عرفت مما سبق أنَّ الدليل الشرعي هو الدليل المنتسبة دليليّته الى الشارع المقدّس وذلك في مقابل الدليل العقلي الذي يرجع في دليليّته الى المدركات العقلية .
ومن هنا لابدَّ من معرفة ما ينقسم عليه الدليل الشرعي سواء كان قطعيّاً أو ظنيّاً ، فنقول : أنَّ الدليل الشرعي على قسمين :
القسم الأوّل : وهو ما يكون من قبيل الخطابات الصادرة عن الشارع المقدّس كالقرآن الكريم والأحاديث الواصلة إلينا عن طريق المعصومين (عليهم السلام) ، وهذا ما يُسمَّى بالدليل الشرعي اللفظي .
القسم الثاني : وهو ما يكون من قبيل السِّيَر العقلائيّة الممضاة من الشارع ومن قبيل الروايات الحاكية عن فعل المعصوم (عليه السلام) وتقريره ، وهذا ما يُسمَّى بالدليل الشرعي غير اللفظي .
ومع اتّضاح معنى الدليل الشرعي ، وما ينقسم عليه من أدلّة لفظيّة واُخرى غير لفظية ، نصل الى ما هو العمدة في البحث الاُصولي عن الدليل الشرعي ، وهو : البحث عنه من حيث مفاده ، ومتى يتحقّق خارجاً ، وما هو الدليل على حجّيّته .
وبعبارة اُخرى : يمكن تصنيف المباحث التي تُبحث في الدليل الشرعي إلى ثلاثة مباحث :
المبحث الأول : يتصدَّى لشرح مدلولات الدليل الشرعي وكيفيّة الاستفادة منها ، ولتوضيح ذلك نقول :
أنّه لا يمكن الاستفادة من الدليل الشرعي ما لم نحدّد الضوابط العامّة لمدلولاته ، فالدليل الشرعي قد يثبت لنا أنّه صادر عن الشارع المقدّس وتثبت لنا حجّيته أيضاً ولكن ذلك وحده لا ينفع لإثبات الأحكام الشرعية كالوجوب والحرمة وذلك لأنّه أيُّ جدوى لكلام نُحرز أنه صادر عن الشارع وأنه حجة ولكننا لا نعرف معناه والمراد منه ولذلك يتصدى المبحث الأول لهذه المهمَّة ، فيبحث عن الضوابط العامّة التي توجب فهم الدليل الشرعي ، وقلنا الضوابط العامة للاحتراز عن مدلولات الدليل الشرعي التي لا يُستفاد منها الا في مورد أو موردين فإنّ بحث مثل هذه المدلولات من وظائف الفقه ، أمّا الاُصول فهو يبحث عن الضوابط العامّة والتي هي مطّردة ونافعة في استنباط كثير من الأحكام الشرعيّة ، ومثال هذه الضوابط التي يُبحث عنها في علم الاُصول بحث الأوامر والاطلاق والمفاهيم .
المبحث الثاني : وهو ما يبحث فيه عن صغرى الدليل الشرعي .
وتوضيح ذلك : إنَّ واقع الدليل الشرعي هو النتيجة الحاصلة من قياس منطقي صغراه أنَّ هذا الخطاب أو هذا الإمضاء ثابت عن الشارع وكبراه أنَّ كلَّ ما ثبت عن الشارع فهو حجة ، فتكون النتيجة أنّ هذا الخطاب أو هذا الإمضاء حجّة . وهذه النتيجة هي الدليل الشرعي .
إذن صغرى الدليل الشرعي هي صغرى القياس الذي تكون نتيجته الدليل الشرعي .
مثلا :
* القرآن الكريم صادر عن الشارع * وكلما صدر عن الشارع فهو حجّة * إذن القرآن الكريم حجّة
فنتيجة هذا القياس ـ وهي أنّ القرآن الكريم حجّة ـ هي : الدليل الشرعي . وصغرى هذه النتيجة ـ وهي أنَّ القرآن صادر عن الشارع ـ صغرى الدليل الشرعي ، والبحث هنا يقع عن هذه الصغرى وأنّه متى تثبت هذه الصغرى . فقولنا : انّ القرآن الكريم صادر عن الشارع دعوى تحتاج الى دليل ، والذي يتصدَّى لإثبات هذه الدعوى والاستدلال عليها هو هذا البحث ، وكذلك الكلام في خبر الثقة مثلا ، فقولنا : إنّ خبر الثقة صادر عن المعصوم هو صغرى لقياس نتيجته الدليل الشرعي ، وهذه الصغرى محتاجة الى دليل والذي يتصدّى لإثبات ذلك هو هذا البحث .
وإذا أردنا أن نعمّق هذا البحث أكثر نقول : أنَّ هذه الصغرى هي نتيجة لقياس آخر غير الذي شكلّناه ، صغراه تُبحث في غير هذا العلم وكبراه هي التي تُبحث في هذا المبحث ـ الذي هو المبحث الثاني من مباحث الدليل الشرعي ـ ونتيجته هي التي تقع صغرى في القياس الأول ، مثلا :
* أنَّ هذا الخبر خبر ثقة * وكل خبر ثقة فهو صادر عن المعصوم * إذن هذا الخبر صادر عن المعصوم
تلاحظون أن صغرى هذا القياس تبحث في غير علم الاُصول فإنَّ إثبات أنَّ هذا خبر ثقة من شؤون علم الرجال ولا صلة له بعلم الاُصول .
وتلاحظون أنَّ النتيجة هي الصغرى في القياس الأول ، أمّا الكبرى ـ  وهي أنَّ كل خبر ثقة فهو صادر عن المعصوم (عليهم السلام) ـ فهي التي نبحث عنها هنا إذ أننا نبحث في المقام عن الدليل الذي يدلّ على أنَّ كل خبر ثقة فهو صادر عن المعصوم .
إذن فنحن هنا نبحث عن الكبرى ـ في القياس الثاني ـ التي تُنقّح الصغرى في القياس الأول ، فالبحث في المقام ليس عن معنى وحقيقة الصغرى في الدليل الشرعي بل البحث عن الدليل الذي يدل على ثبوت الصغرى . فلذلك قال المصنّف (رحمه الله) : « أنَّ المبحث الثاني عن ثبوت صغرى الدليل الشرعي » ولم يقل عن نفس صغرى الدليل الشرعي .
والمتحصّل مما تقدّم أنَّ صغرى الدليل الشرعي هي الصغرى التي تقع في قياس نتيجته الدليل الشرعي . والبحث هنا عن اثباتها وما هو الدليل عليها ، فنحن هنا نبحث عن الدليل الذي يدلّ على أنَّ القرآن صادر عن الله عزّوجلّ ، وعن الدليل الذي يدلّ على أنّ خبر الثقة صادر عن المعصوم وهكذا .
ولعلّك تسأل عن موقع المبحث الأول في القياس الأول الذي شكّلناه وما هو الفرق بين موقعه وموقع المبحث الثاني أليس المبحث الأول يُبحث فيه أيضاً عن صغرى الدليل الشرعي ؟
والجواب :
هو أنَّ الذي يبحث عنه في المبحث الأول هو الحدُّ الأصغر لصغرى ذلك القياس .
وبتعبير آخر : أنّ الذي يُبحث عنه في المبحث الأول هو الحد الأصغر الذي يقع موضوعاً في نتيجة هي الدليل الشرعي .
ولتوضيح ذلك نقول : ان المبحث الأول كما قلنا هو ما يبحث فيه عن مدلولات الدليل الشرعي ، وهذا يعني أن المبحث الأول يتكفل ببيان المراد من الخطاب والإمضاء الشرعيّين .
وعليه فلنرجع الى القياس الأوّل الذي شكّلناه لنرى ما هو موقع المبحث الأول من هذا القياس :
* القرآن الكريم صادر عن الشارع * وكلما صدر عن الشارع فهو حجّة * إذن القرآن الكريم حجّة
وإذا تأمّلنا في هذا القياس نعرف أنَّ ما يبحث عنه في المبحث الأول ليس هو صغرى في هذا القياس ولا هو كبرى بل هو الحد الأصغر في صغرى هذا القياس « وهو القرآن الكريم » فنحن في المبحث الأوّل نبحث عن مدلولات القرآن الكريم والذي هو أحد الخطابات الشرعية .
وبتعبير آخر : انما ما يُبحث عنه في المبحث الأول هو الحدُّ الأصغر الواقع موضوعاً في نتيجة هي الدليل الشرعي ، فالنتيجة في هذا القياس هي « القرآن الكريم حجّة » وهي معنىً آخر للدليل الشرعي كما هو واضح  ، وموضوع هذه النتيجة « هو القرآن الكريم » والمبحث الأول يبحث عن القرآن الكريم من حيث مداليله .
والمتحصّل من الفرق بين هذين المبحثين ان المبحث الثاني يبحث عن تمام القضية الواقعة في صغرى هذا القياس ، فهو يبحث عن الدليل على ان القرآن صادر من المولى عزّوجلّ ، واما المبحث الأول فهو يبحث عن موضوع هذه الصغرى وهو القرآن الكريم مثلا من حيث ما يدلّ عليه من مدلولات .
المبحث الثالث : ـ من مباحث الدليل الشرعي ـ هو ما يبحث فيه عن حجية الدليل الشرعي وان الخطابات والامضاءات الصادرة عن الشارع حجة او غير حجة ؟
فنبحث مثلا عن حجية القرآن الكريم بعد الفراغ عن صدوره ، ونبحث عن حجية خبر الثقة بعد الفراغ عن صدوره ، وهكذا .
فالبحث إذن عن كبرى القياس الذي نتيجته الدليل الشرعي ، ولمزيد من التوضيح نرجع الى القياس الأول الذي شكّلناه وهو أن :
* القرآن الكريم صادر عن الشارع * وكلما صدر عن الشارع فهو حجّة * إذن القرآن الكريم حجّة
واذا تأمّلنا في القياس وجدنا أن كبراه هي ما يبحث عنها في المبحث الثالث « وهي كلّما صدر عن الشارع فهو حجّة » ، فنبحث عن هذه القضية من حيث ما هو الدليل عليها اي ما هو الدليل على ان القرآن ـ الذي ثبت صدوره عن الشارع ـ حجة .
ومعنى أننا نبحث عن الدليل على هذه الكبرى هو أننا نشكّل قياساً منطقيّاً آخر تكون هذه الكبرى هي نتيجته ، فنقول مثلا في مقام الاستدلال على هذه الكبرى :
* ان هذا القرآن الكريم صادر عن الشارع *  ومولويّة الشارع تقتضي حجية ما يصدر
عنه * إذن الصادر عن الشارع حجة
وتلاحظون ان هذه النتيجة هي عين الكبرى الواقعة في القياس الأوّل والدليل ، على هذه النتيجة هي الكبرى الواقعية في هذا القياس « الثاني » .
إذن فنحن لا نبحث في المبحث الثالث عن نفس كبرى القياس الأول  ، بل نبحث عن ما هو الدليل على هذه الكبرى ، فنقول مثلا : ان الدليل على حجية الصادر عن الشارع هو حكم العقل بوجوب طاعة المولى ، نعم قد نستدلّ على حجية الصادر عن الشارع بادلة إثباتية اخرى الا انها ترجع روحاً الى ما يحكم به العقل من وجوب طاعة المولى جلّ  وعلا  .
والمتحصَّل من كلّ ما ذكرناه في المباحث الثلاثة هو : ان المبحث الثاني يبحث عن صغرى القياس الأول من حيث ما هو الدليل عليها ، والمبحث الثالث يبحث عن كبرى هذا القياس من حيث ما هو الدليل عليها .
وأما المبحث الأول فهو يبحث عن الحدِّ الأصغر في الصغرى من نفس هذا القياس من حيث دلالته ، وما هو المراد منه ، أو قل ان المبحث الأول يبحث عن موضوع نتيجة هذا القياس اي عن موضوع الدليل الشرعي .
هذا هو روح المباحث الثلاثة وقد اطلنا في بيانها لأن فهم كثير من المطالب الآتية يتوقّف على فهمها .
اذا اتّضح كل ما ذكرناه ، فلنشرع في بيان هذه المباحث الثلاثة إلاّ أنه وقبل بيان هذه المباحث لابدَّ من طرح مجموعة من المطالب لها تأثير على سير البحث في المباحث الثلاثة .

 



المطلب الأول

الأصل عند الشك في الحجّة

والكلام في هذا المطلب يقع في جهتين :

الجهة الاُولى : في بيان المراد من الأصل عند الشك في الحجية .
الجهة الثانية : في بيان ما هو الأصل عند الشك في الحجية ، هل هي
الحجية أو عدم الحجية ؟
الجهة الاُولى : ـ والتي هي في بيان المراد من الأصل عند الشك في الحجية ـ تحتاج الى بيان أمرين :
الأول : هو بيان المراد من الأصل .
الثاني : هو بيان المراد من الشك في الحجية .
ونبدأ بالأمر الثاني ـ والذي هو : بيان المراد من الشك في الحجية لتوقف فهم الأول عليه ـ فنقول : ان المراد من الشك في الحجية هو عدم إحراز ثبوت المنجزية والمعذرية لدليل ظني من الأدلة ، مثلا الشهرة الفتوائية لو بحثنا عن دليلها فلم نجد لها دليلا يُثبت لها الحجية ـ المنجزية والمعذرية ـ .
وبعبارة اُخرى : لو بحثنا عن الدليل على الشهرة الفتوائية فلم نعثر على دليل لها يثبت على أنها صالحة للكشف عن حكم شرعي أو نفي حكم شرعي ، ففي مثل هذه الحالة نشك في حجية الشهرة الفتوائية إذ ليس عندنا ما يثبت الحجية كما أنه لا نجزم بعدم حجيتها وصلاحيتها للكشف عن الحكم الشرعي ، فنحن إذن نشك في ثبوت الحجية للشهرة وعدم ثبوتها ، وهذا هو معنى الشك في الحجية .
وأمّا الأمر الأول : ـ الذي هو بيان المراد من الأصل ـ فتوضيحه ان المقصود من الأصل في المقام هو المرجع الذي نستند إليه في موارد الشك في الحجية ، ففي المثال السابق حينما شككنا في حجية الشهرة الفتوائية ولم نعثر على دليل يُثبت لها الحجية أو عدم الحجية ، نحتاج للبحث عن ما هو المرجع في مثل هذه الحالة ، وهل المرجع هو تنجّز الشهرة الفتوائية ولزوم العمل بمقتضاها ، او ان المرجع هو عدم تنجّز الشهرة وعدم لزوم العمل بمفادها ، وبالتالي لابدَّ من الرجوع الى الاُصول العملية الجارية في المقام ، وهذا يعني عدم الالتفات الى الشهرة الفتوائية وتنزيلها منزلة العدم .
إذن لو كان الأصل عند الشك في الحجية يقتضي الحجية ، فهذا يعني ان الشهرة الفتوائية ـ المشكوك في حجّيتها ـ حجة اي مرجع ومستند لإثبات مفادها ، فلو كان مفادها الحرمة فيجب الالتزام بالحرمة وعدم الرجوع الى أصالة البراءة العقلية ـ بناءً على جريانها في موارد الشك ـ ولو كان مفادها الاباحة فيمكننا الالتزام بالاباحة وتجاوز الاحتياط العقلي ـ بناءً على جريانه في موارد الشك ـ .
أما لو كان الأصل عند الشك في الحجة يقتضي عدم الحجية ، فهذا يعني ان الشهرة الفتوائية المشكوك في حجيتها ليست حجة وليست مرجعاً لاثبات مفادها ، بل ان المرجع حينئذ هي الاُصول العملية الجارية في موارد الشك .
وباتّضاح هذين الأمرين تتّضح الجهة الاُولى من هذا المطلب وهي أنه ما المراد من الأصل عند الشك في الحجية .
الجهة الثانية : في بيان ما هو الأصل عند الشك في الحجية ، هل هو الحجية أو عدم الحجية ؟
وقبل بيان ذلك لابدّ من تحرير محل النزاع ، فنقول : ان الادلّة ـ الأعم من الشرعية والعقلية ـ تتصوّر على أربعة أنحاء :
النحو الأول : ما نقطع بحجيته ، اي ما نحرز بأنه طريق لاثبات الأحكام الشرعية ، وذلك مثل القرآن الكريم والسنة المتواترة والأحكام العقلية القطعية كالحسن والقبح العقليّين .
وهذا النحو من الأدلة خارج من محلّ النزاع لأن محلّ النزاع هو الشك في الحجية وهنا نقطع بالحجية .
الثاني : ما نقطع بعدم حجيّته وعدم طريقيته لاثبات الأحكام الشرعية ، وذلك مثل خبر الكذّاب والنصوص الشرعية المجملة والقياس الحنيفي والاستحسان والمصالح المرسلة وسدّ الذرايع .
وهذا النحو من الأدلة خارج ايضاً عن محلّ النزاع ، وذلك للقطع بعدم الحجية ومورد الكلام هو الشك في الحجية .
الثالث : ما نشك في حجّيته وصلاحيّته للكشف عن الأحكام الشرعية ، إلا إننا وجدنا في مقام البحث ما يدل على حجيّته ، وذلك مثل خبر الثقة وظواهر الكتاب ، فاننا وان كنّا بدواً نشكّ في حجّيتها إلا أننا وجدنا ما يدلُّ على حجّيتهما ، وهذا النحو من الأدلة خارج ايضاً عن محلّ النزاع ، اذ محلّ النزاع هو الشك في الحجية استمراراً وهذا النحو من الأدلة وان كنّا نشك في حجّيتها إبتداء ولكن هذا الشك قد زال بواسطة قيام الدليل القطعي على حجّيتها .
الرابع : ما نشك في حجّيته وصلاحيته للكشف عن الأحكام الشرعية ولم نعثر على دليل قطعي يثبت له الحجية أو ينفيها ويمكن التمثيل لذلك بالشهرة الفتوائية ، وبقول اللغوي وبالاجماع المنقول ; وهذا النحو من الأدلة هو محلُّ النزاع في المقام .
ومع اتضاح محلِّ النزاع نقول : ان الصحيح هو عدم الحجية في موارد الشك في الحجية ، فإذا شككنا في حجية دليل من الأدلّة ولم نعثر على ما يثبت الحجية له أو ينفيها عنها لابدَّ من البناء عملا على عدم الحجية وعدم ترتيب اي أثر على مفاد هذا الدليل المشكوك الحجية ، فكأنّ هذا الدليل في حيِّز العدم ، فكما أننا لو قطعنا بعدم حجية دليل من الأدلة لم نرتّب أي أثر على ذلك الدليل ، فكذلك الكلام في موارد الشك في حجية دليل من الأدلة  ، وهذا هو معنى قول الاُصوليّين ان الشك في الحجية يساوق القطع بعدم الحجية ، فان المراد من مساوقة الشك في الحجية للقطع بعدمها هو إتحاد الشك في الحجية مع القطع بعدمها في النتيجة ، فكما أننا في موارد القطع بعدم الحجية لا نرتّب اي أثر على الدليل المقطوع بعدم حجيّته كذلك يجب أن يكون موقفنا في موارد الشك في الحجية .
ومن هنا فالمرجع في موارد الشك في الحجية هو الاُصول الجارية في كل مورد بحسبه .
ويمكن الاستدلال على هذه الدعوى ـ وهي ان الأصل في الحجية هو عدم الحجية ، وان المرجع في مثل هذا المورد هو الاُصول العملية ـ بهذا الدليل وهو : أنه لا سبيل لرفع اليد عن الاُصول العملية الجارية في موارد الشك في الحجية بعد قيام الدليل القطعي على منجّزيتها ومعذّريتها ، وبعد ان لم يكن هذا الدليل المشكوك الحجية صالحاً لنفي موضوع الأصل العملي الجاري في مورد الدليل المشكوك .
ولمزيد من التوضيح نقول : إن الدليل المشكوك الحجية لا يخلو عن إحدى حالتين إما أن يكون مثبتاً لتكليف أو نافياً لتكليف .
أما الحالة الاُولى : وهي ما إذا كان مفيداً لحكم لزامي كأن يكون مفاده حرمة العصير التمري ، ففي هذه الحالة يكون الأصل العملي الجاري في المقام هو أصالة الحِل ، ولا مبرّر لرفع اليد عن هذا الأصل بعد قيام الدليل القطعي على معذّريته ، إذ ان الدليل المشكوك الحجية لا يرفع موضوع أصالة الحِل ـ وهو الشك ـ إذ أننا بالوجدان نجد ان الشك باقياً على حاله دون ان يؤثر هذا الدليل المشكوك الحجية لرفع الشك ، ومع بقاء موضوع أصالة الحِل تكون هي المرجع في المقام .
وأمّا الحالة الثانية : وهي ما اذا كان الدليل المشكوك الحجية نافياً للتكليف ، كأن يكون مفاده عدم وجوب صلاة الجمعة ، فهنا يكون الأصل الجاري ـ بناءً على مسلك حق الطاعة ـ هو الاحتياط العقلي وهو أيضاً قام الدليل القطعي على حجيّته فلا يمكن رفع اليد عن منجزيّته بالدليل المشكوك الحجية وذلك لعدم صلاحيته لرفع موضوع الاحتياط العقلي الذي هو الظن والاحتمال بالتكليف ، إذ أننا بالوجدان نجد ان الظن أو الاحتمال باقيين على حالهما دون ان يؤثر هذا الدليل المشكوك الحجية لرفع الظن أو الاحتمال بالتكليف ، ومع بقاء موضوع الاحتياط العقلي يكون هو المرجع في مثل المقام .
هذا تمام الكلام في هذا المطلب ، ومنه إتّضح ان الشك في الحجية هو عدم الحجية ، والمرجع في مثل هذه الحالة هو الأصل العملي الجاري في كلّ مورد بحسبه .

 

المطلب الثاني

مقدار ما يثبت بالأدلّة المحرزة

ومن أجل أن يتّضح هذا المطلب لابدّ من بيان مقدّمة .
كلّ دليل سواء كان قطعيّاً أو غير قطعي ، وسواء كان محرزاً أو أصلا عمليّاً يمكن أن يكون له مدلول إلتزامي اضافةً الى مدلوله المطابقي ، ولكي تتّضح هذه الدعوى نذكر مثالا يناسب الدليل المحرز بكلا قسميه : القطعي ، وغير القطعي ; ومثالا يناسب الأدلّة العملية المعبّر عنها بالاُصول العمليّة .
أما ما يناسب الدليل المحرز ، فمثاله : لو أخبر مخبر عن غرق زيد فان هذا الخبر له مدلولان :
الأوّل : هو أن زيداَ قد غرق في الماء ، وهذا ما يسمّى بالمدلول المطابقي  .
الثاني : أن زيداً قد مات ، وهذا هو المدلول الالتزامي للخبر ، إذ ان الخبر وبحسب المدلول اللغوي لألفاظه لا يدل على أكثر من غرق زيد في الماء ، نعم ثبوت غرق زيد ـ وبواسطة مقدمة خارجية وهي ان الغرق موجب للموت ـ قد دلَّ على موت زيد .
إذن ثبوت موت زيد نشأ عن مقدمتين الاولى إخبار المخبر بغرقه والثانية هي العلم الخارجي بان الغرق من موجبات الموت .
وأما ما يناسب الأصل العملي ، فنذكر له مثالا في الاستصحاب ، فنقول : لو كنّا على يقين سابق بحياة زيد ثم شككنا في بقائه على قيد الحياة فان مقتضى الاستصحاب هو أنّ زيداً لا زال حيّاً ، وهذا هو المدلول المطابقي للاستصحاب ، وللاستصحاب مدلول آخر وهو « أن زيداً يأكل ويشرب » وهذا هو المدلول الالتزامي للاستصحاب وهو لا يقتضيه الاستصحاب بنفسه إذ ان الاستصحاب لا يعني أكثر من إسراء الحالة السابقة المتيقّنة الى ظرف الشك ، ومن الواضح أن كون زيد يأكل ويشرب الآن ليس مستفاداً من حاق المستصحَب « حياة زيد » ، نعم هو مستفاد من الاستصحاب باعتبار أنه صار واسطةً في اثبات موضوع الملازمة ، فالاستصحاب أثبت حياة زيد فترتّب اللازم من حياة زيد وهو أنه يأكل ويشرب .
وبعد إتّضاح هذه المقدّمة ، يقع البحث حول الدلالة الالتزاميّة من حيث ثبوت الحجية بالإضافة إلى المدلول المطابقي وعدم ثبوت الحجيّة ، وهل أنه كلّما ثبتت الحجية لدليل فانها تثبت لكلا مدلوليه المطابقي والالتزامي أوْ لا ؟
ويمكن تصنيف البحث الى موارد أربعة نذكرها تباعاً :
المورد الأول : ما إذا كان الدليل من قبيل الأدلة المحرزة القطعيّة ، كما لو قام الدليل القطعي على غرق زيد في الماء وفي مثل هذا المورد لا اشكال فيى ثبوت الحجية لكلا مدلوليه المطابقي والالتزامي ، وذلك لأن القطع بالمدلول المطابقي قطع بالمدلول الالتزامي ، ولذلك قالوا « ان العلم بشيء علم بلوازمه » .
إذن المنشأ لثبوت الحجيّة للمدلول الالتزامي هو العلم بالملازمة ، إذ هو الذي يؤدّي إلى العلم باللازم بعد العلم بتحقّق الملزوم ـ وهو المدلول المطابقي ـ وفي المثال المذكور يكون القطع بغرق زيد قطع بموته ، ولذا يمكن ترتيب جميع الآثار المترتّبة على موت زيد كإعتداد زوجته وتقسيم تركته .
المورد الثاني : ما اذا كان الدليل من قبيل الأدلة المحرزة الظنية ، والذي قام الدليل القطعي على حجيته بكلا مدلوليه المطابقي والالتزامي بأن كان موضوع الحجية الثابت لهذا الدليل هو كلا المدلولين ، فهنا لا اشكال أيضاً فيى ثبوت الحجية للمدلول الالتزامي وذلك لأنه وقع موضوعاً للحجية بمعنى ان الدليل المثبت للحجية قد اثبتها لكلا المدلولين على حدٍّ سواء .
ومثال ذلك : خبر الثقة لو استظهرنا من الأدلة التي دلّت على حجيّته أنها في مقام إثبات الحجية لكلا مدلولي الخبر المطابقي والالتزامي فإن خبر الثقة في مثل هذه الحالة يكون حجة في المدلول الالتزامي كما هو حجة في المطابقي ، فلو أخبر الثقة بغرق زيد فان هذا الخبر يكون حجة في إثبات موت زيد .
المورد الثالث : لو كان الدليل من الأدلة المحرزة الظنية إلا ان الدليل الذي دل على حجيّته دل على حجية المدلول المطابقي دون أن تكون له دلالة على حجية المدلول الالتزامي .
ومثال ذلك : الإجماع ، فإن الدليل الذي دل على حجيّته لم يدل على أكثر من حجية معقد الاجماع ـ والذي هو المدلول المطابقي ـ فلا يكون المدلول الالتزامي لمعقد الاجماع مشمولا لدليل الحجية ، فلو قام الاجماع مثلا على وجوب صلاة الجمعة فإن وجوب صلاة الجمعة هي معقد الاجماع الا أنّ لذلك مدلول إلتزامي وهو عدم وجوب صلاة الظهر في يوم الجمعة ، وهذا المدلول الالتزامي خارج عن موضوع الحجية ، اذ ان موضوع الحجية ـ كما قلنا ـ هو معقد الاجماع ـ والذي هو في المثال وجوب صلاة الجمعة ـ .
ومن هنا قد يقال بعدم حجية المدلول الالتزامي ، فلو كان له آثار فانها لا تترتّب وذلك لان موضوع الحجية ليس شاملا لها ، نعم من الممكن ثبوتاً ان تكون الحجية شاملةً للمدلول الالتزامي ، ولكنّ ذلك لا ينفع لاثبات الحجية له إذ أن إمكان ثبوت الحجية له لا يسوِّغ الاعتماد عليه ما لم يقم دليل إثباتي على الحجية ، وفرض الكلام عدم شمول الحجية للمدلول الالتزامي ، وكوننا نعلم ان ثبوت المدلول المطابقي يلازم خارجاً ثبوت المدلول الالتزامي لا يسوِّغ أيضاً ثبوت الحجية للمدلول الالتزامي ، وذلك لأن فرض الكلام ان الدليل المحرز دليل ظني يفتقر في ثبوت الحجية له الى التعبّد الشرعي ، ومن الممكن جداً أن يتعبّدنا الشارع بحجية المدلول المطابقي دون ان يتعبّدنا بحجية المدلول الالتزامي ، فيقول مثلا : ان الزوج اذا كان مفقوداً ولم يُعرف له خبر فإنه قد مات تعبداً ولكن مع ذلك لا تنفصل عنه زوجته إلا بطلاق الحاكم الشرعي في حين ان موت الزوج يلازم شرعاً عدم الحاجة الى الطلاق .
ومن هنا ذهب السيد الخوئي (رحمه الله) الى عدم حجية المدلول الالتزامي في هذا المورد ، وفي مقابل هذا القول ذهب المشهور الى حجيّته وأنه لا فرق في الحجيّة بين المدلول المطابقي والمدلول الالتزامي الا اذا كان المدلول المطابقي من قبيل الأدلّة الظنية المحرزة « الامارة » ، ولذلك قالوا « ان مثبتات الامارة مطلقاً حجة » أي أن المدلولات الالتزامي للامارة مطلقاً تكون حجة وهذا هو الصحيح بنظر المصنّف (رحمه الله) ، واستدلّ على ذلك بما ذكره في بحث الامارات والاُصول .
وحاصل ما ذكره هناك ان الدليل الظني المحرز ـ الذي قام الدليل القطعي على حجّيته ـ هو ما كان منشأ جعله الكاشفيّه عن متعلّقه وليس له منشأ وسبب غير كاشفيّته عن متعلّقه وبالتالي تكون حجية هذا الدليل ثابتةً لكل ما كشف عنه هذا الدليل ، ومن الواضح ان كاشفية الدليل الظني المحرز على المدلول الالتزامي بمستوى كاشفيّته عن المدلول المطابقي ، فلا مبرّر للتفريق بينهما من حيث الحجية إذ ان الحجية ثابتة لكل ما كشف عنه الدليل .
ويمكن صياغة الدليل بشكل آخر ، بأن يقال : أننا فرغنا في بحث سابق عن أن السبب الوحيد في جعل الحجية للامارة هو أن الامارة كاشفةٌ عن مفادها وليس للمولى أي ملاحظة لنوع الحكم الذي تكشف عنه الامارة بل أن نظره مقتصرٌ ـ في مقام جعل الحجية للامارة ـ على ما للأمارة من كاشفيّة عن الواقع .
ومن هنا يمكن ان نستظهر ان المولى حينما جعل الحجية للامارة جعلها لكل ما تكشف عنه الامارة فلمّا كانت تكشف عن المدلول المطابقي والمدلول الالتزامي معاً فهذا يعني ان المولى قد جعل الحجية لكلا المدلولين إذ ان كلا منهما قد كشفت عنه الامارة ، وبهذا يتّضح منشأ ذهاب المشهور إلى حجية المدلولات الالتزامية لمطلق الامارات .
المورد الرابع : ما إذا كان الدليل من قبيل الأدلة العملية المقرّرة لوظيفة المكلَّف في ظرف الشك في الحكم الواقعي . وهنا ذهب المشهور الى عدم حجية مدلولاتها الالتزامية ، فلذلك إشتهر عنهم « ان مثبتات الاُصول ليست بحجة » ويمكن ان نمثل لذلك بقاعدة الفراغ المثبتة لصحة العبادة في ظرف الشك في الصحة إذا كان الشك قد وقع بعد الفراغ عن العبادة ، فان هذه القاعدة لا تقتضي أكثر من الحكم بصحة الصلاة مثلا المفروغ عنها إذ أن هذا هو مدلولها المطابقي ولقاعدة الفراغ في بعض الموارد مدلول إلتزامي فلو فرغ المكلف من الصلاة ثم شك في صحتها من جهة أنه هل كان متطهّراً عندما دخل في الصلاة أم لا ؟ فإن مقتضى قاعدة الفراغ هو الحكم بصحّة هذه الصلاة ، وهذا هو مدلول القاعدة المطابقي وللحكم بصحة الصلاة مدلول إلتزامي وهو أنه كان على طهارة حين دخل الصلاة الاّ ان هذا المدلول الالتزامي غير حجة ، فلو أراد الدخول في صلاة اُخرى فانه ملزم بالاتيان بوضوء جديد لها ولا تكون قاعدة الفراغ التي أجراها لغرض تصحيح الصلاة صالحة لاثبات طهارته الحديثة .
ويمكن الاستدلال على ذلك بأن المجعول في الاُصول العملية هو الجري العملي على طبق الأصل إذ أنَّ الملحوظ حين جعل الحجية للأصل هو نوع الحكم المشكوك وأهميته بنظر المولى دون أن يكون للمولى ملاحظة لكاشفية الأصل حتى لمدلوله المطابقي فضلا عن الإلتزامي إذ أنَّ الأصل لا يكشف عن أن مؤدّاه هو الواقع ، وقد تكون للمولى ـ كما في موارد الاُصول المحرزة ـ ملاحظة لكاشفية الأصل عن الواقع إلاّ أنَّ الكاشفية ليست هي الملاك التام في جعل الحجية للأصل بل أنَّ الملاك هو الكاشفية مع ملاحظة نوع الحكم المشكوك وأهميّته بنظر المولى وقد أوضحنا كل ذلك في بحث الأمارات والاُصول .
وبهذا البيان يتّضح ما هو المنشأ لمبنى المشهور في عدم حجية المدلولات الالتزامية للاُصول ، إذ أنه لمّا كانت الحجية مجعولة على الأصل العملي بوصف كونه وظيفة مقررة في ظرف الشك واهتمام المولى بهذه الوظيفة واهميتها على سائر الوظائف دون أن يكون المنشأ لجعل هذه الوظيفة هو كاشفية الوظيفة العملية عن الواقع ، فإنه لا يمكن في مثل هذه الحالة تعدية الحجية الثابتة للوظيفة العملية لمدلولاتها الإلتزامية إذ أنّه من أين لنا العلم أن الشارع جعل الحجية للمدلول الإلتزامي بالاضافة الى المدلول المطابقي ، وهل هذا إلاّ « مِن حلب الدم » والتخرّص على المولى جلّ وعلا بغير علم ، نعم لو كان دليل جعل الحجية صادقاً عرفاً على كلا المدلولين لكان ذلك مسوغاً للتمسّك بالمدلول الالتزامي كما هو الحال في بعض المدلولات الالتزامية للاستصحاب والبحث في محلّه ، وسيأتي مزيد توضيح في بحث الاُصول العمليّة إن شاء الله تعالى .
وبهذا البيان إتّضح عدم حجية المدلولات الإلتزامية للاُصول العملية  .
والمتحصّل من كل ما ذكرناه في الموارد الأربعة أنَّ الموردين الأول والثاني تكون فيهما المدلولات الالتزاميّة حجة ، وفي المورد الثالث وقع الخلاف وذهب المشهور الى الحجيّة ، وأمّا المورد الرابع فلا إشكال في عدم الحجيّة .
 


المطلب الثالث

تبعيّة الدلالة الإلتزاميّة للمطابقيّة

لمّا أن فرغنا في البحث السابق عن حجية المدلول الالتزامي وانه لا فرق بين المدلول المطابقي والمدلول الالتزامي من حيث ثبوت الحجية لهما ، يقع البحث عن مطلب له صلة بالبحث السابق ، وهو : ان المدلول المطابقي لو سقط عن الحجية لسبب ما فهل يسقط المدلول الالتزامي تبعاً لسقوطه أم لا ؟
ومن الواضح أن هذا البحث يعتمد على القول بالحجيّة للمدلول الالتزامي ، أمّا لو بنينا على عدم حجيّته ، فلا يأتي هذا البحث ، إذ ان البحث هنا عن سقوط الحجية للمدلول الالتزامي لو اتفق سقوطها عن المدلول المطابقي وسقوط الحجية فرع ثبوتها في مرحلة سابقة ، ولهذا لا يقع البحث عن المدلولات الالتزامية للاُصول العملية هنا ، إذ انه لم تثبت الحجية لها ، فالكلام في المقام خاص بالأدلّة المحرزة .
وقبل الشروع في بيان المطلب لا بأس بذكر مقدّمة لها صلّه بفهمه نبيّن فيها ما ينقسم عليه المدلول الالتزامي ، فنقول :
إن المدلول الالتزامي أما ان يكون مساوياً للمدلول المطابقي ، واما ان يكون أخص منه ، أو يكون اعم منه .
أما ما كان منه مساوياً للمدلول المطابقي فهو ما كان معلولا أو لازماً أو علةً يفترض إنحصارهم للمدلول المطابقي ، ومثاله : الإخبار عن « أن زيداً يرى » فإن لازمه أنّ لزيد عيناً يبصر بها ، إذ ان الرؤية معلول منحصر بامتلاك الرائي عيناً يبصر بها .
واما ما كان منه أخص من المدلول المطابقي فهو ما كان معلولا أو لازماً مع كون المدلول المطابقي علة للوازم اُخرى ، فمثاله : الأخبار عن موت زيد فإن لازمه توقف نفَس زيد ، وهذا اللازم أخص من المدلول المطابقي إذ أن لموت زيد مدلولات التزامية اُخرى بالاضافة الى توقف نفَسه وهي مثلا توقف قلبه عن النبض وامتناع الكلام والأكل والشرب والحركة والإراديّة عليه وهكذا .
واما ما كان منه أعم فهو ما كان معلولا أو لازماً مع إمكان ان يكون هذا اللازم ناشئاً عن ملزوم أو علة اُخرى ، ومثاله : الأخبار عن غرق زيد في الماء ، فان لازمه موت زيد ، وهذا اللازم اعم من المدلول المطابقي إذ ان الغرق ليس هو الموجب الوحيد للموت بل قد يحدث الموت بموجب آخر غير الغرق مثل الاحتراق أو السقوط من شاهق وهكذا .
والمتحصّل من هذه الأقسام ان اللازم قد يكون منحصراً بالمدلول المطابقي ويكون المدلول المطابقي منحصراً به أيضاً ، وهذا هو اللازم المساوي وقد يكون اللازم منحصراً بالمدلول المطابقي دون أن يكون المدلول المطابقي منحصراً به حيث يكون للمدلول المطابقي لوازم اُخرى ، وهذا هو اللازم الأخص .
وقد يكون اللازم غير منحصر بالمدلول المطابقي إذْ قد ينشأ عن هذا المدلول المطابقي وقد ينشأ عن غيره ، وهذا هو اللازم الأعم .
إذا إتضح ما بيّناه من اقسام المدلول الالتزامي يصل بنا الكلام الى الحديث حول تبعيّة هذه الأقسام للمدلول المطابقي من حيث السقوط بعد أن تكلّمنا عن تبعيّتها له من حيث ثبوت الحجية ، ويقع الحديث عن هذه الأقسام تباعاً .
القسم الأول : وهو ما كان المدلول الالتزامي مساوياً للمدلول المطابقي ، وهنا لابدّ من سقوط المدلول الالتزامي عن الحجية لو اتفق لنا العلم بسقوط المدلول المطابقي عن الحجية ، وذلك لأن المدلول الالتزامي منحصر ثبوته بتحقق المدلول المطابقي ، فمع إنتفائه لا شيء يوجب بقاء أو تحقق المدلول الالتزامي بعد إفتراض ان تحققه منحصرٌ بتحقق المدلول المطابقي ، فيكون العلم بسقوطه علماً بسقوط المدلول الالتزامي .
فلو أخبر مخبر عن ان زيداً يرى ، فهذا ـ كما قلنا ـ يلازم امتلاك زيد لعين باصرة ، فحين العلم باشتباه المخبر أو كذبه يسقط المدلول المطابقي عن الحجية وبتبعه يسقط المدلول الالتزامي عن الحجية ، وذلك لأن العلم بسقوط الأول يوجب العلم بسقوط الثاني ، لافتراض إنحصار وجود الثاني بتحقق الاول فلا يكون هناك موجب للمدلول الالتزامي بعد إفتراض عدم المدلول المطابقي .
القسم الثاني : وهو ما إذا كان المدلول الالتزامي أخص من المدلول المطابقي فهنا أيضاً لابدَّ من سقوط المدلول الالتزامي عن الحجية اذا سقط المدلول المطابقي عن الحجية ، وذلك لعين ما ذكرناه في القسم الأول ، إذ انهما يشتركان في كون اللازم منحصراً بالمدلول المطابقي ، بمعنى أنه لا موجب للمدلول الالتزامي غير هذا المدلول المطابقي ، نعم هما يفترقان من حيث ان القسم الأول يكون فيه المدلول المطابقي منحصراً باللازم كما ان اللازم منحصراً به ، وهذا بخلاف القسم الثاني فهو وان كان اللازم فيه منحصراً بالمدلول المطابقي بحيث لا يوجد عن غيره الا ان المدلول المطابقي غير منحصر باللازم فهو يُوجِد اللازم ويُوجِد غيره من اللوازم الاخرى ، إلا ان هذا الفرق لا يؤثر في النتيجة بعد افتراض كون اللازم منحصراً في كلا القسمين ، وانحصار اللازم بالمدلول المطابقي هو الذي يوجب العلم بسقوط اللازم عند سقوط المدلول المطابقي وهذا هو المبرّر للقول بتبعيّة المدلول الالتزامي للمدلول المطابقي في السقوط في كلا القسمين .
ولعلّ هذا هو السبب الذي جعل المصنّف (رحمه الله) يُهمل هذا القسم أو ان المنشأ هو أن الاُصوليّين يعتبرون القسمين من واد واحد كما لعلَّه هو المستفاد من إهمالهم لهذا القسم .
القسم الثالث : وهو ما اذا كان المدلول الالتزامي أعم من المدلول المطابقي ، وهذا القسم هو الذي وقع فيه الكلام بين الاعلام رضوان الله عليهم حيث ذهب المشهور الى التبعيّه في السقوط عن الحجية ، وذهب آخرون الى عدم التبعيّة في السقوط وان سقوط المدلول المطابقي عن الحجية لا يقتضي سقوط المدلول الالتزامي عن الحجية بل ان الحجية تبقى ثابتة ما لم يقم دليل على سقوطها بالخصوص .
ولنرجع الى المثال الذي ذكرناه في بيان الأقسام ، وهو أنه لو أخبر مخبر بغرق زيد فإن لازمه موت زيد ، وبهذا الخبر ثبتت الحجية لكلا المدلولين ، انما الكلام لو سقطت الحجية عن المدلول المطابقي لهذا الخبر كأن علمنا بأن المخبر قد كذب علينا أو انه كان مشتبهاً فيما أخبر به من غرق زيد فهل ان العلم بكذب المخبر أو اشتباهه فيما أخبر موجب لسقوط مدلول هذا الخبر الالتزامي تبعاً لسقوط المدلول المطابقي أو لا ؟
والفارق بين هذا اللازم اي الأعم وبين اللازم المساوي والأخص هو أنه لا يبقى أي احتمال لوجود المدلول الالتزامي في ظرف العلم بسقوط المدلول المطابقي ، وهذا بخلاف اللازم الأعم ، فان إحتمال بقائه في ظرف العلم بسقوط مدلوله المطابقي موجود .
وبعبارة اُخرى : ان العلم بانتفاء المدلول المطابقي وعدم وجوده لا يلازم العلم بانتفاء المدلول الالتزامي وعدم وجوده ، فالعلم بكذب الخبر وان كان يوجب عدم ثبوت الغرق لزيد الا انه لا يوجب العلم بعدم موت زيد ، إذ لعلّه قد مات بموجب آخر كالاحتراق او السقوط من شاهق ، فايُّ موجب لسقوط الحجية عن اللازم الاعم بعد افتراض ثبوت الحجية له في مرحلة سابقة وبعد ان كان العلم بسقوط المدلول المطابقي عن الحجية لا يوجب العلم بسقوطه وهذا هو السبب الذي اعتمد عليه بعض الأعلام في مقام الاستدلال على عدم التبعيّة .
وفي مقابل هذا القول ذهب آخرون ومنهم المصنّف (رحمه الله) الى القول بالتبعيّة في السقوط وانه كلما سقط المدلول المطابقي عن الحجية سقط بتبعه المدلول الالتزامي . وقد ذكر المصنّف في مقام الاستدلال على هذه الدعوى دليلين ردَّ أحدهما ولم يعلِّق على الآخر .
الدليل الأول : هو أنَّه لمَّا كان المدلول الإلتزامي تابعاً في وجوده للمدلول المطابقي فهذا يقتضي ان تكون حجيّته تابعة أيضاً للمدلول المطابقي  ، فمتى ما ثبتت الحجية للمدلول المطابقي ثبتت للمدلول الإلتزامي ، ومتى ما سقطت الحجية عن المدلول المطابقي فإنها تسقط عن المدلول الالتزامي .
وبعبارة اُخرى لمّا كان اللازم الأعم ـ وهو موت زيد في المثال ـ متفرّعاً في وجوده على غرق زيد فهذا يقتضي سقوط هذا اللازم عن الحجية عندما نعلم بسقوط الخبر وهو غرق زيد عن الحجية .
والجواب على هذا الدليل : أنه لم تتّضح الملازمة بين التبعيّة في مقام الوجود والتبعية في مقام الحجيّة إذ أنّ من المحتمل جداً أن تكون الحجية لكل منهما ثابتة بجعل مستقل بحيث يكون موضوع الحجية لكل واحد منهما يغاير موضوع الحجية للآخر وذلك بأن يكون الملاك في جعل الحجية للمدلول المطابقي هو كاشفيّته عن واقع متعلّقه ، وكذلك يكون هناك ملاك مستقل لجعل الحجية للمدلول الإلتزامي وهو كاشفيّته عن واقع آخر ـ وهو متعلّقه الخاص به ـ .
ولنذكر لذلك مثالا لتوضيح الجواب ولرفع الاستيحاش عن المبنى القائل بعدم التبعيّة ، وهو : أنّه لو أخبر الثقة بوجوب صلاة الجمعة فإنَّ لهذا الخبر مدلولان ، الأول : منهما مطابقي وهو وجوب الجمعة ، والثاني : إلتزامي وهو عدم استحباب صلاة الجمعة وهذا اللازم أعم لأنّه قد ينشأ عن مدلول مطابقي آخر ، فلو افترضنا أن هذا المخبر أو غيره من الثقات أخبر بحرمة صلاة الجمعة ، فهنا يتعارض الخبران وبالتالي تسقط دلالتهما المطابقيّة عن الحجية إلاّ أنَّ لهذين الخبرين مدلول إلتزامي وهو عدم استحباب صلاة الجمعة ، فهنا نقول : ان هذا المدلول الإلتزامي وإن كان ناشئاً عن المدلول المطابقي لكلا الخبرين إلاّ أنّ ذلك لا يقتضي سقوطه عن الحجيّة بعد سقوط المدلول المطابقي للخبرين ـ بسبب التعارض ـ إذ أنّه من الممكن جداً أن تكون الحجية المجعولة للمدلول الإلتزامي مستقلة عن الحجية المجعولة للمدلول المطابقي لكلا الخبرين بحيث يكون الملاك في جعل الحجية للمدلول الإلتزامي هو كاشفيّته عن واقع متعلّقه وهو عدم استحباب صلاة الجمعة .
وبهذا البيان اتّضح عدم صحّة الدليل الأوّل على التبعيّة في السقوط .
الدليل الثاني : وحاصله أنَّ المدلول الإلتزامي دائماً يكون مساوياً للمدلول المطابقي وذلك لأن المدلول المطابقي إنما يكشف عن خصوص الحصّة الملازمة له لا أنه يكشف عن طبيعي اللازم ، فمثلا عندما يُخبر المخبر عن غرق زيد فإنه وإن كان لازمه موت زيد إلاّ أن هذا اللازم بسعته ليس مُنكشفاً ومدلولا إلتزامياً لهذا الخبر بل أن المدلول الإلتزامي لهذا الخبر هو موت زيد عن الغرق لا موت زيد مطلقاً ولو بموجب آخر كالإحتراق فإنَّ ذلك خارج عن مدلول الخبر الإلتزامي إذ أنَّ ذلك من شؤون واقع اللازم ، حيث أن اللازم في الواقع لغرق زيد هو طبيعي الموت إلاّ أن ذلك خارج عن محل الكلام إذ أنَّ محل الكلام هو المدلول الإلتزامي للخبر ونحن بالوجدان نجد أنَّ الإخبار بغرق زيد لم يكشف عن أكثر من موت زيد بالغرق .
وإذا تمّت دعوى التساوي بين المدلول المطابقي والإلتزامي فهذا يعني أنَّ العلم بسقوط الحجية عن المدلول المطابقي علم بسقوطها عن الإلتزامي لعين ما ذكرناه في القسم الأوّل .
 


المطلب الرابع

وفاء الدليل بدور القطع الموضوعي

ذكرنا في بحث الدليل الشرعي أنّه ينقسم الى أدلة محرزة وأدلة عملية وأنَّ الأدلة المحرزة تارة تكون قطعية واُخرى ظنية وقلنا أيضاً أنَّ الأدلة القطعية الطريقية صالحة بذاتها لتنجيز أو تعذير ما تكشف عنه من أحكام .
كما ذكرنا أيضاً أن الأدلة الظنية المحرزة ـ التي قام الدليل القطعي على حجيّتها ـ صالحة لإثبات مدلولاتها بمعنى أنها إذا كشفت عن حليّة شيء فإنها تكون معذّرة أي نافية لمسؤولية المكلّف تجاه ما كشفت عنه من حكم ترخيصي لو اتّفق مخالفة مفادها للواقع وبمعنى أنها مؤكدة أو منجّزة إذا كان مدلولها وجوب شيء أو حرمة شيء فهي مؤكدة بناءً على مسلك حق الطاعة ـ والذي هو الاحتياط العقلي ـ ومنجزة بناءً على مسلك قبح العقاب بلا بيان ـ والذي هو البراءة العقلية ـ فهي بناءً على المسلك الثاني مُثبتة لمسؤولية المكلّف تجاه الحكم المنكشف بها ، وأمّا بناءً على مسلك الإحتياط العقلي فدور الامارة المثبتة للتكليف ينحصر في تأكيد ما يحكم به العقل من لزوم الإحتياط .
كما ذكرنا أيضاً أن الاُصول العملية المقرّرة للوظيفة في ظرف الشك منجّزة أو معذّرة بمعنى أنها مثبتة للتكليف على عهدة المكلّف أو نافية للمسؤولية عن التكليف .
كل ذلك ذكرناه مفصّلا في بحوث سابقة وأشرنا إليه هنا لدخالته في فهم المطلب .
ومع اتّضاح هذه المقدّمة نقول : أن كل هذه الأدلة التي استعرضناها تشترك في الكشف أو في إثبات الأحكام لموضوعاتها دون أن يكون لها دخالة في موضوعات هذه الأحكام ، فدور هذه الأدلّة دور الواسطة في إثبات الأحكام لموضوعاتها ، ودورها بعبارة اُخرى دور الدليليّة على ثبوت الأحكام لموضوعاتها .
وهذا هو معنى طريقيّة هذه الأدلة للأحكام الشرعية غاية ما في الأمر أنّها قد تكون طريقاً للكشف عن الواقع امّا بكشف تام أو بكشف ناقص ، وهذه هي الأدلة المحرزة وقد تكون طريقاً للتعرّف على الوظائف الشرعيّة المقرّرة في ظرف الشك ، وهذه هي الأصول العمليّة .
ومن هنا نصل الى ما هو الغرض من عقد هذا المطلب وهو البحث عن دور آخر للأدلة ، وهذا الدور هو قيام الأدلة مقام القطع الموضوعي .
ولتوضيح هذا الدور للأدلّه نقول : أنّه إذا ثبت عن الشارع أنه جعل القطع موضوعاً لحكم من الأحكام الشرعيّة فهل أنّ هذه الأدلة تصلح لتحقيق موضوع هذه الأحكام التي جُعل القطع موضوعاً لها أو لا ؟
ونذكر لذلك مثالا ونطبِّق عليه جميع أقسام الأدلة ، لو قال المولى : «  المرأة المقطوع بكونها في العدة يحرم عليك الزواج منها » ، فالحكم في هذه المسألة الشرعية (وهو الحرمة) قد ترتّب على موضوع مكوّن من جزئين ، الأول : « المرأة » والثاني : « المقطوع بكونها في العدّة » ، فالقطع بكون المرأة في العدة قد جُعل جزءً في موضوع الحرمة وهذا هو القطع الموضوعي ـ على وما بيّناه في محلّه ـ فهنا نبحث عن كيفيّة تحقّق موضوع الحرمة ـ والذي هو القطع بكون المرأة في العدّة ـ إذ لابدَّ من تنقّحه وتحقّقه في رتبة سابقة على الحكم كما هو الحال في سائر موضوعات الأحكام ، فنقول :
إنَّ المتصور فيما يحقّق موضوع الحرمة هو أحد أدلة ثلاثة :
الأول : الأدلة القطعية الطريقية .
الثاني : الأدلة الظنية المحرزة .
الثالث : الأدلة العملية (الاُصول العملية) .
أمَّا الأول : وهو الدليل القطعي الطريقي ، فكيفيّة تحقيقه لموضوع الحرمة هو أن يحصل القطع للمكلّف بأن هذه المرأة في العدة ، وهنا لا إشكال في تحقّق موضوع الحرمة وبه يترتّب الحكم وهو حرمة الزواج من هذه المرأة ، وذلك لأنه لمّا كان موضوع الحرمة هو القطع بكون المرأة في العدّة فذلك يعني أنّه متى ما حصل قطع للمكلّف بكون هذه المرأة في العدّة فقد تحقّق موضوع الحرمة إذ الموضوع للحرمة هو القطع وقد حصل .
وهذا هو معنى قيام القطع الطريقي مقام القطع الموضوعي ، فكما أن القطع الطريقي صالح للكشف عن ثبوت الأحكام لموضوعاتها ، كذلك هو صالح للكشف عن تحقّق الموضوعات خارجاً ، فهو صالح للكشف عن دخول الوقت الذي هو موضوع لوجوب الصلاة ، وصالح للكشف عن ثبوت هلال شهر رمضان الذي هو موضوع لوجوب الصوم ، فكذلك هو صالح للقيام مقام القطع الموضوعي الذي هو عبارة ثانية عن صلاحيّته للكشف عن الموضوعات ، إذ أنه لمّا كان القطع بكون المرأة في العدّة موضوعاً للحرمة ، فالقطع الطريقي صالح للكشف عن تحقق هذا الموضوع وذلك عن طريق حصول القطع للمكلّف بأنّ هذه المرأة في العدّة ، وحينما يحصل هذا القطع للمكلّف يجد نفسه مذعنة بتحقّق موضوع الحرمة خارجاً  .
وأمّا الثاني : وهو الدليل الظني المحرز والمعبَّر عنه بالامارات ، وكيفية تحقيقه لموضوع الحرمة ـ وهو القطع بكونها في العدة ـ هو أن تقوم بيّنة مثلا على أن هذه المرأة في العدّة ، وهنا وقع البحث عند الأعلام في صلاحيّة مثل البيّنة لتنقيح وتحقيق موضوع الحرمة ـ والذي هو القطع بكون المرأه في العدّة ـ والبيّنة لا تحقّق القطع بل أكثر ما تحقّقه هو الظن ، نعم الأدلة الظنيّة المحرزة قام الدليل القطعي على حجيتها ، الاّ ان القدر المحرز من قيام الدليل هو حجيّتها وتنجيزها أو تعذيرها لما تكشف عنه من أحكام شرعيّة ، وهذا هو معنى قيام الامارات مقام القطع الطريقي ، أما قيامها مقام القطع الموضوعي وتحقيقها لموضوع حكم اُخذ في موضوع ذلك الحكم القطعي بشيء من الأشياء ، فهذا يحتاج الى دليل مستقل .
وهذا البحث هو المتصدّي لهذه المهمّة اي مهمة إثبات أو نفي قيام الامارات مقام القطع الموضوعي بعد الفراغ عن قيامها مقام القطع الطريقي كما بيَّنّا ذلك .
فنقول : ان الأعلام « رضوان الله عليهم » قد اختلفوا في ذلك ومنشأ الخلاف الواقع بينهم هو الاختلاف فيما هو المراد من القطع المأخوذ موضوعاً في حكم من الأحكام .
وبعبارة اُخرى : ان الاختلاف في تحديد معنى القطع الموضوعي هو المؤثر في ما هو المبنى في المقام .
وهنا يوجد اتجاهان :
الاتجاه الأوّل : المراد من القطع المأخوذ في موضوع حكم من الأحكام هو الحجة وليس القطع إلا واحداً مما له الحجة ، وليس هو المقصود بالذات بل هو كل ما يصلح للتنجيز والتعذير ، فكما ان القطع صالح للتنجيز والتعذير كذلك الامارة ، فتكون الامارة محقّقة أيضاً لموضوع حكم اُخذ فيه القطع إذ المراد من القطع هو ما له الحجية ، والامارة مما لها الحجية ، وما القطع الذي ذُكر في موضوع الحكم الا مثالا لما له الحجيّة .
وبناءً على هذا المبنى تكون الامارات صالحة للقيام مقام القطع الموضوعي ، ففي مثالنا ـ وهو ان المرأة المقطوع بكونها في العدّة يحرم الزواج منها ـ يمكن للامارة ان تحقّق موضوع هذا الحكم وان تثبت انّ هذه المرأة في العدّة ، وذلك لما قلنا من ان القطع المأخوذ في هذا الحكم ما هو الاّ مثالٌ للحجية ، والحجية هي موضوع هذا الحكم واقعاً ، فكأنما المولى قال : المراة التي قامت الحجة على أنها في العدّة يحرم الزواج منها .
الاتجاه الثاني : ان المراد من القطع المأخوذ في موضوع حكم من الأحكام هو الكاشف التام عن متعلّقه .
وبعبارة اُخرى : ان القطع الذي جُعل موضوعاً للحكم هو القطع الحقيقي والذي لا يكون معه شك ، وبناءً على هذا الفهم من معنى القطع المأخوذ في الموضوع لا تكون الامارات صالحة لتنقيح الموضوعات المأخوذ فيها القطع وذلك لأنها لا تبلغ مرتبة العلم الذي لا يكون معه شك  ، فهي لا تخرج عن حيّز الظن ، ففي مثالنا لا تكون البيّنة صالحة لتحقيق موضوع حرمة الزواج من هذه المرأة ، اذ ان البيّنة لا تبلغ مرتبة العلم الذي ليس معه شك في حين ان موضوع الحرمة هو العلم بكون المرأة في العدّة .
نعم لو استظهرنا من الأدلة التي دلّت على حجيّة الامارة انّ الامارة مُنزَّلة منزلة العلم تعبّداً بحيث يكون هذا التنزيل التعبّدي مُلغياً لمقدار النقص في كاشفية الامارة ، ففي هذه الحالة لا اشكال في صلوح الامارة لتنقيح الموضوع المأخوذ فيه القطع أي قيامها مقام القطع الموضوعي في ذلك  .
ومن الواضح انّ هذا التنزيل يحتاج الى لسان خاص ولا يكفي فيه جعل الامارة حجة أي ان قيام الدليل القطعي على حجيّة الامارة لا يفي باثبات كون الامارة منزّلة منزلة القطع ، إذ ان جعل الامارة حجة لا يعني أكثر من كون الامارة صالحة للتنجيز والتعذير أما انها صالحة للقيام مقام ما اُخذ القطع فيه فليس لهذه الادلة المثبتة للحجيّة دلالة عليه ، فنحتاج لإثبات هذه الخصوصيّة الزائدة ـ وهي تنزيل الامارة منزلة العلم ـ الى لسان خاص يُثبت التنزيل عرفاً كما في تنزيل الطواف في البيت منزلة الصلاة حيث ان مبرّر هذا التنزيل هو هذه الرواية « الطواف بالبيت صلاة  »() إذْ انّ هذه الرواية يُستفاد منها التنزيل عرفاً .
والمتحصّل مما ذكرنا ان قيام الامارة مقام القطع الموضوعي مبنيٌّ على تحديد المراد من القطع المأخوذ في الموضوع ، فبناءً على الاتجاه الأول تكون الامارة صالحة للقيام مقام القطع الموضوعي ، وعلى الثاني لا تكون الامارة صالحة لذلك إلاّ ان يُستفاد من دليل حجّيتها التنزيل او يُستفاد من دليل آخر غير دليل الحجيّة كأن يقوم دليل آخر على تنزيل الامارة منزلة العلم بعد الفراغ عن ثبوت الحجيّة لها .
وأمّا الثالث : وهو الأدلة العمليّة ، فلم يتعرّض المصنّف لها ولا باس ببيان كيفيّة قيامها مقام القطع الموضوعي ، وذلك عن طريق الرجوع الى المثال السابق ، فقول المولى : « المرأة المقطوع بكونها في العدّة يحرم الزواج منها » حكم شرعي ترتّب على موضوع اُخذ في هذا الموضوع القطع ، فلو كنّا على يقين سابق بكون هذه المرأة في العدّه فهنا يجري الاستصحاب ، فيقع الكلام في هذا الاستصحاب هل هو كاف في تحقيق موضوع الحرمة أو لا ؟ فلو كان كافياً لذلك فهذا يعني قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي ، واما اذا لم يكن كافياً لذلك فهو يعني عدم قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي .
 

لمطلب الخامس

إثبات الدليل لجواز الإسناد

قلنا في بحث جواز الاسناد : ان المراد من جواز الإسناد هو جواز إضافة ونسبة الحكم المنكشف الى المولى ، فلو كشف الدليل عن وجوب شيء او حرمة شيء فإن جواز الإسناد يعني صحة اضافة ونسبة هذا الحكم الى المولى بأن نقول ان المولى قد أوجب هذا وحرّم هذا .
والمتصدّي لإثبات جواز الاسناد وعدمه هو علم الفقه إذ ان البحث في هذه المسألة إنما هو عن حكم فعل من أفعال المكلّفين ، وبيان أحكام أفعال المكلّفين إنما هو من وظائف علم الفقه لا علم الاُصول ، إذ قلنا ان الذي يُبحث عنه في علم الاُصول انما هو الأدلة العامّة التي يمكن ان تقطع طريقاً في استنباط الأحكام الشرعيّة .
ومع إتّضاح هذه المقدّمة ، نقول : ان اسناد الحكم الى الشارع يُتصوّر له ثلاث حالات :
الحالة الاُولى : الاسناد بغير علم ، كأن ينسب المكلّف حكماً الى الشارع دون أن يكون له أيّ مستند على ذلك .
وفي مثل هذه الحالة لا اشكال في حرمة الاسناد وقد تصدّى الفقهاء (رضوان الله عليهم) للاستدلال على هذا الحكم .
الحالة الثانية : الاسناد بعلم ، وهذه الحالة هي القدر المتيقّن من جواز الاسناد وقد تحدّثنا عنها في بحث سابق .
الحالة الثالثة : الاسناد إعتماداً على دليل ظنّي محرِز « الامارة » إلا أنه مما دل الدليل القطعي على حجّيته ، ويمكن التفصيل في هذه الحالة بين إسناد نفس الحجية الى الشارع المقدّس كأن نقول ان الشارع قد جعل الحجية لخبر الثقة وبين اسناد الحكم المنكَشف بهذا الدليل الى الشارع المقدّس .
أمّا الأول : وهو اسناد نفس الحجية الى الشارع ، فهو داخل في الحالة الثانية إذ ان اسناد الحجيّة الى الشارع ـ وأنّ هذا حكم ظاهري قد جعل الشارع له الحجية ـ اسناد بعلم لانّ فرض الكلام انّ هذا الدليل الظني مما دل الدليل القطعي على حجيّته .
وأمّا الثاني : وهو إسناد الحكم المنكشف بالدليل الظني الى الشارع ، كأنْ يسند حرمة العصير العنبي ـ التي كشفت عنها الامارة ـ الى الشارع .
وهذا المقدار هو الذي وقع فيه الكلام بين الاعلام (رضوان الله تعالى عليهم) ، فمن قال بعدم جواز الاسناد أرجع هذه الحالة الى الحالة الثانية ـ  وهي الاسناد بغير علم ـ بدعوى أنها لا تنقّح موضوع الحكم بجواز الاسناد والذي هو القطع بالحكم الذي يُراد اسناده الى المولى حيث قلنا في بحث جواز الاسناد ان موضوع جواز الاسناد هو القطع بكون الحكم صادراً عن المولى ، فالقطع قد جعل موضوعاً لجواز الاسناد ، والامارة لا تحقق هذا الموضوع ، إذ ان جعل الحجية لها لا يُفيد أكثر من جواز الاستناد إليها في مقام العمل ، وهذا هو معنى جعل المنجزيّة والمعذريّة للامارة ـ كما قلنا ذلك في بحث جواز الاسناد ـ .
وفي مقابل هذا القول ، ذهب بعض الأعلام الى جواز الاسناد إعتماداً على الامارة ، وذلك لأن الامارة تقوم مقام القطع الموضوعي ، اذ أن المراد من القطع المأخوذ في موضوع جواز الاسناد هو مطلق الحجّة ، وما القطع إلاّ مثال للحجّة ، فالمأخوذ واقعاً في موضوع جواز الإسناد هو الحجة الأعم من الدليل القطعي أو الدليل الظني الذي دلَّ الدليل القطعي على حجّيته ، أو بأن يُقال بأنَّ القطع المأخوذ في موضوع جواز الإسناد وإن كان هو القطع الحقيقي ولكن لمّا كان دليل الحجية للأمارة قد نزّل الأمارة منزلة العلم تعبّداً فإنّ هذا يصلح ان يكون مبرّراً لصلوح الأمارة لتنقيح وتحقيق موضوع جواز الإسناد ، فكما أنّ القطع الطريقي ينقّح موضوع جواز الإسناد فكذلك الأمارة بناءً على التنزيل . وبهذا تقوم الأمارة مقام القطع الموضوعي وتكون مصحّحة لجواز الإسناد .
وهناك حالة رابعة لإسناد الحكم للشارع أهملها المصنّف (رحمه الله) وهي الإسناد إعتماداً على الأدلّة العمليّة كما لو أسند الحكم الى الشارع إعتماداً على الاستصحاب ، وهنا يأتي التفصيل السابق أيضاً بين إسناد نفس حجية الاستصحاب الى الشارع ، وهذا لا إشكال في جوازه وذلك لانّ إسناد نفس حجية الاستصحاب الى الشارع إسناد بعلم لقيام الدليل القطعي على حجيّة الاستصحاب .
ويبقى الكلام في جواز إسناد نفس الحكم المستصحب إلى الشارع ، كإسناد وجوب الجمعة المستفاد من الاستصحاب الى الشارع .
وهنا يأتي نفس الكلام السابق من أنّ المراد من القطع هو الحجة أو القطع الحقيقي ، فإن كان الأوّل فالاستصحاب مصحّح لجواز الإسناد ، وإن كان الثاني فالاستصحاب لا يصحّح الإسناد إلاّ إذا قلنا بأنَّ دليل الحجية للاستصحاب قد نزّل الاستصحاب منزلة العلم . والبحث في محلّه .
هذا تمام الكلام في المبادئ التي أراد المصنّف إيرادها قبل بحث الأدلة المحرزة .
والمراد من المبادئ في المقام هي : المبادئ التصديقيّة لهذا العلم ، والتي هي في مقابل المبادئ التصورية ، وقد بيّنّا معنى المبادئ التصوّرية في بحث موضوع علم الاُصول .
أمّا المبادئ التصديقية لكل علم فهي عبارة عن المقدّمات التي يكون تحريرها نافعاً في الاستدلال على مسائل ذلك العلم ، فتكون هذه المبادئ بمثابة الاُصول الموضوعية التي يرجع إليها الباحث عن ذلك العلم لتحصيل الوثوق بنتائج تلك المسائل .
وبتعبير آخر : هذه المبادئ تُبحث لغرض إيقاعها بعد ذلك في كبرى أو صغرى أقيسة ذلك العلم .
وتطبيق ما ذكرنا على المقدّمات الخمس التي بحثناها يتّضح بالتأمّل ، فمثلا قاعدة أنَّ الأصل عند الشك في الحجية هو عدم الحجية يمكن الاستفادة منها في بحث حجية قول اللغوي أو حجية خبر الثقة في الموضوعات ، وكذلك لو شككنا في إطلاق حجية الاستصحاب في حالات الشك في المقتضي ، وهكذا .
 

الدليل الشرعي

ويقع البحث عنه في مباحث :

المبحـث الأول : في تحديد دلالات الدليل الشرعي والذي ـ كما قلنا ـ يبحث عن الحد الأصغر لقياس نتيجته الدليل الشرعي .
المبحث الثاني : في إثبات صغرى الدليل الشرعي : وهو ـ كما قلنا ـ ما يبحث عن الأدة المحقِّقة لصغرى قياس نتيجته الدليل الشرعي .
المبحث الثالث : في إثبات حجيّة الدلالة في الدليل الشرعي وهو ـ كما قلنا ـ البحث عن كبرى قياس نتيجته الدليل الشرعي .





سفيد








المبحث الأوّل

تحديد دلالات الدليل الشرعي









1 ـ الدليل الشرعي اللفظي
2 ـ الدليل الشرعي غير اللفظي


سفيد




الدليل الشرعي اللفظي

تمهيد :
قلنا ـ فيما سبق ـ أن الدليل الشرعي اللفظي هو : عبارة عن الخطابات الصادرة عن الشارع المقدّس ، كالقرآن الكريم ، وكالأحاديث الواصلة لنا عن المعصومين (عليهم السلام) .
وهذا النوع من الأدلّة الشرعيّة له ارتباط وثيق باللغة العربية وبما يحكمها من ضوابط واُصول . ومنشأ هذا الارتباط هو أنّ مادة هذا الدليل الشرعي هي الألفاظ العربية إذ أنّ مدار البحث في الدليل الشرعي اللفظي هو استنطاق الآيات والروايات لغرض التعرّف على الأحكام الشرعيّة المودعة في هذه المركّبات اللفظية فلابدّ للممارس لعملية الاستنباط أن يكون متوفّراً على آلة الدخول في هذا المعترك الشائك . وهذا ما يُبرر البحث عن مجموعة من الضوابط اللغوية التي تساهم في معرفة ما للألفاظ من علاقة بالمعاني ، كما تساهم في تشخيص الظهور وعلاقة هذا الظهور باللفظ أو بمناسبات الحكم والموضوع مثلا ، كما انها تساعد على استكشاف الخلل الذي قد يتّفق وقوعه في بعض الروايات نتيجة نقلها بالمعنى أو وقوع التصحيف الناشئ من اشتباه النسّاخ .
فالتعرّف على ضوابط اللغة العربية وبالخصوص ما سنطرحه منها مهم جداً للممارس لعملية الاستنباط .

الظهور التصوّري والظهور التصديقي :
يمكن تقسيم دلالات الألفاظ على المعاني إلى ثلاث دلالات :
الاُولى : الدلالة التصوّريّة :
وهي الدلالة التي توجب خطور معنى اللفظ في الذهن ، وهذا النوع من الدلالات لا يتوقّف على كون المتلفّظ بها عاقلا فضلا عن أن يكون ملتفتاً ، بل أنَّ هذه الدلالة تتحقّق بمجرّد صدور اللفظ من أي لافظ حتى وإن كان ببغاء ، أو كان من غير ملتفت كأنْ كان نائماً ، أو ملتفتاً ولكنه لم يقصد إخطار هذا المعنى من اللفظ بل أراد اخطار معنىً آخر كما لو أراد من اللفظ غير ما وضع له كأنْ يقول : « زرت في هذا اليوم ثعلباً » فإنَّ السامع وإن كان يعلم بأنَّ اللافظ لم يرد من الثعلب معناه الحقيقي ، ولكن مع مع ذلك ينخطر في ذهنه معنى الثعلب .
وهذه الدلالة تسمّى أيضاً بالدلالة الوضعيّة ، وذلك لأنَّ منشأ خطور المعنى من اللفظ هو العلم بأنَّ هذا اللفظ وُضع لهذا المعنى ، فلذلك لا يحصل هذا الخطور الذهني من اللفظ ممن لا يعلم بالوضع ، فالجاهل باللغة العربية لا يحصل له تصوّر معنى « الماء » من إطلاق لفظ « الماء » .
الثانية : الدلالة التصديقيّة :
وهي التي توجب أيضاً خطور معنى اللفظ في الذهن إلا أنها توجب شيئاً آخر بالاضافة الى ذلك وهو أن المتكلّم أراد إخطار هذا المعنى في ذهن السامع ، فهي إذن تُضيف الى الدلالة التصورية معنىً زائد ، وهذا هو المبرّر لاختلافها عن الدلالة التصوريّة .
وبهذا يتّضح ان الدلالة التصديقيّة تتوقّف على كون المتلفّظ عاقلا وملتفتاً إذ انه لا يمكن إستظهار كون المتكلّم مريداً لإخطار المعنى من اللفظ ما لم يكن إلتفاته محرزاً .
ومن هنا تعرف أن هذا النحو من الدلالة يتوقّف على مقدّمتين :
المقدّمة الاُولى : هي علم السامع بالوضع ، وهذه هي جهة الاشتراك بينها وبين الدلالة التصوّرية .
المقدّمة الثانية : العلم بأنّ المتكلّم عاقل ملتفت وهذه هي جهة الافتراق عن الدلالة التصوّرية .
إذن حقيقة الدلالة التصديقيّة هو أنها دلالة حالية مستفادة من ظهور حال المتكلّم .
ومثالها أن يأتي المتكلّم الملتفت بلفظ الأسد ، فإنَّ السامع حينئذ يتصوّر معنى الأسد ويعرف أنَّ المتكلّم قصد إخطار معنى الأسد في ذهن السامع .
وتسمَّى هذه الدلالة بالتصديقيّة الاُولى ، وتسمّى أيضاً بالدلالة الاستعمالية ، والتي هي بمعنى استعمال اللفظ لغرض إخطار المعنى في ذهن السامع .
الثالثة : الدلالة التصديقية الثانية :
وهي التي تكون متوفّرة على الدلالتين الاُولى والثانية بالاضافة الى دلالة ثالثة وهي قصد المتكلم الحكاية عن الواقع الأعم من الواقع الخارجي أو واقع نفسه ، فحينما يقول المتكلّم الملتفت الجاد « زيد فقير » فهو يُحدث في ذهن السامع ثلاث دلالات :
الاُولى : تصور معنى « زيد » ، وتصور معنى « فقير » وتصور النسبة بين « زيد و« فقير » .
الدلالة الثانية : هي ان المتكلم استعمل هذه الألفاظ لغرض إخطار هذه المعاني في ذهن السامع .
والدلالة الثالثة : هي ان المتكلم قاصد الحكاية عن واقع خارجي هو « فقر زيد » ، وهذه هي الدلالة التصديقية الثانية .
وقد يكون المتكلّم قاصداً الحكاية عن واقع نفسه كما في الجمل الانشائيّة ، كأن يقول المتكلّم الملتفت الجاد « أكرموا العلماء » فانّ هذه الجملة متوفّرة على الدلالتين الاُولى والثانية ، بالاضافة الى دلالة ثالثة وهي قصد المتكلم الحكاية عن واقع نفسه ، وهو أن له إرادة في إكرام العلماء .
وهذه الدلالة تفترق عن الدلالتين ـ بالإضافة الى ما ذكرناه ـ بأنها لا تُتعقل إلا في الجمل التركيبية التامة إذ أن قصد الحكاية عن الواقع الخارجي أو واقع النفس لا يكون إلا بجملة مشتملة على موضوع وحكم ويكون الحكم فيها منتسباً الى الموضوع .
وهذا بخلاف الدلالة التصورية وكذلك الدلالة التصديقية الاُولى فإنهما يمكن تعقلهما في الجمل التركبية التامة وكذلك يمكن تعقلهما في المفردات اللفظية الغير الواقعة في إطار جمل تركيبية تامة ، فلفظ الماء اذا صدر عن غير ملتفت فالدلالة تصورية ، واذا صدر من ملتفت فالدلالة تصديقية اُولى ، وكذلك لو قال « زيد فقير » فاذا صدرت هذه الجملة من متكلّم نائم أو غافل فهي تصورية وان صدرت من ملتفت قاصد لإخطار هذه الجملة في ذهن السامع الا انه غير جاد وغير قاصد الحكاية والاخبار عن الواقع بل كان هازلا أو كاذباً ، فهذه دلالة تصديقية اُولى ، والمسمّاة بالدلالة الاستعمالية .
وبهذا البيان يتّضح معنى الدلالة التصديقية الثانية والتي تسمّى بالدلالة الجدِّية ، واتّضح ايضاً ان هذه الدلالة لا تستفاد من حاقِ اللفظ ، بل انها مستفادة منه ومن شيء آخر وهو العلم بحال المتكلم وانه جاد فيما يقول وقاصد للحكاية عن الواقع .
والمتحصّل مما ذكرنا ان الدلالة التصورية دلالة لفظية ناشئة عن العلم بالاوضاع اللغوية ، والدلالة التصديقية الاُولى والثانية دلالة حالية مستفادة من معرفة حال المتكلّم فان كان المتكلّم مريداً لإخطار المعاني من الالفاظ فحسب فهي دلالة تصديقية اُولى ، وان كان مريداً ـ بالاضافة الى ذلك ـ الحكاية عن الواقع وجادّاً في حكايتهِ فالدلالة تصديقيّة ثانية .

الوضع وعلاقته بالدلالات المتقدّمة
ذكرنا في البحث السابق ان الدلالة التصورية هي الدلالة الموجبة لتصوّر المعنى عند إطلاق اللفظ ، فاللفظ بمثابة السبب لخطور المعاني في الذهن ، وهنا نتسائل عن ما هو المنشأ لهذه السببية الواقعة بين الالفاظ ومعانيها وما هو السرّ في هذه العلاقة .
وهنا نشأت مجموعة من النظريات لغرض الكشف عن منشأ هذه العلاقة .
النظرية الاُولى : السببيّة الذاتية
هي ان العلاقة الواقعة بين اللفظ والمعنى هي علاقة السببيّة الذاتية ، فاللفظ سبب ذاتي لوجود المعنى .
وبعبارة اُخرى : ان المعنى لازم ذاتي للفظ ، واللازم الذاتي ـ كما ذكرنا في بحث القطع ـ هو المحمول الخارج عن الذات اللازم لها بحيث يستحيل تخلّفه عنها ، فعلاقة اللفظ بالمعنى كعلاقة النار بالحرارة ، فكما انّ الحرارة لازم ذاتي للنار ، كذلك المعنى لازم ذاتي للفظ ، وهذا يقتضي إستحالة تخلّف إنخطار المعنى عند إطلاق اللفظ لأن ذلك خلف الذاتيّة الواقعة بينهما .
والجواب على هذه النظريّة :
هو أننا بالوجدان نرى ان إنخطار المعاني من الالفاظ يحتاج الى اكتساب ، فغير العالم بالأوضاع اللغوية لا ينقدح في ذهنه المعنى عند إطلاق لفظه وما ذلك الا لأن تصوّر المعاني عن الألفاظ مفتقر الى دراسة الأوضاع اللغوية وهذا ما ينافي الذاتية المدعاة ، إذ ان الذاتية تقتضي كفاية تصوّر اللفظ لانقداح المعنى في الذهن ، كما هو الشأن في سائر اللوازم الذاتية بالنسبة لملزوماتها .
وبهذا اتّضح فساد هذه النظرية التي تبنّاها مجموعة من الاُدباء .
النظريّة الثانية : السببية الوضعية الاعتبارية
انّ العلاقة الواقعة بين اللفظ والمعنى نشأت عن الأوضاع اللغوية وذلك ان الواضع يضع لفظاً بإزاء معنىً من المعاني فيكون هذا الوضع سبباً في نشوء هذه العلاقة وانتقال ذهن السامع الى المعنى حين إطلاق اللفظ .
واذا كانت العلاقة ناشئة عن الوضع فهذا يعني ان هذه العلاقة إعتباريّة وليس لها واقع وراء إعتبار الواضع .
ومع اتّضاح هذا نقول : إنّ مجموعة من الاعلام « رضوان الله تعالى عليهم » تبنّوا هذه النظرية وان منشأ هذه العلاقة بين اللفظ والمعنى هو إعتبار الواضع الا انهم اختلفوا في كيفيّه الإعتبار الذي أنشأ العلاقة ، فهل هو إعتبار السببيّة أو إعتبار الآلية أو انه اعتبار اللفظ علامة على المعنى .
ولتوضيح هذه المسالك الثلاثة لابدّ من افراد كل واحد منها ببيان .
المسلك الأول :
والذي هو مسلك السببيّة وهو عبارة عن أنَّ الواضع يعتبر اللفظ سبباً في تصوّر المعنى ، فكأنَّ اللفظ علّة لانخطار المعنى في الذهن والمعنى المُتصوّر عن اللفظ معلول لها ، غايته أنها عليّة ومعلوليّة اعتباريّة .
ويمكن إيضاح ذلك ببعض الاعتبارات الشرعيّة مثل أن يقول المولى : (إذا قالت المرأة للرجل زوّجتك نفسي ، وقال الرجل للمرأة قبلت الزواج) فإنَّ المرأة بهذا الكلام تصبح زوجة والرجل يصبح زوجاً لها ، فكأنّما المولى اعتبر هذه الألفاظ سبباً لتحقّق الزوجيّة ، فكذلك المقام فإنَّ الواضع إذا اعتبر اللفظ سبباً في تصوّر المعنى فإن ذلك يقتضي تصوّر المعنى عند إطلاق اللفظ إذ أنَّ تصوّر المعنى يصبح مسبّباً عن اللفظ .
المسلك الثاني :
والذي عبّرنا عنه بمسلك الآليّة ، وهو عبارة عن اعتبار الواضع اللفظ آلة في تفهيم المعنى .
والفرق بين الآلية والسببيّة هو : انَّ الآلة ليست أكثر من الوسيلة التي يتوصّل بها إلى الغرض ، فهي كالمنشار بالنسبة للنجار ، فكما أنَّ المنشار قد تُوجد وبإزائها الخشبة ومع ذلك فهي لا تنشر الخشبة إلاّ أن يأتي النجار فينشرُ الخشبة بها ، فكذلك اللفظ ليس له أن يخطر المعنى في الذهن إلاّ أن يستعمله مستعمل فعند ذلك يحصل الإنخطار .
وهذا بخلاف السببية فإنَّ السببية تقتضي تحقّق المسبّب بمجرّد وجود سببه التام .  ومن هنا فإنَّ اللفظ يوجب تصوّر المعنى مطلقاً بناءً على السببية ولا يوجبه بغير الاستعمال بناءً على الآلية .
المسلك الثالث :
والذي عبّرنا عنه بمسلك العلاميّة ، والذي هو عبارة عن اعتبار الواضع اللفظ علامة على المعنى فهو بمثابة الإشارات التي يُحدثها الأخرس لغرض تفهيم مراداته وكالعلامات الموضوعة على الطرقات لبيان أنّها مغلقة أو سالكة .
وباتّضاح هذه المسالك الثلاثة ، نجد أنها وإن كانت تختلف في بيان كيفيّة الاعتبار إلاّ أنّها تشترك في أنَّ المنشأ للعلاقة بين اللفظ والمعنى هو اعتبار الواضع .
والجواب على هذه النظريّة بتمام مسالكها :
إنّ هذه النظريّة تفترض أن المنشأ لحدوث العلاقة بين اللفظ والمعنى هو الاعتبار ، والاعتبار ليس له واقع إذ أنّه ليس له وجود وراء اعتبار المعتبر في حين أننا نرى وبالوجدان أنَّ العلاقة بين اللفظ والمعنى علاقة واقعيّة حتى لو قطعنا النظر عن الاعتبار والمعتبر ، فلو كانت العلاقة إعتباريّة محضة فإنّ ذلك يقتضي انتهاء العلاقة بمجرّد قطّع النظر عن الاعتبار إذ أنَّ الاعتبار متقوّم بالالتزام به فلو ألغيناه أو تجاوزناه فإن ذلك يُفضي الى إنعدام العلائق الناشئة عنه .
ومن هنا نقول : أنَّ هذه النظريّه لم تقف على السر في نشوء هذه العلاقة الواقعيّة بين اللفظ والمعنى ، إذ أنَّ الاعتبار أقصى ما يمكن أن يُفسّره هو أن الوضع نشأ عن الاعتبار ، أمّا كيف تحققّت بعد ذلك العلاقة الواقعيّة والتي لا تنتهي بانتهاء وبإلغاء الاعتبار .
ولمزيد من التوضيح نقول : انّه يمكن تنظير العلاقة الواقعيّة بين اللفظ والمعنى بالماء والحرارة والذي نشأت حرارته عن النار ثم رفعناه عن النار ، فإنَّ علاقة النار بالحرارة علاقة واقعيّة كما أنّه لا يمكن تفسير بقاء هذه العلاقة بالنار ، بأن نقول : أن النار هي السبب في بقاء الحرارة للماء إذ أنَّ الفرض هو رفع الماء عن النار ومع ذلك بقيت الحرارة للماء على حالها ، تُرى ما هو تفسير بقاء الحرراة للماء ؟
هذا التفسير هو الذي نبحث عنه في علاقة اللفظ بالمعنى إذ أننا لو سلّمنا أن المنشأ في حصول العلاقة بين اللفظ والمعنى هو اعتبار الواضع إلاّ أنَّ ذلك لا يُفسّر لنا سرّ بقاء العلاقة على حالها حتى مع رفع اليد عن هذا الاعتبار .
إذن لابدّ من البحث عن نظرية اُخرى تُفسّر لنا حقيقة هذه العلاقة الواقعيّة .
النظريّة الثالثة : التعهّد
وهذه النظريّة تحتفظ بدعوى أنَّ العلاقة بين اللفظ والمعنى نشأت عن الوضع إلاّ أنها تُفسّر هذه العلاقة بما يتناسب مع واقعيّتها .
وبتعبير آخر : هذه النظرية تطرح تفسيراً للعلاقة بين اللفظ والمعنى ينسجم مع واقعية هذه العلاقة .
والمراد من التعهّد ـ والذي جعلته هذه النظرية مبرراً للعلاقة بين اللفظ والمعنى ـ المراد منه الالتزام والتباني النفساني من الواضع بأن لا يتلفظ بهذا اللفظ إلاّ إذا كان مريداً لتفهيم هذا المعنى ، فيكون قصد تفهيم المعنى هو المبرّر للوضع ولولاه لما نشأ الوضع ولما كان للواضع أيّ غرض في اعتبار لفظ بإزاء معنى .
وبتعبير آخر : لولا تعلّق الغرض عند الواضع بإبراز مقاصده وحاجاته لما كان يُنشأ الوضع ويعتبر ألفاظاً دالّة على معان ، فكما أنَّ الأخرس يُحدث إشارات لتفهيم مقاصده ولو لم يكن له قصد لما أحدث هذه الإشارات فكذلك الواضع لولا أن يحتاج الى إيصال مقاصده لما أنشأ الوضع ، فهذا إذن هو السرّ في العلاقة الواقعيّة بين اللفظ والمعنى ، إذ أن هذه العلاقة مرتبطة بواقع نفس الواضع وحاجته في إيصال أغراضه ومراداته ، فإذن العلاقة بين اللفظ والمعنى بناءً على هذه النظرية ليست جزافية بل لها منشأ يرتبط بواقع النفس ، وهذا الواقع لا يمكن تجاوزه كما هو الحال بناءً على مسلك الاعتبار إذ أن تجاوز الاعتبار يكون عن أحد أمرين إما ان يتنازل الواضع عن غرضه في تفهيم مقاصده وهذا إن حصل فهو يعنى إنتهاء العلاقة بين اللفظ والمعنى ـ وهذا ما يؤكد أن منشأ العلاقة هو تعلّق غرض الواضع بتفهيم مقاصده ـ في حين أنَّنا على مسلك الاعتبار نرى بالوجدان عدم انعدام العلاقة برفع اليد عن الاعتبار مما يؤكّد ان الاعتبار ليس هو المبرّر للعلاقة .
الثاني من الأمرين اللذين يُتصوّر بهما تجاوز الاعتبار هو أن يكون المتجاوز للاعتبار غير الواضع ، وهذا لا يكون على مسلك التعهّد إذ أنّ كلّ متكلّم واضع كما سيأتي ، نعم هو مُتصوّر بناءً على مسلك الإعتبار ، إذ أنّ المعتبر قد يكون غير المستعمل .
ومع إتّضاح مسلك التعهّد تتّضح الثمرة المترتّبة بينه وبين مسلك الاعتبار ، فبناءً على مسلك التعهّد يكون كلُّ متكلّم واضع ، وذلك لأن التعهد ـ كما قلنا ـ عبارة عن التباني النفساني بأن لا يتلفّظ بهذا اللفظ الا إذا كان قاصداً لتفهيم هذا المعنى ، وهذا التباني لا يُتصوّر إلا في حالة يكون فيها كل متكلّم واضع إذ ان المتكلّم اذا لم يكن واضعاً فهذا يعني انه غير ملتزم ومتعهّد وإنما المتعهد غيره وهو خلف الفرض .
أما بناءً على مسلك الاعتبار ، فيمكن ان يكون الواضع غير المتكلّم إذ ان الواضع يعتبر اللفظ علامة على المعنى فتنشأ عن ذلك علاقة بين اللفظ والمعنى يستفيد منها كلّ متكلّم .
وهناك ثمرة اُخرى مهمّة تترتّب على الفرق بين المسلكين ، وهي : ان الوضع بناءً على التعهّد هو الذي ينشأ الدلالة التصديقية الاُولى «  الاستعمالية » إذ أن الدلالة التصديقية الاُولى « كما قلنا » هي ما يكون فيها المتكلّم قاصداً لتفهيم المعنى من اللفظ ، وهذا هو معنى التعهّد المحقق للوضع ، ولذلك لا تُتعقّل بناءً على مسلك التعهّد الدلالة التصوّرية التي هي مستفادة من حاق اللفظ إذ أن اللفظ بناءً على هذا المسلك لا يكشف عن المعنى ما لم يكن المتكلّم متعهّداً باستخدام هذا اللفظ لغرض تفهيم المعنى فاللفظ وحده بناءً على التعهّد غير كاف في تحقيق الدلالة ، فلذلك ليس عندنا بناءً على هذا المسلك الاّ دلالتان ، الاُولى : هي الدلالة التصديقيّة الاُولى ، والثانية : هي الدلالة التصديقيّة الثانية .
واما بناء على مسلك الاعتبار ، فالدلالة التصديقية الاُولى ليست ناشئة عن الوضع بل هي ناشئة عن معرفة حال المتكلّم وأنه ملتفت وقاصد لإخطار المعنى في الذهن ، فالدلالة التصديقية الاُولى بناء على هذا المسلك دلالة حالية سياقية ، والذي هو ناشئ عن الوضع بناءً على هذا المسلك هو الدلالة التصوّرية حيث ان الدلالة بناءً على الاعتبار نشأت عن إعتبار اللفظ مفيداً لتصور المعنى .
الإشكال على مسلك التعهّد :
أوْرَدَ المصنّف (رحمه الله) على مسلك التعهّد بإيرادين :
الأول : ان مسلك التعهّد لا يستطيع تفسير الاستعمالات المجازيّة والتي يستعمها كل متكلّم إذ ان المتكلّم إذا كان بانياً على عدم الاتيان بهذا اللفظ الا اذا كان مريداً لتفهيم هذا المعنى فهذا يعني ان استعمالاته المجازية تكون على خلاف ما تعهّد به إذ انّه في الاستعمال المجازي يأتي باللفظ ولا يكون قاصداً لتفهيم ذلك المعنى ـ الذي تعهّد بأن لا يأتي بهذا اللفظ إلاّ لتفهيمه ـ بل يكون قاصداً لتفهيم معنىً آخر .
وقد تقول ان المتكلّم وان كان متعهّداً بالاّ يأتي بهذا اللفظ الا اذا كان قاصداً لتفهيم هذا المعنى الا انه ملتزم ضمناً بأن ذلك التعهّد في غير حالات الاستعمال المجازي بأن يقول هكذا : « أنا متعهّد بأن لا آتي بهذا اللفظ إلاّ اذا كنت مريداً لتفهيم هذا المعنى ما عدى حالات الاستعمال المجازي » .
الثاني : ان مسلك التعهّد يفترض ان المتكلم وقبل أن يتكلم يتصوّر معنىً ثم يضع بازاء هذا المعنى لفظاً ثم يتعهّد بينه وبين نفسه بأنْ لا يأتي بهذا اللفظ الا ان يكون قاصداً لتفهيم هذا المعنى ، ويفترض أيضاً أن المتكلّم حينما يُريد استعمال هذا اللفظ لتفهيم هذا المعنى يرجع الى نفسه ليرى بأيِّ شيءِ هي التزمت ، ثم يطابق بين ما إلتزم به وبين هذا اللفظ وهذا المعنى الذي يريد تفهيمه الآن ، فاذا رأى ذلك مطابقاً لما التزم به استعمله والاّ لا يستعمله ، فكأنه يشكّل قياساً استثنائياً هكذا .
هذا اللفظ قد تعهّدت ان لا استعمله الا في تفهيم هذا المعنى ، وهذا المعنى الذي اُريد تفهيمه الآن مطابق للمعنى الذي تعهّدت به إذن يصح ان استعمل هذا اللفظ لتفهيم هذا المعنى .
وفي حالات اُخرى تنعكس النتيجة هكذا .
ان هذا اللفظ قد تعهّدت ان لا استعمله الا لتفهيم هذا المعنى ، والمعنى الذي اُريد تفهيمه الآن يغاير المعنى الذي تعهدت بان لا آتي بهذا اللفظ الا لتفهيمه ، إذن هذا اللفظ لا استعمله لتفهيم هذا المعنى الثاني .
إذن المتكلّم بناءً على هذا المسلك حينما يضع لفظاً بازاء معنى وحينما يريد استعمال اللفظ في المعنى يحتاج الى تشكيل أقيسة منطقيّة ويحتاج أيضاً الى ادراك معنى الملازمة لأنه في تعهّده يجعل اللفظ ملزوماً والمعنى لازماً كما يفترض ان يكون المتكلّم قادراً حين الاستعمال على الانتقال من الملزوم الى اللازم .
كل ذلك يحتاجه المتكلّم بناءً على مسلك التعهّد في حين ان ذلك لا يتناسب مع المتكلّم في مرحلة طفولته فإمّا ان نتنازل عن مسلك التعهّد في مرحلة الطفولة لعدم تعقّله في هذه المرحلة ، ولا نحتمل ان صاحب هذه النظرية يقبل ذلك لأنه يعنى عدم الاجابة عن منشأ العلاقة بين اللفظ والمعنى إذ ان منشأ العلاقة بين اللفظ والمعنى لا تتفاوت بتفاوت عُمرِ الانسان .
النظرية الرابعة : نظرية القرن الأكيد
وهي التي تبنّاها المصنّف (رحمه الله) ، وهذه النظرية تقف على جذور العلاقة الواقعية بين اللفظ والمعنى ، فهي وإن كانت تقبل بأن الوضع قد ينشأ عن إختراع الواضع لفظاً واعتباره دالا على معنىً من المعاني ، إلاّ أنها تعتبر ذلك وسيلة من وسائل نشوء العلاقة وليس هو السبب في واقعيّة هذه العلاقة ، وإنّما السبب في واقعيّة هذه العلاقة هو الإقتران الأكيد في ذهن الإنسان بين اللفظ والمعنى إذ أنَّ فكر الإنسان رُكّب تكويناً على أنّه إذا ارتبط شيء في ذهنه بشيء واستوثق ذلك الإرتباط فإنَّ ذلك يؤدي الى انخطار الثاني بتصوّر الأول ، مثلا حينما يصاب الإنسان بمشكلة مستعصية ويكون سبب هذه المشكلة هو زيد من الناس فهنا يُحْدِث ذهن الإنسان ـ بحسب طبعه ـ ربطاً بين هذه المشكلة المستعصية وبين زيد من الناس ، ثم انّ هذا الإرتباط يظلُّ مختزناً في ذهن هذا الإنسان بحيث لو مضى على هذه المشكلة عقود من الزمن فإنَّه كلّما تذكّر المشكلة إنقدحت في ذهنه صورة زيد وكذلك العكس ، وما ذلك إلاّ للإرتباط الذهني الوثيق بين المشكلة وبين زيد .
والإرتباط بين الألفاظ والمعاني من هذا القبيل إذ أنَّ هذا الإرتباط يحدث في ذهن الإنسان نتيجة عوامل معيّنة توجب توثيق الربط بين اللفظ والمعنى ، وهذه العوامل وإن كانت تختلف في طبيعتها إلاّ أنها تشترك في إحداثها للربط الوثيق بين اللفظ والمعنى ، فقد تكون هذه العوامل إتفاقية ، وقد تكون عنائية مقصودة .
ويمكن تنظير ذلك بتعليم الطفل اللغة ، فتارة يتم تعليمه عن طريق تكرار لفظ معيّن عند مشاهدة شيء معيّن فيحصل في ذهن الطفل إقتران بين هذا اللفظ وبين ذلك الشيء ، وهذا الاقتران إنما هو من مقتضيات طبع الإنسان وتكوينه ، وتارة اخرى يكون التعليم عن طريق تلقين الطفل وتفهيمه بأنَّ هذا الشيء يُسمّى كذا وذاك يُسمّى كذا ، وبهذا التلقين ينحدث ربط واقتران في ذهنه بين اللفظ وذاك المعنى ، وهذا الربط والاقتران أيضاً من مقتضيات تكوين الإنسان وطبعه الذي طبعه الله عزّوجلّ عليه .
إذن يمكن إجمال هذه النظرية بأن يقال : انَّ السرَّ في واقعيّة العلاقة بين اللفظ والمعنى هو ما طبع عليه ذهن الإنسان من القدرة على تشكيل علائق وروابط بين الأشياء ، وتكون طبيعة هذه العلائق بعد ذلك أنّه كلما خطر في ذهنه أحد الشيئين المقترنين ينقدح الآخر حتى ولو لم يكن مُريداً لذلك .
ومع اتضاح معنى هذه النظرية يتّضح أنها تتّفق مع نظرية الاعتبار في أنَّ الوضع سبب للدلالة التصورية فحسبت ، وذلك لأنَّ الإقتران لا يوجب أكثر من تصوّر المعنى عند صدور اللفظ ، أمّا أنَّ الآتي باللفظ قاصد لتفهيم المعنى فهذا خارج عمّا تقتضيه نظرية القرن وعليه تكون الدلالة التصديقيّة مستفادة ـ بناء على هذه النظرية ـ من حال المتكلّم .

الوضع التعييني والتعيّني :
ذكروا أنَّ الوضع بلحاظ ما يُسبّبه ويحقّقه ينقسم الى قسمين :
الأوّل : الوضع التعييني : وهو ما يتصدّى فيه الواضع لجعل لفظ دالا على معنى بحيث يبذل عناية خاصة ومقصودة لهذه العملية كأنْ يقول : وضعت لفظ الأسد للحيوان المفترس .
الثاني : الوضع التعيّني : وهو ما يكون تحقّقه إتفاقي بحيث يكون ناشئاً عن كثرة استعمال لفظ في معنىً فينتج عن هذه الكثرة في الاستعمال إنس ذهني يوجب الانتقال من اللفظ الى المعنى .
وهنا تظهر ثمرة ـ بين نظرية القرن الأكيد وبين نظريّتَي الإعتبار والتعهّد ـ وهي أنّه بناءً على نظرية القرن الأكيد يمكن تبرير القسم الثاني من قسمي الوضع ، وذلك لأننا قلنا أنَّ القرن الأكيد هو عبارة عن ربط يحدثه ذهن الإنسان ـ بمقتضى طبعه وتكوينه ـ بين اللفظ والمعنى ، وهذا الربط الذهني يكون ناشئاً عن اقتران خارجي أيّاً كانت طبيعة هذا الإقتران ، فإذا كان كذلك فمن الواضح أنَّ كثرة استعمال لفظ في معنى نوع إقتران خارجي بين اللفظ والمعنى ، هذا الإقتران الخارجي يوجب نشوء إرتباط في الذهن بين اللفظ والمعنى وبه تكون كثرة الاستعمال موجبة للوضع التعيّني بناءً على نظريّه القرن الأكيد .
وأمّا بناءً على نظريّتَي الإعتبار والتعهّد فلا يُتعقّل فيهما الوضع التعيّني إذ الاعتبار متقوّم ببذل العناية المخصوصة والمقصودة لغرض جعل اللفظ دالا على المعنى في حين انّ كثرة الإستعمال عملية عفويّة لم يتصدّى أحد لإيجادها ، فلا اعتبار ولا معتبر .
وكذلك الكلام في التعهّد إذ هو متقوّم بالتباني النفساني على أن لا يأتي باللفظ إلاّ أن يقصد تفهيم المعنى ، فإذن هو متقوّم بوجود تعهّد ومتعهِّد  ، وكثرة الإستعمال ليست الاّ عملية اتفاقية ، بل أنّه بناءً على التعهّد لا يوجد استعمال إلاّ بتعهّد مسبق ولا يشذ عن ذلك أحد كما اتضح مما تقدّم  .
نعم ; يمكن أن تكون كثرة الاستعمال كاشفة عن وجود اعتبار وتعهّد  ، فيكون الفرق بين نظرية القرن الأكيد وبين النظريّتين أنّه بناءً على القرن الأكيد تكون كثرة الاستعمال موجده للوضع ، فلذلك يكون الوضع متأخّراً عنها ، وأمّا بناءً على النظريّتين ـ الاعتبار والتعهّد ـ فدور كثرة الاستعمال هو دور الكاشف عن وجود تعهّد واعتبار .
وبهذا يتّضح أنَّ الوضع التعييني والتعيّني ليسا مُوجدين للوضع وإنما لهما دور الكشف عنه ، غاية ما في الأمر أنَّ كيفيّه الكشف مختلفة ، فهي في التعيّني تكون كثرة الاستعمال كاشفة ، وأمّا في التعييني فالكاشف عن الوضع هو تصريح الواضع بأنه قد وضع اللفظ بازاء هذا المعنى .
توقّف الوضع على تصوّر المعنى
قلنا : انا الوضع عبارة عن جعل اللفظ دالا على معنىً من المعاني ، فالوضع بهذا حكم على المعنى كما هو حكم على اللفظ ، فيكون المعنى واللفظ محكوماً عليهما ، أي ان المعنى واللفظ كلا منهما يمثّل جزء موضوع لقضيّة يكون المحمول فيها الوضع ، فكأنّما الواضع يشكّل قضيةً هذه صورتها « اللفظ والمعنى يدلّ الأوّل منهما على الثاني » ، فاللفظ والمعنى يمثّلان موضوع القضية « ويدل الأول على الثاني » هو محمول القضية وهو عين الوضع كما هو واضح ، فإذا كان الوضع هو الحكم على اللفظ والمعنى فهذا يقتضي ان يتصوّر الحاكم اللفظ والمعنى في رتبة سابقة على جعل الحكم اي جعل الوضع ، وذلك لاستحالة جعل الأحكام قبل تقرر موضوعاتها كما ذكرنا ذلك في بحث القطع الموضوعي .
وباتّضاح هذه المقدّمة نقول : ان الوضع ينقسم الى عدّة تقسيمات ، منشأ هذه التقسيمات هو ملاحظة الوضع في كل تقسيم بلحاظ يختلف عنه في التقسيم الآخر ، فحينما نلحظ الوضع من جهة ما يُسببه ويُحققه ، فالوضع ينقسم الى وضع تعييني ووضع تعيّني ، وحينما نلاحظه من جهة اللفظ الذي يراد جعله دالا على المعنى ، فالوضع ينقسم الى وضع شخصي ووضع نوعي  ، وهكذا تختلف تقسيمات الوضع باختلاف الحيثية الملحوظة فيه عند التقسيم .
وهنا نتعرّض لبيان أحد تقسيمات الوضع ، والذي هو تقسيم بلحاظ المعنى الذي يراد جعل اللفظ دالا عليه ، فهو إذن تقسيم الوضع بلحاظ موضوعه وهو المعنى ، فنقول : ان المعنى الذي يمكن تصوّره حين الوضع على نحوين :
النحو الأول : ان نتصوّر المعنى ـ الذي نريد جعل اللفظ دالا عليه ـ بنفسه بحيث نستحضره في ذهننا كاملا ومن تمام حيثيّاته وبما له من سعة أو ضيق وذلك مثل ان نستحضر ونتصوّر معنى زيد بما له من مشخّصات ، ثم نضع اللفظ بازاء هذا المعنى المتشخّص والمحدّد ، وكذلك مثل ان نتصوّر معنى الانسان بما له من حيثيّات تُميِّزه عن سائر المعاني وبما له من سعة بحيث يشمل افراده ، ثم نضع اللفظ بازاء هذا المعنى المحدّد .
النحو الثاني : ان نستحضر ونتصوّر المعنى ولكن ليس بنفسه وإنما بعنوانه المنطبق عليه ، فيكون هذا العنوان العام مشيراً ومنوّهاً بالمعنى الذي يُراد جعل اللفظ دالا عليه ، وذلك مثل ان نتصوّر معنى زيد ولكن ليس بنفسه وبمشخّصاته الخاصة به وانما بعنوان هذا العنوان صالح لأن ينطبق عليه ، وهو مثلا عنوان الانسان أو عنوان الرجل ، فهنا نكون قد تصوّرنا معنى زيد بعنوان كلّي صالح للانطباق عليه .
ومع اتّضاح هذين النحوين من تصوّر المعنى ، نكون توفّرنا على الشرط الذي يصحّح لنا الوضع ، اذ قلنا ان الوضع لا يمكن إلا بعد تقرّر الموضوع . والمعنى أحد جزئي الموضوع ، واذا ما تقرّر الموضوع عندنا وتصوّرناه امكن جعل لفظ دالا عليه .
ومن هنا يكون الوضع بلحاظ المعنى المتصوّر منقسماً الى ثلاثة أقسام  :
القسم الأول : الوضع العام والموضوع له العام :
وهو ان يتصوّر الواضع معنىً من المعاني الكلّيّة ويحدّده في ذهنه بما له من جنس وفصل ثم يجعل لفظاً بازاء هذا المعنى الكلي المحدّد ، مثل ان يتصوّر معنى الحيوان الناطق ويميّز هذا المعنى عن المعاني الكليّة الاُخرى ، ثم بعد ذلك يجعل لفظاً من الالفاظ دالا عليه كلفظ الإنسان فيكون لفظ الانسان دالا على المعنى الكلّي والذي هو الحيوان الناطق .
فالموضوع له في هذا القسم هو المعنى الكلي المتصوّر في الذهن قبل الوضع ، والمراد من الموضوع له أي الذي وُضع له اللفظ ، فالضمير في «  له  » راجع الى اللفظ .
والمراد من الوضع العام هو هذه العملية التي يتصدّى لها الواضع والتي هي جعل اللفظ بازاء المعنى ، وسمّي وضعاً عاماً لأن اللفظ الذي جعله الواضع بازاء المعنى لفظٌ جُعل دالا على معنىً كلّي عام ، فاتِّصاف الوضع بالعموم إنما هو بلحاظ المعنى الموضوع له اللفظ والذي هو في المثال الحيوان الناطق .
القسم الثاني : الوضع الخاص والموضوع له الخاص :
وهو ان يتصوّر الواضع معنىً من المعاني الجزئيّة ويشخّصه ويحدّده في ذهنه ، ثم يجعل لفظاً بازاء هذا المعنى الجزئي المشخّص ، مثل ان يتصوّر الواضع فرداً من أفراد الانسان ويحدّده في ذهنه بتمام مشخّصاته الخاصّة به ، ثم يجعل لفظ زيد دالا على هذا المعنى الخاص المتصوّر في الذهن .
فالموضوع له في هذا القسم هو المعنى الجزئي المتشخّص في الذهن والذي عُبِّر عنه بالخاص .
وسمِّي هذا الوضع خاصّاً لأن اللفظ الذي جعله الواضع بازاء المعنى لفظ جعل دالا على معنىً جزئي متشخّص .
الوضع العام والموضوع له الخاص :
وهو ان يتصوّر الواضع معنىً من المعاني الجزئيّة ولكن عن طريق تصوّر عنوان كلي صالح للانطباق على المعنى الجزئي ، ويكون دور العنوان الكلّي دور المشير والمُلفِت للمعنى الجزئي المشمول لهذا العنوان الكلي .
كأن يتصوّر الواضع فرداً من افراد الانسان الا ان هذا التصوّر يتم عن طريق تصوّر عنوان هذا الفرد الذي يكون هذا الفرد داخلا تحته ، ثم يضع لهذا الفرد من أفراد الانسان لفظاً يدل على هذا الفرد ، ولكن بعنوانه الكلي لا بحدوده الخاصّة به ، فيقول هذا هذا الفرد ـ المتصوّر عن طريق تصوّر عنوانه ـ إنسان فلفظ الانسان جُعل دالا على الفرد المتصوّر ولكن بما هو مشمول لعنوانه العام .
فالموضوع له في هذا القسم هو المعنى الجزئي الغير المتشخّص بمشخّصاته الخاصّة به ، وانما بعنوانه الكلي الصادق عليه ، ولذلك صار الموضوع له في هذا القسم خاصّاً ، أي الذي وُضع له اللفظ هو معنىً خاص  .
وسمّي الوضع هنا عامّاً لأن اللفظ الذي جعله الواضع دالا جعله دالا على معنىً خاص متعنون بعنوان عام .
ومع اتّضاح هذه الأقسام الثلاثة نعرف ان المناسب للقسم الأول هو وضع اسماء الأجناس ، مثل وضع لفظ الأسد دالا على معنى الحيوان المفترس ، والمناسب للقسم الثاني هو وضع الاعلام الشخصيّة ، كوضع لفظ « مكّة » بازاء تلك البقعة المباركة .
واما القسم الثالث فقد وقع الخلاف فيما يُناسبه وهل أن وضع الحروف مما يناسب هذا القسم أو لا ؟ وهذا ما سنبحثه في المعاني الحرفية إنشاء الله تعالى .
هذا تمام الكلام في الأقسام الممكنة في الوضع ، ويقع الكلام في قسم رابع من الوضع وهو :
الوضع الخاص والموضوع له العام :
ويفترض في هذا القسم من الوضع ان الواضع يتصوّر معنىً جزئي غير صالح للانطباق الاّ على نفسه ، ثم بعد ذلك يضع اللفظ بازاء معنىً كلي عام ، فالموضوع له اللفظ هو المعنى الكلي العام وان كان المتصوّر حين الوضع هو المعنى الجزئي .
وتلاحظون ان هذا مستحيل إذ انَّ الوضع كما قلنا هو حكم على المعنى وهذا يقتضي ان يكون المعنى متصوّراً قبل الوضع ، وفي هذا القسم يكون المعنى المتصوّر غير المعنى المحكوم عليه ، أي غير المعنى الموضوع له اللفظ ، فالمعنى الموضوع له اللفظ هو العنوان الكلي أو قل هو المفهوم الكلي  ، والمعنى المتصوّر للواضع حين الوضع هو المعنى الجزئي ، ومن الواضح ان المعنى الجزئي لا يوجب تصوّر المعنى الكلّي ، فهو غير مساو للكلّي إذ أنَّ هذا خُلْفُ جزئيته ، كما لا يصلح للإشارة إلى العنوان الكلّي إذ أنَّ العنوان الكلّي ليس داخلا تحت الجزئي وصلوح المعنى لأن يُشير انما هو في حالة يكون المعنى المشار اليه مشمولا وداخلا تحت العنوان المشير .
ويمكن أن نمثّل لذلك بما لو تصوّر الواضع مفهوم الحيوان الناطق بما له من سعة ثم وضع لفظ زيد بإزاء ذات من أفراد هذا المفهوم العام ، فهنا يكون المعنى المتصوّر غير المعنى الموضوع له لفظ زيد إذ أن المعنى المتصوّر حين الوضع هو مفهوم الحيوان الناطق بما له من السعة والمعنى الذي وضع اللفظ بإزاءه وللدلالة عليه هو ذات من أفراد هذا المفهوم الكلّي ، وهذا يعني أن الذي وضع بإزاءه اللفظ هو معنىً جزئي ، والمعنى الجزئي لا يصلح للإشارة الى المعنى الكلّي لعدم مساوته له وعدم دخوله تحت عنوان جزئي كما هو واضح .
وبهذا اتّضح إستحالة هذا القسم ، وهو الوضع الخاص والموضوع له العام .

توقّف الوضع على تصوّر اللفظ :
قلنا فيما سبق أنَّ الوضع حكم على اللفظ والمعنى ، وهذا يقتضي تصوّر اللفظ والمعنى قبل الوضع .
وقد ذكرنا فيما سبق أقسام الوضع بلحاظ تصوّر المعنى الذي يراد وضع اللفظ دالا عليه ، ويقع الكلام في المقام عن تقسيم الوضع بلحاظ تصوّر اللفظ الذي يراد جعله دالا على المعنى .
فنقول : أنَّ الوضع بهذا اللحاظ ينقسم إلى قسمين :
الأول : الوضع الشخصي : وهو ما يكون اللفظ فيه متصوّراً بنفسه  ، وذلك بأن يتصوّر الواضع لفظاً بمادّته وهيئته ثم يضعه بإزاء معنىً من المعاني ، ويمكن التمثيل لهذا القسم من الوضع بأسماء الأجناس وبأسماء الأعلام الشخصيّة ، وذلك مثلا بأن يتصوّر الواضع لفظ أسد بمادته والتي هي ( أ ، س ، د ) وبهيئته والتي هي (فَعَل) بفتح الفاء والعين ، ثم يضع هذا اللفظ بإزاء معنىً كلّي وهو الحيوان المفترس ، وهذا هو وضع أسماء الأجناس ، وأما وضع أسماء الأعلام الشخصية فمثاله أن يتصوّر الواضع لفظ زيد بمادّته وهيئته ثم يضعه بإزاء معنىً جزئي وهو في المثال ذات من أفراد الإنسان .
الثاني : الوضع النوعي : وهو ما يكون اللفظ فيه متصوّراً بعنوان عام ومشير ، وذلك بأن يتصوّر الواضع مادّة في هيئة من الهيئات ، تكون هذه المادة عنواناً مشيراً الى الهيئة ، ثم يضع المادّة المتهيّئة بهيئة خاصّة بإزاء معنىً كلّي وليس غرضه من الوضع سوى تحديد هيئة للمعنى الكلّي ، وإنّما جعل الهيئة في ضمن مادة لأجل الإشارة الى الهيئة لعدم قدرة الواضع على إحصاء كل المواد المتهيّئة بهذه الهيئة ، ومثال ذلك أن يتصوّر الواضع هيئة الفعل الماضي في ضمن عنوان مشير إليها ـ وهو (فَعَلَ) « الفاء والعين واللام فتح الثلاثة » وهو إنّما احتاج في تصوّر هيئة الفعل الماضي إلى المادّة لأنَّ الهيئة لا تكون إلاّ في ضمن مادة من المواد ـ ثم يضع هذه المادّة المتهيّئة بهذه الهيئة المخصوصة بإزاء معنىً كلّي عام وهو في المثال (الحدث الذي مضى زمانه) .
فهذا هو الوضع النوعي وسمّي هذا الوضع نوعيّاً لأنَّ اللفظ المتصوّر حال الوضع لفظ غير مقصود بنفسه وإنّما بهيئته التي لها سريان في سائر المواد المتهيّئة بمثل هذه الهيئة .

المجـــاز :
يُعرَّف المجاز عادة : بأنّهُ استعمال اللفظ في غير ما وضع له ، أي : في معنىً ليس ذلك اللفظ موضوعاً للدلالة عليه بل أنَّ اللفظ الموضوع للدلالة عليه غيره ، كاستعمال لفظ الأسد في الرجل الشجاع ، فإنَّ الرجل الشجاع ليس موضوعاً له لفظ الأسد .
والمصحّح للمجاز عادة المشابهة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي ، فالمعنى الذي وضع الواضع اللفظ للدلالة عليه إذا شابهه معنىً آخر تكون هذه المشابهة مبرِّرة لاستعمال ذلك اللفظ الذي وضع للمعنى المشابَه ـ بفتح الباء ـ في المعنى المشابِه ـ بكسر الباء ـ وذلك مثل استعمال لفظ السواد للتعبير عن الكراهة وعبوس الوجه ، فإن لفظ السواد لم يوضع لذلك وانما وضع للون من الألوان ، ولكن المشابهة بين معنى لفظ السواد ـ وهو اللون الخاص ـ وبين الكراهة وعبوس الوجه سوّغ استعماله في المعنى المشابه للمعنى الموضوع له لفظ السواد ، قال الله تعالى : ] واذا بُشّر أحدهم بالاُنثى ظلَّ وجهه مسودّاً وهو كظيم [() .
ومع اتّضاح هذه المقدّمة نقول : إنَّ الوضع وبسبب القرن الأكيد يحدث علاقة بين المعنى وبين اللفظ الذي وضع لغرض الدلالة على ذلك المعنى ، وهذه العلاقة توجب تصوّر المعنى بمجرّد إطلاق اللفظ . ولمَّا كان لهذا المعنى ما يشابهه من معان اُخرى ـ بحيث تكون هذه المشابهة نحو علاقة موجبة للتقارن في الذهن ـ هذه المشابهة تكون مبرّراً لاستعمال اللفظ في المعنى الآخر المشابه للمعنى الموضوع له اللفظ ، فيكون الإقتران الذهني بين المعنى الموضوع له اللفظ والمعنى المشابه له محققاً للإقتران بين اللفظ المقترن بمعناه الحقيقي وبين المعنى المشابه والذي هو المعنى المجازي  .
وبعبارة اُخرى : المشابهة بين معنى ومعنى آخر تولّد إقتراناً بين اللفظ الذي هو للمعنى الأوّل وبين المعنى الثاني فتكون المشابهة سبباً في نشوء علاقة بين اللفظ والمعنى الثاني إلاّ أن هذه العلاقة ليست في إستيثاقها واستحكامها كالعلاقة الواقعة بين اللفظ والمعنى الأول الموضوع له ذلك اللفظ ، فلذلك عندما يطلق اللفظ يكون المنسبق منه الى الذهن هو المعنى الأول ، بل إستحكام العلاقة بين المعنى واللفظ الموضوع لذلك المعنى توجب إنسباق المعنى الاول من اللفظ حتى في موارد العلم بعدم إرادته وقد بيّنّا ذلك فيما سبق .
إذن العلاقة بين اللفظ والمعنى المجازي في طول العلاقة بينه وبين المعنى الحقيقي ، نعم عندما نستعمل اللفظ في المعنى الثاني المجازي مع القرينة تكون دلالة اللفظ بإضافة القرينة على المعنى المجازي دلالة فعلية يمكن الاعتماد عليها .
ثم ان الكلام في إحتياج دلالة اللفظ على المعنى المجازي الى وضع جديد ، فنقول : إن من الواضح عدم الحاجة الى ذلك لكفاية المعنى الحقيقي في الربط بين المعنى المجازي واللفظ ، فيكون المعنى الحقيقي واسطة في ثبوت العلاقة بين اللفظ والمعنى المجازي ، وبالتالي يكون اللفظ صالحاً للدلالة على المعنى المجازي ، وهذا المقدار لا اشكال فيه .
إنما الإشكال في إستعمال اللفظ في المعنى المجازي بدون وضع جديد  ، بأن يقال : ان صحة استعمال اللفظ في المعنى المجازي متوقّفة على انشاء وضع جديد بين اللفظ وبين المعنى الثاني المجازي ، وذلك لأنّ دلالة اللفظ على المعنى المجازي غير كافية وحدها لتصحيح الاستعمال ما لم يكن هناك وضع إذ المصحح للإستعمال هو الاوضاع اللغوية ، وبهذا يكون استعمال اللفظ في المعنى المجازي ـ بناءً على هذا القول ـ مفتقراً الى الوضع .
وفي مقابل هذا القول قول بكفاية دلالة اللفظ على المعنى المجازي في تصحيح الاستعمال .
وبتعبير آخر : ان العلاقة بين المعنى الاول والذي وُضع اللفظ له والمعنى الثاني كافية في تصحيح إستعمال اللفظ في المعنى الثاني المجازي .
ثم ان القائلين بلا بدّيّة الوضع في الاستعمال المجازي مسؤولون عن تصوير كيفيّة هذا الوضع الجديد ، إذ أنه لابدّ من أن يكون الوضع الجديد مشتملا على حيثيّة تحتفظ بمجازيّة الوضع الجديد ، وبأنه في طول الوضع الأول وإلا لصار استعمال اللفظ في المعنى الثاني استعمالا حقيقيّاً ويكون بذلك اللفظ موضوعاً بوضعين كل وضع على حدة ، وهذا ما يُحوّل المجاز الى مشترك لفظي وهو خُلْف الفرض إذ ان الدعوى هي الاحتفاظ بمجازية المعنى المجازي بعد الوضع الجديد .
ولذلك قال بعضهم في مقام تصوير وضع جديد يحتفظ بهذه الحيثية المذكورة ان الواضع يضع اللفظ بإزاء المعنى المجازي ، ولكن بشرط اشتماله على القرينة ، وبهذا يحتفظ المعنى المجازي بمجازيّته وطوليّته للوضع الأول .
ومع ذلك لم يقبل المصنّف (رحمه الله) بدعوى احتياج الاستعمال المجازي الى وضع جديد وان دلالة اللفظ على المعنى المجازي الناشئة عن العلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي كافية لتصحيح الاستعمال في المعنى المجازي ، وذلك لأنّه ما المراد من صحّه الاستعمال التي تمسك بها القائلون بلزوم الوضع الجديد في المعنى المجازي ؟
نقول : انّ مرادهم من صحّه الإستعمال لا يخلو عن أحد معنيين :
المعنى الأوّل : انّ صحة الاستعمال حسْنُهُ فقولهم لا يصح الإستعمال بغير وضع اي لا يحسن الاستعمال بغير وضع .
المعنى الثاني : ان المراد من صحة الاستعمال أنه لا يكون هذا الاستعمال منسوباً الى لغة إلا اذا كان واضع هذه اللغة قد وضع هذا اللفظ دالا على هذا المعنى وبه يصحّ نسبة إستعمال هذا اللفظ في هذا المعنى الى هذه اللغة . وكلا هذين المعنيين لا يقتضيان لزوم وضع جديد .
اما المعنى الأوّل : ـ وهو أن المراد من صحة الاستعمال حسْنُهُ وانّه لا يحسن الاستعمال بغير وضع ـ فلا نسلم انّ حُسْنَ الاستعمال متوقّف على خصوص الوضع اذ أن الغرض من الوضع هو ايجاد الدلالة على المعنى من اللفظ الموضوع فاذا كانت الدلالة موجودة فأيّ حاجة الى الوضع ، وهل هو الا من تحصيل الحاصل إذ قلنا بكفاية العلاقة بين المعنى الأول الحقيقي والمعنى المجازي لتحقق الدلالة على المعنى المجازي باللفظ الموضوع للمعنى الأول الحقيقي .
واما المعنى الثاني : ـ وهو أن المراد من صحة الاستعمال هو صحة انتسابه الى لغة ـ فهذا غير مسلَّم أيضاً إذ أنّ صحة الانتساب الى اللغة التي يتكلّم بها المتكلّم غير متوقّف على الوضع الجديد إذ ان استعمال اللفظ في المعنى المشابه ـ بصيغة الفاعل ـ للمعنى الموضوع له اللفظ مصحّح لانتساب هذا الاستعمال الى تلك اللغة .

علامات الحقيقة والمجاز :
لمّا لم نكن مطّلعين على كل الأوضاع اللغوية حيث تستوقفنا كثير من الألفاظ المستعملة في معان معيّنة ولا ندري أنّه استعمال فيما وضعت له هذه الألفاظ حتى يكون الاستعمال حقيقيّاً أو أنّه استعمال في غير ما وضعت له هذه الألفاظ فيكون الاستعمال مجازيّاً ، لمّا لم نكن مطّلعين على ذلك نشأتْ الحاجة إلى البحث عن ما يُميّز الاستعمال الحقيقي عن الاستعمال المجازي .
وهذا البحث يتصدَّى لبيان هذه العلائم التي تُميّز الحقيقة عن المجاز وهي كما يلي :
الأوّل : التبادر :
والمراد منه تصوّر معنىً من المعاني بمجرّد إطلاق اللفظ بحيث يكون هذا اللفظ هو المتصوّر الأول في الذهن دون بقيّة المعاني ـ التي يمكن أن يكون هذا اللفظ دالا عليها ـ وهذا الإنسياق والتصوّر السريع الحاصل من اللفظ يكون علامة على أنّ هذا المعنى هو الموضوع له ذلك اللفظ ، ولولا ذلك لاحتجنا في تصوّره من اللفظ الى قرينة خارجة عن حاق اللفظ تدل على أنّ هذا اللفظ استعمل في ذي القرينة .
الإشكال على علاميّة التبادر : وقد أورد على هذه العلامة بأنَّ جعل التبادر علامة الحقيقة يلزم منه الدور ، وذلك لأنّ التبادر متوقّف على العلم بالوضع ، وهنا نريد أن نحصّل العلم بالوضع عن طريق التبادر فيكون التبادر متوقّف على عين المتوقّف عليه ـ وهو العلم بالوضع ـ .
وبتعبير آخر : تنشأ العلاقة الدلاليّة بين اللفظ والمعنى عن طريق العلم بالوضع لأنّه ما لم نعلم بالوضع لا يكون اللفظ عندنا دالا على المعنى ، نعم إذا علمنا بالوضع تبادر المعنى بمجرّد إطلاق اللفظ ، وهذا يعني أن التبادر معلول للعلم بالوضع ، ونحن في مفروض البحث نجهل بالوضع ونبحث عن ما يرفع عنّا الجهل بالوضع فإذا إدّعينا أن التبادر يرفع الجهل بالوضع فهذا خُلْف ما ذكرناه من أنَّ التبادر معلول للعلم بالوضع إذ أنَّ التبادر بناءً على هذه الدعوى يكون علّة لتحصيل العلم بالوضع ، وهذا مستحيل بعد إفتراض كونه معلولا للعلم بالو