عودة للصفحة الرئيسية

 


يتبع 3... علم الأصول ( الجزء الأول )

 

الفهرس

 


------------------------

 


 

الإطـلاق




ويقع البحث في جهات :

الجهة الاُولى : في تحديد معنى الإطلاق :
الإطلاق بحسب مدلوله اللغوي يعني الإرسال بحيث يكون المطلق في سعة وفُسحة ، فحينما يُقال دابّة مطلقة فهذا يعني أنَّها مُرسَلة وغير معقولة بعقال يمنعها عن الإسترسال في الحركة ، وكذلك حينما يقال أطلق الرجل عنان دابّته أي رفع عنها القيد المانع لها عن الاسترسال .
وهذا المعنى اللغوي للإطلاق لا يختلف كثيراً عن معناه في مصطلح الاُصوليّين بل أنَّ كلَّ التعاريف المذكورة للإطلاق تحوم في حمى المعنى اللغوي ، وهذا واضح لِمَن تأمَّل في التعاريف التي ذكروها للإطلاق .
وكيف كان فقد عرّف المصنّف (رحمه الله) الإطلاق بما يُقابل التقييد ، ولمَّا أن كان المراد من التقييد هو ملاحظة موضوع الحكم أو متعلّقه مكتنفاً بقيد أو قيود موجبة لتضييق دائرة الموضوع أو المتعلّق فالإطلاق هو عدم ملاحظة تلك القيود .
فموضوع الحكم مثلا في كلٍّ من التقييد والإطلاق واحد غايته أنَّ التقييد يُضيف للموضوع قيوداً زائدة توجب تضيّقه ، وهذا بخلاف الإطلاق حيث أنَّ الموضوع معه يكون عارياً عن كل قيد حتى لحاظ عدم القيد إذ أنَّ لحاظ عدم القيد قيد ، في حين أنَّه قد افترضناه عارياً عن كل قيد .
وبهذا يصحُّ أن يقال أنَّ الإطلاق هو عدم لحاظ القيد للطبيعة الواقعة موضوعاً أو متعلّقاً لحكم من الأحكام ، فالحكم قد جعل في حالات الاطلاق على الطبيعة المجرّدة عن كل القيود ، وهذا هو معنى أنَّ الإطلاق من سنخ الاُمور العدميّة إذ أنَّ معناه عدم اللحاظ للقيد فكأنَّ المطلق ـ بصيغة الفاعل ـ لم يُلاحظ القيود من رأس ، وانما جعل الحكم على الطبيعة المجرّدة دون أن يكون له التفات الى القيود حتى يثبتها أو ينفيها إذ انّ إثبات القيد أو نفيه هو معنى التقييد ، فانّ نفي القيد معناه انّ الطبيعة ـ الواقعة موضوعاً أو متعلّقاً للحكم ـ مقيدة بعدم القيد وبه لا يكون موضوع الحكم هو الطبيعة المجرّدة ، فحينما يقول المولى : « الميتة بشرط عدم الاضطرار والاكراه حرام » فانَّ المجعول عليه الحرمة في المثال ليس هو الطبيعة المجرّدة والمرسلة بل هي الطبيعة المقيّدة بعدم هذه القيود .
وبعبارة اُخرى : أن الطبيعة المجعول عليها الحرمة ليس هي الميتة بما هي بل هي حصّه خاصّة من الميتة وهي الميتة المتّصفة بعدم الاضطرار والاكراه .
والمتحصّل ممّا ذكرنا ان الاطلاق يقابل التقييد تقابل التناقض حيث قلنا أنّ التقييد هو لحاظ القيود في مقام جعل الحكم على موضوعه أو متعلّقه ، والإطلاق هو عدم لحاظ القيود بل يكون الحكم مجعولا على الطبيعة المجرّدة عن القيود .
فالتقابل بين لحاظ القيد وعدم لحاظه هو تقابل التناقض كما هو واضح .
إذ اتّضح معنى الاطلاق ومعنى التقييد نقول : إنّ الإطلاق يمكن تصوّره في الموضوع كما يمكن تصوّره في المتعلّق ، وكذلك التقييد يمكن تصوّره في الموضوع والمتعلّق ، ومن أجل ان يتّضح المطلب نذكر لكل صورة من هذه الصور الأربع مثالا :
الصورة الاُولى : الإطلاق في الموضوع : ومثاله قوله تعالى : ]  حُرّمت عليكم الميتة [() ، فالميتة هي موضوع الحرمة في الآية الشريفة ، وتلاحظون ان الحكم قد جُعل على الطبيعة المرسلة والمجرّدة عن القيود إذ لم يُلحظ معها أيُّ قيد ، أي انّ مصب النظر في الآية الشريفة مقتصر على طبيعة الميتة بما هي .
الصورة الثانية : الاطلاق في المُتعلَّق : ومثاله « أكرم العلماء » فإنّ الإكرام هو متعلّق الوجوب الثابت بصيغة الأمر ، وتلاحظون ان متعلّق الحكم هو طبيعة الاكرام العاري عن تمام القيود ولذلك فهي تصدّق على كل أنحاء الاكرام .
الصورة الثالثة : التقييد في الموضوع : ويمكن التمثيل له بقوله تعالى  : ] ولا تقربوا مال اليتيم [() فإن الموضوع للحرمة في الآية الشريفة هو طبيعي المال ولكن بإضافة قيد وهو اليتيم .
الصورة الرابعة : التقييد في المُتعلَّق : ومثاله أيضاً قوله تعالى : ]  ولا تقربوا مال اليتيم إلاّ بالتي هي أحسن [() فالمتعلّق للحرمة في الآية الشريفة هي طبيعي التصرّف في مال اليتيم ولكن لوحظ مع هذه الطبيعة قيد زائد وهو المستفاد من قوله تعالى : ] إلاَّ بالتي هي أحسن [ إذ انّ هذا تقييد لمتعلَّق الحرمة فكانّه قال : أنهاكم عن التصرّف بغير حق ، فبغير حق قُيّد به التصرّف الذي هو متعلَّق النهي في الآية الشريفة .

الجهة الثانية : هل الإطلاق مُستفاد من الوضع أو من دالٍّ آخر ؟
ويتحدَّد الجواب عن هذا السؤال بتحديد ما هو الموضوع لألفاظ المفاهيم الواقعة موضوعاً أو متعلّقاً للأحكام ، فإذا قلنا أنَّ الفاظ المفاهيم موضوعة للطبايع بما هي دون أن يكون الإطلاق والتقييد دخيلا فيما هو الموضوع لها فهذا يعني أنَّ الإطلاق غير مُستفاد من الوضع ، وإذا قلنا إنَّ ألفاظ المفاهيم موضوعة للطبايع بنحو الإطلاق فهذا يعني أنّ الاطلاق مُستفاد من الوضع ، مثلا لو قلنا إنَّ لفظ الإنسان أو لفظ الإكرام موضوعان لطبيعة الإنسان بما هي ولطبيعة الإكرام بما هو دون أن يُلحظ مع هذه الطبيعة شيء آخر فهذا يعني أنَّ الإطلاق كالتقييد يعرضان على الطبيعة وليس للفظ الإنسان أو للفظ الإكرام أيّ دلالة عليهما وإنّما يُستفادان من دالٍّ آخر ، فحينما يُقال : « أكرم الإنسان » فإنَّ هنا مدلولين الأول طبيعة الإنسان والآخر الإطلاق ، والمدلول الأوّل مستفاد من لفظ الإنسان والمدلول الثاني مستفاد من دال آخر غير مفهوم الإنسان كما هو الحال في التقييد فحينما يقال : « أكرم الإنسان العالم » فإنَّ مفهوم الإنسان أفاد معنى الطبيعة بما هي  ، والعالم أفاد التقييد على نحو تعدد الدال والمدلول .
وهذا بخلاف ما لو قلنا إنَّ لفظ الإنسان موضوع للطبيعة المطلقة فإنَّ الإطلاق حينئذ مُستفاد من نفس لفظ الإنسان ولا نحتاج الى دالٍّ آخر لإفادته ، وبه يكون استعمال لفظ الإنسان في خصوص العالم إستعمالا مجازيّاً لأنّه استعمال في غير ما وضع له لفظ الإنسان إذ أنّه وضع للطبيعة المطلقة وقد استُعمل في الطبيعة المقيَّدة بالعالميَّة .
الثمرة المترتّبة على ما هو الدالُّ على الإطلاق :
ويترتّب على الخلاف فيما هو الدال على الإطلاق ثمرتان :
الثمرة الاُولى : وقد أشرنا إليها فيما سبق ونذكرها لمزيد من التوضيح وهي أنّه بناءً على أنَّ ألفاظ المفاهيم موضوعة للطبايع بما هي فهذا يعني عدم وجود أيِّ تجوّز في استعمال اللفظ الدال على الطبيعة في المقيّد بنحو يكون الدالُّ على القيد لفظاً آخر ، فيكون لفظ المفهوم محتفظاً بمعناه وهو الطبيعة بما هي والقيد مُستفاد من لفظ آخر على نحو تعدّد الدالِّ والمدلول .
وأمَّا بناءً على أنَّ ألفاظ المفاهيم موضوعة للطبايع المطلقة ، فهذا يعني أنَّ استعمال ألفاظ المفاهيم وإرادة الطبايع المقيّدة استعمال مجازي إذ أنّه استعمال في غير ما وضعت له ألفاظ المفاهيم .
الثمرة الثانية : لو استُعمل لفظ من ألفاظ المفاهيم في قضية من القضايا ولم ندرِ أنّه استعمل في الطبيعة المطلقة أو في حصة خاصة منها ، فإنَّه بناء على القول الأول لا يمكن تحديد ما هو المراد من هذا اللفظ بواسطة الوضع إذ أنَّ الوضع بناءً على هذا القول لا يدلُّ على أكثر من الطبيعة بما هي  ، والإطلاق والتقييد أمران يعرضان عليها فنحتاج لإثبات أحدهما إلى دالّ آخر غير اللفظ الدال على الطبيعة .
وأمَّا بناء على القول الثاني فإنَّه في مثل هذا الفرض نحمل اللفظ على الطبيعة المطلقة إذ أنّه هو المعنى الموضوع له لفظ المفهوم حيث قلنا إنّ الإطلاق قد اُخذ في المعنى المدلول عليه بلفظ المفهوم .
وبهذا تكون الدلالة الوضعيّه التصوّرية للفظ المفهوم هي الطبيعة المطلقة ومنه نُحرز أنَّ المتكلّم أراد من لفظ المفهوم الطبيعة المطلقة وذلك لقاعدة إحترازية القيود .

الجهة الثالثة : الصحيح من القولين بنظر المصنّف (رحمه الله) :
وقد استوجه المصنّف (رحمه الله) من هذين القولين القول الأول القاضي بكون ألفاظ المفاهيم موضوعة للطبايع بما هي دون أن يكون لهذه الألفاظ دلالة على الإطلاق .
واستدلّ على ذلك بما عليه أهل المحاورة وبما هو المتفاهم عندهم من عدم عدِّ استعمال لفظ المفهوم في الحصَّة الخاصَّة ـ على سبيل تعدّد الدال والمدلول ـ مجازاً مما يكشف عن أنَّ الموضوع له لفظ المفهوم هو الطبيعة فحسب دون أن تكون له دلالة على الإطلاق بالإضافة للطبيعة .
قرينة الحكمة : وبعد أن لم يكن الوضع دالا على الإطلاق يقع الكلام عن ما هو الدالُّ على الإطلاق فنقول : إنَّ الإطلاق ـ كما ذكرنا ـ هو عدم لحاظ القيود في الموضوع الذي يُراد جعل الحكم له وإذا كان كذلك ففي كل مورد لا يذكر فيه المتكلّم أيَّ قيد للموضوع المجعول في الحكم رغم أنَّ المتكلّم في مقام بيان تمام غرضه ، وليس هناك مانع يمنعه عن بيان تمام مراده  ، فهذا يعني أنَّ الحكم قد جعل الحكم على الموضوع المطلق والمجرّد عن تمام القيود ، ولو لم يكن كذلك لذكر القيود المضيِّقة لدائرة الموضوع ، وإلاَّ لكان ذلك خُلْف كون المتكلّم في مقام البيان لتمام غرضه والذي استفدناه من ظهور حال كلّ متكلّم وأنّه يُبيّن تمام مراده .
وبهذل يتّضح أنَّ الإطلاق مُستفاد من ظهور حال كلِّ متكلّم في أنَّ ما ذكره هو تمام مراده وأنَّ الذي لم يذكره في كلامه فهو غير مُراد له إذ أنَّه لو كان مراداً لذكره ، فعدم ذكره له كاشفٌ عن عدم إرادته إذ لو كان مريداً له ولم يذكره لكان ذلك نقضاً للغرض ، والحكيم لا ينقض غرضه .
وبهذا البيان ـ المُعبَّر عنه بقرينة الحكمة ـ ينعقدُ الظهور للإطلاق .
ولمزيد من التوضيح نقول : إنَّ الدالَّ على الإطلاق هو قرينة الحكمة وهي تعني ظهور حال المتكلّم في عدم إرادة القيود التي لم يذكرها في كلامه . ومنشأ هذا الظهور هو مجموعة من المقدمات ينعقدُ عن ترتيبها هذا الظهور الحالي السياقي وهذه المقدِّمات هي :
أولا : إفتراض الموضوع ـ الذي جعل المتكلّم له الحكم ـ مجرّداً عن أيِّ قيد .
ثانياً : إفتراض عدم وجود مانع يمنع عن بيان تمام المراد من تقيّة أو نحوها .
ثالثاً : إنَّ الأصل في كلِّ متكلّم أن يكون في مقام بيان تمام أغراضه .
رابعاً : انَّ كلَّ متكلّم عاقل إذا تعلَّق غرضه بشيء يسعى لتحقيق غرضه .
خامساً : انَّ عدم السعي لتحقيق الغرض نقض للغرض .
سادساً : انَّ الحكيم لا ينقض غرضه ولا يسمح بفواتِ وتضييعِ مُراداته .
سابعاً : إنَّ عدم ذكر القيد مع عدم إرادته نقض للغرض وتفويتٌ للمصالح المُرادة كما أنَّه خُلْف كونِ المتكلّم في مقام بيان تمام مراده .
ولو تأمّلنا هذه المقدّمات ورتّبناها على شكل أقيسة منطقيّة لوجدنا أنَّها هي التي أوجبت ظهور حال المتكلّم في عدم إرادة القيود التي لم يذكرها وهذا هو عينُ قرينة الحكمة المُوجبة لانعقاد الظهور في الإطلاق .
وخلاصة الكلام إنَّ قرينة الحكمة التي ينعقد بها الظهور في الإطلاق لا تكون إلاَّ في مرحلة المدلول التصديقي الجدِّي كما هو الحال في قاعدة احترازية القيود إذ أنّهما يشتركان في أنَّ استفادتهما لا تتمُّ إلاَّ من خلال معرفة حال التمكلّم وأنَّه جادٌّ في تفهيم مقاصده عن طريق ما جاء به من خطاب .
غاية ما في الأمر أنَّ قاعدة إحترازية القيود تفترق عن قرينة الحكمة في أنَّ الاُولى تُوجب إنعقاد ظهور حال المتكلّم في أنَّ ما ذكره من قيود من مرحلة المدلول الوضعي التصوّري فهي مرادة في مرحلة المدلول التصديقي الجدّي .
أمّا قرينة الحكمة فهي تُوجب ظهور حال المتكلّم في أنَّ الذي لم يذكره في خطابه في مرحلة المدلول الوضعي التصوّري فهو غير مُراد له ، وبهذا ينعقد الظهور في الإطلاق إذ أنَّ القيود التي لم يذكرها إذا لم تكن مُراده فهذا يعني انّ المراد هو الطبيعة المجرّدة فحسب إذ أنها هي التي ذكرها المتكلّم في خطابه ، فبضمّ أنما ذكره من لفظ دالٍّ على الطبيعة فهو مُريد له ، وانّ الذي لم يذكره من قيود للطبيعة فهو غير مراد له ينعقد الظهور في الاطلاق .
وهنا إشكال قد يَرد على إنعقاد الظهور في الاطلاق بواسطة قرينة الحكمة وحاصله :
انّ قرينة الحكمة تعتمد فيما تعتمد على استظهار كون المتكلّم في مقام البيان لتمام مراده ، وهذه المقدّمة غير حاصلة وذلك لأنّ المتكلّم إذا لم يُبيِّن ما يدلّ على الاطلاق فهو لم يُبيِّن تمام مراده ، إذ غاية ما بيَّنه هو جعل الحكم على الطبيعة وهي بنفسها لا تقتضي الاطلاق كما لا تقتضي التقييد ، والحال أنَّه إمّا انْ يكون مريداً للإطلاق أو يكون مريداً للتقييد ، فما بيَّنه إذنْ ليس تمام مراده إذ أنَّ مراده لو كان التقييد فهو لم يأتِ بالتقييد كما هو الفرض ، ولو كان مراده الاطلاق فأيُّ شيء يدلُّ على الإطلاق ؟ في حين لم يأتِ في كلامه الاّ بما يدلُّ على الطبيعة ، والطبيعة ـ كما هو مقتضى هذا المبنى ـ لا تستبطن هذا الاطلاق .
والجواب عن هذا الإشكال يتمُّ بملاحظة ما ذكرناه من أنَّ الاطلاق هو عدم لحاظ القيود ، فإذا كان المتكلّم قد جعل الحكم على الطبيعة ولم يقيّد هذه الطبيعة بأيِّ قيد فإنَّ هذا يعني عدم إرادة هذه القيود إذ أنّه لو كان مريداً لها ولم يذكرها فقد نقض غرضه والحكيم لا ينقض غرضه ، وبهذا ينعقد الاطلاق إذ أنَّ الاطلاق كما قلنا ليس أكثر من عدم لحاظ القيود ، وقد ثبت بالمقدّمة السابقة انّ المتكلّم لم يُلاحظ القيود حينما جعل الحكم على الطبيعة .
إذن فالذي هو مفتقر إلى مؤنة زائدة على ذكر الطبيعة هو التقييد إذ انّه يعني لحاظ القيود ولا مثبت للحاظ القيود إلا ذكرها .
وهذا بخلاف الاطلاق فإنَّ ذكر الطبيعة وحدها مع الظهور الحالي للمتكلّم في انّ الذي لم يذكره لا يُريده كاف في إنعقاد الاطلاق .
وبعبارة اُخرى : كاف في إثبات عدم إرادة القيود وهو معنىً ثان للإطلاق إلا أنْ يقال بانّ الاطلاق لا ينعقد إلاّ بتصريح المتكلّم بعدم ارادة القيود ، ولكن هذا القول بعيد عن الصواب وذلك لأنّه يستبطن انّ المتكلّم لابدَّ ان يذكر كل ما يريد وكل ما لا يريد والاّ لا ينعقد لكلامه ظهور ، وهذا باطل حتماً إذ انّ المتفاهم العرفي من حال كلّ متكلّم انّ الذي لم يذكره في خطابه فهو لا يُريده وانّ مقدار ما يريده هو مقدار ما بيّنه في خطابه .
وبهذا اتضح أنّ قرينة الحكمة هي الدالُّ على الاطلاق ولهذا لا ينعقد للاطلاق ظهور فيما لو اختلَّت بعض مقدمات قرينة الحكمة ، فلو أحرزنا من الخارج مثلا انّ المتكلّم ليس في مقام البيان لتمام موضوع حكمه فإنّه لا ينعقد للإطلاق ظهور إذ لا يمكن في هذه الحالة إستظهار أنّ الذي لم يذكره المتكلّم فهو غير مريد له إذ لعلّ بعض الذي لم يذكره مراد له ، ولا نافي لهذا الاحتمال بعد أن أحرزنا ان المتكلّم ليس في مقام البيان لتمام موضوع حكمه  ، وهذا بخلاف ما لو كان الإطلاق مستفاداً عن الوضع فإنَّ ذكر الطبيعة وحدها كاف في انعقاد الظهور في الاطلاق حيث أن الطبيعة ـ بناءً على هذا المبنى ـ تستبطن معنى الاطلاق وذلك لأنّ اللفظ الدال عليها موضوع للطبيعة المطلقة ، وبذكر اللفظ الدالِّ على الطبيعة المطلقة تتنقّح الدلالة الوضعيّة التصوّرية ، وبضم هذه الدلالة الى قاعدة احترازية القيود ـ  التي تنشأ عن أصالة التطابق بين المدلول التصوّري والمدلول الجدِّي ـ ينعقد الظهور في الاطلاق أي أنَّ المتكلّم مُريد للإطلاق .
وبتعبير آخر : انّه لمّا كان معنى إحترازيّة القيود هو أنّ كلَّ ما ذكره في خطابه فهو مُريد له ، فهذا يعني أنه مُريد للإطلاق إذ انّ ذكر ما يدلَّ على الطبيعة ذكر للاطلاق حيث انّ اللفظ الدال عليها موضوع للطبيعة المطلقة ، وهذا بخلاف المبنى الآخر حيث أنّ اللفظ الدال على الطبيعة لا يدلُّ على أكثر منها وانّ الاطلاق إنما هو مُستفاد من قرينة الحكمة ولمّا كانت بعض مقدّمات قرينة الحكمة مفقودة في المقام فلا دالّ على الاطلاق .

الجهة الرابعة : أقسام الإطلاق :
ويمكن تقسيم الاطلاق إلى قسمين :
الأول : الاطلاق الشمولي .
الثاني : الاطلاق البدلي .
وكل واحد من هذين القسمين يمكن تقسيمه الى قسمين فحاصل أقسام الاطلاق أربعة :
القسم الاول : الاطلاق الشمولي : وهو ما كان الاطلاق فيه مستوعباً لتمام أفراد أو أحوال الطبيعة المطلقة بحيث يكون الحكم المجعول على الطبيعة المطلقة منحلاًّ الى أحكام بعدد أفراد أو أحوال تلك الطبيعة .
وبتعبير آخر : يكون الحكم مجعولا على كل أفراد أو أحوال الطبيعة على سبيل العطف بالواو .
وهذا القسم من الإطلاق يمكن تقسيمه إلى قسمين :
الاول : الاطلاق الشمولي الافرادي : وهو ما كان مصب الحكم فيه هو أفراد الطبيعة ، فهو شمولي باعتبار إستيعابه للطبيعة وأفرادي باعتبار أنّ مصبّه أفراد الطبيعة . ومثاله قوله تعالى : ] واجتنبوا قول الزور [() فإنَّ الحكم ـ وبواسطة قرينة الحكمة ـ مجعول على تمام أفراد الطبيعة « وهي الزور » فلذلك يمكن تحليل هذا الخطاب الى قضايا ـ موضوعها فرد من أفراد الزور ومحمولها لزوم الاجتناب ـ بعدد أفراد الطبيعة .
الثاني : الاطلاق الشمولي الأحوالي : وهو ما كان مصبُّ الحكم فيه أحوال الطبيعة الواقعة موضوعاً أو متعلّقاً لذلك الحكم ، فهو شمولي باعتبار إستيعابه للطبيعة وأحوالي باعتبار أنّ الحكم وقع على أحوال الطبيعة ، ومثاله قوله تعالى : ] ولا تقربوا مال اليتيم [() فان الحكم ـ وبواسطة قرينة الحكمة مجعول على تمام أحوال طبيعة اليتيم أي سواء كان رضيعاً أو مراهقاً وسواء كان سفيهاً أو عاقلا غنياً أو فقيراً وهكذا .
القسم الثاني : الاطلاق البدلي : وهو ما كان الحكم واقعاً على أحد أفراد أو أحوال الطبيعة على سبيل البدل بحيث يمكن تحليل الطبيعة الى أفرادها وجعل الحكم على الافراد بنحو العطف « بأو » ، ولذلك يتحقق الإمتثال بمجرّد الاتيان بفرد من أفراده .
وهذا القسم ينقسم أيضاً الى نفس القسمين اللَّذين ينقسم عليهما الإطلاق الشمولي ، غايته انّ الاطلاق هناك شمولي وهنا بدلي ويمكن التمثيل للأول بقوله تعالى : ] أقم الصلاة [() فإنّ الإطلاق هنا بدلي أفرادي حيث أنّ الحكم قد وقع على أحد أفراد الطبيعة « وهي الصلاة » على سبيل البدل  .
ويمكن التمثيل للثاني بقوله تعالى : ] وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله ... [() فإنَّ امتثال الأمر يتحقق ببعث حكم سواء كان عالماً أو جاهلا شيخاً أو كهلا .
وبما ذكرناه يتّضح أنَّ الطبيعة الواحدة قد يعرضها في وقت واحد إطلاق أفرادي وإطلاق أحوالي كما في الآية الشريفة حيث يمكن التمسك بإطلاقها لإثبات إجزاء أيَّ فرد من أفراد الأهل كما يمكن التمسك بإطلاقها لإثبات أيَّ حالة يكون عليها الحكم المبعوث .
الإطلاق في المعاني الحرفية :
لا ريب في إمكان بل وقوع الإطلاق في المعاني الاسمية ـ والتي هي مُستفادة من ألفاظها إستقلالا ـ وذلك مثل : (تصدّق على الفقير) فإنّه يمكن بقرينة الحكمة أنْ يعرض الإطلاقُ طبيعةَ الفقير والذي هو من المعاني الاسمية إذ أنّ لفظ الفقير يدلّ على معناه استقلالا وكذلك الكلام في مثل : (لا تكذب) فإنَّ طبيعة الكذب من المعاني الإسمية إذ هو دال على معناه استقلالا ، وهذا المقدار كما قلنا من صلاحية قرينة الحكمة لخلْق الإطلاق لا ريب فيه ، إنَّما الإشكال في صلاحية قرينة الحكمة لخلق الإطلاق في المعاني الحرفية ـ والمستفادة من الهيئات الواقعة في إطار الجمل التامّة والناقصة وذلك مثل الحرمة المُستفادة من هيئة (لا تكذب) فإنَّ الكلام يقع فيها من حيث إمكان جريان قرينة الحكمة لإثبات الإطلاق في النسبة الزجريّة أو عدم إمكان ذلك .
وهذا ما أرجأ المصنّف البحث عنه إلى الحلقة الثالثة ، وسيتّضح هناك إمكان جريان قرينة الحكمة في المعاني الحرفيّة .
التقابل بين الإطلاق والتقييد :
وقبل البحث عن نحو التقابل بين الإطلاق والتقييد لابدَّ من بيان أقسام التقابل . وهي كما ذكر المناطقة على أربعة أقسام :
الأول : تقابل التضاد : وهو ما يكون بين الأمرين الوجوديين اللَّذَين يستحيل عُروضهما على موضوع واحد في آن واحد ولا يكون تصوّر أحدهما مستدعياً لتصوّر الآخر . وإن حصل التداعي من تصوّر أحدهما لتصوّر الآخر فهو لأمر خارجي لا يقتضيه نفس تصوّر الضد .
ويمكن التمثيل لذلك بالحُسْن والقُبْح والحُب والبُغض الذكاء والغباء ، فإنَّ كلاًّ من الحُسن والقُبح أمران وجوديّان يستحيل عروضهما على موضوع واحد في آن واحد كما لا يلزم من تصوّر أحدهما تصوّر الآخر .
الثاني : تقابل التضايف : وهو يكون أيضاً بين الأمرين الوجوديّين اللَّذَين يستحيل عروضهما على موضوع واحد ومن حيثيّة واحدة ، وجهة الإفتراق بين التضاد والتضايف أنَّ الاول لا يلزم من تصوّر أحدهما تصوّر الآخر بخلاف الثاني فإنَّ تصوّر أحد المتضايفَين يلزم منه تصوّر الآخر ، ومثاله : الأب والإبن وأخوة زيد لعمرو وأخوة عمرو لزيد والقريب والبعيد والصغير والكبير وهكذا .
فإنَّ التقابل بين الأب والإبن تقابل التضايف ، وذلك لأنّهما أمران وجوديّان يستحيل إجتماعهما على موضوع واحد من حيثيّة واحدة إذ أنَّه لا يمكن أن يكون زيد أباً لعمرو وإبناً لعمرو نفسه ، وإلى هذا المقدار يكون تقابل التضايف هو عين تقابل التضاد إلاَّ أنّهما يفترقان من حيث أنّ تقابل التضايف لا يكون إلاَّ في العنوانين اللَّذَين يلزم من تصوّر أحدهما تصوّر الآخر كما في مثالنا ، فإنَّ تصوّر عنوان الأب يستلزم تصوّر عنوان الإبن وما ذلك إلاَّ لأنَّ العناوين المتضايفة عناوين نسبيّة إضافية أيْ أنَّها تُنتزع من إضافة أحد العنوانين إلى الآخر .
الثالث : تقابل التناقض : وهو ما يكون بين الوجود والعدم لذلك الوجود ، واستحالة اجتماعهما يُعَدُّ من الأوليّات التي لا تفتقر إلى برهان ، كما أنّه يستحيل ارتفاعهما إذْ أنّه ليس هناك حالة ثالثة ليست وجوداً وليست عدماً بل الأشياء لا تخلو إمَّا أن تكون موجودة أو معدومة ، ومثاله : وجود الحيوان وعدم وجوده ، ووجود الكرم وعدم وجوده ، وهكذا .
إذن يفترق التقابل بين النقيضين عن التقابل بين الضدّين والمتضايفين أنّ النقيضين يستحيل خلو الواقع عنهما معاً ، وهذا بخلاف الضدّين والمتضايفين .
وهناك فارق آخر وهو أنَّ تقابل التناقض يُتعقّل في الجواهر كما يُتعقّل في الأعراض ـ كما اتضح ذلك من التمثيل السابق ـ وهذا بخلاف تقابل التضاد والتضايف فإنّه لا يكون إلاَّ من الأعراض ، ولذلك قلنا (أنهما يعرضان على موضوع واحد) .
الرابع : تقابل الملكة وعدمها : وهو التقابل الواقع بين الوجود والعدم في موضوع يمكن أن يتّصف بذلك الوجود ، فلذلك لا يكون التقابل بين الملكة والعدم إلاَّ في الأعراض إذ أنَّ الملكة لا تجعل بجعل الذات بل هي تعرض على الذات أو لا تعرض ، وذلك لأنَّ الذات تجعل بنحو الجعل البسيط والذي هو إيجاد نفس الذات ، وهذا بخلاف جعل الملكة فإنَّه يكون بنحو الجعل التأليفي أي اتصاف الذات بشيء بعد تقرُّرِ الذات في رتبة سابقة  ، ومن هنا يتّضح إمكان خلوِّ الواقع عن الملكة وعدمها بأن لا يكون الموضوع متّصفاً بالملكة أو بعدمها إلاَّ أنَّ خلو الواقع منهما لا يُتصوّر إلاَّ في الموضوعات التي ليس لها شأنية الإتّصاف بالملكة ، أمّا في الموضوع الذي له شأنيّة الإتّصاف بالملكة فإنّه لا يمكن أنْ يخلو واقعه من الملكة وعدمها .
ويمكن التمثيل لهذا النوع من التقابل بالنطق وعدمه والشجاعة وعدمها ، فإنَّ النطق هو الملكة وعدم النطق هو عدم الملكة ولا يمكن إجتماعهما على موضوع واحد في آن واحد ، كما أنَّ عدم ملكة النطق مثلا لا يتّصف بها غير الإنسان كالنبات إذ أنّه غير متّصف بالملكة فلا يتّصف بعدمها ، وبهذا يتّضح إمكان خلوّ الواقع منهما فإنَّ النبات لمَّا لم يكن له شأنية الملكة فلا يتّصف بعدهما .
إذا اتّضحت أنحاء التقابل ، يقع الكلام فيما هو نوع التقابل بين الإطلاق والتقييد ، والبحث عنه تارة يقع في مقام الثبوت واُخرى في مقام الإثبات .
أمَّا مقام الثبوت : فتوضيحه أنَّ واقع التقابل يمكن تحديده وتضييق دائرة احتمالاته عن طريق ما ذكرناه في بيان معنى التقييد والاطلاق ، حيث قلنا أنَّ التقييد هو لحاظ القيد والإطلاق هو عدم لحاظ القيد ، وإذا كان كذلك فنحو التقابل بينهما لا يمكن أن يكون من قبيل تقابل الضدَّين أو تقابل المتضايفين لأنَّ التقابل بين الضدّين وكذلك المتضايفين لا يكون إلاَّ بين الأمرين الوجوديين ، والإطلاق ليس من سنخ الاُمور الوجوديّة إذ أنّه كما قلنا عبارة عن عدم لحاظ القيد ، وبذلك تنحصر دائرة الإحتمالات عن واقع التقابل بين الاطلاق والتقييد في احتمالين :
الإحتمال الأول : هو تقابل التناقض : إذ أنَّه يمكن أن ينسجم مع تعريف الإطلاق والتقييد كما هو واضح ، فيكون التقييد والإطلاق من قبيل وجود زيد وعدم وجوده ، ويترتّب على هذا الإحتمال أنَّه في كلّ مورد يثبت فيه التقييد فهو يعني عدم الإطلاق وكذلك العكس ، وذلك لأنَّ الواقع لا يخلو من أحد النقيضين كما اتّضح مما سبق .
الإحتمال الثاني : هو تقابل الملكة وعدمها : وهذا الاحتمال أيضاً يمكن إنسجامه مع تعريف الإطلاق والتقييد بحيث يكون التقييد هو الملكة والإطلاق هو عدم الملكة ، ويترتّب على ذلك أنَّ الإطلاق لا يُتصوّر إلاَّ في مورد يمكن فيه التقييد كما هو الحال في النطق وعدمه .
أمَّا مقام الإثبات : فالمتعيّن فيه هو تقابل الملكة وعدمها ، فالتقييد هو الملكة والإطلاق عدمها ، وذلك لأنَّ مقام الإثبات يعني مقام ما يُثبِت الإطلاق والتقييد في مرحلة الدلالة على مقام الثبوت ، إذ أنَّ وظيفة مقام الإثبات والدلالة هي الكشف عن مقام الثبوت والواقع ، ومن الواضح أنَّ الذي يكشف عن التقييد الثبوتي هو ذكر القيد في مقام الدلالة ، وأنَّ الذي يكشف عن الإطلاق الثبوتي هو عدم ذكر القيد في مورد يمكن فيه التقييد أي له شأنيّة أن يُقيد ، ولو لم يكن المورد قابلا للتقييد لما كان عدم ذكر القيد دالا على الإطلاق الثبوتي وذلك لأننا بالوجدان نرى أنَّ الموارد التي لا تقبل التقييد لا يكون عدم ذكر القيد لها كاشفاً عن الإطلاق ، وهذا ما يدلُّ على أنَّ نحو التقابل بين الإطلاق والتقييد في مرحلة الإثبات هو تقابل العدم والملكة .
الحالات المختلفة لاسم الجنس :
وقبل بيان هذه الحالات لابدَّ من تشخيص معنى اسم الجنس فنقول :
إنَّ اسم الجنس هو ما يُوضع بإزاء الطبيعة التي يمكن أن تنطبق خارجاً على كثرين ، باعتبارها الحقيقة المشتركة بينهم ، إلاَّ أنَّ هذا لا يعني أنَّ اسم الجنس موضوعاً للطبيعة بقيد الانطباق على ما تصدق عليه من أفراد لأنَّ ذلك يعني أنَّ الإطلاق مأخوذ فيما وُضع له اسم الجنس ، وقد قلنا أنَّ الإطلاق كالتقييد يعرض على الطبيعة أو لا يَعرض .
ويمكن التمثيل لإسم الجنس بكل المفاهيم المُعبَّر عنها في المنطق بالمفاهيم الكليّة ، والتي يكون لها مصاديق أو لا يكون لها مصاديق في الخارج كالإنسان والأسد والرجل والنار والحجر والشجر ، وهكذا ، فإنَّ كلّ هذه العناوين مفاهيم كلّية لها مصاديق أو يمكن أن لا يكون لها مصاديق في الخارج .
وإذا اتّضح المراد من اسم الجنس ، فنقول : إنَّ لاسم الجنس ثلاث حالات :
الحالة الاُولى : وهي ان يكون اسم الجنس معرَّفاً باللاّم ، وذلك مثل قوله تعالى : ] حُرِّمت عليكم الميتةُ والدمُ [() وقوله تعالى : ] أقم الصلاةَ لدلوكِ الشمس [() ، فإنَّ المتية والدم والصلاة كلُّها اسماء أجناس معرّفةٌ بالاَلف واللام ، وقد أضفت لامُ التعريف على هذه الأسماء خصوصية زائدة على ما هو الموضوع له إسم الجنس ، وهذه الخصوصية الزائدة هي التعريف إذ انّه لا تُستفاد هذه الخصوصيّه من حاقِّ اسم الجنس .
ولام التعريف على أنحاء ، فتارةً تُفيد العهد الحضوري وتارة تُفيد العهد الذكري ، وتارة تُفيد العهد الذهني الخاص ، واُخرى تفيد العهد الذهني العام ويُعبَّر عنها في النحو الرابع بلام الجنس .
وهذه الأنحاء الأربعة للام التعريف تشترك في أنّها مُفيدة للإشارة الى ما هو متعيِّن ومعهود عند المخاطب ، فدورها دور اسم الاشارة ، فكما أنّ اسم الاشارة تُوجِّه المخاطب نحو ما هو معهود ومتعيِّن عنده من معنى المُشار اليه ، فكذلك لام التعريف ، فقولنا الأسد في قوّة قولنا « هذا أسد » من حيث أنّ اللام وإسم الاشارة « هذا » يُشيران الى ما هو المتعيّن في الذهن عند المخاطب نيتجة مُلابسات وعوامل إقتضت ذلك التعيّن والمعهوديّة ، غايته ان نوع التعيّن تختلف باختلاف أنحاء لام التعريف .
أمّا النحو الأول : للام التعريف ـ وهي العهديّة الحضوريّة ـ فتتحقّق في حالة يكون فيها اسم الجنس مذكوراً في الخطاب قبل تعريفه ، فتعريف اسم الجنس بعد ذلك وفي نفس الخطاب يُفيد العهد الحضوري لحضور اسم الجنس بنفسه في الخطاب ، وذلك مثل قوله تعالى : ] كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنّها كوكبٌ دُرّي [() فإنّ لام المصباح ولام الزجاجة هي لام العهد الحضوري ، وذلك لأنّ اسم الجنس وهو « مصباح وزجاجة » قد ذُكر في نفس الخطاب منكَّراً قبل ذكره معرَّفاً باللام ، فلذلك تكون اللام في المصباح والزجاجة مُشيرة لما هو متعيّن ومعهود عند المخاطب من معنى مصباح وزجاجة بسبب ذكر المتكلّم لهما في خطابه قبل ذكرهما معرَّفين باللاّم .
وأمّا النحو الثاني : للام التعريف ـ وهي اللام المفيدة للعهد الذكري ـ فتتحقّق في حالة يكون فيها اسم الجنس مذكوراً في خطابات سابقة على الخطاب الذي عُرِّف فيه اسم الجنس باللام ، كأنْ يقول المتكلّم « رأيت أسداً » ثم يقول بعد ذلك لنفس المخاطب « انّ الاسد كان كبيراً » فإنّ اللام في هذا الخطاب هي لام العهد الذكري ، وهي تُشير الى ما هو المتعيّن والمعهود عند المخاطب بسبب ذكر اسم الجنس مجرّداً عن لام التعريف في خطاب سابق .
وأمّا النحو الثالث : للام التعريف ـ وهي اللام المفيدة للعهد الذهني الخاص ـ فهو ما اذا كانت هناك قرائن مُوجبة لمعهوديّة اسم الجنس وتعيّنه في ذهن المخاطب فتكون اللام الداخلة على اسم الجنس في الخطاب مُشيرة الى ذلك المعهود والمتعيّن في ذهن المخاطب بسبب تلك القرائن ، وذلك مثل قوله تعالى : ] النبيُّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم [() فاللام هنا مفيدة لتعيّن ما هو معهود في ذهن المخاطب من جرّاء قرائن معيّنة من قبيل أنّه لا نبي في زمن الخطاب إلا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المعهود ، وبهذا تكون اللام مشيرة الى ما هو المتعيّن في الذهن .
وسُمِّي العهد الذهني بالخاص لأنّ المعهود في الذهن هو حصّة خاصّة من الطبيعي .
وأمّا النحو الرابع : للام التعريف ـ وهي اللام المفيدة للعهد الذهني العام  ـ فهو ما اذا كان إسم الجنس بسعته معهوداً في ذهن المخاطب نتيجة معرفة أصل وضعه مثلا أو نتيجة استعماله كثيراً عند أهل المحاورة في معناه السعي مما أوجب تعاهده في الذهن بهذا النحو من السعة ، وفي مثل هذه الحالة لو اُدخلت لام التعريف على اسم الجنس ودلَّت القرينة على أنَّ هذه اللام هي لا الجنس فإنَّ هذا يقتضي إفادة اللام للاشارة لما هو معهود ومتعيِّن في الذهن من المعنى على سعته ، والناشئ عن ملابسات خاصة أوجب تعيّنه وهي كما قلنا مثل معرفة أصل الوضع .
ويمكن التمثيل له بقوله تعالى : ] إنَّ الإنسان لربّه لَكَنود [() ، وقوله تعالى : ] وليس الذكر كالاُنثى [() ، فإنّ اللام في مثل الإنسان تُشير الى ما هو معهود ومتعيِّن في الذهن من معنى اسم الجنس على سعته .
إذا اتّضح ما ذكرناه فنقول : انّ اسم الجنس المدخول للام التعريف له الصلاحيّه لأنْ يَعرض عليه الاطلاق اذا اكتنف استعماله بما يوجب ظهور حال المتكلّم في إرادة الاطلاق .
والاطلاق المناسب لاسم الجنس المدخول للام التعريف هو الاطلاق الشمولي القاضي باستيعاب اسم الجنس المعرَّف باللام لتمام ما يصدق عليه من أفراد .
الحالة الثانية : لاسم الجنس هي أنْ يكون اسم الجنس منوَّناً بتنوين التنكير ، وذلك مثل قوله تعالى : ] ربّنا أنزل علينا مائدةً من السماءِ  [() ، وقوله تعالى : ] لعلِّي ءآتيكم منها بقبس [() ، فإنَّ اسم الجنس « مائدة وقبس » قد اُضفي عليه معنىً زائداً على المعنى الموضوع له اسم الجنس بسبب تنوين التنكير ، وهذا المعنى هو قيدُ الوحدة فيكون اسم الجنس المنوّن بتنوين التنكير يدلُّ على الطبيعة المقيَّدة بالوحدة على نحو تعدّد الدالِّ والمدلول ، فاسم الجنس دالّ على الطبيعة بما هي ، وتنوين التنكير دال على تقيّد الطبيعة بالوحدة ، فيكون اسم الجنس محتفظاً بمعناه الموضوع له ويبقى صالحاً للإنطباق على أفراده ، وغاية ما يصنعه تنوين التنكير هو تقييد الطبيعة بقيد الوحدة والذي يقضي بإرادة أحد أفراد الطبيعة على نحو البدل دون أن يكون لتنوين التنكير أيّ دلالة على تعيين فرد من أفراد الطبيعة .
ومن هنا يتّضح أنَّ اسم الجنس المنوّن بتنوين التنكير يصلح لأن يعرض عليه الإطلاق ، إلاَّ أنَّ الإطلاق المناسب للعروض عليه هو خصوص الإطلاق البدلي وذلك لمكان التنوين المفيد لقيد الوحدة ، فمثلا قوله تعالى : ] إنَّ اللهَ يأمركم أن تذبحوا بقرةً [() فإنَّ اسم الجنس (بقرةً) وإن كان موضوعاً للطبيعة الصالحة للإنطباق على أفرادها إلاَّ أنَّ تنوين التنكير أضفى عليها معنىً زائداً ـ وهو قيد الوحدة ـ فأوجب ذلك عدم صلوح اسم الجنس لأنْ يعرض عليه الإطلاق الشمولي ، وذلك لأنَّ الإطلاق الشمولي يعني الاستيعاب لتمام أفراد الطبيعة في عرض واحد وهو لا يُناسب قيد الوحدة المُفاد بواسطة تنوين التنكير ، إذ أنَّ المناسب لقيد الوحدة هو الإطلاق بنحو العطف (بأو) فقوله تعالى : ] إنَّ الله يأمركم أن تذبحوا بقرةً [() في قوة أنْ يقول : (يأمركم أن تذبحوا هذه البقرة أو هذه أو هذه) .
الحالة الثالثة : ـ لإسم الجنس ـ أن لا يكون معرّفاً ولا منوّناً بتنوين التنكير كما لو كان منوّناً بتنوين التمكين أو مضافاً .
والمراد من تنوين التمكين هو ما يعرض الأسماء المعربة لغرض تشخيصها عن الأسماء المبنيّة ، وليس لهذا النوع من التنوين أيّ معنىً يمكن أن يُضاف إلى المعنى الموضوع له إسم الجنس ، ويمكن أن يُمثَّل له بقوله (عليه السلام) : « مَن تزوّج امرأةً لمالها وكّله الله إليه »() ، فإنَّ التنوين في إسم الجنس (إمرأة) هو تنوين التمكين بدليل أنَّ العرف لا يفهم من اسم الجنس الواقع في هذه الجملة إلاَّ معناه الموضوع له ، وهذا يعني أنَّ التنوين لم يُضف معنىً زائداً على المعنى الموضوع له إسم الجنس ولو كان هذا التنوين هو تنوين التنكير لكان هذا يقتضي إضافة قيد الوحدة لمعنى اسم الجنس ، ويمكن أن نمثّل له أيضاً بقوله تعالى : ] مَن إلـهٌ غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه  [() فإنَّ التنوين في اسم الجنس (ليل) هو تنوين التمكين بنفس التقريب السابق  .
وبالجملة الذي يُميّز تنوين التمكين عن تنوين التنكير هو سياق الجملة التي استُعمل فيها اسم الجنس ، فإنْ كان التنوين في اسم الجنس مفيداً لمعنىً زائد ـ هو قيد الوحدة ـ فهذا يعني أنّه تنوين التنكير وإن لم يضف أيَّ معنىً للمعنى الموضوع له إسم الجنس فهذا هو تنوين التمكين .
أمَّا اسم الجنس العاري عن التعريف باللام وعن مطلق التنوين فإنَّه لا يُفيد أكثر من معناه الموضوع له كما هو الحال في المنوّن بتنوين التمكين ، ويمكن التمثيل له بقول الإمام علي (عليه السلام) : « مَن سلَّ سيفَ البغي قُتل به  »() ، ومحلُّ الشاهد في هذه الرواية هو اسم الجنس (سيفَ) حيث وقع موقع المضاف .
ومع اتضاح هذه الحالة من حالات اسم الجنس يتّضح أيضاً صلاحيّته لعروض الإطلاق الشمولي عليه ويمكن التمثيل لذلك بقوله تعالى : ] ومَن كان مريضاً أو على سفر فعدّه من أيام اُخر [() ، فإنَّ اسم الجنس (مريضاً) وكذلك (سفر) قد عرض عليهما الإطلاق الشمولي بعد أن دلَّت قرينة الحكمة على عدم إرادة القيود حيث لم تُذكر .
كما يمكن التمثيل لاسم الجنس الواقع موضع المضاف بالحديث النبوي  (صلى الله عليه وآله وسلم) : « نهى رسول الله عن بيع الغرَر »() بنفس التقريب .
الإنصراف :
وهو عبارة عن إنسباق بعض أفراد الطبيعة إلى الذهن عند إطلاق ما يدلّ على الطبيعة ، وذلك نتيجة عوامل خارجة عن أصل الوضع كأنْ تكون هذه الأفراد أجلى مصاديق تلك الطبيعة بنظر العرف أو تكون أكثر تداولا عند المخاطب أو تكون مستعملة كثيراً في خصوص هذه الأفراد أو يكون الموجب للإنصراف هو غلبة الوجود لهذه الأفراد أو انعدام بعض الأفراد عند صدور الخطاب أو ندرتها أو تكون الأفراد المُنصرف إليها هي القدر المتيقّن في مقام التخاطب كما لو كانت هذه الأفراد هي مورد السؤال الذي وقع جوابه مطلقاً .
هذه بعض العوامل التي قد تُساهم في انسباق الذهن الى بعض أفراد الطبيعة عند إطلاق ما يدل عليها ، وقد ذكر المصنّف عاملين من هذه العوامل لغرض البحث عن صلاحيّتهما للمنع عن انعقاد الإطلاق وعدم صلاحيّتهما لذلك .
العامل الأوّل : هو غلبة وجود بعض أفراد الطبيعة في الخارج بحيث تكون هذه الغلبة موجبة لانسباق هذه الأفراد الى الذهن عند اطلاق ما يدلّ على الطبيعة باعتبارها القدر المتيقّن من الخارج .
ويمكن التمثيل له برواية الخصال عن الإمام الصادق عن أبيه (عليهما السلام)قال  : « لا تحلُّ الصدقة لبني هاشم »() فإن المنسبق بدواً عند اطلاق عنوان بني هاشم هم أولاد علي وفاطمة (عليهما السلام) ، وذلك لغلبة وجودهم خارجاً بحيث أوجبت هذه الغلبة صيرورتهم القدر المتيقّن لعنوان بني هاشم ، إلاّ انّ ذلك لا يُوجب المنع عن انعقاد الظهور في الاطلاق وذلك لأنّ هذا الإنصراف لم ينشأ عن علاقة بين هذه الأفراد من الطبيعة وبين اللفظ الدال على الطبيعة ، بل يبقى اللفظ محتفظاً بصلاحيّته للدلالة على الطبيعة بسعتها ، وغاية ما أوجبته غلبة الوجود هو حصول الاستئناس الذهني بين واقع الطبيعة وبين بعض أفرادها دون ان يؤثِّر ذلك على علاقة لفظ الطبيعة بمعناها الوسيع .
وبعبارة اُخرى : لمّا كان الانصراف ناشئاً عن مناسبات خاصة أوجبت تداعي معنى أفراد خاصة من الطبيعة بمجرّد تصوُّر الطبيعة ، فهذا يعني انّ العلاقة الذهنيّه إنما هي بين هذه الأفراد وبين واقع الطبيعة وليس للّفظ أيّ مدخليّة في انقداح خصوص هذه الأفراد مما يعبِّر عن أنه لم يقع أيُّ تصرُّف في دلالة اللفظ على معناه ، وانّ العلاقة الوضعيّه بينهما لا زالت صالحة للكشف عن المدلول الوضعي للفظ الطبيعة ، واذا كان كذلك فالانصراف الحاصل حين اطلاق اللفظ إنما هو انصراف بدوي يزول بمجرّد الالتفات الى انّ العلاقة الوضعية بين اللفظ والطبيعة بمعناها السَعِي لا زالت على حالها بحيث يمكن للمتكلّم ان يعتمد عليها لو أراد الإطراق دون الحاجة الى التوسُّل بقرائن مُفيدة لنفي القيود غير قرينة الحكمة فإمكان اعتماده على صلاحية اللفظ لعروض الاطلاق عليه دليل على عدم تأثير غلبة الوجود على العلاقة الوضعية بين لفظ الطبيعة ومعناها السَعِي .
العامل الثاني : هو كثرة استعمال اللفظ الدال على الطبيعة في بعض افراده على نحو تعدّد الدال والمدلول بأنْ يأتي بالاضافة الى لفظ الطبيعة بما يدل على ارادة بعض الأفراد فيكون هناك دالان ومدلولان ، فالدال الأول هو لفظ الطبيعة الموضوع لإفادة معنى الطبيعة ، والدال الثاني هو القيد الموجب لافادة بعض افراد الطبيعة دون غيرها .
ويمكن التمثيل له بقوله تعالى : ] يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون ... (الى قوله) ولا تُؤمنوا إلاّ لمن تبع دينكم [() فإنّ عنوان أهل الكتاب يدلُّ بحسب سعته اللفظية على كل من نزل عليهم كتاب من الله عزَّوجلَّ ، فهو يشمل المسلمين إلا أنه كثر استعمال هذا العنوان مع القرينة ـ كما في الآية الشريفة ـ في اليهود والنصارى حتى صارت هذه الكثرة موجبة لانصراف الذهن الى خصوص اليهود والنصارى عند إطلاق هذا العنوان حتى وان كان مجرداً عن القرينة .
اذا اتّضح هذا فنقول : ان كثرة الاستعمال الموجبة للانصراف يمكن تصنيفها الى ثلاث مراتب .
المرتبة الاُولى : ان تؤدي كثرة الاستعمال الى نقل اللفظ من معناه الموضوع له الى خصوص الحصّه التي كثر استعمال اللفظ فيها بحيث تكون تلك الكثرة موجبة لهجران المعنى الأول .
وفي مثل هذه الحالة تكون الكثرة في الاستعمال مانعة عن انعقاد الظهور في الاطلاق ، بل انّ الظهور يتحوَّل الى المعنى الثاني الذي كثر استعمال اللفظ فيه .
ويمكن التمثيل لهذه المرتبة من الكثرة بالمثال السابق وهو عنوان «  أهل الكتاب » فإنّ كثرة استعماله في مثل اليهود والنصارى أوجب انتقال هذا اللفظ من معناه الوسيع الى بعض حصصه .
المرتبة الثانية : أن تُؤدي كثرة الاستعمال الى نشوء وضع ثان للّفظ فيكون من قبيل المشتركات اللفظية ، وذلك بأن تكون كثرة الاستعمال موجبة لتحقّق وضع تعيُّني للّفظ يكون بإزاء بعض أفراد الطبيعة .
وإذا كانت كذلك فلا يمكن استظهار أحد المعنيين إلاّ مع قيام القرينة الخاصة على إرادة أحدهما كما هو الحال في المشتركات اللفظية ، وقرينة الحكمة غير نافعة في المقام لإثبات الإطلاق وذلك لتقوّمهما بصلاحية اللفظ لعروض الإطلاق عليه ، ومن الواضح أنَّ اللفظ بحسب الفرض يحتمل أن لا يكون صالحاً لعروض الإطلاق عليه كما لو كان مستعملا في المعنى الثاني وهو الحصّة الخاصّة .
ويمكن التمثيل لهذه المرتبة بلفظ الدابَّة فإنَّها موضوعة بحسب سعتها اللفظية لمطلق ما يدبُّ على الأرض ، إلاّ أنَّ كثرة استعمال لفظ الدابّة في خصوص الخيل والبغال بحيث يمكن أن يُدعى أنَّ تلك الكثرة أوجبت نشوء وضع تعيُّني ثان للفظ الدابّة .
المرتبة الثالثة : وهي أن تكون كثرة الإستعمال مؤدِّية الى نشوء علاقة بين اللفظ وبين الحصّة الخاصة من معناه إلاَّ انّ هذه العلاقة لا تبلغ مرتبة النقل أو الإشتراك اللفظي ولكنّها من الوثاقة بحيث يمكن أن يُعوّل عليها المتكلّم لو أراد التقييد دون الحاجة الى إبراز قرينة على إرادة الحصّة الخاصّة  .
وفي مثل هذه الحالة لا ينعقد أيضاً ظهور في الإطلاق وذلك لأنَّ قرينة الحكمة ـ كما ذكرنا ـ مبنيّة على إحراز عدم وجود قرينة على التقييد وفي المقام لا يُمكن إحراز ذلك إذ أنَّ كثرة الاستعمال وإن كنَّا لا نُحرز قرينيّتها على التقييد إلاّ أنها صالحة للقرينيَّة فيكون ذلك موجباً لإجمال المراد وعدم انعقاد الظهور في الإطلاق أو التقييد .
الإطلاق المقامي :
الإطلاق الذي تحدّثنا عنه وقلنا أنَّهُ متقوّم بقرينة الحكمة الدالّه على أنَّ القيود التي لم يذكرها المتكلّم فهو لا يريدها ، هذا الإطلاق هو الإطلاق اللفظي الحكمي .
وهناك إطلاق آخر يُعبَّر عنه بالإطلاق المقامي ، وهو يختلف عن الإطلاق اللفظي الحكمي وذلك لأنَّ الإطلاق اللفظي متقوّم بحيثيّتين :
الحيثيّة الاُولى : هي أنَّ المتكلّم بصدد جعل حكم على طبيعة يمكن أن يعرض علها التقييد ويمكن أن لا يعرض لها التقييد ، ومن الواضح أنّ المتكلّم إذا كان بصدد ذلك فهو يعني أنّه قد تصوّر الطبيعة التي يُريد جعل الحكم عليها وتصوّر القيود التي يُمكن أن تعرض عليها فإمَّا أن يأخذ هذه القيود أو بعضها في الطبيعة التي يريد جعل الحكم عليها وإمَّا أن يجعل الحكم على الطبيعة دون أن يقيدها بأيّ قيد من تلك القيود .
الحيثيَّة الثانية : هي ظهور حال كلِّ متكلّم يُريد جعل حكم لموضوع أن يُحدد الموضوع لذي يريد جعل الحكم له ، فكل قيد لم يذكره للموضوع في حال جعل الحكم عليه فهو يعني أنَّه لا يُريده ولو كان يريده لذكره في كلامه وإلاَّ كان ناقضاً لغرضه ، والحكيم لا ينقض غرضه ، وهذه هي قرينة الحكمة الموجبة لانعقاد الظهور في الإطلاق .
إذن كل متكلّم يريد جعل حكم لموضوع ، فإنَّ ظاهر حاله أنَّه في مقام بيان تمام موضوع حكمه ، فإذا لم يذكر أيّ قيد لذلك الموضوع فهذا يقتضي عدم إرادة أيّ قيد للموضوع الذي رتَّب عليه الحكم .
فقرينة الحكمة وظيفتها نفي القيود المحتمل عروضها على الموضوع المترتّب عليه الحكم .
أمَّا الإطلاق المقامي فليس من هذا القبيل إذ أنَّ الغرض منه نفي موضوع مستقل عن أن يكون مشمولا لحكم من الأحكام .
ولمزيد من التوضيح نقول : إنَّ المولى قد يكون بصدد بيان مركّب من المركّبات العباديّة فيعدد أجزاء وشرائط ذلك المركّب ، فلو شكّكنا بعد أن انتهى المولى من تعداد تلك الأجزاء والشرائط في وجود جزء أو شرط لهذا المركّب إلاَّ أنَّ المولى أهمله ولم يذكره ، ففي مثل هذه الحالة ينعقد ظهور يقتضي نفي وجود شرط أو جزء زائد على ما ذكره المولى ، وهذا ما يُعبَّر عنه بالإطلاق المقامي .
وبهذا يتّضح أن الإطلاق المقامي ينفي موضوعاً مستقلا عن أن يكون مشمولا للمركّب العبادي ، إذ لو كان هذا الموضوع ـ المنفي بالإطلاق المقامي ـ ثابتاً لكان موضوعاً مستقلا للوجوب وذلك لأنّ المركَّب العبادي ينحلُّ ـ روحاً ـ الى مجموعة من الوجوبات بعدد الأجزاء والشرائط المأخوذة في ذلك المركَّب ، فكل جزء أو شرط في المركَّب العبادي فهو موضوع مستقل للوجوب ، وهذا بخلاف الإطلاق اللفظي ، فإنَّ القيود التي ينفيها هذا الإطلاق لوكانت ثابتة لما كانت أكثر من قيد يُوجب تضييق دائرة الموضوع ، فما ينفيه الإطلاق اللفظي إنّما هو قيود الموضوع الذي يُجعل له الحكم ، والتي لا تصوّر لها ولا وجود لولا وجود موضوعها .
أمَّا المنفي بالإطلاق المقامي فلا صلة له بالموضوعات الاُخرى التي تثبت أو لا تثبت للحكم ، فثبوت الوجوب لهذا الجزء أو عدم ثبوته لا صلة له بثبوت أو نفي الوجوب للجزء الآخر بل أنّ الحكم قد يثبت لهما معاً وقد ينتفي عنهما معاً ، وقد يثبت لأحدهما دون الآخر ، فإذا ثبت لأحدهما وانتفى عن الآخر ثبت لموضوع مستقل وانتفى عن موضوع آخر مستقل .
وبهذا البيان يتّضح أنّ الاطلاق المقامي ينفي وجود موضوع زائد للحكم الثابت للموضوعات المذكورة في كلام المتكلّم ، وإتّضح ايضاً مما ذكرناه انّ الاطلاق المقامي لا ينعقد له ظهور الا مع إحراز كون المتكلّم بصدد بيان تمام الموضوعات المجعول لها الحكم المذكور .
وبتعبير آخر : اذا احرزنا انّ المولى بصدد تعداد تمام الأجزاء والشرائط للمركّب العبادي فإنّ هذا الاحراز هو الموجب لانعقاد الظهور في نفي الاجزاء والشرائط التي لم يذكرها المولى .
ويمكن التمثيل لذلك بالوضوءات البيانيّة مثل رواية ميسر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « ألا أحكي لكم وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ثم أخذ كفّاً من ماء فصبّها على وجهه ، ثم أخذ كفّاً فصبّها على ذراعه ، ثم أخذ كفّاً آخر فصبّها على ذراعه الاُخرى ، ثم مسح رأسه وقدميه ... »() ، فقوله (عليه السلام) : (ألا أحكي وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)) قرينة على انّ الإمام (عليه السلام) في صدد تعداد الأجزاء لهذا المركب ، ومع إحراز ذلك ينعقد ظهور في الإطلاق المقامي القاضي بنفي وجوب جزء آخر لم يذكره الامام (عليه السلام) ، فلو احتملنا وجوب غسل الاُذن فان الاطلاق المقامي ينفي ذلك الوجوب ، أو قل ينفي جزءيّة غسل الاُذن لهذا المركّب ، وذلك لأن غسل الاُذن لو كان جزءاً لهذا المركّب لكان على الامام (عليه السلام) أن يذكره ، فعدم ذكره مع انه جزء للمركّب يُنافي كون الإمام في صدد تعداد جميع أجزاء هذا المركّب .
وبهذا المثال يتّضح كلّ ما ذكرناه آنفاً ، حيث قلنا : أن الاطلاق المقامي ينفي موضوعاً مستقلا عن الموضوعات الثابت لها الحكم في كلام المتكلّم إذ أن جزءية غسل الاذن لو كانت ثابتة لكانت موضوعاً مستقلا عن بقيّة الأجزاء المذكورة في كلام الإمام (عليه السلام) ، فحينما نفى الاطلاق المقامي جزءيّته فقد نفى موضوعاً مستقلا ولم ينفِ قيداً لموضوع ثبت له الحكم كما هو الحال في الاطلاق اللفظي .
وكذلك اتّضح انّ الاطلاق المقامي انما ينعقد له ظهور في حال وجود قرينة خاصّة على ان المتكلّم بصدد تعداد تمام الموضوعات الثابت لها الحكم المذكور في كلامه ، اذْانّ قول الامام (عليه السلام) (ألا أحكي لكم وضوء رسول الله  (صلى الله عليه وآله وسلم)) يشكّل قرينة على أنّ الامام بصدد ذلك .
وبهذا اتّضح ان الاطلاق المقامي قوامه قرينة خاصّه على انّ المتكلّم بصدد تعداد تمام موضوعات حكم من الأحكام ، ووظيفته نفي موضوع مستقل عن انْ يكون مشمولا للحكم المذكور في كلام المتكلّم .
ولهذا فهو يختلف عن الاطلاق اللفظي اختلافاً جوهريّاً ، إذ ان قوام الاطلاق اللفظي هو قرينة الحكمة ووظيفته هي نفي القيود الغير المذكورة عن الموضوع الثابت له الحكم في كلام المتكلّم .

بعض التطبيقات لقرينة الحكمة :
ذكر المصنّف (رحمه الله) في المقام موردين من موارد إنعقاد الظهور في الاطلاق بواسطة قرينة الحكمة .
المورد الأوّل :
وهو التمسك بقرينة الحكمة لاستظهار الوجوب من الأوامر .
وبيان ذلك : ان الأمر كما ذكرنا ظاهر في الطلب الوجوبي ، وهذا لا إشكال فيه واما الاشكال فيما هو المنشأ في انعقاد ظهور الأمر في الطلب الوجوبي ، فقد ذكر البعض ان منشأ ذلك هو الوضع ، وذكر آخرون ان المنشأ لظهور الأمر في الطلب الوجوبي هو الاطلاق وقرينة الحكمة ، وذلك لأن لفظ الأمر موضوع لطبيعة الطلب ، والوجوب والاستحباب خارجان عما هو موضوع له لفظ الأمر ، نعم قد يعرض أحدهما على الطبيعة «  الطلب  » ولكن ذلك لا يثبت إلا بدالٍّ آخر غير لفظ الأمر ، واذا كان كذلك فالدالّ على الاستحباب يتمّ بقرينة خاصة ، واما الدالّ على الوجوب فيثبت بواسطة قرينة الحكمة ، وذلك لانّ الاستحباب مشتمل على مؤنة زائدة على مفهوم الطلب ، إذ أنه يعنى تقييد الطلب بقيد وهو الترخيص في الترك ، ومن الواضح ان هذا القيد يحتاج الى بيان زائد على بيان أصل الطلب  ، فإذا لم يذكر هذا القيد في الكلام رغم ان المتكلّم في مقام بيان تمام موضوع حكمه فهذا يقتضي انعقاد ظهور لحال المتكلّم في عدم ارادة ذلك القيد الموجب للاستحباب .
وبذلك يتعيّن الوجوب لأنه لا يعني أكثر من أن الطبيعة غير مقيّدة بالترخيص في الترك ، وقد ثبت عدم تقيدها بذلك ببركة قرينة الحكمة .
المورد الثاني :
التمسك بقرينة الحكمة لاستظهار النفسية التعيينيّة العينيّة للطلب .
وقبل بيان ذلك لابدّ من بيان مقدّمة نذكر فيها ما ينقسم عليه الطلب  ، فنقول :
يمكن تقسيمه الى ثلاثة تقسيمات :
الأول : انقسامه الى الطلب النفسي ، والطلب الغيري :
أمّا الطلب النفسي : هو ما كان متعلّق الطلب مطلوباً لنفسه لكونه هو المشتمل على الملاك الموجب لطلبه ، وذلك مثل : (الصلاة) حيث أنَّ منشأ طلبها هو اشتمالها على مصلحة أوجبت جعل الطلب عليها .
أمَّا الطلب الغيري : وهو ما كان متعلّق الطلب غير مطلوب لنفسه لعدم اشتماله على ملاك يُوجب جعل الطلب عليه استقلالا ومباشرة ، ولكن لمَّا كان هذا المتعلّق صالحاً للتوسُّل به الى المطلوب الأصلي فإنَّ ذلك هو الذي أوجب جعل الطلب عليه ، وذلك مثل السفر لأداء مناسك الحج فإنَّ السفر ليس مطلوباً بنفسه للمولى لكنّه لمَّا لم يكن بالإمكان أداء مناسك الحج دون السفر الى مكّة المكرّمة فإنَّ ذلك يسبّب تعلّق الإرادة والطلب بالسفر ، وإلاّ فالسفر في حدّ نفسه غير مطلوب للمولى .
الثاني : انقسامه الى الطلب التعييني ، والطلب التخييري :
أمَّا الطلب التعييني : فهو ما كان متعلّق الطلب واحداً بحيث لا يقوم شيء مقامه في تحقيق الغرض ، بل أنّ تحقق الغرض منحصر بالإتيان بهذا المتعلّق ، وذلك مثل : (الصلاة) حيث لا يحقّق الغرض الذي أوجب جعلها شيء آخر غير الإتيان بها .
أمَّا الطلب التخييري : فهو ما كان متعلّق الطلب عدّة أشياء بحيث يكون واحد منها محقّقاً للغرض من جعل الطلب .
وبعبارة اُخرى هو ما كان المطلوب فيه أحد أشياء على سبيل البدل بحيث يكون امتثال أحدها كافياً في تحقق المطلوب ، ويمكن التمثيل له بخصال كفارة التخيير فإنَّ المطلوب يتحقق بمجرّد إيجاد أحد خصال الكفارة .
الثالث : إنقسامه الى الطلب العيني ، والطلب الكفائي :
أمَّا الطلب العيني : فهو ما كان الغرض فيه متعلّقاً بامتثال نفس المكلّف بحيث لا يكون امتثال غيره موجباً لسقوطه عن المكلّف الذي تعلّق الطلب بعهدته .
وبعبارة اُخرى : هو ما كان المطلوب فيه مباشرة المكلّف للإمتثال بنفسه ، ولا يكون امتثال الآخرين كافياً لتحقق الغرض وسقوط الأمر المتوجّه لذلك المكلّف ، ومثاله : (صوم شهر رمضان المبارك) فإنَّ غرض المولى فيه لا يتحقّق إلا بأن يباشر المكلّفُ الصوم بنفسه .
وأمَّا الطلب الكفائي : فهو ما كان المطلوب المولوي فيه هو تحقّق المأمور به خارجاً دون أن يكونَ للمولى أيّ غرض في امتثال مكلّف بعينه  .
وبعبارة اُخرى : الطلب الكفائي هو ما كان الخطاب فيه متوجّهاً لكفاة المكلّفين إلاَّ أنَّ امتثال أحدهم موجبٌ لسقوطه عن البقيّة ، وذلك مثل  : دفن الميّت المسلم ، فإنَّ الأمر بدفن الميّت متوجّه لكل مكلّف إلاَّ أنّ امتثال أحدهم موجب لسقوطه .
ومع اتّضاح هذه المقدّمة يقع الكلام فيما هو منشأ استظهار النفسيّة والتعيينيّة والعينيّة من الطلب حين عدم القرينة على الخلاف ، فنقول :
أمَّا استظهار النفسيّه فيتم بهذا التقريب ، وهو : أنَّ اثبات النفسيّة للطلب لا يحتاج الى بيان زائد على ذكر ما يدل على الطلب ، إذ أنَّ طبع كل طلب أن يكون متعلّقه مطلوباً بنفسه ، وهذا بخلاف الطلب الغيري ، فإنَّ إثباته يحتاج إلى بيان زائد عن ذكر الطلب ، إذ أنَّ مطلوبيّته منوطة بمطلوبيّة ما وجب لأجله ، ومن هنا يحتاج الطلب الغيري الى ذكر قيد وهو كون الواجب الذي وجب الغيريُّ لأجله مطلوباً ، فإذا لم يذكر القيد رغم أنَّ المتكلّم في مقام بيان تمام موضوع حكمه ، فهذا يوجب ظهور حال المتكلّم في عدم إرادة القيد ، وإذا لم يكن القيد مراداً فهذا يقتضي النفسيّة إذ أنَّ ثبوتها ليس معلّقاً على شيء من القيود .
وبهذا تثبت النفسيّة بواسطة الإطلاق وقرينة الحكمة .
وبتعبير آخر : لمَّا كانت النفسيّة غير معلّقة على أي قيد ، وكانت الغيريّة معلّقة على مطلوبيّه الغير ، فهذا يعني أنَّ إرادة الغيريّة تستوجب ذكر القيد المعلّق ثبوتها عليه ، ومع عدم ذكر القيد يستكشف عدم إرادته إذ المفترض أنَّ المتكلّم في مقام البيان ، ومع استظهار عدم إرادة القيد تتعيّن النفسيّة إذ أنَّ هذا هو مقتضى الاطلاق الذي يعني عدم لحاظ القيد .
وأمَّا استظهار التعيينيّة وكذلك العينيّة ، فيتّضح مما ذكرناه في استظهار النفسية ، وذلك أنَّ الطلب التخييري يحتاج الى بيان زائد على الطلب وهو التقييد بعدم امتثال البدل ، وكذلك الطلب الكفائي فإنَّه يستوجب التقييد بعدم امتثال مكلّف آخر للطلب ، فمع عدم ذكر القيد يستظهر الإطلاق والذي يقتضي التعيينيّة العينيّة ، إذ أنّ ثبوتهما لا يحتاج الى بيان زائد على ذكر أصل الطلب .
 


العمـوم




تعريف العموم :
المراد من العموم هو : الاستيعاب المُفاد بالوضع ، فلو قال المتكلّم (أكرم كل عالم) فإنَّ لفظ كلّ عالم يستوعب كل فرد من أفراد طبيعة العالم ، وهذا الاستيعاب لتمام أفراد الطبيعة اُستفيد من وضع لفظ كل بإزاء مفهوم الإستيعاب ، فكل مفيدة لاستيعاب مدخولها بواسطة الوضع ، وهذا بخلاف الإطلاق فإنَّه وإن كان يفيد الإستيعاب لجميع أفراد الطبيعة إلاَّ أنَّ الدال على الاستيعاب إنّما هو قرينة الحكمة ، فحينما يقول المتكلّم (أكرم العالم) فإنَّ لفظ العالم يشمل ويستوعب جميع أفراد طبيعة العالم إلاَّ أنَّ هذا الإستيعاب والشمول اُستفيد بواسطة قرينة الحكمة والتي تعني ظهور حال المتكلّم في عدم إرادة القيد الموجب لتضييق دائرة الطبيعة .
فكلٌّ مِن الإطلاق والعموم يوجبان إنحلال الحكم إلى أحكام بعدد أفراد الطبيعة المجعول لها ذلك الحكم ، إلاَّ أنَّ ما أوجب الإنحلال في الإطلاق هو قرينة الحكمة ، وما أوجب الانحلال في العموم هو الوضع ، فحينما يقول المتكلّم (أكرم كلَّ عالم) تنحلّ هذه القضية الى قضايا بعدد أفراد الطبيعة المجعول لها الحكم ، فيكون موضوع كل قضية فرد من أفراد طبيعة العالم ، ويكون محمولها وجوب الإكرام ، وهذا الإنحلال اُستفيد بواسطة وضع لفظ (كل) للإستيعاب والشمول .
وكذلك الكلام لو قال المتكلّم (أكرم العالم) فان هذه القضية تنحلّ الى قضايا بعدد أفراد طبيعة العالم ، ويكون محمول هذه القضايا هو وجوب الإكرام ، إلا ان هذا الإنحلال استُفيد بواسطة انّ المتكلّم لم يذكر أيّ قيد للطبيعة في حين انّه في مقام بيان تمام موضوع الحكم ، مما يكشف عن عدم إرادة القيد ، وبهذا تكون الطبيعة على سعتها مشمولة للحكم .
وبما ذكرناه من معنى العموم يتّضح خروج أسماء الأعداد عن العموم ، فانّ أسماء الاعداد وان كانت مستوعبة لوحداتها إلا ان ذلك هو مقتضى طبع اسم العدد ، فليس الاستيعاب مستفاداً من وضع اسم العدد لذلك ، وإنما هو موضوع لمعناه ، والاستيعاب فيه انما هو أثر تكويني له أو قل لازم ذاتي له ، فكما ان الزوجيّه أو الفردية أثر تكويني ولازم ذاتي لإسم العدد ، فكذلك الاستيعاب لوحداته .
ويمكن تنظير الاستيعاب لإسم العدد بالحرارة للنار ، فكما أنّ النار ليست موضوعة لإفادة معنى الحرارة وإنما الحرارة لازم ذاتي للنار فكذلك الاستيعاب بالنسبة لإسم العدد .
فمثلا العدد عشرة يدلّ على مرتبة من مراتب الأعداد ، هذه المرتبة هي المتكوّنة من مجموعة من الاعداد الفردية تساوي عشر وحدات ، هذا ما وضع له لفظ العشرة ، وأما انقسامه الى متساويين ووقوعه بين مرتبتين من مراتب العدد ، وكذلك استحالة انقسامه على الثلاثة بدون كسر فهذا ما يقتضيه واقع العدد عشرة وليس هو من المدلولات الوضعيّه للفظ العشرة ، وبهذا يتّضح ان استيعاب اسم العدد عشرة لوحداته ليس هو من مدلولات لفظ عشرة ، وانما هو من مقتضى واقع اسم العدد عشرة ، وهذا بخلاف لفظ (كل) و(جميع) فانها موضوعة لافادة الاستيعاب والشمول .

أدوات العموم ونحو دلالاتها :
الكلام حول دلالة بعض الألفاظ على العموم والاستيعاب ، لم يقع محلا للاشكال حيث انّه وبدون شكّ قد وضعت مجموعة من الألفاظ لإفادة معنى العموم والاستيعاب مثل (كل) (جميع) و(كافة) وهكذا .
وانما الاشكال في انّ شمول الحكم لكل أفراد مدخول هذه الألفاظ هل هو مستفاد من قرينة الحكمة أو هو مستفاد من نفس هذه الألفاظ الموضوعة لافادة العموم ؟
فحينما يقال (أكرم كلّ عالم) فان المتفاهم العرفي منه هو استيعاب الحكم لكل أفراد الطبيعة المجعول لها ذلك الحكم إلا انّ الاشكال فيما هو المنشأ لهذا الاستظهار والمتفاهم العرفي ، هل هو قرينة الحكمة أو هو أداة العموم ؟
وقد طرح في المقام إتّجاهان :
الاتّجاه الأول : هو ان المنشأ لاستظهار شمول الحكم لتمام أفراد مدخول الأداة (الطبيعة) هو قرينة الحكمة ، وذلك لأن أداة العموم انما وضعت لافادة استيعاب وشمول ما يراد من الطبيعة ، وهذا يستدعي ان نستظهر أولا حدود ما يراد من الطبيعة ، ومن الواضح ان المتكفّل لبيان حدود المراد من الطبيعة هو قرينة الحكمة والتي تستفاد من عدم ذكر المتكلّم للقيد رغم انّه في مقام بيان تمام موضوع حكمه ، فاذا استُظهر من حال المتكلّم ـ بواسطة قرينة الحكمة ـ انّه لا يريد القيود فهذا يعني ان الحكم المجعول على الطبيعة مجعول على تمام أفرادها .
ومن هنا يتّضح ان المنشأ لاستيعاب الحكم لكل أفراد مدخول الأداة انما هو قرينة الحكمة .
الاتّجاه الثاني : هو أنَّ المنشأ لاستظهار شمول الحكم لكلِّ أفراد مدخول ألفاظ العموم هو ما وضعت له ألفاظ العموم ، إذ أنَّ ألفاظ العموم وضعت لاستيعاب كل فرد تصدق عليه الطبيعة الواقعة مدخولا لأداة العموم ، ومن هنا لا نحتاج الى قرينة الحكمة لإفادة الشمول والإستيعاب لكل أفراد الطبيعة المدخولة للأداة ، وذلك لأنَّ نفس أداة العموم تتكفّل بتحقيق ذلك بعد أن كانت موضوعة لاستيعاب كل أفراد الطبيعة ، نعم لو كانت موضوعة لاستيعاب ما يُريده المتكلّم من أفراد الطبيعة لكان ذلك يستدعي تنقيح ما هو المراد من أفراد الطبيعة التي يريد المتكلّم جعل الحكم عليها وهذا ما تتكفّل به قرينة الحكمة .
إذن المنشأ للإتجاهين هو تحديد ما وُضعت له ألفاظ العموم فإنْ كانت قد وضعت لاستيعاب ما هو المراد من الطبيعة المدخولة للأداة فهذا يستوجب تبني الإتجاه الأول إذ أنَّ تحديد المراد من حيث عدم إرادة القيد لا يتم إلاَّ عن طريق قرينة الحكمة .
وأمَّا إذا كانت ألفاظ العموم قد وُضعت لاستيعاب كل ما تصدق عليه الطبيعة من أفراد ، فهذا يستوجب تبنِّي الإتجاه الثاني إذ أنَّ الأداة تتكفّل بالدلالة على الاستعياب والشمول ويكون تحديد أنَّ هذا مما تصدق عليه الطبيعة أو لا تصدق من شؤون المكلّف إذ أنَّ القضايا لا تتكفّل بتنقيح موضوعاتها .
وقد تَبنَّى صاحب الكفاية (رحمه الله) الإتجاه الثاني() ـ بعد أن اعترف بمعقوليّة كلا الاتجاهين ـ وذلك لأنَّه مقتضى الظهور العرفي .
ثم أنَّ المصنِّف (رحمه الله) بعد أن استوجه مبنى صاحب الكفاية (رحمه الله) قال : انّه يمكن البرهنة على بطلان الإتجاه الأول فيتعيّن الإتجاه الثاني ، وحاصل ما أفاده من برهان على بطلان الإتجاه الثاني :
هو أنَّ دعوى استفادة الاستيعاب من قرينة الحكمة يستوجب لغويِّة الفاظ العموم وذلك لأنَّ قرينة الحكمة تُوجب ظهور استيعاب الحكم لأفراد الطبيعة دون الحاجة إلى أداة العموم ، بل أننا قد ذكرنا في بيان الإتجاه الأول أنَّ تنقيح الظهور في الإستيعاب لأفراد الطبيعة بواسطة قرينة الحكمة لابد أن يتم في مرحلة سابقة وقبل ملاحظة كون الطبيعة مدخولة للأداة ، إذ أنَّ الأداة لا يكون لها دور الإفادة للإستيعاب إلاَّ بعد أن نحدد ما هو المراد من الطبيعة والذي يتم عن طريق قرينة الحكمة ، واذا كان كذلك فوجود الأداة لغو محض أي لا تصلح حتى للتأكيد إذ أننا بعد أن فرغنا عن تحقّق الظهور في الاستيعاب بواسطة قرينة الحكمة فما هو معنى مجيء أداة العموم ، وهل أنَّ دورها إلاَّ دور تحصيل الحاصل ، نعم لو كان استظهار الإستيعاب بواسطتهما معاً وفي عرض واحد لأمكن أن يقال أنَّ لها دور التأكيد ، إلاَّ أنَّ هذا خلف ما ذكرناه من أنَّ دور قرينة الحكمة يأتي أوّلا .

دلالات الجمع المعرّف باللام :
ومن الموارد التي ذُكر أنها مفيدة للعموم هي موارد الجمع المحلّى باللاَّم مثل « العلماء » في قولنا « اكرم العلماء » حيث ادُّعي دلالته على استيعاب الحكم ـ المجعول عليه ـ لتمام أفراد الطبيعة المُستفادة من مادة الجمع .
والبحث عن دلالة الجمع المحلّى باللام يقع في مقامين :
المقام الأوّل : في تصوير كيفيّه إستفادة العموم منه ، وقد ذُكر لذلك عدة تصويرات وقد إختار المصنِّف (رحمه الله) هذا التصوير وحاصله : انّ ما يمكن ان يكون منشأً لدلالة الجمع المعرَّف باللام على العموم والإستيعاب هو اشتماله على ثلاث دلالات من ثلاثة دوال تساهم بمجموعها في إفادة العموم  .
الأول : هو مادّة الجمع : ومدلولها الطبيعة التي نبحث عن شمول الحكم لأفرادها .
الثاني : هيئة الجمع : ومدلولها الجمع المتقوِّم بثلاثة أفراد أو يزيدون .
الثالث : اللاَّم الداخلة على الطبيعة المتهيّئة بهيئة الجمع : ويمكن أن يكون مدلولها استيعاب وشمول الحكم لتمام أفراد الطبيعة .
فهذه الدوال الثلاث ، أو قل الدالَّين الثاني والثالث هي التي يُمكن أن تكون مرتكز الدلالة على العموم ثبوتاً .
المقام الثاني : وهو مقام الإثبات والدلالة بعد الفراغ عن صلاحيّة الجمع المعرَّف باللاَّم للدلالة على العموم .
وفي المقام اتجاهان لإثبات دلالة الجمع المعرَّف باللاَّم على العموم :
الاتجاه الأوّل : انَّ اللاَّم الداخلة على الجمع قد وُضعت لافادة العموم مباشرة وابتداءً ، أي دون الحاجة في استظهار العموم منها الى قرينة الحكمة مثلا أو غيرها من القرائن ، واذا كان كذلك ففي كلِّ مورد تدخل اللاَّم على الطبيعة المُتهيّئة بهيئة الجمع تنشأ دلالة على العموم ، وانّ الحكم المجعول على مادّة الجمع يستوعب كل افراد المادّة .
ويمكن النقض على هذا الاتجاه بحالات استعمال اللاّم الداخلة على الجمع في العهد ، فإنّه في مثل هذه الحالة لا تكون اللاَّم دالّة على استيعاب كل أفراد الطبيعة المدخولة لها ، إذ انّ أقصى ما تدلّ عليه اللاّم في مثل هذه الحالة هو استيعاب الأفراد المعهودة فحسب ، فمثلا لو قال المتكلّم « اكرم العلماء » وقامت القرينة على أنّ اللاّم في هذا الاستعمال هي لام العهد الحضوري مثلا ، فإنّ اللام في مثل هذه الحالة لا تُفيد أكثر من استيعاب الحكم للأفراد المعهودة من الطبيعة عند المخاطب .
ومن هنا لابدّ ـ بناءً على هذا الاتجاه ـ من الإلتزام بأحد لازمين أو التنازل عن هذا الاتّجاه .
وهذان اللازمان هما : إما ان يلتزم بمجازيّة استعمال اللام في العهد ، وإما أن يلتزم بكون اللام مشتركاً لفظيّاً ، فتكون قد وُضعت لإفادة الاستيعاب والشمول لتمام افراد مدخولها ، ووضعت بوضع ثان ـ في حالات العهد ـ لإفادة الاستيعاب لخصوص الافراد المعهودة من الطبيعة .
وكلا هذين اللازمين لا يمكن الالتزام بهما لمنافاتهما مع ما هو مقتضى المتفاهم العرفي ، فإنّهم لا يرون أيَّ تجوّز في استعمال اللاّم في العهد كما أنهم لا يرون انّ للام الجمع معنيين ووضعين .
إذن فالوجدان العرفي قاض بوجود معنىً واحد للام الجمع في تمام حالات إستعمالها .
وبهذا يتّضح فساد هذا الاتّجاه .
الاتجاه الثاني : انَّ اللاَّم الداخلة على الجمع وُضعت للإشارة لما هو المتعيّن من مدخولها ، فاللام هنا هي نفس لام التعريف الداخلة على اسم الجنس ، ولمّا كانت لام التعريف بأنحائها الأربعة موضوعة للإشارة الى ما هو المتعيِّن من مدخولها ، فكذلك اللاَّم الداخلة على الجمع ، فدور اللاَّم دور اسم الاشارة وحيث انّ اسم الاشارة يُشير ويُوجِّه المخاطب الى ما هو المعهود والمعروف عنده في مرحلة سابقة على الاستعمال نتيجة ملابسات وعوامل أوجبت معروفيَّه ذلك الشيء عنده ، فكذلك لام التعريف سواءً الداخل منها على اسم الجنس أو الجمع ، فحينما نقول « هذا أسد » و«  هؤلاء علماء » فإنَّ اسم الاشارة في الحالتين يُوجِّهان المخاطب الى ما هو المعهود والمتعيّن عنده من معنى الاسد ومعنى العلماء ، فكذلك لام التعريف الداخلة على اسم الجنس وهيئة الجمع ، غاية ما في الأمر انّ لام التعريف الداخلة على اسم الجنس تشير الى ما هو المتعيّن في الذهن نتيجة أحد المناشئ المذكورة في محلِّها ، أما لام التعريف الداخلة على الجمع فتشير الى ما هو المتعيّن في الخارج من مراتب الجمع ، إذ انّ المتعيّن من مراتب الجمع وان أمكن تصوّره في مقام الواقع إلاّ انه غير مراد حتماً في مقام الاستعمال ، إذ انّ للجمع تعيُّن في مقام الواقع والذهن عند المتكلّم ، ولكن لا سبيل الى معرفته ما لم تقم قرينة خاصَّة عليه ، وقيام القرينة الخاصّة عليه خارج عن محلّ البحث .
وبعبارة اُخرى : انَّ المتعيّن من مراتب الجمع في مقام الواقع هو إمّا مرتبة الثلاثة أو الأربعة وهكذا ، ولكن هذا لا يعني تعيُّنه في مقام الخارج وعند المخاطب ، إذ أنَّه من أين له معرفة ما هو المراد في مقام الاستعمال من هذه المراتب ، وهذا بخلاف المرتبة الأخيرة للجمع والتي تقتضي الاستيعاب لتمام أفراد مدخول اللاَّم فإنها هي المتعيِّنة في مقام الاستعمال إذ أنها هي التي تنطبق على تمام المراتب ولا يكون أيُّ تردد فيها إذ انّها لو لم تكن هي المرادة لكان المخاطب متردّداً في استظهار ما هي المراتب المرادة من الجمع هل هي مرتبة الثلاثة أو الأربعة أو الخمسة ؟ وهكذا ، وهذا التردد يُنافي كون اللام قد وُضعت للاشارة والتوجيه الى ما هو المتعيّن والمعهود عند المخاطب إذ أنَّه كيف يكون تعين ومعهودية والحال أنّ المخاطب متردد في أيِّ المراتب هي المرادة من الجمع المدخول لِلاّم .
ومن هنا يتّضح ان اللاَّم لا تدلّ مباشرة على الاستيعاب لتمام أفراد مدخولها ، بل أنها تدل عليه بواسطة انّ التعين الذي تشير اليه اللام لا يمكن ان يكون الاّ المرتبة الأخيرة من الجمع القاضية بإرادة تمام أفراد الطبيعة .
وبما ذكرناه تعرف فساد ما أفاده صاحب الكفاية (رحمه الله) في مقام الردِّ على هذا الاتجاه ، حيث ذكر (رحمه الله) انّ الاشارة الى المتعيّن الذي ادُّعي دلالة اللام عليه لا تقتضي المرتبة الأخيرة إذْ من الممكن أن تكون اللام مشيرة الى ما هو المتعيّن من المراتب الاُخرى للجمع إذ انّ التعيّن والمعهوديّة موجودة في تمام المراتب للجمع .
وبعبارة اُخرى : إنَّ ذهن المخاطب يحتفظ برؤية متكاملة عن مرتبة الثلاثة مثلا من حيث عدد وحدات هذه المرتبة وموقعها بين المراتب وما هو حقيقة هذه المرتبة ، وهكذا سائر المراتب للجمع .
وأنت خبير انَّ هذا ليس هو مقصودنا من التعيّن الذي تشير إليه لام التعريف الداخلة على الجمع ، إذ ان مقصودنا هو التعيُّن في مقام الاستعمال والذي هو تحديد ما هي الافراد المشمولة للجمع وما هي الافراد الخارجة ، ومن الواضح انَّ أيَّ مرتبة من مراتب الجمع غير المرتبة الأخيرة لا تتمكّن من تحديد ذلك إذ أن التردد فيما هو المراد وما هي الافراد المشمولة للجمع يبقى على حاله ، وهذا بخلاف المرتبة الأخيرة فإنّها اذا كانت هي المشار إليها بلام التعريف فإنّها كفيلة برفع التردد ومُوجبة لتحديد ما هو المراد .
وهذا هو المناسب للام التعريف بعد أن قلنا أنها موضوعة للاشارة إلى ما هو معهود ومتعيّن عند المخاطب .
 

 

المفاهيم
 

تعريف المفهوم :
عُرِّف المفهوم بأنّه إنتفاء وانعدام سنخ الحكم وطبيعيّه بانتفاء قيده المذكور في المنطوق .
وهذا التعريف يستوجب بيان اُمور :
الأمر الأوّل : انّ المراد من المنطوق هو المدلول المطابقي للكلام بحيث تكون دلالة الكلام مُستفادة من نفس الملفوظ بمواده وهيئاته التركيبيّة ، فحينما يقال (زيد عالم) فإن لهذه الجملة مدلولا مطابقيّاً وهو ثبوت العالمية لزيد ، وهذا المدلول استُفيد من نفس مواد هذه الجملة وهيئاتها التركيبيّة وليس هناك دالٌّ على ثبوت العالميّه لزيد غير ما نُطق به من الفاظ بهذا الترتيب الخاص .
ومع اتضاح معنى المنطوق يتّضح انَّ كلَّ دلالة تُستفاد في عرض هذا المدلول أو في طولها فهي ليست من المنطوق ويُطلق المناطقة على مثل هذه المدلولات المدلولات الالتزاميّة .
الأمر الثاني : انّ المراد من طبيعي الحكم هو الحكم الكلِّي الجامع لافراده والذي يكون في موقع الحقيقة المشتركة بينها فهو بمثابة اسم الجنس الصادق على أفراده صدق الكلي على مصاديقه ، فكما انّ انتفاء طبيعي الأسد يقتضي انتفاء وانعدام جميع أفراده ، فكذلك انتفاء طبيعي الحكم يقتضي انتفاء جميع أفراده .
وقد ذكرنا فيما سبق انّ الاحكام حقائق متباينة ، كلُّ حكم يمثّل نوعاً له حدوده المانعة عن تداخله مع غيره ، فالوجوب حقيقة وطبيعة متباينة تمام التباين مع حقيقة الحرمة وهكذا سائر الأحكام ، واذا كان كذلك فالحكم حقيقة كلِّية يكون لها أفراد متسانخة ومتماثلة من حيث اشتراكها في حقيقة واحدة وان كان كلُّ فرد منها له مشخّصاته الخاصة به ، فوجوب الاكرام بملاك الفقر غير وجوب الاكرام بملاك العلم ، ووجوبه بملاك العلم غير وجوبه بملاك القرابة ، إلاّ انَّ هذه الوجوبات الشخصيّة تشترك في حقيقة واحدة هذه الحقيقة هي المعبَّر عنها بطبيعي الوجوب ، فلذلك يكون الفرق بين شخصي الوجوب وبين طبيعيه هو أنّ إنتفاء شخص الوجوب لا يقتضي انتفاء فرد آخر للوجوب ، فحينما ينتفي وجوب الاكرام بملاك القرابة لا يكون ذلك مقتضياً لانتفاء وجوب الاكرام بملاك الفقر ، وهذا بخلاف انتفاء طبيعي الوجوب فإنّ ذلك يقتضي انعدام الوجوب بتمام افراده وأشخاصه ، لأن الطبيعي لا ينتفي الا عند انتفاء تمام أفراده ، فاذا قام الدليل على انتفاء الطبيعي فهذا يكشف عن انتفاء تمام أفراده .
الأمر الثالث : المراد من المفهوم في المتفاهم العرفي هو مطلق المدلول المنطبع في الذهن بقطع النظر عن منشئه إذ قد يكون المنشأ هو الأوضاع اللغوية وقد يكون المنشأ هو الاشارة وقد يكون المنشأ هو الملازمات العقلية أو العادية أو الطبعية للفظ ، وقد تكون المشاهد الخارجية التي تقع تحت الحواس وقد يكون منشأ ذلك هو التصوّرات النفسانية وقد يكون غير ذلك ، فمثلا قوله تعالى : ] ففهّمناها سليمان [() الظاهر أن الوسيلة التي فهِّم بها سُليمان عليه السلام هي الوحي .
إذن المفهوم بحسب استعمال أهل المحاورة هو مطلق المداليل والمعاني المستفادة من دوالِّها ، ويبدو أنَّ هذا المعنى بسعته للمفهوم هو المستعمل عند أهل المعقول ، ولذلك قال الحكيم السبزواري في مقام بيان ما هو المراد من الوجود :
مفهومه من أوضح الأشياءِ***وكُنْههُ في غاية الخفاءِ
الأمر الرابع : المدلول الإلتزامي اللفظي هو المعنى الخارج عن اللفظ اللازم له ، وهذه الملازمة بين المدلول اللفظي والمدلول الإلتزامي تنشأ عن علاقة واقتران بينهما في الذهن نتيجة ملابسات خاصة من قبيل تلازمهما في الواقع الخارجي أو يكون التلازم الذهني ناشئ عن علاقة يختلقها المتكلّم عن طريق استعمال أدوات لُغويّة وُضعت لإفادة الربط بين المعاني ، ولمَّا كانت طبيعة العلاقة ـ بين كل ملزوم ولازمه ـ هو ثبوت اللازم عند ثبوت الملزوم وانتفاء اللازم عند انتفاء الملزوم ، فهذا يعني أنَّ العلاقة التلازميّة التي اختلقها المتكلّم بواسطة أدوات الربط أراد منها الربط ين المعنَيين في حالات الوجود والعدم .
ويمكن التمثيل لذلك بالجمل الشرطيّة التي وُضعت لإفادة التلازم بين المشروط وشرطه في الوجود والعدم ، فتكون أداة الشرط مفيدة لثبوت المشروط (اللازم) عند ثبوت شرطه (الملزوم) وانتفاء المشروط عند انتفاء شرطه .
ومع اتّضاح هذه الاُمور الأربعة نصل لبيان تعريف المفهوم في مصطلح الاُصوليّين ، فنقول : إنَّ المفهوم عندهم لا يُباين المفهوم في المتفاهم العرفي ولكنّه أخصُّ منه إذ أنَّ المفهوم في مصطلح الاُصوليّين يعني المدلول المُستفاد من دالّ خاصّ ، إذ أنّه يعني المدلول المستفاد عن الربط بين الحكم المذكور في المنطوق وبين حالة خاصة للموضوع المذكور أيضاً في المنطوق ، فإنَّ هذا الربط المختلَق ـ بواسطة أدواته الموضوعة لذلك ـ يُنشأ علاقة تلازميّة بين الحكم المذكور في المنطوق وبين موضوعه المُتحيِّث بحيثيِّة خاصة ، ومع تحقق الملازمة بينهما فهذا يقتضي انتفاء الحكم الملزوم بانتفاء هذه الحيثيّة ، وهذا الانتفاء عند الإنتفاء هو المدلول الإلتزامي وهو المفهوم باصطلاح الاُصوليّين .
وهنا خصوصيّة إضافيّة مأخوذة في تعريف المفهوم عندهم ، وهذه الخصوصيّة هي أنَّ المفهوم لا يتحقّق إلاَّ بانتفاء طبيعي الحكم بانتقاء ما اُخذ في الموضوع ، أمَّا إذا كان المنتفي هو شخص الحكم ، فهذا لا يسمّى مفهوماً عندهم .
وبما بيّناه يتّضح أنَّ المفهوم يتحدّد بمجموعة اُمور :
الأوّل : أنَّه مدلول إلتزامي لفظي ، وبهذا الحدِّ يخرج المنطوق ويخرج المدلول الإلتزامي غير اللفظي .
الثاني : إنَّ هذا المدلول هو انتفاء الحكم المذكور في المنطوق بانتفاء قيده ، وبهذا يخرج المدلول الإلتزامي الذي لا يتوقّف على انتفاء الحكم المذكور في المنطوق ، مثلا إذن المالك لشخص بالمكث في داره يُلازم الإذن له بدخول بيت الخلاء ، فإنَّ المدلول الإلتزامي في المثال لا يعني انتفاء الإذن بالمكث في الدار ، وهذا بخلاف المفهوم المبحوث عنه في المقام فإنَّه يعني انتفاء الحكم المذكور في المنطوق ، مثلا لو قال المتكلّم « إذا جاء زيد فأكرمه  » فإنَّ المدلول الالتزامي لهذه الجملة هو انتفاء وجوب الإكرام بانتفاء مجيء زيد ، فنلاحظ أن المدلول الإلتزامي في المثال هو عبارة عن انتفاء الحكم في المنطوق ، وهذا هو المبحوث عنه في المقام .
الثالث : أن يكون المنفي عند انتفاء القيد المذكور هو طبيعي الحكم إذ قد يكون المنفي عند انتفاء الموضوع (القيد) هو شخص الحكم وذلك بواسطة قاعدة إحترازيّة القيود .
فحينما يقال « أكرم زيداً الفقير » ، فإنَّ انتفاء الفقر عن زيد وإن كان يُوجب انتفاء الحكم وهو وجوب الإكرام إلاَّ أنّ هذا المنفي إذا كان هو شخص الوجوب فإنَّ هذا لا يقتضي انتفاء شخص آخر للوجوب بملاك القرابة أوالعلم ، وهذا الإنتفاء لشخص الحكم انما نشأ عن قاعدة إحترازيّة القيود والتي تعني تبعيّة الحكم لقيوده ، وهذا المقدار لا يُحقق المفهوم إذ أنّ المنفي في المفهوم هو طبيعي الحكم ، وهذا يستدعي وجود خصوصيّة اضافيّة للربط بين الحكم في المنطوق وبين قيوده المأخوذة في المنطوق أيضاً  .
وهذا ما سنبحث عنه في ضابطة المفهوم .
قوله (رحمه الله) : « تطبيقاً لقاعدة إحترازيّة القيود » ، والتي تقتضي انتفاء المقيد عند انتفاء قيده ، ومنشؤها أنَّ القيد بمثابة الموضوع ، والأحكام تابعة لموضوعاتها وجوداً وعدماً ، فمتى ما انتفى الموضوع (القيد) انتفى بتبعه الحكم المجعول عليه ، فالمتكلّم حينما جعل الحكم منوطاً بقيده فهذا يكشف عن أنّه أراد أن يكون القيد هو مدار وجود الحكم وانتفائه .

ضابطة المفهوم :
ولكي يكون المفهوم بحدوده متحقّقاً لابدَّ أن يكون المنطوق متوفّراً على ركنين أساسيّين :
الركن الأوّل : أن يكون القيد المرتبط بالحكم في المنطوق علّة منحصرة للحكم بحيث لا يقوم شيء مقام القيد لتحقيق الحكم .
وبعبارة اُخرى : لابدَّ ان تكون الجملة مُتهيّئة بهيئة يستظهر منها العُرف كون الربط بين الحكم وقيده ربطاً عليّاً انحصاريّاً بحيث ينفهم منها إنتفاء الحكم المقيّد عند انتفاء قيده المأخوذ في المنطوق .
ومن الواضح ان انتفاء الحكم بانتفاء قيده يتقوّم بثلاث ركائز :
الاُولى : وجود ملازمة بين الحكم وقيده .
الثانية : ان تكون هذه الملازمة بنحو العلِّيّة .
الثالثة : ان تكون علِّيّة القيد للحكم علّية انحصارية ، إذ لو لم تكن انحصاريّة لأمكن ان ينتفي القيد ولا ينتفي معه الحكم لجواز ان يكون للحكم علّة اُخرى .
الركن الثاني : ان يكون الربط في المنطوق بين كلِّيّ الحكم وطبيعيَّه وبين القيد إذ لو كان الربط بين شخص الحكم والقيد لكان ذلك يقتضي انتفاء شخص الحكم بانتفاء قيده ، وهذا ليس من المفهوم المبحوث عنه .
وبعبارة اُخرى : لابدَّ من أن تكون الجملة التي لها مفهوم ظاهرة في انَّ الربط فيها انما هو بين طبيعي الحكم وبين القيد حتى يكون انتفاء القيد مقتضياً لانتفاء طبيعي الحكم ، لأن هذا هو مُقتضى الربط الواقع في المنطوق  .
ومع توفّر هذين الركنين في ايِّ جملة من الجمل يثبت المفهوم لتلك الجملة .
الإشكال على الركن الأوّل : وقد أورد المصنّف (رحمه الله) على الركن الأوّل إيرادين :
الإيراد الأول : ذكرنا في الركن الأول انّ القيد المرتبط بالحكم لابدَّ من ان يكون علّة للحكم ، وهذا غير لازم في تحقق المفهوم ، إذ المفهوم يمكن ان يتحقّق لو كان القيد جزء علّة للحكم إذا كان جزء علّة منحصرة ، مثلا لو قال المتكلّم « إذا جاء زيد راكباً فأكرمه » فإنَّ ظاهر الجملة انّ العلّة لوجوب الاكرام مركّبة من جزءين ، الأول المجيء ، والثاني كون المجيء بهيئة الركوب ، فلو انتفى أحد الجزءين فان هذا يُنتج انتفاء الحكم وذلك لان المنتفي هو جزء العلّة المنحصرة ، وهذا يكشف عن انّ المنشأ لتحقق المفهوم هو انحصار تحقق الحكم بقيده سواء كان القيد الذي هو العلّة متّحداً أو متعدّداً ، وكذلك يكفي ان يكون أحد جزءي العلّة منحصراً وان كان الجزء الآخر من قبيل جزء العلّة ذات البديل ، ففي مثالنا السابق لو استظهرنا ان الركوب جزء علّة لوجوب الاكرام ولكن بنحو جزء العلّة ذات البديل بحيث يمكن استبدالها بجزء علّة اُخرى ولكنَّ الجزء الآخر للعلّة وهو المجيء جزء علّة منحصرة اي لا يقوم مقامها شيء آخر فإنَّ ذلك يكفي في تحقق المفهوم لهذه الجملة ، أي اذا افترضنا انتفاء جزء العلّة المنحصر .
فهنا إذن معنيان للعلّة المنحصرة الاولى هي ما يقابل العلّة المركّبة من اجزاء متعدّدة كلُّ جزء منها يمثّل جزء علّة الثانية : هي ما يقابل العلّه ذات البديل .
فالمعنى الأول هو عبارة عن العلّة البسيطة اي الغير المركّبة من اجزاء  .
المعنى الثاني : هي عبارة عن العلّة التي لا يقوم مقامها علّه اُخرى في تحقيق المعلول فهي في مقابل العلّة ذات البديل وهي التي يمكن ان يقوم مقامها علّة اُخرى لتحقيق نفس المعلول .
والذي يظهر من عبارة المصنّف (رحمه الله) أنّ الذي هو ليس أساسيّاً في تحقق المفهوم هو المعنى الاول للعلّة المنحصرة إذ انَّه يمكن ان تكون العلّة مركّبة ولكنها اذا كانت منحصرة بالمعنى الثاني فهذا يكفي في تحقق المفهوم ، فالعبرة في تحقق المفهوم هو ان لا تكون العلّة للحكم ذات بديل ، إلا انه يمكن ان يكون المصنّف (رحمه الله) مريداً لصورة اُخرى بالاضافة الى ما ذكرنا وهو انه لو كانت العلّة مركّبة وكان أحد اجزائها من قبيل العلّة ذات البديل فإنَّ ذلك لا يضرُّ في تحقق المفهوم إذا كان الجزء الآخر من قبيل العلّة المنحصرة بالمعنى الثاني ، إذ انّ الانحصار المحقّق للمفهوم هو الانحصار بالمعنى الثاني ولو في جزء العلّة .
الإيراد الثاني : ان أصل العلّيّة غير معتبر في تحقق المفهوم إذ يكفي في تحقق المفهوم كون الحكم مرتبطاً بالقيد ارتباطاً وثيقاً بحيث يكون ذلك الحكم متوقّفاً على القيد توقّف اللازم على ملزومه إذ ان التوقف والتلازم بين الشيئين لا يقتضي ان العلاقة بينهما علاقة العلّية دائماً ، فقد تكون العلاقة بين المتلازمين ناشئة عن كونهما معلولين لعلّة ثالثة ، وقد تكون ناشئة عن تلازم علّتين في الوجود والعدم يُنتجان معلولين يكون بينهما تلازم في الوجود والعدم اي كلّما أوجبت العلّه الاولى معلولها أوجبت العلة الاُخرى معلولها ، وهذا يُنتج التلازم بين المعلول الأول والمعلول الثاني .
ومثال الأول : التلازم بين الحراة والإحراق رغم عدم وجود أي علّية بينهما بل ان كلاهما معلولان لعلّة واحدة هي النار .
ومثال الثاني : سقوط قرص الشمس وبروز القمر في الليالي المقمرة فإنّهما علّتان متلازمتان وجوداً وعدماً ويُنتجان معلولين متلازمين في الوجود والعدم وهما ذهاب النهار وضوء القمر .
ومن هنا قلنا ان الربط الذي تُحدثه الجملة لا يستوجب ان يكون بنحو العلّية بل يكفي في هذا الربط ان يكون موجباً للتلازم بين الحكم وقيده .
بل انّ التلازم بين الحكم وقيده غير ضروري في تحقق المفهوم إذ انّه يكفي في تحقق المفهوم للجملة هو إفادتها توقف الحكم على قيده ولو اتفاقاً ، اي ولو لم يكن بين الحكم وقيده تلازم واقعي إذ ان المناط في تحقق المفهوم هو استفادة التوقّف والتلازم من حاقِّ المنطوق بقطع النظر عن واقع العلاقة بين الحكم وقيده ، فلو قلنا ان مجيء زيد متوقّف على مجيء عمرو دون ان يكون لذلك التوقّف اي سبب ، لكانت هذه الجملة مفيدة لانتفاء مجيء زيد عند انتفاء مجيء عمرو .
وبهذا يتّضح ان الربط بين الحكم وقيده وان كان يوجب تحقق المفهوم إلا ان ذلك ليس هو المناط في تحقق المفهوم بل ان المفهوم يتحقق باقلَّ من ذلك ، اذ يكفي فى تحقق المفهوم ان يكون الربط بين الحكم وقيده بنحو يكون الحكم متوقّفاً على قيده ولو اتفاقاً .
قوله (رحمه الله) : « ملتصقاً بالشرط ومتوقّفاً عليه » الواو هنا عطف تفسير ، فالتوقّف والإلتصاق يعبِّران عن معنىً واحد وهو حالة التلازم ، ولو كان ذلك التلازم مختلقاً ومعتبراً بواسطة الجملة وليس وراءه واقع أو ليس في الجملة ما يدل على عليّة أحدهما للآخر بنحو العليّة الانحصاريّة .


« مفهوم الشرط »

وبعد أن اتضح ما هو المراد من المفهوم وما هي ضابطته يقع الكلام حول بعض الجمل التي ادعي دلالتها على المفهوم .
ولابدّ ان يكون مسار البحث عن توفّر هذه الجمل على ضابطة المفهوم وعدم توفِّرها عليها .
ونبدأ أولا بالجملة الشرطية والتي عُلِّقت فيها قضية حمليِّة على قضية حمليَّه اُخرى بطريقة خاصَّة اقتضت انفهام التعليق عرفاً ، ولذا لم يقع الاشكال في دلالة الجملة الشرطية على الربط والتعليق ، نعم وقع الكلام في ما هو الدال على الربط والتعليق فيها .
وقد ذكر المصنّف رحمه الله تعالى في ذلك اتجاهين :
الاتّجاه الأول : هو أن الدال على الربط بين الشرط والجزاء هو أداة الشرط ، مثلا « اذا جاء زيد فاكرمه » هذه الجملة الشرطية دلَّت على ربط وجوب الاكرام بنحو التعليق على مجيء زيد ، وهذا التعليق والربط بين الشرط « وهو مجيء زيد » والجزاء « وهو وجوب الاكرام » استفيد من اداة الشرط وهي « إذا » في هذه الجملة إذ وُضعت لافادة هذا النحو من الربط .
وهذا هو الاتّجاه المعروف .
الاتجاه الثاني : وهو الذي تبناه المحقق الاصفهاني (رحمه الله) ، وحاصله : ان الدال على الربط بنحو التعليق بين الشرط والجزاء هو هيئة الجملة الشرطية حيث أنها وبهذه الكيفية الخاصة التي رتّب فيها الجزاء على الشرط مفيدة للنسبة الربطيّة التعليقيّة بين ركني الجملة وهما الشرط والجزاء  ، وليس لأداة الشرط دلالة على الربط والتعليق بل أنها وُضعت للدلالة على أن الشرط الذي هو مدخولها قد لوحظ مقدر الوجود وليس لمُنشأ الجملة أيّ تصد لاحرازه خارجاً بل انّه افترضه افتراضاً وعلّق عليه الجزاء بنحو القضية الحقيقية فأداة الشرط ليس لها دور الا دور الدلالة على انّ الجمل الشرطية مجعولة على نهج القضايا الحقيقيّة .
وكيف كان فالاتّجاهان متّفقان على دلالة الجملة الشرطية على الربط والتعليق ، إلاّ انّ هذا المقدار غير كاف لاثبات المفهوم للجملة الشرطية بل لابدَّ من اثبات انّ الجملة الشرطية متوفّرة على ضابطة المفهوم .
ومن هنا يتّجه البحث في الجملة الشرطية عن جهتين :
الجهة الاُولى : ان الحكم المُعلَّق على الشرط هل هو طبيعي الحكم أو شخص الحكم ؟ ولابدَّ من اثبات ان المعلَّق على الشرط هو الطبيعي والا لم تكن الجملة دالّة على المفهوم .
وقد قُرِّبت دعوى كون المعلّق على الشرط هو الطبيعي بهذا التقريب  ، وهو : أنّ مقتضى الاطلاق في الجزاء المعلّق على الشرط هو ان المعلّق طبيعي الحكم إذ لو كان المعلَّق هو فرد خاص من الحكم لكان على المتكلّم ان يأتي بالقيد الدال على الحكم الخاص ، فعدم ذكر القيد ـ رغم انّه في مقام بيان ما هو المعلَّق على الشرط ـ كاشف عن عدم إرادة أي قيد في الحكم ، وهذا يقتضي إرادة طبيعي الحكم ، مثلا قول الامام (عليه السلام) : « اذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين »() أي صلاة الظهر وصلاة العصر  ، فالإمام (عليه السلام) قد علَّق وجوب الصلاتين على زوال الشمس ، والسؤال هو انّ الوجوب الثابت للصلاتين هل هو طبيعي الوجوب أو شخص الوجوب بحيث يمكن ان تجب صلاة الظهر ، وكذلك العصر بموجب آخر غير زوال الشمس ، والجواب انّ مقتضى الاطلاق وقرينة الحكمة انّ المعلَّق على زوال الشمس هو طبيعي الوجوب بحيث اذا انتفى الزوال تنتفي تمام أفراد الوجوب للصلاتين ، فلا موجب آخر لأيِّ فرد من أفراد الوجوب ، وذلك لأنه لو كان المعلَّق على الزوال هو فرد خاص من وجوب الصلاتين لكان على الامام (عليه السلام) ان يذكر القيد الدالّ على ذلك ، إذ انّ الامام في مقام بيان ما هو المعلّق على الزوال فلمّا لم يذكر ما يدل على ارادة الفرد الخاص للوجوب كشف ذلك عن عدم إرادة القيد ، وهذا يعني ارادة طبيعي الوجوب للصلاتين .
وبهذا البيان اتّضح توفُّر الجملة الشرطية على الركن الاول للمفهوم .
الجهة الثانية : انّ الشرط المعلَّق عليه الجزاء هل يظهر منه انه علة إنحصاريّة للجزاء وانه لا توجد علة اُخرى للجزاء أو لا ؟
فان تم إثبات ظهور الشرط في العليّة الانحصارية ثبت انّ للجملة الشرطية مفهوم .
وقد طُرحت لإثبات ذلك محاولتان .
المحاولة الاُولى : إنّ الدال على انّ الشرط علّة منحصرة للجزاء هو أداة الشرط ، ومنشأ دلالتها على ذلك هو الوضع ، واذا كان كذلك فاستعمال اداة الشرط في حالة كون الشرط علة غير منحصرة يعني انه استعمال لها في غير ما وضعت له « الأداة » وهو يقتضي مجازيّة الاستعمال .
ومن هنا نشأ الاشكال على هذه الدعوى إذ إنّ الوجدان قاض بفسادها ، فالعرف لا يرى أيَّ تسامح وتجوُّز في استعمال أداة الشرط في مورد لا يكون فيه الشرط علّه منحصرة للجزاء مما يكشف عن عدم مجازية استعمال الأداة في حالات عدم كون الشرط علّة منحصرة .
المحاولة الثانية : ـ لإثبات انّ الشرط علة منحصرة للجزاء ـ وهي انّ اثبات العليّة الانحصاريّة للشرط تتم بثلاث دوال يشكلون بمجموعهم ظهوراً في انحصار الجزاء بالشرط :
الدالُّ الاول : هي اداة الشرط ومدلولها الوضعي هو التلازم بين الشرط والجزاء دون تحديد هويّة هذا التلازم ، فلو كنّا وهذا المقدار لما كان للجملة الشرطيّة ايُّ دلالة على أكثر من كون الجزاء لازماً للشرط ، امّا انّ هذا اللزوم هو لزوم علِّي أو غير علِّي وعلى فرض ثبوت العلّية فهل هي علِّية انحصاريّة أو لا ؟ فهذا خارج عن مفاد الأداة .
الدالُّ الثاني : هي فاء التفريع ـ والتي يقع الجزاء مدخولا لها ـ ومدلولها الوضعي هو علِّية الشرط للجزاء ، إذ انّ هذا هو مقتضى تفرّع الجزاء عن الشرط ، وتفرع شيء عن شيء يعني ان المتفرّع عنه علّة للمتفرِّع ، « فالفاء » تدل على التفريع والتفريع يقتضي العلِّية كما ذكرنا .
وما ذكرناه من دلالة « الفاء » وضعاً على التفريع لا فرق فيه بين كون الفاء مذكورة أو مقدَّرة .
الدالُّ الثالث : وهو الاطلاق في الشرط فإنَّه دالّ على الإنحصار وعدم وجود بديل يحقّق الجزاء ، وذلك لأن الشرط المذكور امّا ان يكون علّة منحصرة للجزاء وأما ان يكون العلّه للجزاء هو أو غيره ، ولمّا كان المتكلّم في مقام بيان ما يُوجب الجزاء ويحقّقه فهذا يستوجب ذكر كل ما يحقق الجزاء ، فإذا لم يذكر الاّ هذا الشرط فهذا يقتضي عدم وجود شرط آخر يمكن ان يحقق الجزاء اذ لو كان موجوداً ومع ذلك لم يذكره ـ وهو في مقام بيان ما يوجب ويحقق الجزاء ـ لكان ناقضاً لغرضه .
وبهذا البيان يثبت انّه لا يوجد شرط آخر يكون بديلا عن الشرط المذكور ، وهذا هو الانحصار المطلوب إثباته .
وبهذه الدوالِّ الثلاثة يثبت ان الشرط في الجملة الشرطيّة علّة منحصرة للجزاء .
ومن أجل ان يتّضح المطلب أكثر نطبّق هذه الدوال الثلاثة على هذا المثال « اذا جاء زيد فأكرمه » ، فاداة الشرط « إذا » دلَّت على التلازم بين الشرط وهو « المجيء » والجزاء « وهو وجوب الإكرام » .
و« الفاء » التي دخلت على الجزاء دلَّت على تفرُّع الجزاء وهو وجوب الاكرام على الشرط وهو المجيء ، وتفرُّع الوجوب على المجيء دالٌّ على انّ المجيء علّة للوجوب .
ثم ان مقتضى الاطلاق في الشرط ـ وهو مجيء زيد ـ يثبت الإنحصار وذلك لأنه لو كان للشرط بديل يُوجب الجزاء لذكره المتكلّم اذ انه في مقام بيان ما يُحقق وجوب الاكرام ، فعدم ذكر بديل للشرط كاشف عن عدم وجوده ، وهذا هو الإنحصار في الشرط الذي نروم إثباته .
وبهذا تكون الجملة الشرطيّة دالّة على المفهوم لتوفّرها على كلا الركنين المُعتبرين في تحقّق المفهوم في الجمل .

الشرط المسوق لتحقق الموضوع :
يمكن تصنيف الشرط في الجملة الشرطيّة إلى قسمين :
القسم الأوّل : وهو ما يثبت لموضوع الحكم مع إمكان زواله عن الموضوع ، ومع ذلك يبقى الموضوع منحفظاً .
وبتعبير آخر : يكون الشرط واسطة في ثبوت الحكم للموضوع المتقرّر في مرحلة سابقة عن عروض الشرط عليه ، فلذلك لا يكون للشرط دخالة في وجود الموضوع ، بل أنّه إذا اتفق عروضه على الموضوع يثبت الحكم للموضوع ، مثلا : (إذا كان زيد فقيراً فتصدّق عليه) فوجوب التصدّق ثبت لموضوعه وهو زيد بواسطة عروض الشرط عليه ، وهذا الموضوع متقرّر وثابت بقطع النظر عن الشرط ، فهو لا يُساوي الشرط وجوداً وعدماً ، فقد يوجد زيد ولا يكون فقيراً ، وقد يثبت له الفقر ثم يزول عنه .
فإذا كانت علاقة الشرط بموضوع الحكم من هذا القبيل فالجملة الشرطية لها مفهوم .
القسم الثاني : أن يكون الشرط مساوياً لموضوع الحكم وجوداً وعدماً ، فحيثما وجد الشرط وجد معه الموضوع ، وحيثما انعدم الشرط انعدم معه الموضوع ، فليس للموضوع تقرر وثبوت في صورتي وجود الشرط وعدمه ، وهذا النحو من الشروط في الجمل الشرطية قد يكون غير الموضوع إلاَّ أنّه مساو للموضوع في الوجود والعدم وقد يكون هو عين الموضوع ، وفي كلا الحالتين لا يكون للجملة الشرطية مفهوم وذلك لأنَّ المفهوم ـ كما قلنا ـ هو انتفاء الحكم عن الموضوع عند انتفاء الشرط ، فإذا كان الموضوع منتفياً بانتفاء الشرط أو كان الشرط هو الموضوع فأيُّ موضوع نبحث عن انتفاء الحكم عنه ، وهل هو إلاَّ من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع .
وبعبارة اُخرى : إنَّ الثمرة التي نستفيدها من المفهوم هي أنَّ الحكم في ظرف انتفاء الشرط منتف عن الموضوع فإذا لم يكن هناك موضوع في ظرف انتفاء الشرط فلا حاجة للمفهوم في إثبات إنتفاء الحكم لأنَّ الحكم في مثل هذه الحالة منتف حتماً لتبعيّة الأحكام لموضوعاتها ثبوتاً وانتفاءً ، نعم لو كان للموضوع تقرر وثبوت حتى في ظرف انتفاء الشرط يكون للمفهوم فائدة إذ قد ينتفي الشرط ولا ينتفي الحكم عن الموضوع فيكون دور المفهوم هو إثبات انتفاء الحكم عن موضوعه في ظرف انتفاء الشرط .
ويمكن التمثيل للشرط المساوي للموضوع بهذا المثال : (إن رزقت ولداً فاختنه) فإنَّ الموضوع مساو للشرط المعلَّق عليه الأمر بالختن وهو أن يرزق المكلّف ولداً .
فإنَّ عدم رزق الله المكلّف للولد معناه عدم الولد أي عدم الموضوع ، وبهذا ينتفي الحكم وهو الأمر بالختن بانتفاء موضوعه وهو الولد ، وذلك لتبعيّه الأحكام لموضوعاتها وليس انتفاء الحكم بسبب المفهوم إذ أنَّ المفهوم هو انتفاء الحكم عن الموضوع الموجود عند انتفاء الشرط .


« مفهوم الوصف »

ومن الجمل التي ادعي دلالتها على المفهوم هي الجمل الوصفيّه .
والمراد منها مطلق الجمل التي قُيّد موضوعها أو متعلّق الحكم فيها بقيد من القيود ، وليس للمفهوم الذي ادعي دلالة الجمل الوصفيّة عليه اختصاص بالجمل النعتية في مصطلح النحاة ، بل يشمل كل قيد موجب لتضييق دائرة الموضوع أو متعلّق الحكم ، فلذلك فهو يشمل الحال والتمييز والإضافة وغيرهما مما يوجب التضييق في موضوع الحكم أو متعلّقه .
ومثال ما فيه تضييق لموضوع الحكم قوله تعالى : ] أُحلّ لكم صيد البحر [() فإنَّ الصيد هو موضوع الحكم في الآية الكريمة وقد ضيّقت دائرة هذا الموضوع بقيد وهو البحر ، وبه أصبح موضوع الحكم (الحلّية) غير شامل لصيد البر .
ومثال ما فيه تضييق لمتعلّق الحكم قوله تعالى : ] مَن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم [() فإنَّ الإعتداء هو متعلق الحكم وقد ضيّقت دائرته بقوله تعالى : ] بمثل ما اعتدى عليكم [ وبه اصبح متعلّق الحكم غير شامل للإعتداء بأكثر أو بغير سنخ الإعتداء الواقع على المخاطب  .
وبعد اتّضاح موضوع البحث يقع الكلام في دلالة الجمل الوصفيَّة على المفهوم ، وقد ذكر لإثبات ذلك وجهان :
الوجه الأوّل : انّ القيود المأخوذة في موضوع الحكم أو متعلّقه إما ان تكون دخيلة في ترتّب الحكم على الموضوع أو المتعلّق وامّا ان لا تكون دخيلة في ذلك ، وعدم دخالتها مناف لما هو مقتضى الظهور العرفي إذ ان المتفاهم من أخذ قيد في موضوع انّ ذلك القيد دخيل في ترتُّب الحكم على موضوعه ، بمعنى ان الحكم لا يثبت لو اتفق انتفاء قيد الموضوع كما هو الحال لو قُدِّر انتفاء أصل الموضوع ، مثلا قول الامام الصادق (عليه السلام) « لا تأكل اللحوم الجلاّلة »() فإنّ الظاهر من أخذ القيد في موضوع الحكم «  اللحوم » انّ ذلك القيد « الجلاَّلة » دخيل في ترتُّب الحرمة على الموضوع  .
والإشكال على هذا الوجه : هو أن هذا المقدار لا يفي بإثبات المفهوم للجمل الوصفيّه ، وذلك لأنّ غاية ما يثبته هذا الوجه هو إنتفاء شخص الحكم بانتفاء القيد المأخوذ في الموضوع أو المتعلّق ، ولذلك يمكن ان يثبت مثل الحكم للموضوع المجرَّد عن القيد .
وبعبارة اُخرى : انّ انتفاء شخص الحكم بانتفاء القيد انما نشأ عن قاعدة احترازيّة القيود القاضية بتطابق المدلول التصوري مع الدلول التصديقي الجدِّي أي انَّ كل مدلول وضعي تصوّري مستفاد مما ذكره المتكلّم فهو مراد جدِّي له ، فإذا ذكر المتكلّم قيداً لموضوع حكمه ، فهذا القيد مُراد جدّاً أي انّ قصد المتكلّم جعل القيد دخيلا في ترتّب الحكم وهذا يقتضي انتفاء الحكم بانتفاء ذلك القيد إلاَّ أنّ الحكم المنتفي بانتفاء القيد هو شخص الحكم المذكور في الخطاب ، ولذلك يمكن ان يثبت مثل ذلك الحكم لنفس الموضوع المجرَّد عن ذلك القيد سواءً كان ثبوت مثل الحكم بقيد آخر أو بدون قيد أصلا ، والمفهوم الذي نبحث عن دلالة الجملة الوصفيّة عليه هو انتفاء طبيعي الحكم بانتفاء القيد ، والذي يقتضي انتفاء تمام أفراد الحكم عن الموضوع حين انتفاء القيد ، ففي المثال الذي ذكرناه وهو قول الإمام (عليه السلام)« لا تأكل اللحوم الجلالة » لو انتفى الجلل عن اللحم ، فهذا يقتضي انتفاء شخص الحرمة المذكورة في هذا الخطاب إلا انّ ذلك لا يعني انتفاء الحرمة على اللحوم غير الجلالة مطلقاً ، فقد تثبت الحرمة للّحم بملاك آخر وهو كون اللحم من موطوء الانسان أو ممن تغذَّى على لبن خنزيرة ، وهذا بخلاف المفهوم فإنَّه يقتضي انتفاء طبيعي الحرمة عن اللحم إذا انتفى عنه قيد الجلل .
الوجه الثاني : ان ذكر القيد لو لم يكن دالا على انتفاء طبيعي الحكم بانتفائه ، لكان أخذه في الموضوع أو المتعلّق لاغياً ، وهو مناقض لما هو المفترض من حكمة المتكلّم .
وحتى لا يحمل فعل المتكلّم على ما هو مناف لمقتضى الحكمة لابد من حمل كلامه على إرادة المفهوم وانّ المنتفي عند انتفاء القيد هو طبيعي الحكم .
ولمزيد من التوضيح نقول : أنّه لو كان المنتفي عند انتفاء القيد هو شخص الحكم فقط لكان ذلك يقتضي امكان ثبوت مثل الحكم للموضوع المجرّد عن ذلك القيد ، فلو كان الموضوع المجرّد محكوماً بمثل ذلك الحكم فما معنى أن يأتي المتكلّم بخطابين يُثبت للموضوع المقيّد فرداً من الحكم ويُثبت للموضوع المجرد فرداً آخر مثله ، وهل هذا الا من قبيل الاكل من القفا ! إذ كان بإمكان المتكلّم أن يأتي بخطاب واحد يدل باطلاقه على ثبوت الحكم للموضوع الشامل للفرد المقيّد .
فلو أن وجوب الاكرام ثابت للعالم المجرَّد عن العدالة فلا معنى لأن يأتي المتكلّم بخطابين يجعل في الأوّل وجوب الاكرام للعالم العادل ويجعل في الآخر وجوب الاكرام للعالم المجرّد عن العدالة ، إذ يكفيه ان يأتي بخطاب واحد يدل بنحو الاطلاق على وجوب الاكرام للعالم الشامل للعادل وغير العادل .
والجواب عن هذا الوجه :
ان هذا الوجه غير قادر أيضاً على إثبات المفهوم ـ بالمعنى المبحوث ـ للجملة الوصفية إذ انّ المفهوم الذي نبحث عن ثبوته للجملة الوصفيّة هو انتفاء طبيعي الحكم بانتفاء قيده بحيث لا يثبت مثل الحكم ـ ولو بنحو الموجبة الجزئيّة ـ للموضوع حين انتفاء قيده ، وغاية ما ينتجه هذا الوجه هو أن مثل الحكم للجمل الوصفيّه لا يثبت للموضوع مطلقاً في حالات إنتفاء القيد ، وهذا يعني إمكان ثبوت مثل الحكم للموضوع في بعض حالات انتفاء القيد وذلك لأن عمدة ما يرتكز عليه هذا الوجه هو أنَّ مثل الحكم لو كان يثبت للموضوع في حال انتفاء القيد لما كان لذكر القيد ايُّ فائدة ، فإذا ما ثبت انّ لذكر القيد فائدة ـ حتى مع افتراض ثبوت مثل الحكم للموضوع المجرّد عن القيد ـ وهي عدم ثبوت مثل الحكم في بعض حالات إنتفاء القيد فإنّ هذا الوجه يكون حينئذ عاجزاً عن إثبات المفهوم للجملة الوصفيّة بالمعنى المبحوث .
وبتعبير آخر : انّ المسلَّم به ان يكون لذكر القيد فائدة وإلاّ لم يُؤخذ في موضوع الحكم ، إلا انّه لا يتعيّن انْ تكون فائدة القيد هو انتفاء طبيعي الحكم عند انتفاء القيد المذكور ، فإنّه يمكن ان تكون فائدةٌ من ذكر القيد هي انتفاء مثل الحكم في بعض حالات انتفاء القيد عن الموضوع فلا يكون ذكر القيد وعدم ذكره سواء ، ومن الواضح انّ هذا المقدار لا يُثبت المفهوم الذي هو انتفاء طبيعي الحكم عند انتفاء القيد ، نعم بناءً على هذا الوجه يكون ذكر القيد مُعبِّراً عن أنّ مثل الحكم لا يثبت للموضوع مطلقاً في حالات انتفاء القيد بل لابدَّ ان تكون هناك حالات للموضوع ـ عند انتفاء القيد ـ لا يكون مثل الحكم ثابتاً لها ، وبهذا يكون ذكر القيد صالحاً للدلالة على انتفاء مثل الحكم عند انتفائه لكن بنحو الانتفاء الجزئي ، ففي الرواية التي ذكرناها وهي قول الامام (عليه السلام) « لا تأكل اللحوم الجلالة » تكون فائدة ذكر القيد « الجلالة » هو أنه لا يمكن ان يثبت مثل الحكم لمطلق الموضوع «  اللحوم » عند انتفاء القيد ، إذ يصبح ذكر القيد عندئذ بلا فائدة ، الا انّ هذا الوجه عاجز عن إثبات انتفاء طبيعي الحرمة عن اللحوم عند انتفاء قيد الجلل .
وبما بيّناه بتّضح ان للجملة الوصفيّة مفهوماً ولكن بنحو جزئي أي ان الجملة الوصفيّه تنفي ثبوت مثل الحكم للموضوع المجرّد عن القيد في بعض حالاته ، إلا انّ هذه الحالات لا تكون مشخصة عندنا فلذلك يكون كل مورد ثبت فيه مثل الحكم للموضوع لا يكون منافياً للمفهوم في الجملة الوصفية ، نعم في حالة واحدة يحصل التنافي بين الجملة الوصفية وبين الجملة التي ثبت فيها مثل الحكم للموضوع ، وهذه الحالة هي ما لو كان مثل الحكم ثابتاً للموضوع بنحو مطلق ، اي انه لو كانت الحرمة في المثال ثابتة لمطلق اللحوم وبدون استثناء فإنَّ هذا ينافي ذكر القيد في الجملة الوصفية ، اما لو ثبت مثل الحكم للحوم التي تكون من موطوء الانسان أو مما تتغذَّى على لبن خنزيرة فإنَّ ذكر القيد للجملة الوصفيّة لا يكون منافياً لذلك .
أقسام الجملة الوصفية : ثم انّ الجملة الوصفيّة تارةً يُصرَّح فيها بذكر الموصوف ، وهذا ما تمَّ الحديث عنه ، وتارةً لا يُصرَّح فيها بذكر الموصوف بل يُقتصر على ذكر الوصف كما في قوله تعالى : ] والمطلّقات يتربّصن بأنفسهنَّ ثلاثة قروء [() فانّ الآية الكريمة لم تُصرِّح بذكر الموصوف وهو النساء بل اقتصرت على ذكر الوصف وهو المطلّقات .
والوجه الأول الذي ذكرناه في مقام الاستدلال على ثبوت المفهوم للجمل يمكن تعديته لهذا القسم من الجمل الوصفيّة ، والجواب هو الجواب .
وأما الوجه الثاني فلا يمكن الاستدلال به على هذا القسم ، وذلك لأن الوصف حينئذ يكون هو موضوع الحكم في الجملة ، فيكون لذكره فائدة وهي ترتّب الحكم عليه ، فيكون الموضوع الفاقد لهذا الوصف مسكوتاً عنه فعلا .
ومن هنا لا يكون انتفاؤه دالا ـ ولو في الجملة ـ على انتفاء مثل الحكم للموضوع المجرّد عن الوصف ، فقوله تعالى : ] والمطلّقات يتربّصن  [() لا يقتضي انتفاء وجوب التربُّص عن النساء اللاتي لم يكنَّ مطلّقات فيمكن ان يتوجّه لهن خطاب بوجوب التربّص مطلقاً أو حينما يُوطئنَ وطأ شبهة مثلا .
 

جُمل الغاية والاستثناء
 

ومن الجمل التي اُدّعي دلالتها على المفهوم الجمل الغائية والجمل الاستثنائية والبحث فيهما يقع عن انتفاء طبيعي الحكم بانتهاء الغاية التي حُدِّد بها الحكم ، وكذلك انتفاء طبيعي الحكم عن الموضوع المستثنى عنه الحكم .
ويمكن التمثيل للحكم المغيَّى بغاية بقوله تعالى : ] ثم اتمّوا الصيام الى الليل [() فإنّ وجوب الصوم المستفاد من صيغة الأمر قد حُدّد بغاية وهي الليل ، والبحث يقع عن أنه بعد بلوغ الغاية هل ينتفي طبيعي الوجوب للصوم عن المكلّف بحيث يكون بلوغ الغاية مقتضياً لانعدام تمام أفراد الوجوب للصوم .
ويمكن التمثيل للحكم المستثنى عن موضوع بما لو قال المولى « ان الصلاة واجبة على كل ذكر واُنثى الاّ الصبيان » فإنّ الحكم بوجوب الصلاة مستثنى عن الصبيان ، اي انَّ اداة الاستثناء أفادت عدم شمول الحكم لمدخولها « الصبيان » .
ولمزيد من التوضيح نقول : ان المراد من الاستثناء هو إخراج بعض أفراد موضوع عن أن تكون مشمولة للحكم المجعول على ذلك الموضوع ، فالافراد المستثناة مشمولة للموضوع أساساً إلا انها خارجة عنه حكماً .
فالجملة الاستثنائية مشتملة على ثلاثة أركان :
الركن الأول : المستثنى منه : وهو الموضوع الكلّي والذي يمثّل الحقيقة المشتركة لأفراده ، وهو الذي يقع موضوعاً للحكم ، وهو في مثالنا الذكر والاُنثى .
الركن الثاني : المستثنى : وهي بعض أفراد الموضوع المجعول له الحكم إلاَّ أنَّها خرجت بواسطة الاستثناء وهو في مثالنا (الصبيان) فهم وإن كانوا مشمولين لموضوع الحكم إلاَّ أنهم خرجوا عن الموضوع حكماً .
الركن الثالث : أداة الاستثناء : وهي الأدوات الموضوعة لإفادة إخراج بعض أفراد الموضوع عن الحكم الواقع على الموضوع المستثنى منه وذلك مثل : (إلاَّ) و(سِوَى) و(عَدى) .
ومع اتضاح هذا نقول : إنَّ المنفي عن المستثنى هل هو طبيعي الحكم الثابت للمستثنى منه أو أنَّ المنفي هو شخص الحكم بحيث يكون وجوب الصلاة المنفي عن الصبيان هو شخص الوجوب الثابت في هذا الخطاب ، ويمكن أن يثبت فرد آخر للوجوب يشمل الصبيان أو يخصّهم .
ومن الواضح أننا إذا أردنا أن نثبت للجمل الاستثنائيّة وكذلك الغائية مفهوماً لابدَّ أن نثبت أنَّ الحكم المنفي عن المستثنى وكذلك الحكم المنفي عن موضوعه بعد بلوغ الغاية هو طبيعي الحكم لا شخصه إذ أنَّ انتفاء شخص الحكم عن المستثنى وعن الموضوع بعد بلوغ الغاية متحقّق حتماً ، وذلك لقاعدة احترازيّة القيود والتي تعني أنَّ كل ما يذكره المتكلّم يريده جدّاً ، وهذا يقتضي دخالة تلك القيود المذكورة في ترتّب ذلك الحكم وإذا كان كذلك فالحكم لا يترتّب إذا انتفت تلك القيود ، إلاَّ أنَّ الحكم الذي لا يترتّب مع عدم تلك القيود هو شخص الحكم المذكور في ذلك الخطاب إذ أنَّه قد يثبت مثل ذلك الحكم بخطاب آخر ولداع آخر .
ولذلك لا يُعوِّل المثبتون للمفهوم في الجمل الغائية والاستثنائية على قاعدة إحترازيّة القيود ، بل أنهم يستدلّون بدليل آخر وهو الوجه الثاني الذي ذكرناه في مفهوم الجمل الوصفيّة ، وحاصله : أنَّه لو كان الحكم المنفي عن المستثنى وعن الموضوع بعد بلوغ الغاية هو شخص الحكم بحيث يكون مثل الحكم ثابتاً للمستثنى والموضوع بعد تحقّق الغاية ولكن بخطاب آخر لكان ذلك أشبه بالعمل العبثي الذي ليس له أيّ مبرّر عقلائي ، إذ ما معنى أن تخرج بعض الأفراد عن الحكم وأن يُغيَّ الحكم بغاية ثم يثبت مثل ذلك الحكم للمستثنى وللموضوع بعد تحقق الغاية ، إذ كان بإمكان المتكلّم أن يجعل الحكم من البداية على الموضوع بنحو مطلق بحيث يشمل المستثنى منه والمستثنى ، وأن يجعل الحكم على الموضوع دون أن يجعل للحكم غاية ثم يجعل مثله بعد بلوغ الغاية .
وهذا الوجه وإن كان وجيهاً إلاَّ أنَّه لا يُثبت المفهوم بالمعنى الذي ذكرناه إذ أنَّ أقصى ما يُثبته هذا الوجه هو انتفاء طبيعي الحكم عن المستثنى وعن الموضوع بعد بلوغ الغاية بنحو السالبة الجزئيّة ، أيّ أنَّ طبيعي الحكم لابدَّ أن يكون منتفياً عن بعض حالات المستثنى والموضوع بعد بلوغ الغاية بحيث لا يثبت الحكم لبعض حالاتهما ولو بخطاب آخر وملاك آخر ، ولهذا يكون للإستثناء والغاية مبرّر ، ففي مثالنا الأول يكون المبرّر للغاية هو أنَّ طبيعي وجوب الصوم منتف عن الموضوع وهو المكلّف بعد بلوغ الغاية في بعض حالات الموضوع ، ولتكن تلك الحالة التي ينتفي فيها طبيعي الوجوب هي حالة عدم وجود ملاك خاص لوجوب الصوم بعد الغاية ، ومن الواضح أنَّه لا يكون ذكر الغاية حينئذ عملا عبثياً ولغويّاً بل يكون الغرض منه الإحتراز عن مثل هذه الحالة .
وكذلك الكلام في المثال الثاني فإنَّ مبرّر الإستثناء هو أنَّ طبيعي الوجوب للصلاة منتف عن بعض حالات المستثنى ولتكن تلك الحالة هي عدم وجود ملاك خاص يُوجب الصلاة على الصبيان ، وهذا لا يقتضي أكثر من انتفاء الطبيعي عن تلك الحالة ولا يمنع من ثبوت مثل الوجوب للصلاة على الصبيان في حالات خاصّة مثل التمرين .
قوله (رحمه الله) : « لحكم مُغيَّ » أي رجوع الغاية الى الحكم ، فالغاية هي الأمد أو المكان المحدَّد ، والمُغيَّ هو المحدود بذلك الزمن أو المكان ، فحينما يقال : (نام زيد إلى الليل) فالليل هو الغاية والنوم هو المُغيَّ ، أي أنَّ لنوم زيد حدّاً هو الليل والنوم محدود بالليل ، وظاهر عبارة المصنّف (رحمه الله) أنَّ المُغيَّ والمحدود بالغاية هو الحكم إلاَّ أنَّه جاءَ بمثال يتناسب مع كون المغيَّ هو متعلّق الحكم حيث مثل بقوله : (صُم إلى الليل) فالليل غاية وحد للصوم لا لوجوب الصوم إلاَّ أن يُقال أنَّ الغاية راجعة إلى الحكم المستفاد من هيئة فعل الأمر (صُم) فتكون الغاية راجعة الى الحكم المستفاد من المعنى الحرفي ، وهذا مبني على إمكا تقييد المعاني الحرفيّة .
وبيان ذلك : أنَّ الغاية قد ترجع الى الموضوع وقد ترجع الى المتعلّق وقد ترجع الى الحكم .
أمَّا مثال رجوع الغاية للموضوع فقوله تعالى : ] فاغسلوا وجوهكم وأيديكم الى المرافق [() ، فالغاية في الآية الكريمة وهي مدخول « إلى » راجعة الى الأيدي وهي موضوع وجوب الغسل فيكون مفاد الآية الكريمة إنَّ الذي يجب غسله هو ما بين المرفق والأصابع .
وأمَّا مثال رجوع الغاية إلى المتعلّق ، فقوله تعالى : ] واعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهُنَّ حتى يطهرن [() ، فإنَّ المغيَّ في هذه الآية الكريمة هو متعلّق الأمر وهو القرب ، والغاية هي الطهر .
وأوضح منه قوله تعالى : ] واعفوا وصفحوا حتّى يأتيَ اللهُ بأمره  [() ، فإنَّ الغاية في هذه الآية الكريمة راجعة إلى المتعلّق في الأمر الأول والثاني وهما العفو والصفح .
وأمَّا مثال رجوع الغاية إلى الحكم ، فقوله (عليه السلام) : « كلُّ شيء مطلق حتَّى يرد فيه نهي »() ، فإنَّ الغاية في هذه الرواية الشريفة راجعة الى الحكم وهو الجواز .
ثم انَّ الذي يظهر من عبائر المصنّف (رحمه الله) في تقريرات بحثه هو انَّ رجوع الغاية الى الحكم تارة يكون مستفاداً من مفهوم اسمي كما في المثال الذي ذكرناه وتارة يكون مستفاداً من الهيئة والنسبة التامّة وعلى هذا يمكن أن تكون الغاية في قوله تعالى : ] ولا تقربوهنَّ حتَّى يطهرن [() ، وكذلك قوله تعالى : ] واعفوا واصفحوا حتى يأتي اللهُ بأمره [() ، راجعة الى الحكم المُفاد بواسطة هيئة الفعل المضارع المدخول للا الناهية وهيئة فعل الأمر .
وكيف كان فالمسألة غير محسومة عند الأعلام « رضوان الله عليهم » وقد جرينا في الشرح على طبق ما استظهرناه من عبارة المصنّف (رحمه الله) وأنَّ الغاية راجعةٌ الى الحكم والذي يُهوِّن الخطب انَّ المصنّف (رحمه الله) أراد أن يجعل الطالب في الصورة فحسب .
 

التطابق بين الدلالات
 


ذكرنا فيما سبق أنَّ هناك ثلاث دلالات للكلام ، والدلالة الاُولى منها دلالة وضعيّه مستفادة من الوضع ، وهذه الدلالة تتحقّق بسماع اللفظ حتى من غير ذي الشعور وحتى مع العلم بعدم إرادة اللافظ للمعنى الموضوع له ذلك اللفظ ، وهذه الدلالة هي المُعبَّر عنها بالدلالة التصوّرية والتي توجب انقداح المعنى في الذهن بمجرّد إطلاق اللفظ .
وأمَّا الدلالتان الثانية والثالثة فمستفادتان من الظهور الحالي السياقي للمتكلّم ، فلذلك لا تُتعقّل هاتان الدلالتان إلاَّ من المتكلّم العاقل الملتفت لِمَا يقول ، وهاتان الدلالتان يُعبَّر عن الاُولى منهما بالدلالة التصديقية الاُولى ، وهي الموجبة لإحراز كون المتكلّم قاصداً لإخطار المعنى الموضوع له ذلك اللفظ المستعمل .
ويُعبَّر عن الثانية بالدلالة التصديقية الثانية ، وهي التي تُوجب إحراز كون المتكلّم جادّاً في الحكاية عمّا أخطر من معان بواسطة ألفاظها الموضوعة لإفادتها ، وبهذا تختلف عن الدلالة التصديقية الاُولى ، إذ أنَّ غاية ما تثبته هذه الدلالة هو أنَّ المتكلّم قاصد لإخطار المعنى من اللفظ حتّى ولو كان هازلا إذ أنَّ الهازل قاصد ايضاً لإخطار المعاني إلاَّ أنَّه ليس جادّاً في الحكاية عمَّا أخطره من معان .
ومع اتضاح الفرق بين الدلالات الثلاث نصل إلى ما هو الغرض من عقد هذا البحث ، وهو البحث عن ما هو المرجع في حالات الشك في إرادة المتكلّم وأنّه هل أراد المعنى الموضوع له اللفظ وهل قصد الحكاية عنه أو أنه أراد معنى آخر غير المعنى الحقيقي وقصد الحكاية عن معنىً آخر غير المعنى الموضوع له اللفظ « الحقيقي » ؟
فأولا : نبحث عن ما هو المرجع في حالات الشك في الإرادة الاستعمالية ، وهل ان المتكلّم استعمل اللفظ في معناه الحقيقي وقصد إخطار المعنى الحقيقي أوْ لا ؟
فنقول : أن المخاطب حينما يتلقّى كلاماً من متكلّم عاقل ملتفت فإنَّ له ثلاث حالات ، فتارةً يُحرز إرادة المتكلّم لاخطار المعنى الموضوع له اللفظ ، فالاستعمال هنا حقيقي ، وتارةً يُحرز أنّ المتكلّم أراد معنى آخر غير المعنى الموضوع اللفظ وحينئذ يكون الاستعمال مجازيّاً ، والحالة الثالثة يقع الشك في إرادة المتكلّم ، وأنّه هل أراد من اللفظ معناه الموضوع له أو أراد معنىً آخر غير المعنى الموضوع له اللفظ .
وهذه الحالة لا تتصوّر إلا مع فقدان القرينة على ما هو المراد ، وعندئذ يقع البحث عن ما هو المرجع في هذه الحالة ، فهل المرجع هو أصالة الحقيقة أو أنّ الارادة الاستعمالية تكون في مثل هذه الحالة مجملة ؟
والجواب : انّ المصنّف (رحمه الله) ـ وكما هو المذهب المعروف ـ ذهب إلى انّ المرجع في هذه الحالة هو أصالة الحقيقة والتي تعني أصالة التطابق بين الدلالة الوضعية التصورية والدلالة التصديقية الاولى ، وان المتكلّم حين يستعمل اللفظ ، فإنه قاصد لاخطار معناه الموضوع له ذلك اللفظ ، فإنّ استعمال اللفظ في المعنى المجازي يحتاج في إثباته الى قرينة ، ولمّا كان فرض الكلام عدم وجود قرينة على المجاز فاصالة الحقيقة هي المحكَّمة في مثل هذه الحالة ، وبهذا ينعقد ظهور لحال المتكلّم بانّه مريد لاخطار المعنى الحقيقي من اللفظ .
واذا تنقَّح الظهور في الدلالة التصديقية الاُولى يقع الكلام عن استظهار الدلالة التصديقية الثانية .
والمتلقي للَّفظ المستعمَل هنا أيضاً له ثلاث حالات ، فتارةً يحرز عدم جدّية المتكلّم في الحكاية عن ما أخطره من معان بواسطة ألفاظها ، وتارةً يحرز جديّته في ذلك ، والحالة الثالثة يشك في إرادته الجدِّية وعدم إرادته ، وفي مثل هذه الحالة يُتمسّك بأصالة ظهور حال المتكلّم في أنّه جادٌّ في الحكاية عما أخطره من معان ، وذلك لأصالة التطابق بين الدلالتين التصديقة الاُولى والثانية ، اذ انّ الظاهر عرفاً من حال كل متكلّم انه جادٌّ في الحكاية عن مقاصده ، وهذا هو المعبَّر عنه بأصالة الظهور .
وقد ذكر المصنّف (رحمه الله) تطبيقين لأصالة الظهور :
التطبيق الأول : أصالة الظهور في العموم ، فإنّه بعد تنقُّح ظهور حال المتكلّم ـ المستعمِل لأحد ألفاظ العموم ـ في انّه قاصد لإخطار معنى العموم يقعُ البحث عن ظهور آخر وهو انّ المتكلّم جادٌّ في الحكاية عما أخطره من معنى العموم ، وهذا الظهور هو الذي يمكن ترتيب الأثر عليه ، والإحتجاج به على المتكلّم ، وكذلك احتجاج المتكلّم به على المخاطب .
وهذا الظهور ينعقد بواسطة أصالة التطابق بين الدلالة التصديقية الاُولى وبين الدلالة التصديقية الثانية ، وان كلّ متكلّم جاء بلفظ العموم وقصد منه إخطار معناه في ذهن المخاطب ولم ينصبّ قرينة على عدم الإرادة الجديّة للعموم ، فإنّ اهل المحاورة يبنون على ان المتكلّم مريد جدّاً لواقع العموم ، لذلك فهم يرتبون آثار العموم حتى في موارد عدم قيام القرينة الخاصة على إرادة العموم ومنشأ هذا التباني هو انّه لمّا كان ظاهر حال المتكلّم قصد إخطار معنى العموم من لفظه سبَّب ذلك انعقاد ظهور آخر لحال المتكلّم في أنّه مريد جدّاً لمعنى العموم ولو لم يُرد ذلك لكان عليه ان ينصب قرينة على عدم التطابق بين مراده الاستعمالي ومراده الجدِّي ، أمّا مع عدم نصب القرينة فالمحكم هو أصالة التطابق والتي هي اصل عقلائي تبانى عليه أهل المحاورة في كلّ لغة ، ولولا ذلك لما انعقد ظهور لكلام أي متكلّم إلا في موارد محدودة اذ ان أكثر مرادات المتكلّمين تعرف بواسطة هذا الأصل .
فلو قال المولى : « تصدّق على كل الفقراء » واستظهرنا من حاله انّه قاصد لإخطار معنى العموم من لفظه ولم تقم قرينة على عدم جدِّيّة المولى في ما اخطره فإنّ ذلك يستوجب ظهوراً آخر لحال المولى هو أنّه مريد جدّاً لمعنى العموم .
وهذا الظهور هو المعبّر عنه باصالة الظهور في العموم وهو حجّة أي انه مُنجِّز ومُعذِّر على ما سيأتي إثبات ذلك في بحث حجّية الظهور انشاء الله تعالى .
التطبيق الثاني : أصالة الجهة : ويستفاد من هذا الأصل العقلائي في موارد الشك في الإرادة الجديّة للمتكلّم من حيث أنَّ الكلام هل صدر تقيَّة أو لبيان الواقع .
وهذا الأصل لا يختلف عن أصالة الظهور في المراد الجدِّي للمتكلّم بل هو عينه ، غاية ما في الأمر أننا تارة نستفيد منه نفي التخصيص فنعبِّر عنه بأصالة الظهور في العموم وتارة نستفيد منه نفي التقييد فنعبِّر عنه بأصالة الظهور في الإطلاق وتارة اخرى نستفيد منه نفي التقية فنعبِّر عنه بأصالة الجهة وهكذا .
وبهذا يتَّضح أنَّ التقريب المذكور في أصالة الظهور في العموم جار هنا أيضاً ، فلو قال المولى : (أكرم العلماء) وشككنا في المراد الجدِّي للمولى من حيث أنَّ هذا الخطاب هل صدر لبيان الحكم الواقعي أو أنَّه صدر تقيّه ، فإنَّ أصالة الجهة ـ والتي تعني أصالة التطابق بين المراد الإستعمالي والمراد الجدِّي ـ تنفي صدور هذا الخطاب تقيَّة ، وبذلك يتنقّح ظهور لحال المولى بأنَّه جادٌّ في ما أخطره من معنى في هذا الخطاب ، وهذا الظهور حجّة يجب ترتيب الأثر عليه .

دور القرينة في هدم الدلالات الثلاث :
عرفنا ـ ممّا سبق ـ أنَّ الدلالة التصوّريّة الناشئة عن الوضع تظلُّ ثابتة حتَّى في موارد العلم بعدم ارادة المتكلّم للمعنى الموضوع له اللفظ المستعمل ، إذ أنَّ الدلالة التصوريّة لمَّا كانت ناشئة عن الإقتران الأكيد بين اللفظ والمعنى فإنَّ هذا الإقتران يُوجب إنسباق المعنى للذهن بمجرّد إطلاق اللفظ دون أن يتوقّف تصوّره على شيء آخر غير إطلاق اللفظ ، ولذلك لو قامت القرينة المتّصلة فضلا عن المنفصلة على عدم إرادة المتكلّم للمعنى الحقيقي ، فإنَّ ذلك لا يؤثّر على تحقّق الدلالة التصوّرية بل أنَّ الذهن يتصوَّر المعنى الحقيقي من لفظه وإنْ كان لا يترتّب على هذا التصوّر أيُّ أثر من قبيل إدانةِ المتكلّم بما أفادهُ من معنىً تصوّري .
وأمَّا الدلالة التصديقية الاُولى وكذلك الثانية فإنَّهُ لا ينعقد لهما ظهور في حال قيام القرينة المتّصلة على عدم الإرادة الإستعمالية أو الإرادة الجديّة  ، فلو قامت القرينة المتّصلة على عدم إرادة المعنى الحقيقي من اللفظ المستعمل فإنَّه لا ينعقد ظهور في الإرادة الإستعمالية والتي هي الدلالة التصديقية الاُولى بل أنَّ الظهور ينعقد في المعنى الذي تقتضيه القرينة المتّصلة  .
وكذلك الكلام لو قامت قرينة على عدم الإرادة الجدّية فإنّه لا ينعقد ظهور في الدلالة التصديقيّة الثانية ، بل أنَّ الظهور يكون مع مدلول القرينة المتّصلة .
أمَّا لو قامت القرينة المنفصلة على عدم الإرادة الإستعماليّة أو الإرادة الجديّة فإنَّ الظهور في الدلالة التصديقية الاُولى وكذلك الثانية يظلُّ على حاله دون أن ينهدم بالقرينة المنفصلة .
وبهذا تكون القرينة المنفصلة منافية للظهور في الدلالتين ، فلابدَّ من الجمع بين ما هو مقتضى الظهور في الدلالتين وبين ما هو مقتضى ظهور القرينة المنفصلة ولابدَّ أن يكون الجمع متناسباً مع ما هو المتفاهم العرفي .
ولنذكر مثالا نطبّقه على ما ذكرناه من دور القرينة في هدم الدلالات الثلاث :
لو قال المتكلّم : (رأيت أسداً يرمي) فإنَّ (يرمي) قرينة متّصلة على عدم إرادة المعنى الحقيقي للفظ الأسد ، إلاَّ أنَّ ذلك لا يؤثّر على الدلالة التصورية الوضعية ، بل إنَّ استعمال لفظ الأسد موجب لتصوّر معناه وإن كنَّا نعلم بعدم إرادته استعمالا وجداً .
وأمَّا الظهور في الإرادة الاستعمالية وكذلك الإرادة الجديّة للمعنى الموضوع له لفظ الأسد ، فإنَّه لا ينعقد ، وذلك لاقتران الكلام بما يصرفه عن المعنى الحقيقي إلى ما يتناسب مع مقتضى القرينة .
ولو كانت القرينة (يرمي) جاءت في كلام آخر بأن قال المتكلّم أولا : (رأيت أسداً) ثم قال بعد ذلك (وكان الأسد الذي رأيته يرمي) فإنَّ الظهور في الإرادة الإستعماليّه وكذلك الجدية لا ينهدم بعد انعقاده ، بل يبقى على حاله ، ولذلك يحصل نوع تناف بين ما هو مقتضى الظهور في الدلالتين (الإستعماليّة والجديّة) وبين ما هو مقتضى ظهور القرينة المنفصلة ، وهنا لابدَّ أن يكون الجمع بين الظهورين متناسباً مع ما هو مقتضى الفهم العرفي .

 

مناسبات الحكم والموضوع
 

إنَّ الأحكام المجعولة على موضوعاتها أو متعلّقاتها تكون عادة مجعولة على حالة من حالات ذلك الموضوع أو المتعلّق أو على حيثيّة من حيّثيّاتهما، وهذه الحيثيّة الملحوظة تارة تستوجب تعميم الحكم وتارة تستوجب التضييق من دائرته ، غاية ما في الأمر أنَّه قد يُصرَّح في الخطاب بالحيثيّة التي انصبَّ الحكم على الموضوع أو المتعلّق بلحاظها وقد لا يُصرَّح بذلك إتكالا على ما هو مرتكز في ذهن أهل المحاورة من تناسب بين الموضوع وبين الحكم المجعول عليه ، فنلاحظ العرف ـ ونتيجة لملابسات خارجيّه أو مستفادة من أجواء الخطاب أو من مناشئ اُخرى ـ يُلغي في بعض الأحيان بعض خصوصيّات الموضوع ، وفي أحيان اخرى يجزم بالخصوصيّة ، وفي حالات يعدّى الحكم من موضوعه المذكور في الخطاب إلى موضوعات اُخرى ، وهكذا .
كل ذلك ناشئ عن مناسبات بين الحكم والموضوع نشأت ـ كما قلنا ـ عن ملابسات خارجيّة من قبيل عدم إمكان ثبوت الحكم للموضوع من جهة معيَّنة ويمكن التمثيل لذلك بما رُويَ عن أبي الحسن (عليه السلام) أنَّ كلثم بنت مسلم ذكرت الطين عند أبي الحسن (عليه السلام) فقال : « أترين أنَّه ليس من مصائد الشيطان ، ألا انّه لمن مصائده الكبار وأبوابه العظام »() ، فإنَّ المستظهر من هذه الرواية هو حرمة الطين إلاَّ أنَّ الحيثيَّة التي جُعلت عليها الحرمة غير مُصرّح بها في الرواية إلاَّ أنَّه من غير الممكن أن تكون الجهة الملحوظة في الموضوع هي وطئ الطين مثلا .
أو تكون مستفادة من أجواء الخطاب كما في قوله (عليه السلام) : « حُرِّمت الخمرة لإسكارها »() ، فإنَّ الموضوع وهو الخمرة لها حيثيّات كثيرة من قبيل المعاوضة عليها ومن قبيل الاحتفاظ بها وهكذا ، إلا انّ التعليل المذكور في الخطاب يناسب ان يكون الحكم مجعول على الشرب إذ هو الذي يُوجب الاسكار دون بقيّة حيثيّات الموضوع .
أو تكون مستفادة عن معرفة المناطات والملاكات التي يُعوِّل عليها المولى في جعل الأحكام لموضوعاتها ، كقوله تعالى : ] حُرِّمتْ عليكم اُمّهاتكم [() ، فإنَّ موضوع الحرمة له حيثيّات كثيرة ، كالنظر واللمس والتكلّم وهكذا ، إلاَّ انَّ العُرف لمّا كان مطّلعاً على محبوبيّة الشارع للنظر الى الاُم برحمة ، ومحبوبيّة خدمتها المستلزمة للمسها والتحدّث معها وهكذا سائر الحيثيّات ، فإنّ العرف إما ان يكون مطّلعاً على مطلوبيّتها أو عدم مبغوضيّتها ، أو يكون مطّلعاً على مبغوضيّتها الا أنها ليست خاصة بعنوان الاُم ، كلُّ ذلك أوجب إستظهار انّ الحيثيّه التي انصبَّ عليها الحكم بالحرمة هي حيثيّه النكاح .
وبهذا يتّضح ان مناسبات الحكم والموضوع تنشأ عن قرائن خاصّه إلا أنها ليست من قبيل القرائن اللفظية بل هي من قبيل القرائن الحاليّة أو المقاميّة .
ولمزيد من التوضيح نذكر بعض التطبيقات :
التطبيق الأوّل : لو قال المولى « اغسل ثوبك من دم ذي النفس السائلة » ، فإنَّ العرف يُلغي خصوصيّة الثوب ويرى انَّ الحكم بالنجاسة ثابت لمطلق الملاقي للدم ، وانما ذُكرت الثوب لغرض التمثيل لمطلق الملاقي للدم .
وهذا التعميم المُستظهر عرفاً من المثال نشأ عن مناسبات الحكم والموضوع ، فإنَّ المثال وان لم يُصرَّح فيه بالحيثيّة الملحوظة في الموضوع حين جعل الحكم عليه إلاَّ انَّ استبعاد العرف وجود خصوصيّة للموضوع المذكور في الخطاب أوجب إستظهار كون الحيثيّة المذكورة في الموضوع المذكور هي التمثيل .
ومنشأ استظهار المثاليّه واستبعاد الخصوصيّه هو ظهور الخطاب في أنَّ الأثر الشرعي للدم هو التنجيس واذا كان كذلك فأيَّ فرق بين الثوب وبين سائر ما يلاقيه الدم .
التطبيق الثاني : قوله تعالى : ] حُرّمت عليكم الميتة [() فإنّ العرف يفهم من الحرمة الثابتة للميتة هي حرمة أكلها .
ومنشأ فهم العرف إختصاص الحرمة بالأكل هي مناسبات الحكم والموضوع وذلك لأن الأكل هو الفائدة الغالبة المتصوّرة من لحم الميتة .
التطبيق الثالث : قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : « رفع عن اُمّتي ... ما اظطرّوا إليه »() ، فكل فعل صدر عن المكلّف وكان منشأه الاضطرار فإنَّ ذلك الفعل قد رُفعت آثاره الشرعيّه التي لو لم يكن المكلّف مضطرّاً لترتّبت تلك الآثار على فعله ، فلو شرب المكلَّف الخمر فإنَّ الأثر الشرعي لهذا الفعل هو اقامة الحدِّ عليه وعدم قبول شهادته ، لكنَّ هذه الرواية الشريفة قد رفعت هذه الآثار في حالة صدور هذا الفعل من المكلَّف اضطراراً ، الاَّ انَّه وبمناسبات الحكم والموضوع يستظهر العرف عدم ارتفاع الأثر الشرعي عن البيع الذي أجراه المكلّف اضطراراً ، فإنَّ الأثر الشرعي للبيع وهو تملّك البائع للثمن يكون ملغيّاً لو كنّا نحن والسعة اللفظية للرواية ، الاَّ انَّه وباعتبار ان إلغاء الأثر الشرعي للبيع يكون منافياً للامتنان على الامّة فإنَّ هذا يشكّل قرينة على عدم شمول الرفع لهذا المورد باعتبار انَّ مقتضى الظهور في الرواية هو أنها في مقام الإمتنان على الامة ، وإلغاء الأثر الشرعي لبيع المضطر لا يتناسب مع الامتنان ، فإنَّ المضطر حينما يبيع ما عنده يقصد رفع الاضطرار عن نفسه ، فلو كانت آثار هذا البيع ملغية فإنَّ هذا نقيض الغرض من الرفع الوارد في الرواية .
وببيان أوضح : لو أن المكلّف بلغ به الجوع حدَّ الإضطرار ، فباع ما عنده واشترى بثمنه طعاماً ، فلو كان البيع في هذه الحالة مشمولا لحديث الرفع ، فمعناه انَّ هذا البيع لاغ ولم يترتّب عليه تملُّك المضطر للثمن ، فيكون عاجزاً شرعاً عن تملُّك الطعام ، وهذا مناف للإمتنان الذي أرادته الشريعة وكشفت عنه بواسطة هذه الرواية الشريفة ، واذا كان كذلك فالرفع غير شامل لمثل هذه الموارد .
والمتحصَّل من كلِّ ما ذكرناه ان العرف حينما يتلقى خطاباً فإنّه يلاحظ نوعية الحكم المجعول في الخطاب ويُلاحظ موضوع ذلك الحكم ثم يناسب بينهما إعتماداً على ما هو مركوز في ذهنه نتيجة ملابسات اقتضتها معرفته بملاكات الأحكام أو طبيعة الحكم المجعول أو اقتضتها أجواء الخطاب أو ما إلى ذلك .
 

إثبات الملاك بالدليل
 

ذكرنا ـ فيما سبق ـ ان الاماميَّة « أعزّهم الله » يذهبون إلى أنَّ احكام الله تعالى تابعة للمصالح والمفاسد في متعلّقاتها أي أن الأحكام الشرعية ليست أحكاماً جزافيّه ، وانما هي ناشئة عن ملاكات في متعلّقاتها ، فالحكم بحرمة شرب الخمر ناشئ عن مفسدة شديدة في متعلّق الحرمة « وهو الشرب » هذه المفسدة بلغت حدّاً أنشأت مبغوضيّه بحجم تلك المفسدة ، ومن هنا نشأت الحرمة والتي تقتضي مسؤولية المكلّف عن ترك متعلّقها .
وهكذا سائر الأحكام الشرعيّة فإنَّها ناشئة عن ملاكات في متعلّقاتها  .
ومن هنا فالدليل الكاشف عن الحكم الشرعي كاشف بالملازمة عن ملاكه ، وهذا لا كلام فيه ، إنما الكلام لو اتّفق سقوط المدلول المطابقي في الدليل الشرعي ، أي سقط الخطاب بالحكم الشرعي بسبب تعذُّر إمتثاله على المكلَّف مثلا أو مزاحمته بحكم أهم ملاكاً منه ، فإنّ التكليف بما هو خارج عن القدرة أو التكليف بما هو مزاحم بحكم أهم ملاكاً منه غير ممكن  .
ومن هنا يسقط الخطاب بالحكم عن المنجّزيّة ، والكلام انّه في حالة من هذا القبيل هل يسقط المدلول الالتزامي الكاشف عن وجود الملاك في متعلّق الحكم أو أنه يظلُّ ثابتاً حتى في حالات سقوط الخطاب بالحكم والذي هو المدلول المطابقي للدليل .
وهذا البحث تظهر له ثمرة لو كان لوجود الملاك اثر شرعي كالقضاء مثلا .
مثلا لو قام الدليل على وجوب الصوم في نهار شهر رمضان فإنَّ لهذا الدليل مدلولين ، الاول هو الحكم بالوجوب وهذا هو المدلول المطابقي للدليل ، والثاني هو اشتمال متعلّق الوجوب « الصوم » على الملاك ، فلو عجز المكلّف عن امتثال الحكم فإنَّ المدلول المطابقي لهذا الدليل يكون ساقطاً عن الحجيّة ، والمفروض انه لا يتّسع لإفادة وجوب القضاء في حالة ارتفاع العجز ، إلا انّه يقع الكلام في المدلول الالتزامي لهذا الدليل ـ وهو اشتمال الصوم على الملاك التام ـ من حيث ان سقوط المدلول المطابقي للدليل هل يوجب سقوط كاشفيّته على وجود الملاك أو انّ سقوط المدلول المطابقي لا يستلزم سقوط المدلول الالتزامي بل يبقى الدليل الشرعي صالحاً للكاشفيّة عن المدلول الالتزامي ، وبهذا لو كان لبقاء المدلول الالتزامي أثر ـ وهو وجوب القضاء مثلا في حالة ارتفاع العجز ـ لكان هذا الأثر مترتّباً ومقتضياً لثبوت القضاء على المكلّف .
والجواب في المقام يتحدّد بالنتيجة التي تبنّاها السيد الشهيد (قدس سره) في بحث تبعيّه الدلالة الالتزاميّة للمطابقيّه في الحجيّة ، حيث تبنّى السيد الشهيد هناك التبعيّه ، وانّ سقوط المدلول المطابقي يستوجب سقوط المدلول الالتزامي ، وبهذا تكون كاشفيّة الدليل عن المدلول الالتزامي ساقطة عن الحجيّة ، وذلك للملازمة بين المدلولين في الثبوت والسقوط .
وبهذا لا تترتّب الثمرة إذ انّ موضوعها ـ وهو ثبوت الملاك ـ غير متحقّق بناءً على هذا المبنى .
وهذا بخلاف ما لو كان المبنى هو عدم التبعيّة في السقوط ـ وان كان المدلول الالتزامي تابعاً للمطابقي في الثبوت ـ فإنّه يمكن الاستفادة من بقاء المدلول الالتزامي لإثبات ترتُّب الآثار الشرعيّة إن كانت هناك آثار .
واختلاف المبنى من حيث التبعيّة وعدمها مؤثِّر أيضاً في حالات استكشافِ حكم بواسطة المدلول الالتزامي للدليل .
فلو قام الدليل على وجوب شيء فإنَّ لازمه جواز ذلك الشيء ، وحينئذ لو نُسخ الحكم المُفاد بواسطة مدلول الدليل المطابقي فإنَّه بناءً على التبعيّة يسقط الحكم المُستكشف بواسطة مدلول الدليل الالتزامي ، ومن هنا لا يكون ذلك الدليل صالحاً لاثبات الجواز .
أما بناءً على عدم التبعيّة ، فإنَّ نسخ الحكم لا يستوجبُ سقوط دلالة الدليل على المدلول الالتزامي ، وبهذا يظلُّ الحكم المُستكشَف بواسطة المدلول الالتزامي باقياً دون أن يؤثِّر سقوط المدلول المطابقي في سقوطه .

 

الدليل الشرعي غير اللفظي
 

ذكرنا ـ فيما سبق ـ انَّ الدليل الشرعي ينقسم الى قسمين :
الاول : هو الدليل الشرعي اللفظي ، وهو الدليل الذي يُستفاد منه الحكم الشرعي بواسطة الخطابات اللفظية ، كالقرآن الكريم ، والخطابات الصادرة عن المعصوم (عليه السلام) .
الثاني : هو الدليل الشرعي غير اللفظي ويمكن تصنيفه الى قسمين :
الاول : وهو الدليل الذي يُستفاد منه الحكم الشرعي بواسطة الموقف العملي الذي يُمارسه المعصوم (عليه السلام) .
الثاني : وهو الدليل الذي يكشف عن الحكم الشرعي بواسطة تقرير المعصوم أو سكوته عن موقف عام أو خاص .
والبحث يقع عن الدليل الشرعي غير اللفظي بكلا قسميه .
القسم الاول : وهو دليليّة الموقف العملي الصادر عن المعصوم على الحكم الشرعي :
قبل بيان ما يُستكشف من أحكام شرعيّة من فعل المعصوم لابدَّ من بيان مسألتين لهما دخل في دليليّة فعل المعصوم على الحكم الشرعي ، ومقدار تلك الدليليّة .

المسألة الاُولى :
وهي أنَّه قد يُقال انّ فعل المعصوم (عليه السلام) لا يمكن الاستدلال به على الحكم الشرعي ، وذلك لأنَّ جميع أفعال المعصوم (عليه السلام) تحتمل الخصوصيّه باعتبار نبوّته أو إمامته ، وذلك الاحتمال يمنع من استكشاف الحكم الشرعي من افعاله (عليه السلام) ، نعم لو قام دليل خاص على عدم اختصاص فعل من أفعاله به عليه السلام ، فإنّه في مثل هذه الحالة يمكن الاستدلال بذلك الفعل على الحكم الشرعي إلا انّ ذلك يقتضي انَّ الحالة العامّه لفعل المعصوم هي عدم الدليليّة على الحكم الشرعي .
وبهذا تسقط دلالة فعل المعصوم (عليه السلام) على الحكم الشرعي الاّ في موارد نادرة .
والجواب عن الاشكال :
إلاَّ أنَّ هذا الإشكال غير تام ، وذلك لنفي الأدلّة لاحتمال الخصوصيّة في فعل المعصوم (عليه السلام) ، وأنَّه يمارس أفعاله بما هو مكلَّف من المكلَّفين ، وتكون دليليّة فعله على الحكم الشرعي باعتبار كونه معصوماً .
ومن الأدلّة التي استُدلّ بها على نفي احتمال الخصوصيّه لفعل المعصوم  (عليه السلام) قوله تعالى : ] لقد كان لكم في رسول الله اُسوة حَسَنة [() ، فإنَّ هذه الآية الشريفة تعني مطلوبيّة متابعة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في كلّ ما يصدر عنه من أفعال ، وقد دلَّت روايات كثيرة على مطلوبيّة الإستنان بسنّه الرسول  (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته المعصومين (عليهم السلام) ، وبهذه الأدلّة ينتفي احتمال الخصوصيّة لفعل المعصوم (عليه السلام) ، فيكون اختصاص المعصوم بفعل يحتاج إلى دليل خاص وليس العكس .
المسألة الثانية :
إنَّ دليليّه فعل المعصوم (عليه السلام) على الحكم الشرعي تتوقّف على إحراز الظروف المكتنفة بالفعل الصادر عن المعصوم (عليه السلام) ، إذ لا يمكن استكشاف حكم شرعي من فعل المعصوم (عليه السلام) مطلقاً ، وذلك لاحتمال مدخليّة الظروف المكتنفة بالفعل الصادر عنه في تقرّر الحكم الشرعي ، وهذا الاحتمال لا دافع له بعد أن لم يكن الفعل دليلا لفظيّاً تُعرف من خلاله سعة موضوع الحكم أو ضيقه .
وبعبارة اُخرى : دليليّه الفعل على الحكم الشرعي من قبيل الأدلّة اللبيّة التي لا لسان لها ، فلا طريق لاستكشاف الإطلاق منه ، ومن هنا يكون كل قيد يُحتمل دخالته في ثبوت الحكم للموضوع فإنَّ ذلك القيد المحتمل لا دافع له ولا سبيل إلى نفيه ، وهذا هو معنى دلالة الأدلّة اللبيَّة على القدر المتيقّن من مدلولها ، فالإجماع مثلا لمَّا كان دليلا لبيّاً فإنَّ معقده هو مقدار دليليّته لأنَّه هو القدر المتيقّن منه ، ومن هنا قلنا أنَّ كل الظروف المحيطة بالفعل الصادر من المعصوم (عليه السلام)لمَّا كنَّا نحتمل دخالتها في ثبوت الحكم لموضوعه ، ولا طريق لنفي هذا الاحتمال فإنَّ ذلك يقتضي احراز وحدة الظروف المحيطة بالفعل الصادر عنه (عليه السلام) من أجل تقييد الحكم المستكشف بها ، ومع عدم إحراز تلك الظروف فإنَّ تمام القيود المحتملة تكون معتبرة في الحكم المستكشف عن الفعل إذ أنَّ ذلك هو القدر المتيقّن من دليليِّة الفعل .
ومع اتِّضاح هاتين المسألتين نصل لبيان ما يكشف عنه الفعل من أحكام شرعيّة فنقول :
إنَّ الفعل الصادر عن المعصوم (عليه السلام) تارة يكون مكتنفاً بما يدلّ على أنَّ المعصوم في مقام التعليم للمكلَّفين ، كقول الإمام (عليه السلام) : « ألا أحكي لكم وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) »() ، ثم أخذ في بيان الوضوء عملا ، أو كما ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال قبل الشروع في مناسك الحج : « خذو منّي مناسككم »() وكقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « صلّوا كما رأيتموني أُصلّي » ، وكذلك لو قامت القرينة الحاليَّة على أنَّ المعصوم (عليه السلام) في مقام التعليم العملي للمكلَّفين فإنَّه في حالة من هذا القبيل تكون دلالة فعل المعصوم على الحكم الشرعي تابعة لمقدار دلالة تلك القرينة اللفظية أو الحاليّه ، وهذا خارج عن محل الكلام .
إنَّما الكلام عمَّا يكشف عنه الفعل المجرَّد عن مثل هذه القرائن ، فنقول  : أنَّه تارة يُراد استكشاف الحكم من فعل المعصوم واخرى يُراد استكشافه من ترك الفعل ، وكل من الفعل والترك تارة يصدر عن المعصوم في مورد أو موردين وتارة يكون بنحو المداومة والإلتزام ، فيمكن تقسيم الفعل وتركه إلى أربعة أقسام :
القسم الأول : صدور الفعل عن المعصوم في موارد محدودة ، وهنا لا يدلُّ ذلك الفعل على أكثر من عدم حرمة ذلك الفعل الصادر عنه (عليه السلام) ، فإنَّ هذا هو مقتضى عصمته إذ أنَّ العصمة لا تتنافى مع ارتكاب المكروه في حالات نادرة كما أنَّ العصمة لا تستلزم عدم صدور غير المستحب عنه ، نعم لو كان الفعل الصادر عنه فعلا عباديّاً فإنَّ صدوره عنه يستلزم كونه راجحاً شرعاً ، إذ أنَّ الفعل العبادي لا يخلو عن أحد حالتين إمَّا أن يكون محرَّماً أو يكون راجحاً ، فإذا صدر عن المعصوم (عليه السلام) فإنَّ ذلك يقتضي مشروعيّته ، ومشروعيّة الفعل العبادي هي عين راجحيّته شرعاً ، ومن هنا يكون الفعل العبادي الصادر عن المعصوم يكشف عن راجحيّته ، الاَّ أنَّ استكشاف الراجحيّة هنا لا تُستفاد من حاقِّ الفعل الصادر عنه (عليه السلام) إذ أنَّ صدور الفعل عنه لا يكشف عن أكثر من عدم الحرمة ، غاية ما في الأمر أن عدم الحرمة هنا تستلزم الراجحيَّة الشرعيّة .
وما ذكرناه من عدم دلالة الفعل على أكثر من عدم الحرمة مبني على أنَّ العصمة لا تقتضي عدم صدور الفعل المرجوح في موارد محدودة ، أمَّا لو بنينا على أن المعصوم لا يصدر منه ما ينافي الأَوْلَى ولو في موارد محدودة فإنَّ صدور الفعل عنه حينئذ يدلّ ـ بالإضافة على عدم الحرمة ـ على راجحيّة ذلك الفعل ، ولو لم يكن من قبيل الأفعال العباديّة .
القسم الثاني : ترك المعصوم لفعل من الأفعال في موارد محدودة ، فهنا لا يدلُّ تركه (عليه السلام) على أكثر من عدم الوجوب ، ودلالته على ذلك هو مقتضى عصمته ، فإنَّ العصمة لا تقتضي عدم ترك المستحب في حالات نادرة ، نعم بناءً على أنَّ العصمة تعني عدم صدور مطلق المرجوح وعدم ترك مطلق الراجح ولو في موارد محدودة ، فإنَّ ذلك يقتضي دلالة ترك الفعل على عدم راجحيّته .
القسم الثالث : صدور الفعل منه عليه السلام بنحو المداومة والإلتزام ، وهذا يُتصوّر على ثلاثة أنحاء :
النحو الأوّل : أن يكون الفعل من قبيل الأفعال العباديّة ، وهذا النحو من الأفعال لا إشكال في دلالتها على الرجحان إذ أن صدورها عن المعصوم  (عليه السلام) يدلُّ على عدم حرمتها ، وعدم الحرمة في الافعال العباديّه يساوق الرجحان ـ كما قلنا ـ ، وهذا النحو من الأفعال يدلُّ على الرجحان مطلقاً حتى لو كان صدور الفعل منه (عليه السلام) في موارد محدودة .
النحو الثاني : أن يكون الفعل من قبيل الأفعال التي لا يقتضي الطبع العقلائي ممارسته بنحو المداومة والالتزام ، كالتحنُّك في السفر ، أو الابتداء بالقدم اليسرى عند دخول بيت الخلاء ، فإنَّ المداومة على فعل من هذا القبيل يكشف عن راجحيّته بناء على منافاة العصمة للمداومة على الفعل غير الراجح ، أما بناءً على عدم اقتضاء العصمة لاكثر من عدم ارتكاب المحرّم فإنّ المداومة على الفعل كعدم المداومة عليه من حيث دلالته على خصوص نفي الحرمة عن الفعل الصادر .
النحو الثالث : أن يكون الفعل من قبيل الأفعال التي يقتضي الطبع العقلائي مزاولتها بنحو المداومة ، مثل البيع أو الذهاب الى السوق ، فهذا النحو من الأفعال يدلُّ على نفي الحرمة ، وهو يدلُّ على نفي المرجوحيّة أيضاً بناء على اقتضاء العصمة عدم ارتكاب المعصوم (عليه السلام) مخالفة الاولى ، ويدلُّ على الراجحيّة بناءً على اقتضاء العصمة لعدم المداومة على الفعل غير الراجح .
القسم الرابع : المداومة على ترك فعل من الأفعال ، فإن ذلك يدلُّ على عدم وجوبه بلا إشكال ، وهو يدلُّ على عدم راجحيَّة الفعل بناءً على اقتضاء العصمة لعدم المداومة على ترك الراجح ، وكذلك يدلُّ على عدم الراجحيَّة بناءً على اقتضاء العصمة لعدم ترك الراجح ولو في موارد محدودة  ، امَّا بناءً على عدم اقتضاء العصمة لاكثر من عدم ترك الواجب فإنَّ المداومة على ترك الفعل كتركه في موارد محدودة من حيث أنَّهما يشتركان في الدلالة على خصوص نفي الوجوب .
وما ذكرناه من دليليَّة الفعل والترك على الحكم الشرعي إنَّما هو في حالة عدم قيام الدليل الخاص على اختصاص المعصوم (عليه السلام) بذلك الفعل أو الترك ، كصلاة الليل ، وصوم الوصال ، والزواج بأكثر من أربع ، فإن الدليل الخاص دلَّ على أنها من مختصّات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
الثاني : دلالة السكوت والتقرير :
فإنَّ المعصوم (عليه السلام) قد يُشاهد أمامه موقفاً عمليَّاً خاصّاً أو عاماً فيصرِّح برأي الشريعة في ذلك الموقف ، فهنا تكون الدلالة على الحكم الشرعي من قبيل دلالة الدليل الشرعي اللفظي .
وقد يُشاهد أمامه ذلك الموقف فلا يُبدي تجاهه بأيِّ تصريح لا سلباً ولا إيجاباً بل يسكت عنه ، وهذا هو محلُّ الكلام إذ يقع البحث عن دلالة سكوت الامام (عليه السلام) عن ذلك الموقف على الإمضاء ، وأن ذلك الفعل يتناسب مع الغرض الشرعي أو لا يُنافيه .
وقد استُدلَّ على ذلك بدليلين ، الأول منهما عقلي ، والآخر استظهاري  :


أما الدليل العقلي :
فقد ذُكر له تقريبان :
التقريب الأول : هو أنّ المعصوم (عليه السلام) لمَّا كان من سائر المكلَّفين ، فهذا يقتضي مسؤوليّته عن النهي عن المنكر لو كان الفعل الذي شاهده منافياً للشريعة ، إذ انّ النهي عن المنكر واجب على كلِّ مكلَّف ، والمعصوم (عليه السلام) لا يترك واجباً بمقتضى عصمته ، فعدم ردعه عن ذلك الفعل يستلزم عدم منافاة ذلك الفعل لما عليه الشريعة ، وهذا هو معنى دلالة السكوت عقلا على الإمضاء ، وكذلك يجب على المكلَّفين تعليم الجاهل ، فلو لم يكن موافقاً لما عليه الشارع المقدّس لنبّه الامام (عليه السلام) على ذلك لأنّ ذلك هو مقتضى عصمته ، إذ أنّ المعصوم (عليه السلام) لا يترك واجباً ، فعدم تنبيه الامام (عليه السلام) على منافاة الفعل الذي شاهده لما عليه الشريعة يكشفُ عقلا عن عدم المنافاة .
وهذا التقريب ـ لو تمّ ـ فإنَّه منوط بإحراز توفُّر شرائط النهي عن المنكر حين مشاهدة المعصوم (عليه السلام) لذلك الموقف ، ويمكن التمثيل للصورتين بمثالين :
المثال الأوّل :
ان المعصوم (عليه السلام) لو شاهد رجلا يشرب العصير التمري ، ومع ذلك سكت ولم يردعه ، فإن ذلك يكشف عن عدم حرمته ، وإلاّ كان على الإمام  (عليه السلام) يمقتضى وجوب النهي عن المنكر أن يردعه ، إذ أن عصمة الإمام  (عليه السلام) تمنع من تركه للواجب .

المثال الثاني :
لو شاهد مكلّفاً يمسح رأسه في الوضوء نكساً ومع ذلك لم ينبِّه الإمام  (عليه السلام) ذلك المكلَّف على منافاة فعله لما هو المعتبر شرعاً ، فهذا يقتضي عدم منافاة المسح نكساً لما هو المعتبر شرعاً في الوضوء ، وإلاّ كان على الإمام (عليه السلام) يمقتضى وجوب تعليم الجاهل أن ينبّه المكلَّف على منافاة فعله لما هو المطلوب شرعاً ، وإلاَّ كان الامام (عليه السلام) مخالفاً لفريضة من فرائض الدين ، وهذا لا يُناسب العصمة .
التقريب الثاني : إنَّ المعصوم لمَّا كان مشرِّعاً ، فإن ذلك يقتضي عقلا عدم السماح بتفويت وتضييع أغراضه ، فسكوته عن الفعل اذا كان موجباً لتفويت أغراضه بما هو شارع يعني انّ الامام (عليه السلام) ينقض غرضه ويُضيّعه بنفسه ، وهذا لا يتناسب مع عقلانيّته ، إذ أنَّ الحكيم لا يُضيِّع غرضه بل يسعى للمحافظة على أغراضه ، وهذا التقريب ـ إذا تم ـ فإنَّه منوط باحراز ناقضيّة الفعل ـ على افتراض منافاته للشارع ـ لغرض الشارع إذ انّ الفعل قد يكون منافياً لما عليه الشارع إلاّ انّ ارتكابه لا يؤدي الى تفويت أغراض الشارع .
ولمزيد من التوضيح نذكر لكل من الحالتين مثالا :
ونذكر أولا مثالا على كون السكوت لا يُوجب نقض الغرض في بعض الحالات ، وهذا المثال هو : أنَّ المعصوم (عليه السلام) قد يُشاهد مكلّفاً يمتنع عن ارتكاب فعل بتوهّم انه حُرِّم شرعاً وهو في واقعه مكروه ، فإنَّ هذا الامتناع من المكلَّف يُنافي ما عليه الشارع إلا أنَّ السكوت عنه لا يُعدُّ نقضاً للغرض ، فلا يكون السكوت في حالة من هذا القبيل كاشفاً عن الإمضاء .
وأمَّا مثال ما يكون السكوت نقضاً للغرض فهو مشاهدة المعصوم  (عليه السلام) اعتماد المكلَّفين على خبر الثقة في الوصول الى الأحكام الشرعية ، فإنّ سكوته يكشف عن الإمضاء ، إذ انّ ذلك لو كان منافياً لما عليه الشارع لكان السكوت نقضاً للغرض ، فلو كان نظر الشارع هو عدم جواز الإعتماد على أخبار الثقات ومع ذلك سكت ولم يُنبِّه على عدم الجواز مع انه يُشاهد المكلَّفين يُعوّلون على خبر الثقة في مقام التعرَّف على الاحكام الشرعيّة ، فهذا من أجلى مصاديق تفويت الغرض والذي هو مستحيل على العاقل الملتفت .
وكذلك لو كان العقلاء يُرتِّبون الأثر على خبر الثقة في شؤونهم اليوميّة ، وكانت هذه الممارسة تُنذر بالسريان الى الشرعيّات ، فإنَّ عدم تنبيه الشارع على عدم صحّه الإتّكال على خبر الثقة في معرفة الأحكام الشرعيّة يُعدُّ نقضاً للغرض المنفي عن العاقل الملتفت .

وأمَّا الدليل الإستظهاري :
على دليليّة السكوت على الإمضاء ، فهو انّ المعصوم (عليه السلام) لمَّا كان منصوباً من قبل الله عزّوجلّ لغرض تبليغ الأحكام الشرعية وإرشاد الناس الى الصواب في جميع سلوكيّاتهم وتقويم ما انحرف منها عن جادَّةِ الحق اقتضى ذلك استظهار الإمضاء من سكوت المعصوم (عليه السلام) عن الردع عن ممارسة المكلَّف لسلوك بمرأى منه (عليه السلام) .
ويمكن تنظير ذلك بالمشرف على عمل من الأعمال ، فإنَّ العامل حينما يُمارس وظيفته بمرأى من المشرف ومع ذلك يظلُّ المشرف ساكتاً رغم انَّه في مقام تقويم الأخطاء التي يرتكبها العامل ، فإنَّ العرف حينئذ يستظهر من حال المشرف الإمضاء لعمل العامل ، وإلاَّ كان عليه بحكم كونه في مقام التقويم ـ أن يُنبِّه العامل على خطئه .
وإذا تم هذا الدليل الاستظهاري فهو لا يفتقر الى إحراز شرائط النهي عن المنكر كما هو مقتضى التقريب الأول من الدليل العقلي ، كما لا يفتقر الى إحراز ناقضيّة السكوت للغرض كما هو مقتضى التقريب الثاني من الدليل العقلي .

السيرة :
والبحث عن السيرة العقلائيّة بحث عن تنقيح أحد موضوعات دليليّة السكوت على الحكم الشرعي ، إذ أنَّ المعصوم (عليه السلام) قد يُشاهد أمامه موقفاً عمليّاً خاصّاً فيسكت عنه ، وقد يشاهد حالة اجتماعيّة وتبانياً عقلائياً عاماً  ، وهذا ما يُعبَّر عنه بالسيرة العقلائيّة ، ودليليّتها على الحكم الشرعي ترجع الى دليليّة السكوت ، إذ أنَّ المعصوم لو ردع عن هذه السيرة لسقطعت دليليّتها على الحكم الشرعي ، فمناط دليليّة السيرة هو سكوت المعصوم (عليه السلام) وعدم التنبيه على منافاتها للشريعة ، وهذا هو معنى ما يقال من أن مناط حجيّة السيرة العقلائيّة هو الإمضاء إذ انَّ الإمضاء غالباً ما يكون بواسطة السكوت ، وبهذا يتَّضح انَّ ما استُدلَّ به على دليليَّة السكوت على الحكم الشرعي جار في المقام ، غاية ما في الأمر انَّ المعصوم  (عليه السلام) قد يُمضي موقفاً عملياً خاصاً بواسطة السكوت ، وقد يمضي سلوكاً عمليَّاً عاماً .
فكلا الدليلين العقلي بتقريبيه والإستظهاري ، هما دليل إمضاء السيرة العقلائيّة ، فلا يكون البحث عن السيرة العقلائيّة بحثاً مستقلا عن بحث دليليّة السكوت على الحكم الشرعي ، وإفراد السيرة العقلائيّة بالبحث ناشئ عن أن تنقيح موضوعيّتها لدليليّه السكوت يحتاج الى شيء من البيان .
ومن هنا وقع البحث عن مقدار ما يقع منها موضوعاً لدليليّة السكوت ، فهل انَّ الإمضاء المُستفاد من السكوت واقع على خصوص التباني العملي العقلائي ، أو هو يتّسع ليشمل النكتة التي نشأ عنها ذلك التباني .
ولمزيد من التوضيح نقول : انّ السيرة العقلائيّة لاتنشأ جزافاً بل انّ لها مناشئ ومبرّرات تكون هذه المناشئ هي نكتة التباني على عمل معيَّن ، ولذلك يكون كل مورد متوفِّر على تلك المبرِّرات مؤهلا للجرى عليه من قبلهم ، ويكون عدم الجري عليه في وقت من الأوقات مُسبّب عن عدم الحاجة اليه في ذلك الوقت .
ويمكن التمثيل لذلك بالسيرة العقلائيّة الجارية على تقديم قول الأعلم في موارد الاختلاف ، فإنَّ هذه السيرة لم تنشأ جزافاً وانما نشأت عن مبرِّر وهو أقربيّة رأي الأعلم للواقع ، ولذلك يكون كل مورد متوفّر على هذه النكتة يصلح لان يجري العقلاء على وفقه ، فلو كان رأي المشهور متوفِّراً على هذه النكتة فهذا يعني صلاحيّة رأي المشهور للجري عليه من قبل العقلاء في موارد الإختلاف فيما هو الواقع .
وهنا أمر آخر لابدَّ من التنبيه عليه ، وهو أن الإمضاء المستفاد عن السكوت اذا كان واقعاً على السيرة بنكتتها ، فهذا يقتضي ملاحظة النكتة ، وما تقتضيه من حكم تكليفي أو وضعي ، فلو كانت نكتة السيرة الجارية على الرجوع الى قول الأعلم تقتضي لزوم الرجوع الى الأعلم ، فهذا يعني أنَّ الإمضاء كاشف عن حكم تكليفي إلزامي ، وهو وجوب الرجوع الى الأعلم .
وكذلك لو كان امضاء الشارع السيرة الجارية على الالتزام بالعقود المعاطاتيّة ، فإنَّ ذلك يستوجب ملاحظة ما تقتضيه نكتة هذه السيرة ، فلو كانت النكتة هي تقبيح العقلاء مخالفة مقتضى العقود ، فإنَّ ذلك يستلزم كون الإمضاء مفيداً لحكم وضعي وهو اللزوم في العقود المعاطاتيّة .
ومما ذكرناه يتّضح انَّ هناك ثمرتان تظهر من الفرق بين المبنيين :
الثمرة الاُولى : أنَّه اذا كان الامضاء المستفاد عن السكوت واقعاً على خصوص السيرة العمليَّة بقطع النظر عن مبرِّرها ، فهذا يقتضي الجمود على ما وقع التباني عليه ، ولا تكون لنكتة التباني أيُّ حجيّة ، وهذا بخلاف ما لو كان الإمضاء واقعاً على السيرة بمالها من مبرِّرات ومناشئ ، فإنَّ ذلك يعني أنَّ الشارع قد أمضى كل مورد توفَّر على تلك المبرّرات حتى ولو لم يكن هناك تبان فعلي جار في ذلك المورد ، مثلا : لو كان المبرِّر لإعتماد العقلاء على خبر الثقة هو الوثوق ، فإنَّه لمّا كان امضاء الشارع لتلك السيرة يعني امضاؤه لكبرى هذه السيرة ، وهي الوثوق فإنّ ذلك يقتضي امضاء كل مورد توفَّر على كبرى تلك السيرة ، فخبر الضعيف لو احتفَّ بقرائن مُوجبة للوثوق فإنَّ هذا الخبر يكون ممضى لتوفره على الكبرى الكلِّية وهي الوثوق ، والتي استُفيد امضاؤها من امضاء الشارع للسيرة الجارية على العمل بخبر الثقة ، وذلك لأنَّ الإمضاء انَّما يقع على مبرِّر السيرة وليست السيرة إلاَّ أحد صغريات ذلك المبرِّر .
الثمرة الثانية : إنَّ الإمضاء لو كان واقعاً على خصوص السيرة العقلائيّة بقطع النظر عن منشئها ، فإنَّ ذلك لا يدلُّ على أكثر من جواز العمل بمقتضى السيرة ، إذ أن الإمضاء على هذا المبنى امضاءٌ لموقف عملي لا لسان له فيُتمسّك بالقدر المتيقّن منه وهو عدم حرمة الجري على ما تقتضيه تلك السيرة ، فمثلا لو كانت سيرة العقلاء قاضية بمسؤوليّة الزوج عن النفقة على الزوجة ، فإنَّ امضاء هذه السيرة ـ على هذا المبنى ـ لا تدلُّ على أكثر من جواز العمل بمقتضى هذه السيرة ، إذ أنَّ ذلك هو القدر المتيقّن من الإمضاء ، إذ انَّ سكوت الشارع عن هذه السيرة لا يكشف عن وجوب العمل بمؤدّاها أو استحبابه كما اتَّضح ذلك ممّا تقدَّم .
اما لو كنَّا نبني على انَّ إمضاء السيرة امضاءٌ لمنشأ وقوعها وهي الكبرى الكلية التي تولّدت عنها السيرة فإنَّ ذلك يقتضي ملاحظة ما تقتضيه تلك الكبرى الممضاة فقد تقتضي حكماً تكليفيّاً وقد تقتضي حكماً وضعيّاً ، كما مثّلنا لذلك فيما سبق .
ومع اتِّضاح ما ذكرناه فالمبنى الذي يُصحِّحه المصنِّف (رحمه الله) هو المبنى الثاني ، وهو انَّ الإمضاء يقع على الكبرى الكلِّية للسيرة والتي هي منشأ وقوع السيرة خارجاً ، وذلك لانَّ السيرة العقلائيّة ليست موقفاً عفويّاً ساذجاً ، وانَّما هي حصيلة مبرِّرات أوجبت نشوء إرتكاز متأصِّل في أذهان العقلاء ، هذا الإرتكاز المتأصّل يمكن سريانه لموارد كثيرة ، فلو كان هذا الإرتكاز منافياً لما عليه الشارع المقدّس لردع عنه ، إذ ان امتداده لغير مورد السيرة يُهدِّد أغراض الشارع ، فيكون سكوته عنه تفويتاً لها ، بل انّ السكوت في مثل هذه الحالات من أجلى مصاديق نقض الغرض .
وكذلك هو مقتضى ظهور حال المعصوم (عليه السلام) عند عدم المواجهة لهذا الإرتكاز المتأصِّل ، فإنَّه لمَّا كان هو المتصدِّي لتبليغ أحكام الشريعة ، والمصحّح لما عليه المجتمع من أخطاء والمقوّم لما اعوجَّ من طرائقهم وسيرهم  ، فإنَّ هذه المرتكزات لو كانت منافية للشريعة لكان قد تصدَّى لبيان فسادها ، إذ انّ هذا هو مقتضى مسؤوليّته الملقاة عليه من قبل الشارع  ، فيكون ظاهر حال المعصوم (عليه السلام) هو قبول هذه المرتكزات العقلائيّة في حال عدم الردع عنها .
وبهذا يتّضح انّ دليل حجيّة السيرة العقلائيّة هو عين ما استدل به على دليليّة السكوت على الحكم الشرعي .
ومن هنا يتّضح فساد ما وقع من بعض الاُصوليّين ، من انّ مناط حجيّه السيرة العقلائيّة هو انّ الشارع سيّد العقلاء ، واذا كان كذلك فكلُّ ما يتبانى عليه العقلاء ، فهذا يعني مشموليَّة الشارع لذلك التباني ، إذ انّه من العقلاء بل هو أولاهم به لكونه سيِّدهم ومُلهمهم ، ولو تمّ هذا البيان لكانت السيرة العقلائيّة حجَّة برأسها لا تحتاج الى امضاء فلا تكون من صغريات دليليّة السكوت .
إلاَّ انَّ هذا البيان فاسدٌ وذلك لأنَّ افتراض الشارع سيّد العقلاء بنفسه يُوجب نشوء احتمال اختصاصه بمدركات لاتصل اليها مُدركات سائر العقلاء  ، وبذلك تكون كلُّ سيرة عقلائيّة تحتمل عدم مقبوليّتها من قِبل الشارع ، لاحتمال اشتمال منشئها على بعض الثغرات المدركة من قِبل الشارع لافتراض تفوُّقه عليهم في الإدراك ، وبهذا لا يكون الشارع راضياً عن تلك السيرة ، نعم في السيرة التي يكون منشؤها المدركات الاوليّة التي لا يشوبها أيَّ غموض وهي القضايا التي تكون قياساتها معها ، هذا النوع من السيرة يمكن التمسُّك بها لإثبات حكم شرعي .
وبهذا يتّضح انّ السيرة التي يكون لها كاشفيّة عن الحكم الشرعي هي السيرة العقلائيّة المعاصرة لزمن المعصوم (عليه السلام) ، إذ هي التي يكون السكوت عنها كاشفاً عن الإمضاء ، وهي التي يجري فيها كلا الدليلين العقلي بتقريبيه ، والاستظهاري .
والمراد من السيرة المعاصرة هي السيرة التي تكون بمرأى من المعصوم  (عليه السلام) في زمن حضوره ، امَّا السيرة العقلائية الواقعة في زمن الغيبة فلا يكشف سكوت الامام الغائب (عليه السلام) عنها عن امضائها ، لعدم جريان كلا الدليلين في موردها ، إذ انَّ الإمام (عليه السلام) في ظرف منافاة السيرة للشارع ليس مكلَّفاً بالردع عنها بحكم غيبته .
وبهذا يسقط التقريب الأول من الدليل العقلي ، إذ أنّه يفترض المعصوم مكلّفاً بالنهي عن المنكر وبوجوب تعليم الجاهل ، وكذلك التقريب الثاني ساقط إذ انّ نقض الغرض انّما يتحقّق في حالة يكون هناك وسيلة طبيعيّه يتمكّن فيها العاقل من المحافظة على غرضه ، أمَّا اذا تعذَّرت الوسائل الطبيعيّة فلا يكون السكوت نقضاً للغرض ، إذ انّه لا يكشف عن الإمضاء ، وليس الغرض بمرتبة من الأهميَّة تستوجب استعمال الوسائل الإعجازيّة للمحافظة عليه .
على انَّ نفس تسبيب الناس لغيبة الامام (عليه السلام) وحرمانهم من بركات حضوره (عليه السلام) مانعاً عن التمسُّك بالسكوت لاستكشاف الامضاء ، إذ انَّ العقلاء يُدركون انّ الامام (عليه السلام) لمَّا كان عاجزاً عن المحافظة على أغراضه بالوسائل الطبيعيّة فلا يمكن الاستدلال بنقض الغرض على امضاء سيرتهم .
كما انّه لا يمكن الاستدلال بالدليل الإستظهاري على امضاء السيرة في ظرف الغيبة ، وذلك لعدم تصدّيه مباشرة في ظرف الغيبة لتصحيح أخطاء المجتمع ، فلا يكون سكوته عن السيرة مُوجباً لانعقاد ظهور حالي للإمام  (عليه السلام) في إمضاء تلك السيرة .
وبهذا يتّضح انَّ السيرة العقلائيّة التي يمكن أن تكون ممضاة من قِبل الشارع هي السيرة المعاصرة لزمن الحضور .
قوله (رحمه الله) في بحث دلالة الفعل : « وهل يدلُّ الفعل على عدم كونه مرجوحاً إمّا مطلقاً » أي سواءً تكرَّر صدور الفعل عنه أو صدر عنه في مورد أو موردين .
فالمراد من هذه الفقرة هو انَّه هل يكون لصدور الفعل عن المعصوم  (عليه السلام) دلالة على انه ليس مكروهاً ، ولو كان ذلك الفعل الصادر لم يتكرَّر منه ، كما لو أكل مرَّة طعاماً معيَّناً ولم يتكرّر منه ذلك .
قوله : « ترك الاولى » أي ترك الراجح شرعاً ، وقد يُطلق ترك الاولى على فعل المرجوح شرعاً ، وذلك لانَّ ترك فعل المرجوح يكون راجحاً  ، فحينما يفعل المكلَّف المرجوح فهذا يعني أنَّه ترك الاولى ، اي لم يلتزم بالترك الراجح .
قوله : « لمّا كان دالا صامتاً » يُطلق الدليل الصامت على كلِّ الأدلّه اللبيَّة والتي هي ليست من قبيل الأدلة اللفظية التي يمكن استفادة التعميم منها بواسطة الاطلاق اللفظي أو العموم .
 


إثبات
صغرى الدليل الشرعي
 




1 ـ وسائل الإثبات الوجداني .
2 ـ وسائل الإثبات التعـبّدي .


 


تمهيد
 


قلنا انّ الدليل الشرعي هو ما يصدر عن الشارع وتكون له دلالة على الحكم الشرعي .
وقد تقدّم انّ البحث عن الدليل الشرعي يقع في ثلاثة مباحث ، والبحث الاول منها حول دلالات الدليل الشرعي ، وقد ذكرنا فيه مجموعة من الضوابط الدلاليَّة والتي تُساهم في فهم ما يصدر عن الشارع المقدّس .
وهنا نتحدّث عن المبحث الثاني للدليل الشرعي ، وهو البحث عن إثبات صغرى الدليل الشرعي ، وقد بيَّنّا ما هو المراد من صغرى الدليل الشرعي .
والبحث فيه يقع عن الوسائل التي يثبت بها صدور الدليل الشرعي ، وهي على نحوين :
النحو الأول : وهي الوسائل التي يُحرز بها الدليل الشرعي بنحو اليقين  ، وهذه الوسائل لا حصر لها ، إذ انَّ موجبات اليقين تتعدّد بتعدّد موادّه ومقدّماته ، ومع ذلك فهناك وسائل نوعيّة أساسية يمكن استفادة غير المعاصرين للمعصوم منها .
وقد بحث المصنّف (رحمه الله) ثلاث وسائل منها :
الاولى : الإخبارات الحسيَّة التي بلغت حداً يحصل اليقين لنوع المطلعين عليها ، وهذه هي المعبَّر عنها بالأخبار المتواترة .
الثانية : الإخبارات الحدسيَّة التي هي من قبيل توافق جمع من أهل فن على رأي يتّصل بذلك الفن ، هنا التوافق قد يبلغ حداً يُوجب حصول اليقين ، وهذا هو المعبَّر عنه بالإجماع .
الثالثة : الإستفادة من الآثار التي تكشف بطريق الإن عن الدليل الشرعي ، كالسيرة المتشرعيّة التي تُوجب الإنتقال منها الى الدليل الشرعي على ما سيأتي ايضاح ذلك .
وسيقع البحث عن كل واحد من هذه الوسائل العلميّة بالترتيب المذكور .

 


الخبر المتواتر
 

وقد تعارف تعريفه بأنّه إخبار جماعة يبلغون من الكثرة حداً يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب .
وقد سلك المصنّف (رحمه الله) مسلكاً آخر في بيان المراد من الخبر المتواتر ، إذ أنّه جعل مناط تحقق التواتر في الخبر هو حساب الإحتمالات ، وبهذا لا تكون كثرة المخبرين هي المناط في تحقق التواتر للخبر ، ولكي يتّضح مناط التواتر للخبر نقول :
إنَّ محلَّ البحث في المقام هو الخبر الحسّي وهو الذي يكون متعلّقه مُستفاداً بواسطة المدارك الحسيّة ، واذا كان كذلك فكلُّ خبر فهو محتمل للمطابقة مع الواقع ومحتمل لعدم المطابقة ، واحتمال عدم المطابقة ناشئ عن احتمال تعمُّد كذب المخبر أو اشتباهه ، وهذا يعني انّ كل خبر فيه نسبة مئويّة من احتمال عدم مطابقة الخبر للواقع المحكي ، وهذه النسبة المئويّة تتفاوت بتفاوت المخبرين من حيث الضبط والوثاقة ، وتتفاوت بتفاوت مضمون الخبر ، فقد يكون مضمون الخبر غريباً ، وقد يكون اعتياديّاً ، وقد يكون المخبَر به منافياً لمصلحة المخبِر وقد يكون متلائماً مع مصلحته ، كلُّ ذلك يُساهم في ارتفاع وانخفاض نسبة احتمال عدم المطابقة .
وكيف كان فتعدّد المخبرين لخبر ذي مضمون واحد يُقلّل من احتمال عدم المطابقة ، وذلك ناشئ عن ضرب مستوى احتمال الكذب والإشتباه في الخبر الاول مع مستوى احتمال الكذب والاشتباه في الخبر الثاني ، فإنه يُنتج تضاؤل مستوى احتمال عدم المطابقة ، فلو كان احتمال الكذب والاشتباه في الخبر الاول هو 50% ، واحتمال الكذب والاشتباه في الخبر الثاني هو 50% أيضاً ، فقيمة احتمال عدم المطابقة في الخبر الأول تساوي الكسر 21 ، وكذلك الخبر الثاني فإنَّ قيمة احتماله تساوي الكسر 21 ، فلو ضربنا قيمة كلٍّ من الإحتمالين في الآخر لوجدنا أنَّ مستوى الإحتمال لعدم المطابقة يتضاءل هكذا 21 × 21 = 41 فإنَّ نسبة الكسر 41 الى الواحد أقل كما هو واضح من نسبة الكسر 21 الى الواحد ، وهكذا ينخفض مستوى احتمال عدم المطابقة ويرتفع معه مستوى احتمال مطابقة الخبر للواقع ، اذ انَّ العلاقة بين الإحتمالين طرديّة .
وهكذا لو تعدَّد الخبر ذو المضمون الواحد الى أكثر من الإثنين فإنَّما قيم الإحتمالات تُضرب في بعضها وسنجد انّ مستوى الإحتمال يتضاءل أكثر كلَّما كان العدد أكبر ، فإذا بلغ العدد حدّاً يكون إحتمال عدم المطابقة فيها ضئيلا جداً بحيث لا يعتدُّ العقلاء بهذا المستوى من الإحتمال لعدم المطابقة ، فهذا هو الخبر المتواتر .
إذن الخبر المتواتر هو ما يكون نسبة الاحتمال فيه لعدم المطابقة ضئيلا جدّاً بحيث يحصل الإطمئنان أو القطع بمطابقة مضمون الخبر للواقع على أن تكون ضئالة الإحتمال ناشئة عن حساب الإحتمالات .
وبهذا اتَّضح انه ليس هناك حدٌّ للعدد في الخبر المتواتر ، فقد يتحقّق التواتر للخبر بثلاثة مخبرين فيما لو كانت نسبة الإحتمال لعدم المطابقة في كلِّ واحد ضئيلة .
وقد لا يتحقّق بالثلاثة وذلك فيما لو كانت قيمة إحتمال عدم المطابقة في كلّ واحد كبيرة .
فلو كانت قيمة الإحتمال لعدم المطابقة في كلِّ خبر من الأخبار الثلاثة هي قيمة الكسر 1001 فإنَّ ضرب كلَّ قيمة من هذه القيم الثلاثة في بعضها يُنتج ضئالة الإحتمال الى حدٍّ لا يعتدُّ العقلاء بمثل هذا المستوى من الاحتمال  ، إذْ أنَّ ناتج ذلك يُساوي الكسر 000,000,11 .
وهذا بخلاف ما لو كانت قيمة الإحتمال هي الكسر 21 فإنّ ضربها في مثلها ثلاث مرات يُساوي الكسر 81 ومن الواضح انَّ مستوى الاحتمال الناتج عن الكسر 81 مما يعتدُّ العقلاء بمثله ، فلذلك نحتاج في تكوين التواتر الى عدد أكبر من المخبرين .
على أنَّ نسب الإحتمال في كلِّ خبر تخضع لمجموعة من المبرّرات تتصل بحالة كلِّ مخبر ، فقد يكون المخبر ثقة وقد لا يكون كذلك ، وقد يكون ضبطاً وقد لا يكون كذلك ، كما انَّ مستوى النسبة تخضع لمبرّرات تتّصل بمضمون الخبر ، فقد يكون غريباً وقد يكون متعارفاً مألوفاً ، فلو كان المخبر ثقة ضبطاً وكان مضمون خبره مألوفاً ولم يكن فيه نفع يعود على المخبر ، فإنَّ العدد الذي نحتاجه في تكوين التواتر يكون قليلا ، كما انَّ سرعة الوصول الى مرحلة اليقين أو الاطمئنان تتفاوت بتفاوت حال المخبرين ، فقد تتضاءل نسبة احتمال عدم المطابقة من خبر مخبر بمستوىً أكبر من تضاءلها بخبر مخبر آخر ، فلو كان المخبر الاول ثقة ضبطاً ولم يكن مضمون الخبر ملائماً لغرضه فإنَّ نسبة احتمال عدم المطابقة في خبره أقل بكثير من نسبة إحتماله في خبر المخبر الثاني اذا لم يكن ثقة أو لم يكن ضبطاً أو كان مضمون الخبر ملائماً لغرضه ، فلو كانت قيمة الإحتمال لعدم المطابقة في خبر المخبر الاول هي 101 فإنَّ قيمة الإحتمال في خبر المخبر الثاني هي 21 ومن الواضح انَّ الاول يُسرع بنا الى الوثوق بمضمون الخبر أكثر من الثاني ، وبهذا السير السريع تارة والبطيء اخرى نصل الى مرحلة اليقين أو الاطمئنان ، والاول عبَّر عنه المصنّف بزوال الإحتمال واقعاً ، والثاني بزوال الإحتمال عمليّاً .
اذا اتّضح ما ذكرناه يتّضح انّ هناك عوامل كميّة واخرى نوعيّة تتصل بالمخبر ، تساهم في سرعة او بطأ الوصول الى مرتبة التواتر في الخبر ، وكذلك هناك عوامل نوعيّة تتصل بمضمون الخبر تساهم أيضاً في سرعة أو بطأ الوصول الى مرتبة التواتر في الخبر .
أما العوامل الكميّة والنوعية التي تتصل بالمخبر فيمكن تصنيفها الى ثلاثة أقسام .
الاول : عدد المخبرين ، فهو وإن كان يخضع قلة وكثرة للعوامل المضمونيّة والعوامل المتصلة بصفات المخبرين ، إلا أنّه لابدّ في تحقق صفة التواتر في الخبر من تعدّد المخبرين .
الثاني : ويمكن التعبير عنه بالعوامل الصياغيّة إذ قد تكون الإخبارات المتعدّدة ذات صياغة لفظية واحدة ، وقد تكون ذات صياغات لفظية مختلفة إلا ان مؤداها واحد ، وقد لا تكون متّحدة لا من حيث الصياغة اللفظية ولا من حيث المضمون إلا انّها تشترك في امكان انتزاع معنىً واحد منها ، كما ورد ان الامام علي (عليه السلام) قتل الفارس الشجاع عمرو بن ود ، وورد أيضاً انه فتح حصن خيبر وقتل فارسهم « مرحب » اليهودي ، وورد أيضاً انّه ضِمْن العشرة الذين لم يفرّوا في غزوة حنين ، وورد أيضاً ان جبرئيل (عليه السلام)نادى بين السماء والأرض في غزوة اُحد انّه « لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلاّ علي (عليه السلام) » ، فإنّ هذه الإخبارات وإن كانت مختلفة لفظاً ومضموناً ، إلاّ انه يمكن انتزاع معنىً واحد منها وهو انَّ الامام علي (عليه السلام) كان شجاعاً وكان فارس الاسلام .
والحالة الاولى من الاخبارات تُسمَّى بالتواتر اللفظي ، والثانية تُسمَّى بالتواتر المعنوي ، والثالثة تسمَّى بالتواتر الإجمالي ، ومن الواضح انَّ التواتر اللفظي يحتاج الى عدد من المخبرين أقل مما يحتاجه التواتر المعنوي والإجمالي ، وذلك لانَّ التطابق بهذا النحو من التطابق رغم تفاوت المخبرين من حيث خصائصهم الشخصية ، واستبعاد أن تتّفق مصلحتهم في المحافظة على صياغة خاصَّة للخبر ، كل ذلك يكون مبعّداً آخر بالإضافة الى المبعّدات التي يشترك فيها مع التواتر الاجمالي والمعنوي .
وكذلك الكلام في التواتر المعنوي بالنسبة الى التواتر الإجمالي إذْ أنَّ التواتر المعنوي مشتمل على خصوصية يفتقر اليها التواتر الإجمالي ، وهو كون مصب الإخبارات في التواتر المعنوي واحداً ، وهذا يُساهم في سرعة الوصول الى الاطمئنان أو اليقين ، وهذا بخلاف التواتر الاجمالي إذ لا يكون المعنى الذي يُراد تصيّده من كلّ خبر هو الدافع الأساسي للمخبر من ايراد الخبر وهذا يستوجب اقتناص المعنى مما وراء الخبر ، فقد يكون المعنى المتصيّد واضحاً وقد يكون خفيّاً .
الثالث : وهو ما يتّصل بصفات المخبرين من حيث الوثاقة والضعف ، وقوّة الحافظة والضبط ، أو كثرة النسيان والخلط ، أو ما الى ذلك من الصفات الدخيلة في تحديد نسبة إحتمال عدم المطابقة ، وقد تقدّم بيان ذلك .
العوامل التي تتّصل بمضمون الخبر ، وهي على قسمين :
الأول : العوامل العامّة : وهي التي إذا توفّرت في مضمون خبر ساهمت ـ وبقطع النظر عن نوعيّة المضمون ، في تقليل أو رفع نسبة احتمال عدم المطابقة ، وذلك مثل أن يكون الخبر مالوفاً أو غريباً ، فإنّه إذا كان مألوفاً ومتوقّعاً ومتناسباً مع المجريات الطبيعيّه فإنَّ ذلك يُساعد على سرعة الوصول الى الإطمئنان أو اليقين وبعدد أقل ، وهذا بخلاف ما لو كان الخبر غريباً وغير متوقّع فإنَّ احتمال عدم المطابقة يكون أكبر فنحتاج في الوصول الى الاطمئنان بصدقه الى عدد أكبر ممَّا نحتاجه في الخبر المألوف .
الثاني : العوامل النسبيّة : وهي العوامل التي يلاحظ فيها المضمون بالإضافة الى نوعية المخبر ، كما لو كان مضمون الخبر منافياً لمعتقدات المخبر  ، فإنَّ اخباره بما ينافي عقيدته يكون عاملا من عوامل تقليل احتمال عدم المطابقة لاستبعاد أن تكون هناك مصلحة دعت المخبر بأن يخبر بما يُنافي معتقداته .
وكذلك لو كان الخبر يصب في منفعة المخبر فإنَّ ذلك يُساهم في رفع احتمال عدم المطابقة .
وقد يتّفق إجتماع العاملين في مورد واحد كما لو كان مضمون الخبر غريباً ويصب في مصحلة المخبر ، فإنَّ مستوى احتمال عدم المطابقة يكون أكبر ممَّا لو كان الخبر مشتملا على عامل واحد من العاملين .
وكذلك لو اتفق أن كان مضمون الخبر جيء به في ظرف يصعب فيه ايراد مثل ذلك الخبر ، وكان مضمونه منافياً لمصلحة المخبر ، كما لو أخبر غير الإمامي بخبر يناسب مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، وكان إيراده للخبر في مجلس حضّاره من أعداء أهل البيت (عليهم السلام) ، فإنَّه قد اجتمع في هذا الخبر عامل من العومل النسبيّة ، وهو كون مضمون الخبر منافياً لمصلحة المخبر ، وعامل من العوامل العامّة ، وهو صعوبة الظرف الذي أورد فيه الخبر .
وفي حالة من هذا القبيل تكون نسبة احتمال عدم المطابقة اضعف ممَّا لو كان مضمون الخبر مشتملا على عامل واحد من هذين العاملين .
قوله (رحمه الله) : « بل واقعيّاً لضآلته » : في كلّ حالة تُضرب فيها القيم الإحتماليّة في بعضها فإنَّها لا تُنتج بأيِّ حال اليقين الرياضي مهما تكثَّرت القيم الإحتمالية المضروبة في بعضها ومهما كانت ضآلة تلك القيم ، فلو كان عدد الإخبارات مئة وكانت نسبة إحتمال عدم المطابقة ضئيلة جدّاً ، فإنَّ ضرب هذه القيم في بعضها لا يُنتج اليقين الرياضي ، فيبقى احتمال عدم المطابقة موجوداً إلاَّ أنَّ هذا الاحتمال لا يمنع من حصول اليقين إذ أنَّ الذهن البشري لا يحتفظ بهذا المستوى الضئيل من الإحتمال .
 


الإجمـاع
 

وهو اتفاق جمع كبير من الفقهاء على رأي واحد في مسألة من المسائل الشرعيّة .
وهذا يعني انَّ الاجماع هو مجموعة من الفتاوى الصادرة عن أهلها ، وكل فتوى من هذه الفتاوى نشأت عن التأمّل في المدارك المتّصلة بها ، فهي إذن من الإخبارات الحدسيَّة المستفادة بواسطة النظر في الأدلّه ، وهذا ما يُميّزها عن الإخبارات الحسيَّة والتي تعتمد على المشاهدة والمعاينة .
وكيف كان فالخبر الحدسي يُمثّل أيضاً قيمة احتمالية لواقعيّة مفاده ، فإذا ما تعدّدت الإخبارات الحدسيّة ذات المضمون الواحد فإنّ قيمة احتمال المطابقة للواقع تتصاعد ، وقيمة احتمال المخالفة تسير في التضاءل الى أن يصل مستوى احتمال المخالفة الى حدٍّ لا يُعتدُّ بمثله ، وهذا هو الإجماع .
اذن فالمسار الذي يسلكه الخبر الحسّي الى أن يصل الى مرتبة التواتر هو عينه المسار الذي يسلكه الخبر الحدسي الى أن يصل الى الإجماع ، غايته انَّ حركة السير في الخبر الحدسي لوصول الاجماع أبطأ منها في الخبر الحسِّي للوصول الى التواتر ، وذلك لمجموعة من المبرّرات ذكر المصنّف (رحمه الله)منها خمسة :
الاول : انه لما كانت نسبة الاشتباه في الاُمور الحدسيّة اكبر من نسبتها في الامور الحسيّة ، فإنَّ هذا يقتضي كون مستوى الاحتمال الحاصل من الاُمور الحدسيّة أضعف منه في موارد الامور الحسيّة ، ومن هنا تنشأ الحاجة الى عدد أكبر من الاخبارات الحدسيّة لغرض الوصول الى مستوى الاطمئنان واليقين .
الثاني : ان مناشئ الاشتباه في الاخبارات الحدسيّة كثيرة ، وهذا ما يقتضي ارتفاع مستوى احتمال الاشتباه فيها أكثر منها في الاخبارات الحسيّة والتي يكون منشأ احتمال الاشتباه فيها محدّداً وهو الغفلة أو النسيان  ، وهذا ما يقتضي استبعاد وقوع جميع المخبرين في الغفلة او النسيان  ، أمَّا اذا كانت المناشئ متعددة ، فلا يُستبعد وقوع كل واحد منهم في الاشتباه بسبب الاعتماد على منشأ غير الذي اعتمد عليه الآخر .
فمثلا : لو اتفقت آراء جمع من الفقهاء على حرمة العصير الزبيبي وكانوا مخطئين في ذلك فإنّ منشأ الخطأ قد لا يكون متّحداً ، إذ من الممكن أن يكون المدرك لاحدهم هو رواية ضعيفة السند ، ويكون مدرك الآخر رواية ليس لها ظهور في الحرمة ، ويكون مدرك الثالث هو الاعتماد على أصالة الاحتياط في الشبهات التحريميّة ، ويكون مدرك الرابع هو الاستصحاب التعليقي ، ويكون مدرك الخامس هو الوثوق بفتوى مجموعة من الاعلام بالحرمة ، وهكذا .
ومن هنا ساغ التطابق في الرأي على الخطأ إذ لا يُستبعد اتفاق أهل النظر على رأي خاطئ اذا كانت مناشئ الوقوع في الخطأ متعدّدة .
وهذا ما يجعل مستوى احتمال الاشتباه في الخبر الحدسي أكبر من مستوى احتمال الخطأ في الخبر الحسّي .
الثالث : إن من الملاحظ تأثُّر أصحاب النظر ببعضهم البعض ، فحينما يذهب جمع منهم الى رأي معيّن ، أو يذهب أحد الأساطين الى رأي فإنَّ ذلك يُساهم في تبنِّي آخرين من أصحاب النظر لنفس ذلك الرأي ، وذلك لوثوقهم بصوابيّة ما ذهب اليه ذلك الجمع من أهل النظر ، او انبهارهم بتلك الشخصية العلميّة المتميّزة أو تأثرهم بمبانيه ، نتيجة تتلمذهم عليه ، حتى قال بعض الأعاظم : انّ اتفاق ثلاثة وهم الشيخ الأنصاري ، والسيد الكبير الشيرازي ، والميرزا محمد تقي الشيرازي (رحمهم الله) يورث القطع بواقعيّة ما اتفقوا عليه .
وهذه الحالة لا توجد في الاخبارات الحسيّة إذ أن المخبر حسّاً يحكي ما وقع تحت حواسّه دون أن يكون له أي ملاحظة للمخبر الآخر عن حس .
الرابع : إن احتمال الاشتباه في الاخبارات الحسيّة غالباً ما يكون ناشئاً عن احتمال طروء العارض المانع من أن يؤثر المقتضي للاصابة أثره ، وهذا بخلاف الإخبارات الحدسيّة ، فإنَّ احتمال الإشتباه يمكن أن يكون منشأوه عروض المانع ، ويمكن أن يكون منشأوه عدم المقتضي .
وبيان ذلك :
انّ مطابقة الخبر أو النظر للواقع يستوجب وجود المقتضي وانتفاء المانع ، أما مقتضي مطابقة الخبر الحسي للواقع فهو سلامة حواس المخبر المناسبة لمضمون الخبر ، فإذا كان مضمون الخبر من المرئيّات فلابدَّ من افتراض سلامة البصر ، واذا كان من المسموعات فهذا يستوجب سلامة السمع ، وهكذا .
هذا هو المقتضي لمطابقة الخبر للواقع ، إلاّ انّ المقتضي لا يكفي وحده للمطابقة فلابدَّ من انتفاء المانع والذي هو من قبيل عدم الغفلة وعدم النسيان .
وأمَّا مقتضي المطابقة في الاُمور النظريّه الحدسيّة فهو أن يكون المخبر من أصحاب الفهم والتخصّص فيما أخبر عنه حدساً ، واذا تم المقتضي فلابدَّ من انتفاء المانع ، والذي هو من قبيل الذهول والابتلاء الموجب لتشتُّت الذهن .
ومع اتّضاح ذلك نقول : إنَّ منشأ إحتمال الإشتباه في موارد الإخبارات الحسيّه غالباً ما تكون ناشئة عن احتمال عروض المانع الموجب لعدم تأثير المقتضي لأثره ، أما المقتضي ـ وهو سلامة الحواس ـ فغالباً ما يكون محرز الوجود في المخبر عن حس .
وهذا بخلاف الإخبار عن حدس ، فإنَّ احتمال الإشتباه يمكن أن يكون ناشئاً عن عدم المقتضي ، أي عدم أهلية المخبر عن حدس ، ويمكن أن يكون ناشئاً عن عروض المانع ، وهو ابتلاء المخبر عن حدس بتشتت الذهن أو الغفلة عن بعض المقدمات المؤثّرة في النتيجة التي وصل اليها وهكذا .
الخامس : إذا كان المركز الذي يُحتمل أن يكون نشأ عنه الاشتباه واحداً فإنَّ الإخبارات سواءً كانت حسيّة أو حدسيّة لا يحصل منها القطع حتى وان بلغت من الكثرة حداً كبيراً ، فلو أخبر عدد كبير من الناس انّ حريقاً نشب في بيت زيد ، واحتملت ان منشأ الإخبار هو رؤيتهم الدخان الكثيف المتصاعد من بيت زيد ، وكنت تعلم انه لو كان هذا هو المنشأ للإخبارات لكان مضمون الخبر منافياً للواقع إذ انّ في بيت زيد ـ ذلك اليوم  ـ ضيوفاً كثيرين ، وهو قد أشعل النار لطهي الطعام ، نعم من المحتمل انّ بيت زيد قد احترق من جرّاء ذلك إلاّ انّه لمّا كان من المحتمل ان يكون سبب الإخبارات هو ذلك المنشأ الخاطئ فإنّ القطع لا يحصل من هذه الإخبارات ، أي ان القيم الإحتمالية الناشئة عن كلّ خبر تكون ضعيفة فيكون نموّ الإحتمال وتصاعده بطيئاً ، وهذا بخلاف ما لو كان المتلقي للخبر خالي الذهن أي لا يعلم انّ لزيد ضيوفاً ، فإنّ حصول اليقين من الاخبارات يكون سريعاً .
ومع اتضاح هذا نقول : ان الاخبارات الحدسيّة كثيراً ما يكون المنشأ لها ذا مركز واحد ، فإذا ما كان المنشأ المحتمل اعتمادهم عليه خاطئاً ، فإنّ احتمال المطابقة الناشئ عن كل خبر يكون ضعيفاً ، ومن هنا يكون مسار الإحتمال الى مرحلة اليقين أو الاطمئنان بطيئاً .
وهذا ما نشاهده في النظريّات العلميّه التي تعتمد على مقدمة هذه المقدمة اذا كانت خاطئة فإنّ اتفاق العلماء على نتيجتها لا يصيّر هذه النتيجة قطعيّة ، فلو احتملنا انّ منشأ تبني العلماء لهذه النتيجة هو تلك المقدّمة الخاطئة فإنّ نمو الإحتمال ووصوله الى مرتبة القطع أو الاطمئنان بالنتيجة يكون بطيئاً .
ويمكن التمثيل لذلك بنظريّه العقول الطوليّه والتي تبنّاها كثير من الفلاسفة ، فإنّ هذه النظرية لمّا كان مركز نشوئها هو قاعدة انّ الواحد لا يصدر عنه إلا واحد ، فلو كنا نعلم بخطأ هذه المقدّمة في العلل الإراديّة فإنّ اليقين بصحة نظرية العقول الطولية لا يتحقق ، ولو كنا نحتمل انَّ منشأ هذه النظرية هو تلك المقدمة الخاطئة فإنَّ مسار احتمال المطابقة الى مرحلة اليقين يكون بطيئاً .
ولما كانت الاخبارات الحدسيّة المتطابقة كثيراً ما تنشأ عن مقدمات ذات مركز واحد ، فإنّ نمو الاحتمال بصوابيّة هذه الإخبارات يكون بطيئاً ويكون اشتباه تمام الاخبارات الحدسية معقولا جداً .
وهذا بخلافه في الاخبارات الحسيَّة ، فإنَّها كثيراً ما لا تكون ذات مركز واحد ، بل كلّ مخبر يخبر عما شاهده بواسطة حواسّه ، فالمخبرون عن حس وان كانوا يتفاوتون من جهة قوة وضعف مداركهم الحسية ومؤهّلاتهم الشخصية الا انّ اختلاف هويّاتهم واغراضهم يوجب الوثوق بتعدّد المركز الذي نشأت عنه الإخبارات وهذا ما يجعل سير الاحتمال للمطابقة متسارعاً ومتصاعداً الى ان يصل الى مرحلة اليقين أو الإطمئنان .
ثم ان هناك عوامل تُساهم في انخفاض مستوى احتمال عدم المطابقة للواقع في الإجماع ، ذكر المصنّف منها أربعة :
العامل الأول : وهو ما يتّصل بأشخاص المجمعين ، فإذا كان المجمعون من أساطين الفقهاء وممّن لهم تميّز علمي ، وكذلك إذا كانوا قريبين من عصر النصّ كفقهاء الغيبة الصغرى ، فإنَّ احتمال الإشتباه في مثلهم أضعف من احتماله في غيرهم ممن هو غير متوفِّر على إحدى هاتين الصفتين أو مجموعهما ، إذ انّ المتميّز علمياً لمّا كان أكثر إحاطة بالمقدمات المؤثرة في صوابيه النتيجة فإنَّ هذا يقتضي أقربية رأيه للواقع ، وكذلك القريب من زمن المعصوم (عليه السلام) فإنّ احتمال إطلاعه على كثير من المدارك التي عادة ما يخفى بعضها بتمادي الازمان موجب لإرتفاع احتمال صوابية ما يتبناه من رأي .
العامل الثاني : وهو ما يتصّل بنوعيّة المسألة ، فقد تكون من المسائل الإبتلائيّة والّتي تتصل بأكثر المكلَّفين ، فلو كان الواقع على خلاف ما تبنّاه المجمعون لشاع بين المكلَّفين لافتراض كون المسألة ممّا تعم بها البلوى مع افتراض انتفاء ما يُوجب خفاء الواقع كأنْ لم تكن المسألة ـ أيّاً كان حكمها ـ منافية لمصالح من له القدرة على إخفاء الحقائق .
وذلك مثل قيام الإجماع على لزوم جعل الجانب الأيسر باتّجاه الكعبة المشرفة في الطواف ، فإنّه لو كان الحكم الواقعي منافياً لما عليه الإجماع لشاع بين المسلمين وذلك لكون المسألة ممّا تعم بها البلوى ومن البعيد جداً أن يجري جميع المسلمين على هذا الحكم دون أن يكون لهم مدرك شرعي على ذلك وليس هناك ما يُوجب إخفاء الحكم الواقعي لو كان منافياً لما عليه الإجماع .
العامل الثالث : وهو ما يتّصل بالمُبرز الصياغي للإجماع في مقام الإستدلال به على حكم شرعي ، اذ فرق بين إبراز الإجماع بنفي العلم بالخلاف وبين إبرازه بدعوى اتّفاق المسلمين ، فإنَّ عدم الإطّلاع على المخالف ليس كإحراز تبنّي الجميع لمعقد الإجماع ، وكذلك إبراز الإجماع باتّفاق العلماء ليس كإبرازه بإتّفاق الطائفة فإنَّ الثاني يُعبِّر عن سعة دائرة المجمعين بشكل أوضع من تعبير الأوّل عن ذلك .
العامل الرابع : وهو ما يتّصل بمعقد الإجماع من حيث إحتماله للمدركيّة وعدم إحتماله لها ، ففي حال إحتماله للمدركيّة وكون المدرك ـ على افتراضه معتمد المجمعين غير تام ـ يقتضي انخفاض مستوى إحتمال الإصابة ، وهذا بخلاف مالو لم يكن للإجماع مدرك محتمل فإنَّ احتمال كونه تعبّدياً ومتلقى من الشارع قريب جداً ، فلذلك قالوا إنّ الإجماع كلما كان منافياً للاصول والقواعد العامة كان أقرب للمطابقة للواقع إذ لا يحتمل له مدرك إلاّ التلقي من الشارع المقدّس بخلاف محتمل المدركيّة فإنّ إحتمال كون المدرك هو معتمد المجمعين وارد جداً .
ثمّ انّ الإجماع لمّا كان احرازه القطعي للحكم الشرعي منوطاً بحساب الإحتمالات فهذا يقتضي عدم تأثّره بوجود المخالف إذا لم يكن ذلك مضراً بمسار تتضاءل الإحتمال الناتج عن ضرب القيم الإحتماليّة والناشيء عن تكثر مفردات الإجماع وتطابقها ، وها يعني عدم وجود موضوعيّة للإجماع إذ أنَّ الإجماع إذا كان يعني اتّفاق الجميع فهذا غير حاصل في موارد وجود المخالف ، ومع ذلك قد يتقق حصول اليقين من الإجماع الناقص إذا تضاءل الإحتمال الى حدٍّ لا يعتدُّ العقلاء بمثله عمليّاً كما في الإطمئنان أو واقعيّاً كما في اليقين ، وهذا يتفق في حالات كون المخالف ممن لا يُعبئ بخلافه لبُعدِ عصره مثلا عن زمن النص أو كونه لا يتميّز بمستوىً علمي يوجب الإعتداد بخلافه .
ثمّ انه لمّا لم تكن للإجماع موضوعيّة فهذا يُوجب امكان التوسُّل بقرائن لا تتّصل بالإجماع لغرض الوصول إلى اليقين أو الإطمئنان ، ففي حالة كون الإجماع وحده غير كاف للوصول إلى اليقين فإنَّه يمكن تجميع بعض القرائن وضمها إلى الإجماع للحصول على الإثبات القطعي للحكم المبحوث عنه .
 


سيرة المتشرّعة
 

والفرق بين السيرة المتشرعيّة والسيرة العقلائيّة هو أن التباني على موقف في موارد السيرة المتشرعيّة يصدر عن المتشرّعة باعتبار كونهم متشرّعة وملتزمين بما يُمليه عليهم الشارع المقدّس ، وهذا بخلاف السيرة العقلائيّة فهي تصدر عن العقلاء باعتبار كونهم عقلاء وملتزمين بمقتضى المرتكزات المبرَّرة عقلائياً .
والذي يكشف عادة عن انَّ السيرة عقلائيّة أو متشرعيّة هو نوع الموقف المُلتزم به ، فقد يكون الموقف ممّا يقتضيه الطبع العقلائي فالتباني عليه يكون سيرة عقلائية ، وهذا كالإلتزام بمقتضى العقود ، وقد لا يكون الموقف المُلتزم مناسباً لمقتضى الطبع العقلائي بل انّ الإلتزام به ـ لو لم يكن ناشئاً عن الشارع ـ يُعدُّ سفهيّاً كمسح الجبين وظاهر الكفين بما يعلُق من تراب في التيمّم فإنَّه لا يُتعقل لهذا الإلتزام مبرِّر لو لم يكن ناشئاً عن التعبّد الشرعي . وهذا النحو من الإلتزام يكشف عن انّ السيرة متشرعيّة .
ومن هنا يكون الفارق الدلالي بين السيرتين هو انّ السيرة العقلائيّة تكون دلالتها على الحكم الشرعي منوطة بالإمضاء المنكشف عن السكوت . وأمَّا السيرة المتشرعيّة فهي بنفسها كاشفة عن وجود دليل شرعي ، وهذا ما يجعلها مسانخة بنحو ما للإجماع إذ أنَّ كلا منهما يُعبِّر عن وجود الدليل الشرعي بحساب الإحتمالات ، غاية مافي الأمر انَّ الإجماع يتشكل عن تطابق آراء الفقهاء بسبب التأمُّل والنظر في المدارك المتّصلة بالحكم المبحوث عنه .
أمّا السيرة المتشرعيّة فهي سلوك عملي لا مبرّر له غالباً إلاّ التلقي عن الشارع المقدس ، وعادة ما يكون مدرك الإجماع ـ خصوصاً إذا لم يكن مدركيّاً أو محتمل المدركيَّة هو السيرة المتشرّعيّة إذ انّ الإجماع في غالب الأحيان يكشف بنحو الإن عن وجود تبان عملي مُستوحى من الشارع ، وهذا التباني العملي المتشرّعي يكشف وبحساب الإحتمالات عن رواية معتبرة لم تصل إلينا وانَّما وصل إلينا أثرها بواسطة ما نجده من إرتكاز متغلغل في أذهان المتشرّعة ، عبَّر عن ذلك الإرتكاز سلوكُهم العملي .

المبرِّر لكون السيرة المتشرعيّة من وسائل الإثبات الوجداني :
والذي يُبرِّر كون السيرة من وسائل الإثبات الوجداني هو تضاءل الإحتمال لعدم الإصابة للواقع بواسطة ضرب القيم الإحتماليّة في بعضها الناشئة عن ترسّخ صوابية الموقف العملي في ذهن كلّ واحد من الجمع الكبير من المتشرّعة ، وهذا ما يكشف عن وجود دليل شرعي مُستوحى عن الشارع فيكون احتمال الغفلة عن التعرُّف على الدليل الشرعي من المعصوم أو إحتمال عدم فهم الصادر عن الشارع موهوماً جداً ، إذ إحتمال عدم إستعلام الجميع لا يُعتدُّ به عند العقلاء لندرة اتفاق مثل هذه الحالة حيث انّ من المحتم وجود عدد كبير من المتشرّعة ممن هو حريص على الإستعلام وفيهم من هو جيّد الفهم .


الإحراز الوجداني للدليل الشرعي غير اللفظي :
من الواضح أنّ السيرة العقلائيّة كالسيرة المتشرعيّة من حيث أهليّتها لأنْ يثبت بها الحكم الشرعي بنحو القطع ، وقد قلنا انَّ السيرة العقلائيّة تتأهّل للدليليَّة على الحكم الشرعي بركنين أساسيّين :
الأوّل : هو إحراز معاصرة السيرة لزمن المعصوم (عليه السلام) .
الثاني : الإمضاء من قِبل المعصوم (عليه السلام) المنكشَف عن السكوت .
ومن هنا نواجه مشكلة ، وهي انّه كيف يمكن التعرُّف على معاصرة السيرة للمعصوم (عليه السلام) ، والحال انَّ الفاصلة الزمنيّة بيننا وبين المعصوم (عليه السلام)كبيرة ، وهذا ما دعى الأعلام لطرح مجموعة من المحاولات لإثبات معاصرة السيرة المُعاشة وجداناً لزمن المعصوم (عليه السلام) . وهذه المحاولات إذا تمَّت فإنَّه يمكن الإستفادة منها لإثبات معاصرة السيرة المتشرعيّة ـ الموجودة فعلا ـ لزمن المعصوم (عليه السلام) . والمحاولات كما يلي :
المحاولة الاولى :
انَّه لمّا كانت السيرة العقلائيّة ناشئة عن مرتكزات عقلائيّة متأصّلة وراسخة في جبلّة العقلاء بحيث يكون كلُّ عاقل مهما كان موقعه التاريخي مجبول عليها فإنَّ ذلك يقتضي استبعاد تحوّل السيرة وانقلابها الى الضد أو ما يُقاربه ، وهذا يكشف عن انّ السيرة المُعاشة وجداناً لها امتداد تاريخي يتصل بزمن المعصوم (عليه السلام) .
والجواب : انّ هذه المحاولة غير تامّة ، وذلك لفساد دعوى أنّ السيرة العقلائيّة دائماً تكون ناشئة عن مرتكزات تقتضيها جبلّة كلِّ عاقل إذ انَّ السيرة قد يكون بعضها ناشئاً عن ذلك وقد تكون ناشئة عن مبرِّرات اخرى تقتضيها طبيعة الثقافة السائدة في ذلك الزمن أو الظروف البيئيّة والإجتماعيّة أو ما إلى ذلك من المبرِّرات الموجبة لإنخلاق سيرة مناسبة لمبرِّراتها . ومن الواضح انَّ مثل هذه المبرِّرات ليس لها ثبات ، وهذا ما يقتضي تبدُّل السير المتخلِّقة عنها .
على انّ التحوّل المُستبعد في السير العقلائيّة انَّما هو التحوّل العشوائي والذي لا يخضع لضوابط يقتضيها نظام التركيبة الإجتماعية وما يحوطها من ظروف ، وهذا من قبيل التحوّل الفجائي إذ من المستبعد إنْ لم يكن من المستحيل انقلاب السيرة عمَّا هي عليه مع انخفاظ مبرِّراتها . أمّا التحوّل الناشئ عن تبدُّل الظروف الإجتماعيّة والثقافيَّة فهو غير مُستبعد إذ من الطبيعي زوال السيرة بزوال مبرِّراتها ، وهذا ما يتمّ عادة بنحو التدرُّج ، إذ انَّ إنسلاخ المجتمعات عن متبنياتها يحتاج إلى وقت . وبهذا يتّضح فشل هذه المحاولة .
المحاولة الثانية :
الإستعانة على إثبات معاصرة السيرة الفعليَّة لزمن المعصوم (عليه السلام) بما هو مأثور في التاريخ سواء منه التاريخ العام ـ الذي يتكفَّل ببيان أحوال المجتمعات الماضية والتي تتّصل بأنظمتهم وثقافتهم ومناهجهم المعتمدة في الحرب والسلم وأحوالهم الشخصيَّة ومعاملاتهم اليوميَّة والوسائل التي يتوسَّلون بها للوصول إلى مُراداتهم ـ أو المُستفاد من المنقولات الخاصّة والتي تتّصل بالرويات الفقهيّة وماهي المسائل المثارة عند الرواة وكيفية تلقيهم لما يصدر عن الشارع المقدّس والطريقة المعتمدة عندهم في فهم الخطابات الشرعيّة ، وماهو السائد عند العامة من الفتاوى وبالأخص المتّصل منها بالمعاملات إذ هي التي يمكن ان يُتصيّد منها ماهو مرتكز عقلائياً في تلك الحقبة الزمنيّة .
وهذه المحاولة لو تمَّت من حيث إمكان الوقوف على السيرة العقلائية السائدة في زمن المعصوم (عليه السلام) فهي تحتاج إلى الإطمئنان بهذه المنقولات التاريخيّة العامة ، وكذلك بما يُؤثر من رويات تتصل بالفقه ; نعم يمكن الإكتفاء بما يؤثر من رويات بالظنّ المعتبر إلاّ انَّ ذلك يُخرج السيرة عن كونها من وسائل الإثبات الوجداني .
المحاولة الثالثة :
أنْ يلزم من عدم تطابق السيرة في زمن المعصوم (عليه السلام) لما عليه التباني العملي فعلا لازم ، هذا اللازم منفي بالوجدان . مثلا : لو كان المتبانى عليه فعلا هو الإكتفاء بالسعي بين الصفا والمروة دون وضوء فإننا لو أردنا أنْ نُثبت انّ ذلك هو المتبانى عليه عملا في زمن المعصوم (عليه السلام) فإنَّه يمكن التوسُّل بهذه المقدمات :
المقدّمة الاولى : انَّه لو افتُررض انّ الجري العملي كان كذلك أي الإكتفاء بالسعي دون وضوء لكان ذلك كاشفاً عن عدم اعتبار الوضوء في السعي ، ولذلك يمكن للجاهل أن يستغني بذلك عن السؤال . ومن هنا يكون عدم وصول الأسئلة والأجوبة عن هذه المسألة مبرَّراً .
المقدّمة الثانية : انّه لو افتُرض انّ سلوك المتشرّعة كان على خلاف ذلك بحيث كانوا ملتزمين بالسعي عن وضوء فإنّ هذا لا يكشف عن اعتبار الوضوء في السعي إذ من الممكن جداً أن يلتزم المتشرّعة بما هو مستحب . ومن هنا يكون التعرُّف على إعتبار الوضوء أو عدم اعتباره في السعي متوقفاً على السؤال أو الوقوف على الروايات المتّصلة بهذه المسألة .
المقدّمة الثالثة : انّه لمّا كانت هذه المسألة عامة البلوى ولا طريق للتعرُّف عليها عن طريق السيرة المتشرعيّة كما اتّضح من المقدّمة الثانية فلا محالة تكون الأسئلة عنها كثيرة وبالتالي تكون الأجوبة كثيرة أيضاً أو تكون الروايات الإبتدائيّة المتصدِّية لبيان حكم المسألة كثيرة .
المقدّمة الرابعة : ومع افتراض عدم وصول شيء من هذا القبيل ولو بشكل محدود رغم انَّ المقتضي للوصول موجود وليس هناك ما يستوجب عدم الوصول بعد افتراض كون المسألة أيّاً كان حكمها ـ إعتبار الوضوء أو عدم اعتباره ـ لا تضرُّ بمصالح من له القدرة على إخفاء الحقائق .
ومن هنا نستكشف تطابق السيرة المتشرّعيّة المنعقدة في زمن المعصوم (عليه السلام) لِما عليه المتشرّعة فعلا من عدم الإلتزام بالوضوء في السعي وإلاّ لو كانت السيرة على الإلتزام بالوضوء للسعي لكثرت الأسئلة والأجوبة أو الروايات الإبتدائيّة المتصدِّية لبيان حكم المسألة بعد ان لم تكن تلك السيرة دالَّة على اعتبار الوضوء أو عدم اعتباره وبعد ان كانت المسألة مما تعمُّ بها البلوى وعدم وجود ما يقتضي اختفاؤها .
ومع اتضاح ماذكرناه يتَّضح أنَّ هذه المحاولة إنَّما تنفع في الكشف عن خصوص السير المتشرّعيّة لأنَّها تفترض كون الجري العملي ـ الذي يُراد استكشافه بهذه المحاولة ـ مما لا يقتضيه الطبع العقلائي إذ لو كانت السيرة التي يُراد استكشافها هي سيرة عقلائيّة لاختلَّت بعض المقدّمات كالمقدّمة الاولى والتي تفترض إستكشاف عدم الوجوب من عدم الإلتزام بالوضوء في السعي إذ انَّ عدم إلتزام العقلاء لا يكشف ابتداءً عن عدم الوجوب وانّما يفتقر إلى الإمضاء المستكشف من السكوت ، وكذلك المقدّمة الثانية وهي انحصار التعرُّف على الحكم الشرعي بالسؤال أو الوقوف على الروايات المتصدّية لبيان الحكم الشرعي المبحوث عنه في حين انَّ معرفة الحكم الشرعي في السير العقلائيّة لا ينحصر بذلك إذ يكفي الرجوع إلى كبرى السيرة العقلائيّة والتي هي النكتة التي برَّرت نشوء تلك السيرة إذ انّ السيرة العقلائيّة يمكن أن تكشف عن حكم شرعي غير الجواز بناءً على إنّ الإمضاء للسيرة العقلائيّة انّما يقع على ماهو منشأ وكبرى تلك السيرة .
وبهذا يتضح اختلال المقدّمة الثالثة أيضاً إذ لا حاجة لتكثر الأسئلة والخطابات المُبيِّنة لحكم المسألة المبحوث عنها مع افتراض كون السيرة عقلائيّة يمكن معرفة حدودها من خلال البحث عن مبرِّراتها .
المحاولة الرابعة :
أن يكون بديل السيرة الفعليّة ـ والتي نُريد أنْ نستدلّ على معاصرتها للمعصوم (عليه السلام) ـ منافياً لما هو مقتضى الطبع العقلائي العام بحيث لو كان هو المتبانى عليه آنذاك لكان بديلا شاذّاً ، وهذا ما يقتضي احتفاظ التاريخ به كما حفظ لنا التاريخ كثيراً من الظواهر الإجتماعيّة الشاذَّة ، ولمّا لم ينقل لنا التاريخ ماهو المتبانى عليه في زمن المعصوم في الإطار المبحوث عنه فهذا يكشف عن انّه لا يختلف عمّا هو عليه الآن إذ أنّ افتراض كون التزام العقلاء آنذاك بما هو شاذٌّ عن طبع العقلاء يُبرِّر وصول ذلك الينا ولو بشكل محدود ، بعد أنْ كان المفترض انّه هو البديل الوحيد عمَّا هو ملتزم به فعلا .
ويمكن التمثيل لذلك بالسيرة العقلائيّة الفعليَّة القاضية بأحقيّة الدائن في الإستيثاق على أمواله المَدِينة برهن أو كتابة أو شهود ، وهذه السيرة هي ما يقتضيه الطبع العقلائي العام إذ انّ الذي يُخاف على أمواله من الضياع هو الدائن أما المدين فلا خوف على أمواله بعد أنْ كانت أمواله وأموال الدائن تحت يده .
وإذا أردنا ان نستدلَّ على امتداد هذه السيرة لزمن المعصوم (عليه السلام) فإنَّه يقال انه لو لم تكن هذه السيرة هي الجارية في زمن المعصوم (عليه السلام) لكانت السيرة الجارية هي بديلها وبديلها الوحيد هو عدم أحقيّة الدائن في الاستيثاق على أمواله ، وهذه السيرة على افتراض وجودها تكون شاذة إذ أنَّها تقتضي أن تكون أموال الدائن في مهبِّ الريح وهذا يستوجب انسداد باب المداينة المقطوع بوجوده في زمن المعصوم (عليه السلام) ، وشذوذ هذه السيرة يستدعي احتفاظ التاريخ بها ، ونحن بالوجدان لا نجد من ذلك عيناً ولا أثراً ، مما يكشف عن عدم وجود هذه الظاهرة الإجتماعيّة الشاذّة فيتعيَّن تطابق ما عليه السيرة في زمن المعصوم (عليه السلام) مع ما عليه السيرة فعلا .
المحاولة الخامسة :
أن نسبر أغوار السيرة الفعليّة وذلك عن طريق الرجوع الى ماهو مرتكز في أذهاننا من مرتكزات تُمثل هذه المرتكزات كبرى هذه السيرة فإذا وجدنا أنَّ هذه المرتكزات مناسبة لما هو مقتضى الطبع العقلائي والفطرة السليمة بحيث لا يكون ذلك ناشئاً عن رواسب التربية أو الثقافة الإجتماعيّة السائدة والتي لا يُكتب لها الثبات والإطراد لتمام المجتمعات العقلائيّة ، ففي حالة من هذا القبيل يحصل الوثوق بكون السيرة الفعليّة هي السيرة الجارية في زمن المعصوم (عليه السلام) ، ويمكن ان نُحرز ما وصلنا إليه عبر هذا التحليل الوجداني بملاحظة ما عليه المجتمعات العقلائيّة على اختلاف مشاربها ومنابع ثقافتها وظروفها ، فإذا وجدناها متفقة مع ما وصلنا إليه من نتيجة فإنَّ ذلك يُؤكّد أنّ ما وصلنا إليه لم يكن خاضعاً لرواسب التربية والثقافة والتي قد تخلُق جواً ذهنيّاً خاصّاً دون أن يشعر الإنسان انّه واقع تحت هيمنة تلك التربية أو الثقافة التي نشأ في محيطها .
وهذه المحاولة وإن كانت موجبة للوثوق بتطابق السيرة المعاصرة للمعصوم (عليه السلام) مع ما عليه السيرة فعلا إلاّ أنَّها ليست طريقة موضوعيّة يمكن التوسُّل بها لإثبات المطلوب للخصم بمعنى انّها ليست برهانية لأنّها تعتمد خطوات لا تُوصل إلاّ من سار عليها والبرهان ليس من هذا القبيل إذ انَّ البرهان يعتمد مقدّمات مُحرَّرة في مرحلة سابقة يتمُّ عن طريق ضمّها إثبات المطلوب .
نعم الإستتدلال على المطلوب بما عليه المجتمعات العقلائيّة على إختلاف مشاربهم وثقافتهم يكون برهانياً .
وكيف كان فالوثوق بمعاصرة السيرة الفعليّة لزمن المعصوم (عليه السلام) لا يُنهى البحث إذ تبقى مشكلة لابدّ من حلّها وهي انّه كيف نُثبت انّ هذه السيرة كانت ممضاة من المعصوم (عليه السلام) إذ لعلّه ردع عنها ولم نقف نحن على الردع ، وغاية ما يمكن انْ نُثبته هو عدم وجدان الردع الاّ انّ ذلك لا يكشف عن عدم وجود الردع المقتضي للإمضاء .
ويمكن حلّ هذه المشكلة بهذا البيان :
وهو إدّعاء الوثوق بعدم وجود الردع لعدم وصوله بالوجدان ، ومبرّر هذا الإدّعاء هو إنَّ افتراض السيرة العقلائيّة المبحوث عن إمضائها متجذِّرة ومترسِّخة في أذهان العقلاء يقتضي أن يكون مستوى الردع عنها مناسباً لما هي عليه من تأصُّل وتجذّر ، وهذا هو مقتضى تحفُّظ العقلاء على أغراضهم إذ لا يمكن إلغاء سلوك عملي عام له امتداد في أعماق كلِّ واحد من أفراد ذلك المجتمع العقلائي كما له مبرِّرات مترسِّخة ومتوارثة كابراً عن كابر لا يمكن إلغاء مثل هذه السيرة بردع باهت يتم في مجلس محدود ، بل انَّ مثل هذه السيرة يستوجب ردعاً مركَّزاً ومكثّفاً بحيث يكون ذلك الردع مناسباً لما عليه تلك السيرة من تجذّر ، وهذا ما يستدعي عادة إثارة الرواة إذ ينساقون للإستفهام عن حيثيّات ذلك الردع ومقداره وما هو البديل عنه ، وهذا ما يقتضي تكثّر الأسئلة والأجوبة ، فإذا لم يصل إلينا شيء من ذلك لا من الردع الإبتدائي ولا من الردع المُستفاد من لحن الأسئلة والأجوبة رغم انَّ المقتضي للوصول ـ ولو بنحو مناسب لطول الفاصلة الزمنيّة بيننا وبين المعصوم (عليه السلام) ـ موجود إذ انَّ المفترض هو انّ السيرة متأصّلة ومتجذِّرة في مرتكزات العقلاء وهذا ما يُثير اهتمام الناس فضلا عن المهتمين بحفظ ما يرد عن أهل البيت (عليهم السلام) .
كما أنَّ المانع عن الوصول ـ ولو بشكل محدود ـ مفروض الانتفاء بعد أن لم يكن الردع ضارّاً بمن له القدرة على الإخفاء .
ومن هنا يُستكشف عدم صدور الردع عن السيرة المبحوث عنها . وبهذا تتوفَّر السيرة على كلا الركنين الأساسيّين اللّذين يُوهلانها للدليليّة ، وهما معاصرة السيرة للمعصوم (عليه السلام) وإمضاء المعصوم (عليه السلام) لها .

درجة الوثوق في وسائل الإحراز الوجداني :
إنّ الأدلّة المستكشفة بواسطة ضرب القيم الاحتماليّة في بعضها يكون
ناتجها إما القطع أو الاطمئنان أو الظن ، إذ انَّ ضرب القيم الإحتماليّة في بعضها قد يُنتج تضاءل احتمال عدم المطابقة إلى حدٍّ يكون الإحتمال موهوماً جداً بحيث لا يُنافي القطع بالطرف المقابل ، وقد يُنتج ضرب القيم الإحتماليّة تضاءل إحتمال عدم المطابقة إلى حدٍّ يُوجب استقرار النفس بمطابقة الطرف المقابل للواقع ، وقد يُنتج تضاءل الإحتمال الظنّ القوي بمطابقة الطرف المقابل للواقع مع الاحتفاظ بمستوىً معتدٍّ به من إحتمال عدم المطابقة للواقع .
ولا إشكال في الحالة الاولى من حيث صلاحيّة الناتج « القطع » لتنجيز المقطوع والتعذير عنه .
وأمّا الحالة الثانية فقد يقال بعدم صلاحيّته بنفسه للدليلية بل انّ دليليته منوطة بقيام الدليل التعبّدي على حجيّته ، ومن هنا قيل انّ الدليل التعبّدي على حجيَّة الإطمئنان هو السيرة العقلائيّة الممضاة من المعصوم (عليه السلام) ، وهذا ما يقتضي القطع بمعاصرة السيرة على العمل بالإطمئنان للمعصوم (عليه السلام) والقطع بإمضاء الشارع لهذه السيرة إذ انّ الإطمئنان بتحقّق هذين الركنين لا يُثبت حجيَّة الإطمئنان للزومه الدور المستحيل ، إذ أنّنا في مقام الإستدلال على حجيَّة الإطمئنان فإذا كان دليل الحجيَّة هو الإطمئنان فهذا يعني توقف حجيّة الاطمئنان على حجيّة الإطمئنان .
وفي مقابل هذا القول قد يُقال بحجيّة الإطمئنان بنفسه كالقطع وذلك لانَّ حق الطاعة ـ أداءً لحق المولويَّة ـ موجب للجريان على وفق متعلّق الإطمئنان كما هو الحال في القطع ومعذِّر عن مخالفة الواقع في موارد الإطمئنان بعدم التكليف كما هو الحال في القطع ، إلاّ انّ المميِّز للإطمئنان عن القطع هو إمكان ردع المولى عن الإطمئنان وهو غير ممكن في القطع .
وأمَّا الحالة الثالثة فلا إشكال في عدم صلاحيّتها لإثبات الدليليّة بنفسها إذ انّ الأصل عدم حجيّة الظن ـ كما ذكرنا ذلك في بحث أنّ الشكّ في الحجيّة يُساوق القطع بعدم الحجيّة ـ ، نعم لو قام الدليل القطعي على حجيّة ظنّ من الظنون فإنَّ ذلك يُكسبه الدليليَّة إلاّ انَّ ذلك يُصيِّر هذه الوسائل في موارد الإحراز التعبّدي .
 


وسائل الإحراز التعبّدي


وهي الادلّة التي تكون دليلتها على الحكم الشرعي منوطة بقيام الدليل القطعي الشرعي على ثبوت الحجيَّة والدليليّة لها .
وهذه هي المعبَّر عنها عند علماء الأصول بمباحث الظنّ ، وهي كثيرة منها ظواهر الخطاب الشرعي ومنها قول اللّغوي ومنها الشهرة الفتوائيّة ومنها خبر الواحد وهو كلُّ خبر لا يكون مقطوع الصدور ، وقد خصَّه المصنِّف (رحمه الله) بالبحث في المقام دون بقيّة الأدلّة الظنيّة لعظم فائدته لو تمّت حجيّته إذ انّ أكثر الأحكام الشرعيّة الفرعيّة وصلتنا بواسطة خبر الواحد .
وقد تعرَّض المصنِّف (رحمه الله) في بحثه عن خبر الواحد للأدلّة التي اُستدل بها على حجيَّته والأدلة النافيّة للحجيَّة ثمّ بحث بعد ذلك حدود الحجيّة لخبر الواحد وشرائطها بعد افتراض تماميّة الأدلّة المثبتة للحجيّة .

أدلّة حجيَّة خبر الواحد :
والبحث عنها يقع تارة في أدلّة الكتاب العزيز على الحجيّة ويقع تارة اخرى عن الأدلّة المستوحاة من السنّة الشريفة على الحجيّة .
أمّا أدلّة الكتاب العزيز فآيات :
منها ] يا أيّها الّذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنباء فتبيّنوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين [() .
والإستدلال بالآية الكريمة يتمّ بواسطة المفهوم ، إذْ انّ الجملة فيها شرطية ، وقد ثبت أنّ الجمل الشرطيّة ظاهرة في المفهوم وبيان ذلك :
انَّ الآية ظاهرة في تعليق طبيعي الحكم ـ وهو وجوب التبيّن ـ على الشرط والذي هو مدخول أداة الشرط « إنْ » والشرط هو مجيء الفاسق وموضوع الحكم هو النبأ ، وهو منحفظ في حالتي تحقق الشرط وانتفائه ، وبهذا يكون انتفاء الشرط عن الموضوع يقتضي انتفاء الحكم أي انَّ انتفاء مجيء الفاسق عن النبأ بأن يكون الآتي به غير فاسق يقتضي انتفاء وجوب التبيّن عن ذلك النبأ .
وبهذا يثبت عدم وجوب التبيّن عن نبأ العادل لإنتفاء شرط وجوب التبيُّن .
وهذا يقتضي حجيّة نبأ العادل إذ لا معنى لعدم وجوب التبيّن عن نبائه إلاّ ثبوت الحجيّة له وإلاّ كان مساوياً لنبأ الفاسق أو أسوأ حال منه وكلاهما منفيّان فيتعيّن ثبوت الحجيّة لنبئه . أمَّا افتراض المساواة فمنفي بمفهوم الشرط ، وأمَّا افتراض كونه أسوء حال من الفاسق فلانَّ نبأ الفاسق يمكن أن تثبت له الحجيَّة اذا تبيَّن صدقه أمَّا نبأ العادل ـ بناءً على الفرض ـ فلا تثبت له الحجيَّة وإن ثبت صدقه .
وبهذا يتضح تعيّن الحجيَّة لنبأ العادل بمقتضى مفهوم الشرط .


الإشكال على الإستدلال بالآية الكريمة :
وقد اُورد على الإستدلال بالآية الكريمة بايرادين :
الإيراد الأوّل : انّ الجملة الشرطية في الآية الكريمة لا مفهوم لها لانَّ الشرط فيها سيق لبيان تحقّق الموضوع وفي كلِّ حالة من هذا القبيل لا يثبت للقضيّة الشرطيّة مفهوم .
وبيان ذلك : انّ الشرط وهو مجيء الفاسق هو المحقّق للموضوع « النبأ » ولا يمكن افتراضه في ظرف انتفاء الشرط إذ انّ الشرط وهو مجيء الفاسق بالنبأ هو المُوجد للنبأ ولولاه لما كان للنبأ وجود ، فلو انّ للجملة مفهوم لكان مساقها هكذا « إذا لم يجيء الفاسق بالنبأ فلا يجب التبيّن عنه » وهذه قضيّة حتميَّة إذ انَّها من السالبة بانتفاء الموضوع ، فمن الطبيعي انَّ الموضوع وهو النبأ لمَّا كان منتفياً فينتفي بتبعه الحكم . وهذا بخلاف المفهوم فإنّ الموضوع يظلُّ ثابتاً ومن هنا يُتصوّر إنتفاء الحكم عنه لإمكان تصوّر ثبوت الحكم له .
فمثلا الجملة الشرطيّة التي هي من قبيل « اذا جاءك زيد فأكرمه » فإنَّ الموضوع وهو زيد له تقرُّر وثبوت بغض النظر عن الشرط وهو المجيء ، ومن هنا يُتعقل ثبوت المفهوم لمثل هذه القضيّة إذ انّ الموضوع في ظرف انتفاء الشرط يُتصوّر ثبات الحكم له ، ومن هنا يكون انتفاء الحكم متصوّراً أيضاً .
وقد أجاب صاحب الكفاية (رحمه الله) عن هذا الإيراد بما حاصله :
اننا وإن كنّا نُسلِّم بتماميّة الإيراد بناءً على أن الشرط هو مجيء الفاسق والموضوع هو النبأ إلا انّه يمكن افتراض كون الموضوع هو الجائي بالنبأ والشرط هو الفسق وبالتالي لا يكون الشرط محقّقاً للموضوع إذ انَّ الموضوع وهو الجائي بالنبأ فُرض متقرِّراً بقطع النظر عن الشرط وهو مجيء الفاسق به أو عدم ذلك ، فالموضوع ثابت سواءً كان الشرط ثابتاً أو منتفياً ، وحينئذ يكون مساق الآية الكريمة « إن كان الجائي بالنبأ فاسقاً فتبيّنوا » ومن هنا يمكن أن يُتصوّر انحفاظ الموضوع مع انتفاء الشرط هكذا « إن لم يكن الجائي بالنبأ فاسقاً فلا يجب التبيُّن » وهذا يعني انَّ الجائي بالنبأ إذا كان عادلا فلا يجب التبيّن من نبئه ، وهو معنى الحجيّة لنبأ العادل .
والإشكال على صاحب الكفاية انّه لم يُشر إلى النكتة الإستظهاريّة الموجبة لتعيّن هذا الإفتراض ، فهذا الإفتراض وإن كان يدفع الإيراد السابق إلاّ انّه لا يحلُّ الإشكال من حيث انه لم يُبيِّن ما يُوجب استظهار هذا الإفتراض دون الإفتراض الأوّل المبتلي بإشكال محقّقيّة الشرط للموضوع .
الإيراد الثاني : انّ الآية الكريمة مُذيَّلة بعلّة الحكم بوجوب التبيّن من خبر الفاسق ، وهذه العلة تشمل بإطلاقها خبر العادل . ومن هنا تكون هذه العلّة قرينة أو صالحة للقرينيّة على عدم إرادة المفهوم من الآية الكريمة .
وبيان ذلك : انَّ الآية الكريمة قد علَّلت وجوب التبين من خبر الفاسق بأن عدم التبيّن عملٌ بغير علم ، ومن الوضوح انَّ هذه العلّة لا تختص بخبر الفاسق بل هي شاملة لخبر العادل لكونه من أخبار الآحاد التي لا توجب العلم ، والعلّة كما قِيل تكون معمّمة وتكون مخصّصة ، فحينما يقال « حُرِّمت الخمرة لإسكارها » فهذا يعني انَّ مطلق ما يُوجب الإسكار حرام وإن كان من غير سنخ الخمرة وذلك لعموم التعليل .
والمقام من هذا القبيل ولذلك تكون هذه العلّة المعمّمة قرينة على عدم إرادة المفهوم من الآية الكريمة أو لا أقلّ انّها صالحة للقرينيّة إذ انَّ العلل المنصوصة ـ كما قلنا ـ صالحة لتعميم الحكم لغير موردها . وإذا كانت العلّة صالحة للقرينيّة فهذا يقتضي إجمال المراد وانّ المولى هل أراد المفهوم من الآية الكريمة أو لا ؟

الجواب عن هذا الإيراد :
وقد اجيب عن هذا الإيراد بثلاثة أجوبة :
الأوّل : إنَّ الإصابة بجهالة ـ والتي هي علّة الحكم ـ تعني العمل السفهي ، فكلُّ عمل لا يستند الى الضوابط العقلائيّة يُطلِق عليه العرب عمل بجهالة ولذلك قال الشاعر عمرو ابن كلثوم :
ألا لا يجهلنْ أحدٌ علينا***فنجهل مثل جهل الجاهلينا
فأطلق على التعدِّي بغير حق عنوان الجهالة ، والمقام من هذا القبيل إذ انّ ترتيب الأثر على خبر الفاسق والذي لا يتحرَّز عن الكذب يُنافي ماعليه العقلاء ولذلك يكون العمل به عملا بجهالة .
ومع اتِّضاح معنى الجهالة في استعمالات العرب يتّضح عدم شمول الحكم المعلَّل بالجهالة لخبر العادل إذ انَّ سيرة العقلاء جاريّة على ترتيب الأثر على خبره ممّا يكشف عن انّه متوفِّر على الضوابط العقلائيّة إذ انَّ العقلاء بما هم عقلاء لا يجرون إلاّ على ماهو مناسب لمقتضى المرتكزات المبرَّرة عقلائياً .
الثاني : انّنا لو سلَّمنا بعموم التعليل وانّه شامل لخبر العادل الاّ انّ ذلك لا يُؤجب إلغاء المفهوم إذ انَّ علاقة المفهوم وهو عدم وجوب التبيُّن عن خبر العادل مع عموم التعليل علاقة الإطلاق والتقييد وهو ما يقتضي حمل المطلق والذي هو عموم التعليل على المقيّد والذي هو المفهوم .
وبيان ذلك : انّ عموم التعليل يشمل مطلق أخبار الآحاد ومقتضى مفاد المفهوم هو عدم وجوب التبيُّن عن خبر خصوص العادل ، وهذا ما يقتضي بموجب قاعدة حمل المطلق على المقيّد حمل عموم التعليل على المفهوم .
الثالث : انَّ مفاد المفهوم هو انَّ خبر العادل بيِّن بنفسه فلا يحتاج إلى التبيّن من صدقه أو كذبه ، وهذا ما يقتضي خروجه موضوعاً عن عموم التعليل إذ انَّ موضوع التعليل هو عدم العلم وخبر العادل يُعطي العلم ولو تعبداً ، ومع تباين الموضوعين لا يمكن تعدية الحكم المعلّل بعلَّة لموضوع مباين لموضوع تلك العلّة .
وبعبارة اُخرى : لمّا كان مفاد المفهوم هو علميّة مؤدى خبر العادل فهذا يعني عدم شمول الحكم المعلَّل في المنطوق له ، وذلك لأنَّ موضوع علّة الحكم في المنطوق هو عدم العلم وقد قلنا ان الشارع قد افترض مؤدى خبر العادل علماً ، وهذا ما يقتضي مباينة موضوع العلّة مع موضوع مؤدّى خبر العادل .
ومنها قوله تعالى ] ما كان للمؤمنين ان ينفروا كافة فلولا نفر من كلّ فرقة منهم طائفة ليتفقّهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلّهم يحذرون [() .
والإستدلال بالآية الكريمة على حجيَّية خبر الثقة انّ ذلك هو مقتضى إطلاق مطلوبيَّة الحذر عند إنذار المنذِر سواءً أفاد انذاره العلم أو لم يُفد العلم ، إذ لا معنى لمطلوبية الحذر عند إنذاره إلاّ جعل الحجيّة لإنذاره .
وبيان ذلك : انَّ مفاد « لعل » هو الترجي والذي هو من أقسام الطلب ، وهذا يعني انّ مدخول لعلّ يكون مطلوباً ، واذا كان كذلك فالحذر لمّا وقع مدخولا للعل فهو اذن مطلوب للمولى ، ومطلوبيّته بمقتضى سياق الآية الكريمة هو غاية الإنذار الواجب ، وبهذا يثبت انّه كلّما تحقّق الإنذار فالحذر مطلوب سواءً كان الإنذار موجباً للعلم بمطابقة مؤداه للواقع أو غير موجب للعلم وبهذا الإطلاق تثبت مطلوبيّة الحذر من انذار المنذر الواحد ، ولا معنى لمطلوبيّة الحذر عند إنذار المنذِر الاّ صحّة التعويل على إنذاره والإحتجاج به على العبد عند المخالفة إذ أنّ الحذر إذا كان مطلوباً ومع ذلك لا يصح التعويل عليه فهذا أشبه شيء بالإلتزام بالضدّين .

الإشكال على الإستدلال بالآية الكريمة :
وقد أورد المصنِّف (رحمه الله) على الإستدلال بهذه الآية الكريمة بثلاثة إيرادات :
الإيراد الأوّل :
إنَّ الإنذار لمّا كان يعني الترهيب والتخويف من مخالفة ما تستتبع مخالفته العقوبة فهذا يعني انَّ منجزيّة المنذَر به افتُرضت متقرِّرة في رتبة سابقة ، وليس الموجب لتنجز المُنذَر به هو نفس الإنذار وانّما وظيفته هي التذكير ـ وباسلوب وعظي ـ بما ثبتت منجزيَّته وموجبيّته للعقاب بمثبت آخر ليس المولى في مقام بيانه .
ومن هنا لا تكون مطلوبيّة الحذر الواقعة غاية للإنذار كاشفة عن حجيّة خبر المنذِر وذلك لانَّ الإنذار لا يولِّد الحجيّة لمتعلقه بل انّ متعلّقه ثابت بحجّة اخرى . فمثلا لو ثبتت حرمة الخمر ، وأنَّ شربه حرام يستوجب عقاب المولى فإنّ التذكير بالحرمة وبما يترتّب على مخالفتها من عقوبة هو معنى الإنذار .
ويمكن التمثيل أيضاً بالعلم الإجمالي وبالشبهات الحكميّة قبل الفحص فإنَّه قد ثبت بحكم العقل منجزيّة الحكم الواقعي في هذين الموردين ففي حالة التذكير بهذه المنجزيَّة والترهيب من مخالفة مقتضاها يكون مثل هذا التذكير إنذاراً ، ومطلوبيّة الحذر حينئذ لا تعني حجيَّة خبر المنذِر لانّ الإنذار لم يولِّد المنجزيّة لمتعلقه إذ انّ الكاشف عن المنجزيّة في الموردين هو العقل ، نعم لو كان الإنذار هو المحقق للمنجزيّة لمتعلقه ومؤدّاه لأمكن تتميم الإستدلال بالآية الكريمة على حجيّة خبر المنذِر إلاّ ان ذلك خُلْف ماهو المُستفاد من معنى الإنذار .
الإيراد الثاني :
لو تنزَّلنا وقلنا انَّ الإنذار يصدق في موارد عدم تنجّز متعلقه في رتبة سابقة بحيث يكون خبر المنذر هو المولِّد للتنجيز إلاّ انّه مع ذلك لا تثبت الحجيّة لخبر المنذر بالمعنى المبحوث ـ والتي تعني المنجزيّة في موارد مطابقة الخبر للواقع والمعذريَّة في موارد مخالفة الخبر للواقع ، إذ ان أقصى ما يثبت من حجيّة لخبر المنذر هو المنجزيّة والتي تعني نفي البراءة الشرعيّة عن التكليف المحتمل . وهذا المقدار من الحجيَّة ناشيء عن انّ إخبار المنذر بالتكليف الإلزامي يولِّد احتمالا بوجود تكليف إلزامي مولوي ، وبه تتحقّق صغرى الحكم العقلي القاضي بمنجزيَّة التكاليف المحتملة .
وبهذا يتنقح انّ الحجيَّة الثابتة لخبر المنذر ليس منشأوها الجعل الشرعي وإنّما هو حكم العقل بمنجزيَّة التكاليف المحتملة ، وهذا ما يقتضي انَّ المنجزيّة الثابتة له معلَّقة على عدم الترخيص ، نعم لو كنّا نذهب إلى جريان البراءة العقليَّة في موارد التكاليف المحتملة اعتماداً على قاعدة قبح العقاب بلا بيان لأمكن تتميم الإستدلال بالآية الكريمة على حجيّة خبر المنذور إذ لولا المنجزيَّة الثابتة بالآية الكريمة لجرت البراءة العقليّة عن التكليف المحتمل المُفاد بواسطة خبر المنذر .
الإيراد الثالث :
انَّنا لو تنزّلنا وقلنا انّ الآية الكريمة تُثبت حجيّة إنذار المنذر بالمعنى المبحوث إلاّ انّ هذه الحجيّة لم تثبت لإنذار المنذر باعتباره خبراً حسيّاً ـ والذي هو محل البحث ـ وإنَّما تثبت الحجيّة لإنذار المنذر باعتباره خبراً حدسيّاً إذ انَّ الإنذار يستوجب صياغة الخبر باسلوب وعظي مؤثر ، وهذا ما يعني انّ المنذر حينما يتلقى الخبر لا يُلقيه كما هو بل يعرضه على فهمه وعلى المقدّمات المتناسبة مع مستوى إدراكه ثمّ يستنتج من الخبر وبضمه إلى المقدمات المُدرَكه نتائج يصوغها باسلوب مؤثر ، وإذا كان هذا هو معنى الإنذار فالحجيّة الثابتة له أجنبيّة عن محلِّ البحث ، إذ انّ المبحوث عنه هو حجيّة خبر الثقة الحسِّي ، والحجيّة الثابتة في المقام انَّما هي للخبر الحدسي .
ومنها : قوله تعالى ] إنَّ الذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات والهدى من بعد ما بينّاه للناس في الكتاب اولئك يلعنهم اللهُ ويلعنهم اللاّعنون  [() .
والإستدلال بالآية الكريمة على حجيّة خبر الثقة يتم بواسطة الملازمة العقلائيّة بين إطلاق حرمة الكتمان المستفاد من الآية الكريمة وبين القبول من المتلقي للخبر عند امتثال العالم حرمة الكتمان .
وبيان ذلك : انَّ المستفاد من الآية الكريمة هو حرمة كتمان الحق والهدى بنحو مطلق سواء كان بيان الحقّ موجباً للعلم عند المتلقي للخبر أو غير موجب للعلم وإذا كان كذلك فإمَّا أن يجب القبول والتعويل على ذلك البيان أو لا يصح التعويل والقبول في حالة عدم حصول العلم ، والثاني باطل فيتعيّن الاول .
أمَّا بطلان الثاني وهو عدم صحّة القبول في ظرف عدم العلم فلأنّه يلزم منه محذور لا يلتزم به العقلاء وهو لغويّة حرمة الكتمان ووجوب البيان في حالة عدم ترتُّب العلم على البيان إذ من العبثية بمكان أن يجب البيان ومع ذلك لا يترتَّب عليه أثر . ومن هنا يتعيّن الأول وهو وجوب القبول عند عدم الكتمان وبيان العالم ماعنده من البيِّنات والهدى ، وبهذا يثبت المطلوب ، إذْ انّ وجوب القبول في ظرف عدم إقتضاء البيان للعلم معنىً آخر للحجيّة .

الإشكال على الإستدلال بالآية الكريمة :
وقد اُورد على الإستدلال بالآية الكريمة بإيرادين :
الإيراد الأوّل :
إن المراد من الكتمان هو إخفاء الحقائق في مورد يكون بيانها موجباً لتجلِّيها واتِّضاحها عند المخاطب ، أمَّا في الموارد التي لا يكون البيان كاشفاً عن الحقائق بنحو العلم ، وذلك لإنتفاء المبرِّرات المساعدة على إتِّضاح الرؤية بشكل تامّ للمخاطب فلا يُسمَّى عدم البيان ـ في مثل هذه الحالات ـ كتماناً فيكون خارجاً موضوعاً عن الحرمة ، وذلك لأنَّ موضوع الحرمة هو الكتمان ولا كتمان في مورد عدم ترتّب العلم على البيان .
الإيراد الثاني :
لو تنزّلنا وقلنا انَّ السكوت عن بيان الحقائق في موارد عدم ترتُّب العلم يُعدُّ كتماناً إلاّ انّ ذلك لا يلزم منه حجيّة خبر الواحد الغير الموجب للعلم ، وذلك لإحتمال أن يكون الدافع من تحريم الكتمان بنحو مطلق هو تحفُّظ المولى على غرضه من عدم الكتمان في موارد ترتُّب العلم ، ولمَّا كان من الصعب تشخيص الموارد التي يترتَّب عن البيان فيها العلمُ والتي لا يترتَّب عنه العلم ، وذلك لانَّ موارد ترتُّب العلم عن البيان لا تخضع لضوابط محدَّدة بل أنها ترتبط بقرائن خاصة قد لا يُحسن تشخيصها كلُّ أحد وهي تختلف من ظرف لآخر ، وهذا ما قد يُوجب تفويت غرض المولى في حالات كثيرة ، ومن هنا احتاط المولى لغرضه فحرَّم الكتمان مطلقاً ، وبهذا ينحفظ غرض المولى وهو عدم كتمان الحقائق في موارد ترتّب العلم .
وبهذا تنتفي الملازمة المذكورة في تقريب الإستدلال بين حرمة الكتمان مطلقاً وبين الحجيّة لخبر الواحد ، وذلك لانَّ قوام الملازمة المذكورة هو لزوم اللغويَّة من تحريم الكتمان مطلقاً لو لم نقل بلزوم القبول ، وهذه الملازمة لا تتمّ مع هذا الإحتمال إذ انَّه لا لغويَّة لو كان الغرض من إطلاق حرمة الكتمان هو احتياط المولى لأغراضه وتحفُّظه عليها إذ من القريب جداً أن يجعل المولى موضوع حكمه أوسع من مقدار الغرض وذلك بدافع التحفُّظ على ذلك الغرض .
ومنها : قوله تعالى ] وما أرسلنا من قبلك إلاّ رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون [() .
ودلالة الآية الكريمة على حجيّة خبر الثقة مستفاد من الملازمة العقلائيّة العرفيّة بين إطلاق الأمر بالسؤال ، وبين قبول الجواب وترتيب الأثر عليه ، وإلاّ فوجوب السؤال دون أن يصح التعويل على جوابه لغوٌ لا يصدر من الحكيم . وبتعبير آخر : إنّ إطلاق إيجاب الأمر بالسؤال عند عدم العلم يقتضي عقلائياً لزوم ترتيب الأثر على جواب ذلك السؤال وإلاّ فأيُّ فائدة تستوجب الأمر بالسؤال في موارد عدم ترتُّب العلم من الجواب لولا أنّ الشارع جعل الحجيّة تعبداً في حالات عدم ترتُّب العلم من الجواب .
وبهذا تثبت الحجيّة لجواب العالم حتى لو لم يحصل من جوابه العلم ، ومع إلغاء خصوصيّة وقوع الخبر موقع الجواب تثبت الحجيّة لمطلق خبر الثقة ولو كان ابتدائياً .

الإشكال على الإستدلال بالآية الكريمة :
والإيرادات السابقة التي أوردت على الإستدلال بآية الكتمان صالحة للورود على الإستدلال بهذا الآية الكريمة ، وتختص هذه الآية الكريمة بإيرادات اخرى :
الإيراد الأوّل :
انَّ المتفاهم العرفي من الأمر بالسؤال في الآية الكريمة انّه نحو احتجاج على المنكرين للرسالة وانّه إرشاد لوسيلة من وسائل التعرّف على حقّانيّة نبوة النبي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وذلك لانَّ الخطاب بالأمر بالسؤال انَّما هو متوجّه إلى المنكرين للرسالة والمشكّكين في صوابيتها ، وهذا ما يقتضي كون الأمر بالسؤال سيق لغرض التنبيه والإرشاد إذ أنَّ الرجوع إلى أهل الذكر يُوجب خصم المنكرين واتِّضاح الرؤية للمشكّكين .
وهذا هو المناسب لمساق الآية الكريمة إذ انَّ المخاطب فيها ـ كما قلنا ـ هم المنكرون والمرتابون وليس من المعقول أن يحتج عليهم بجواب أهل الذكر إذا لم يكن جوابهم مفيداً للعلم ، إذ أنَّ الإحتجاج بغير العلم يحتاج إلى جعل شرعي والمخاطب في الآية لمّا لم يكن متعبداً بالمجعولات الشرعيّة فهذا ما يكشف عن أنَّ المولى لم يكن بصدد بعث المخاطب مولوياً ، وإذا لم يكن الأمر في الآية مولويّاً فلا كاشفيّة له عن حجيّة الجواب إذا لم يُفد العلم ، إذ انّ ذلك يحتاج إلى جعل شرعي تعبدي وهذا ما يقتضي كون الخطاب صادراً عن المولى بما هو شارع ، وهو خُلْف ما استظهرناه من الآية وانَّ المولى في مقام التنبيه والإرشاد .
الإيراد الثاني :
انَّ الفاء التي وقع الأمر مدخولا لها مفيدة لتفرُّع الأمر بالسؤال على المتفرّع عنه وهو الكلام الذي سبق الفاء . وهذا ما يقتضي اختصاص متعلَّق السؤال ـ المأمور به ـ بمورد المتفرّع عنه ، فليس كل ما لا يُعلم يجب السؤال عنه بل الذي يجب السؤال عنه هو ما تفرَّع الأمر بالسؤال عليه ، ولمّا كان المتفرّع عليه الأمر هو إرسال الله عزّ وجلّ للرسل بواسطة الوحي إليهم يكون مساق الآية هكذا « انّ الله أرسل الرسل بواسطة الوحي إليهم فإذا لم تصدقوا بذلك فاسئلوا أهل الذكر » فمتعلق الأمر بالسؤال ليس فيه إطلاق ، وعليه لا تكون الآية الكريمة دالَّة على وجوب السؤال عن كل ماهو غير معلوم لكي يُستكشف بالملازمة العقلائيّة العرفيّة وجوب القبول .
الإيراد الثالث :
انّه قد اتضح ممّا تقدّم انَّ الآية الكريمة ترتبط باصول الدين ، ولا إشكال في عدم حجيّة خبر الواحد فيما يرتبط باصول الدين .
الإيراد الرابع :
انَّ من المحتمل قريباً ان المراد من أهل الذكر هم علماء اليهود والنصارى وإذا تمّ هذا الإحتتمال فالإستدلال بالآية على حجيّة خبر الثقة ساقط إذ انَّ الآية ـ بناءً على هذا الإحتمال ـ تكون أجنبيّة عن محلِّ البحث ، نعم لو كان المراد من أهل الذكر هم أهل العلم والرواية لأمكن تتميم الإستدلال بالآية الكريمة إلاّ أنّه لمّا كان الإحتمال الأول قريباً فإنّه يُوجب إجمال المراد من أهل الذكر . وبهذا لا تكون الآية صالحة للإستدلال بها على حجيّة خبر الثقة .

وأمَّا السنَّة الشريفة :
والإستدلال بها على حجيّة خبر الواحد لابدَّ أنْ لا يتم بواسطة خبر الواحد إذ يلزم من ذلك الدور المستحيل إذ انَّ الإستدلال على حجيّة خبر الواحد بخبر الواحد يعني توقف الشيء على نفسه .
ومن هنا لابدَّ من التوسُّل لإثبات الحجيّة لخبر الواحد بالسنَّة الشريفة بوسائل اخرى لا يلزم منها محذور الدور .
وقد استدلّ المصنِّف على حجيّة خبر الثقة بالسنّة الشريفة بدليلين :
الدليل الأول : التواتر :
وتقريب الإستدلال به هو انّه قد تكثَّرت الروايات التي يمكن اقتناص الحجيّة منها لخبر الواحد ، فهي وإن لم ترد بلسان واحد ومضمون واحد ولم تكن مسوقة لغرض واحد إلاّ انه يمكن استفادة جعل الحجيّة للخبر من مجموعها . ومن هنا يكون التواتر المدَّعى تحقّقه في المقام هو التواتر الإجمالي والذي يقتضي التمسُّك بالمقدار المشترك من مضامين هذه الروايات إذ أنّ المقدار المختص برواية أو روايتين لا يشكّل تواتراً وبهذا يكون الإعتماد عليه في إثبات الحجيّة اعتماداً على خبر الواحد الذي نبحث عن حجيَّته . ولهذا لو وردت بعض الروايات على حجيَّة خبر الواحد بنحو مطلق ودلّت روايات اخرى على حجيّة خبر الثقة ودلّت طائفة ثالثة من الروايات على حجيّة خبر الإمامي وروايات اخرى على حجيّة خبر العدل فإنَّ المقدار المشترك من مجموع هذه الروايات هو خبر الإمامي العدل ، فهذا هو الذي تثبت له الحجيّة بواسطة ما يشكِّله مجموع هذه الروايات من تواتر إجمالي .
وقلنا القدر المشترك ولم نقل القدر المتيقّن باعتبار انَّ القدر المشترك قد يفترق عن القدر المتيقّن وبهذا تثبت الحجيّة لما هو أوسع من القدر المتيقّن كما لو كان القدر المشترك من مجموع الروايات هو خبر الثقة كأن لم يكن هناك ما يثبت اختصاص الحجيّة بخبر العدل الإمامي أو كان المقدار الذي يمكن اقتناص حجيّة خبر الثقة منه يشكِّل تواتراً إجمالياً فإنَّ الحجيّة حينئذ تكون ثابتة لما هو أوسع من القدر المتيقّن .
الدليل الثاني : السيرة :
إنعقاد السيرة على العمل بخبر الثقة ، وبيان ذلك : انّه إذا أردنا أن نستدلّ بالسيرة على حجيَّة خبر الثقة فلابدَّ أولا من إثبات معاصرتها للمعصوم (عليه السلام) ، وإذا كانت السيرة من سنخ السير العقلائيّة فدليليتها منوطة بإمضاء الشارع لها ، وهذا ما يحتاج إلى إثبات أيضاً ، ومن هنا يتّجه البحث أولا عن أنَّ هذه السيرة المدعاة هل معاصرة للمعصوم (عليه السلام) أو لا ؟
ويمكن إثبات معاصرتها بهذا البيان :
وهو انّ من المقطوع به إطلاع المتشرّعة المعاصرين للمعصوم على روايات كثيرة جداً لا تكون موجبة للعلم بمؤددّاها أو الإطمئنان الشخصي من كلِّ واحد من المتشرّعة بها ، بل انَّ هذا النحو من الروايات يُمثِّل الجزء الأكبر ممّا يصل عن أهل البيت (عليهم السلام) ، وذلك لشحّة الوسائل الموجبة لتحصيل العلم آنذاك ، وغالباً ما يُبيِّين الإمام (عليه السلام) الأحكام الشرعيَّة في مجالس خاصة .
ومع الإذعان بهذه المقدمة يقع التساءل عما هو الموقف العملي للمتشرّعة تجاه هذه الروايات والّتي ترتبط بهم أشد إرتباط باعتبارهم متشرّعة ، فهل انَّ سيرتهم جارية على العمل بمثل هذه الروايات أو انّ الموقف تجاه هذه الروايات كان التوقُّف وعدم العمل مالم يحصل العلم بمؤدّاها .
الظّاهر هو الأول ، وذلك لانَّ الثاني يلزم منه ماهو منفي بالوجدان ، إذ لو كان سلوكهم جارياً على عدم العمل بمثل هذه الروايات لكان ذلك ناشئاً إمَّا عن الردع من أهل البيت (عليهم السلام) عن العمل بمثل هذه الروايات ابتداءً وامّا أن يكون ذلك ناشئاً عن أجوبة الإستفسارات الواردة عن المتشرّعة ، وذلك لمسيس الحاجة للتعرُّف على موقف الشارع من هذه الروايات والتي ـ كما قلنا ـ تمثّل الجزء الأكبر ممّا يصل عن أهل البيت (عليهم السلام) ، والذي يعزِّز ذلك انَّ عدم العمل بمثل هذه الروايات يُنافي ماهو مرتكز في جبلَّة المتشرعة بما هم عقلاء إذ انّ سيرة العقلاء جارية على العمل بأخبار الثقات والتي لا تُورث العلم بمطابقة مضمونها للواقع .
وكيف كان فلو انَّ الموقف من هذه الروايات هو عدم العمل بها لوصلتنا ـ ولو بمستوىً محدود ـ البيانات الصادرة عن أهل البيت (عليهم السلام)لغرض الردع عنها أو وصلتنا مجموعة من الأسئلة والأجوبة المتضمّنة للردع في حين انّنا لا نجد من ذلك عيناً ولا أثراً ولو كان شيء من هذا القبيل موجوداً لبلغنا ولو الشيء اليسير منه خصوصاً وأنَّ هذه المسألة على درجة كبيرة من الأهميَّة وليس هناك ما يُبرِّر الإختفاء لو كان ، وإذا كان الواصل هو ما يؤكد الحجيَّة أو يدلُّ عليها فهذا موهن آخر للإحتمال الثاني .
وبهذا يثبت انَّ السيرة الجارية آنذاك للمتشرّعة هي عين ما عليه الآن من العمل بأخبار الثقات .
وما ذكرناه يصلح لإثبات معاصرة السيرة العقلائيّة لللمعصوم (عليه السلام)على العمل بأخبار الثقات لو كانت السير العقلائيّة الفعليّة جارية على العمل بأخبار الثقات وأردنا إثبات إمتدادها لزمن المعصوم (عليه السلام) ، غاية مافي الأمر انّنا نحتاج لإثبات دليليَّة السيرة العقلائيّة على الحجيَّة الى أمر آخر وهو الإمضاء في حين انَّ دليليّة السيرة المتشرعيّة لا تتوقّف على إثبات الإمضاء .
وإذا أردنا في المقام ان نُثبت الإمضاء للسيرة العقلائيّة فإنَّه يمكن استكشاف ذلك من عدم الردع إذ انّ الردع الذي نحتاجه لإلغاء مثل هذه السيرة لابدَّ أن يكون ردعاً مركَّزاً ومكثفاً إذ انَّ ذلك هو مقتضى ترسُّخ هذه السيرة وتجذرها وهو المناسب لأهميّتها وخطورتها لو كانت منافية لأغراض الشارع المقدَّس ، وهذا ما يقتضي وصول شيء من ذلك الردع إذ من المستبعد جداً صدور الردع بالنحو المناسب لمستوى تأصُّل هذه السيرة ولا يصل شيء من ذلك الردع إلينا رغم عدم وجود ما يقتضي خفاء الردع لو كان ، ممّا يؤكّد عدم وجود الردع .
ومن هنا يُستكشف الإمضاء .

الأدلّة التي استُدلّ بها على الردع :
أولا : الآيات الناهية عن العمل بالظنّ ، فإنَّه يمكن ان يدعى كفاية الإعتماد عليها في الردع عن مثل هذه السيرة دون الحاجة لانْ يُفرَد لها ردعاً خاصاً إذ انَّ مقتضى إطلاق النهي عن العمل بالظن هو انّ الشارع لم يجعل الحجيّة لمطلق الظنّ والذي منه السيرة ، إذ انّها لا تكشف عن الحكم الواقعي كشفاً قطعيّاً .
ثانياً : التمسُّك بإطلاق الأدلّة التي دلَّت على جريان البراءة في موارد عدم العلم ، ومن الواضح انَّ خبر الثقة لا يُورث العلم بمؤدّاه .
ومن هنا تكون أدلّة البراءة صالحة للردع عن العمل بأخبار الثقات .
والجواب :
إلاّ انه يمكن الجواب على دعوى رادعيّة هذين الأمرين للسيرة بما حاصله :
انّه قد ثبت ممّا تقدم معاصرة السيرة المتشرعيَّة ـ على العمل بأخبار الثقات ـ للمعصوم (عليه السلام) ، فإذا كان ما ذُكر رادعاً رغم انعقاد السيرة المتشرعيّة على العمل وعدم الجري على ماهو مقتضى دعوى الردع فهذا ما يُوجب إنقداح مجموعة من الإحتمالات :
الإحتمال الأول : انّ المتشرعة كانوا ملتفتين إلى انّ هذه الآيات وكذلك أدلّة البراءة صادرة لغرض الردع عن مثل هذه السيرة إلاّ انّهم عصوا واستمرَّوا على العمل بأخبار الثقات .
الإحتمال الثاني : انَّ المتشرّعة لم يكونوا ملتفتين إلى صلاحية هذه الآيات وأدلّة البراءة إلى الردع عن السيرة وهذا سرُّ إستمرارهم على العمل بأخبار الثقات .
الإحتمال الثالث : انَّ هذه الأدلّة ليست بصدد الردع عن السيرة واقعاً  .
أمّا الإحتمال الأوّل فمستبعدٌ جدّاً ، وذلك لافتراضهم متشرعة وانهم يجرون على وفق ما تقتضيه أحكام الشريعة وافتراض المعصية في حقّهم خُلْف الفرض إذ انّهم حينما يخرجون عن سلك الطاعة فمعناه انسلاخهم عن عنوان المتشرّعة وقد افترضنا انَّ السيرة المنعقدة في زمن المعصوم (عليه السلام)كانت سيرة متشرّعيّة .
وبهذا يتعيَّن الاحتمال الثاني أو الثالث وكلاهما يصبَّان في صالح النافين للردع إذ انّ الاحتمال الثاني لو كان هو المتعيّن لكان ذلك يقتضي انَّ الردع لم يكن متناسباً مع حجم السيرة وإلاّ لما غفل عنه المتشرّعة رغم حرصهم على التعرّف على كلّ ما يصدر عن الشارع خصوصاً في مثل هذه الموارد التي تبلغ من الأهميّة درجة لا يُتعقّل معها غفلة المتشرّعة عن موقف الشريعة .
وأمّا الإحتمال الثالث فيثبت به المطلوب وهو انّ هذه الأدلّة ليست رادعة واقعاً عن هذه السيرة .

أدلّة نفي الحجيّة :
ويمكن أن يُستدل على عدم حجيّة أخبار الثقات بالكتاب العزيز والسنّة الشريفة :
أمّا الكتاب العزيز :
فمثل قوله تعالى : ] ولا تقفُ ماليس لك به علم [() حيث نهت هذه الآية الكريمة عن العمل بكلِّ ماهو غير علمي والذي منه خبر الواحد .
والجواب عن الإستدلال بهذه الآية الكريمة انّ هذه الآية دلَّت على النهي عن العمل بالظنّ بنحو الإطلاق ، والأدلّة التي استُدل بها على حجيَّة خبر الثقة صالحة لتقييد هذا الإطلاق بمقتضى قاعدة حمل المطلق على المقيد .
وتقييد هذا الإطلاق إمَّا أن يكون بالأدلّة اللفظيّة الدالّة على حجيّة خبر الثقة مثل الآيات أو الروايات المتواترة . وإمَّا بالدليل اللبي وهو السيرة بعد ان لم تكن هذه الآيات صالحة للردع عنها كما اتضح مما ذكرناه سابقاً .
وأمّا السنّة الشريفة :
فقد ذكر المصنِّف (رحمه الله) طائفتين من الروايات التي يمكن أن يُستدل بها على نفي الحجيّة عن خبر الثقة :
أمّا الطائفة الاولى : فهي الروايات التي دلَّت عدم حجيّة الأخبار التي لا تورث العلم .
منها : ما رواه محمّد بن إدريس في آخر السرائر نقلا عن كتاب مسائل الرجال لعلي بن محمّد (عليه السلام) انّ محمّد بن علي بن عيسى كتب إليه يسأله عن العلم المنقول إلينا عن آبائك وأجدادك (عليهم السلام) قد اختلف علينا فيه ، فكيف العمل به على اختلافه ؟ أو الرد إليك فيما اختلف فيه ؟ فكتب (عليه السلام) « ما علمتم انّه قولنا فالزموه ومالم تعلموا فردُّوه إلينا »() .
والذي يرد على هذه الطائفة :
أوّلا : انّها ساقطة عن الإعتبار لضعف سندها ، فالرواية التي ذكرناها مثلا نقلها الشيخ ابن ادريس (رحمه الله) عن كتاب مسائل الرجال المنسوب إلى محمّد بن علي بن عيسى وهذا الرجل لم يُذكر له توثيق ، نعم ذكر النجاشي انّه كان وجهاً بقم وأميراً عليها من قِبل السلطان ، وهذا لا يُعبِّر عن وثاقة الرجل ، كما انّ طريق الشيخ ابن ادريس للكتاب مجهول حيث انَّ جميع الكتب التي نقل عنها في آخر كتابه السرائر لم يذكر طرقه اليها ، وبهذا تكون جميعها ساقطة عن الإعتبار لمجهولية الطرق التي اعتمد عليها للوصول إلى هذه الكتب ، فهو وإن كان يذهب إلى عدم حجيّة أخبار الآحاد مما يُشعر بأن كل الروايات التي استطرفها في آخر كتابه السرائر كانت متواترة إلاّ انّه لا سبيل الى إثبات ذلك بعد إحتمال اعتماده في الوثوق بالروايات التي نقلها على قرائن تُوجب بنظره الوثوق بصدور هذه الروايات ، وهي ليست حجة على غيره ، كما انَّها لو كانت متواترة فهي متواترة بنظره إذ انّ تحديد مناط التواتر أمرٌ حدسي تتفاوت فيه أنظار العلماء إن لم يكن كبروياً فصغروياً ، ثم انّه من البعيد أن يكون الشيخ ابن إدريس وقف على طرق تبلغ حدَّ التواتر لكتاب مسائل الرجال ، فإنَّ الطرق التي وصلتنا لهذا الكتاب هي طريق النجاشي وهو ضعيف وطريق الشيخ الطوسي (رحمه الله) وهو ضعيف أيضاً ، وكذلك طريق الشيخ الصدوق (رحمه الله)والذي عرفناه بواسطة الشيخ الطوسي وهو ضعيف أيضاً .
وثانياً : انَّها أخبار آحاد ظنية لا تُورث العلم ، فما الفرق بينها وبين ما نبحث عن حجيّته ، فهي إذن ليست حجّة في نفي الحجيّة عن خبر الثقة ، وذلك لانّ حجيّتها تقتضي نفي الحجيّة عن نفسها إذ انّها تنفي الحجيّة عن شيء هي مشمولة له ، ففي الوقت التي تنفي الحجيّة عن الخبر الظنّي لا تعدو هي عن أن تكون خبراً ظنيّاً فلو تمَّت حجيّتها في نفي الحجيّة فهي تنفي حجيّة نفسها ، فكلُّ شيء يلزم من حجيّته نفي الحجيّة عن نفسه يستحيل الإستدلال به على نفي الحجيّة إذ ان كلّ شيء يلزم من وجوده عدمه فهو مستحيل .
وأمّا الطائفة الثانية : فهي الروايات الدالَّة على حرمة العمل بالخبر الذي لا شاهد عليه من كتاب الله عزّ وجلّ أي انَّ كلَّ خبر لا يكون مضمونه موافقاً لما في الكتاب العزيز بأن كان الكتاب ساكتاً عن ذلك المضمون فهذا الخبر لا يجوز التعويل عليه والعمل بمؤدّاه .
ومن هذه الروايات ما رُوي عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال : إذا جاءكم عنّا حديث فوجدتم عليه شاهداً أو شاهدين من كتاب الله فخذوا به وإلاّ فقفوا عنده ثم ردوه إلينا حتى يستبين لكم »().
والجواب عن هذه الطائفة هو انَّ دلالتها على نفي الحجيّة ـ عن الخبر الذي لا شاهد عليه من كتاب الله ـ بالإطلاق فهي تنفي الحجيّة عن الخبر الذي يتصل مضمونه باصول الدين وتنفي بمقتضى اطلاقها الحجيّة عن الخبر الذي يكون مضمونه متصلا بالأحكام . ومن هنا يمكن تقييد إطلاق هذه الروايات بالأدلّة الدالَّة على حجية خبر الثقة في الأحكام .
وبهذا اتَّضح عدم تمامية الأدلّة التي استُدلّ بها على نفي الحجيّة عن خبر الثقة .

تحديد دائرة الحجيَّة :
وبعد أن ثبتت الحجيّة لخبر الواحد في الجملة ، يقع الكلام حول مقدار هذه الحجيّة سعة وضيقاً .
والكلام حول هذا البحث يقع في جهتين :
الاولى : في مقدار الحجيّة من جهة الراوي .
الثانية : في مقدارها من جهة المضمون .
أمّا الجهة الاولى : فلو كان دليل الحجيّة هو آية النبأ فهذا يقتضي تضيق دائرة الحجيّة واختصاصها بخبر العدل ، إذ انّ هذا هو المقدار الذي يمكن أن يُستفاد من المفهوم في آية النبأ كما اتّضح ممّا تقدّم .
أمّا لو كان المثبت للحجيَّة هو الروايات والسيرة فدائرة الحجيّة تكون أوسع ، إذ انّ مقتضاها هو أنّ الحجيَّة ثابتة لمطلق خبر الثقة ولو كان فاسقاً أي انه يكفي في الإعتماد على الخبر أن يكون المخبِر متحرِّزاً عن الكذب ولو لم يكن متحرِّزاً عن إرتكاب المعصية .
وهذا هو الذي استقرَّ عليه معظم الأعلام ( رضوان الله عليهم ) إلاَّ انه وقع الكلام بينهم في انّ وثاقة الراوي هل هي معتبرة بنفسها بحيث يكون المناط في حجيَّة الخبر هو وثاقة الراوي سواء أفاد خبره الوثوق او لم يُفده أو انّ الحجيّة الثابتة لخبر الثقة باعتبار أنَّ الوثاقة غالباً ما تكون موجبة للوثوق والاطمئنان بصدور الخبر ، ولهذا لو لم يحصل الوثوق بالصدور لوجود ما يُوجب وهن الخبر والتشكيك في صدوره فإنّ ذلك يوجب سقوطه عن الإعتبار وان كان راوية ثقة .
والمبنى الأول يعني أنّ وثاقة الراوي اُخذت بنحو الموضوعيّة أي انَّ وثاقة الراوي لمَّا كانت موضوعاً للحجيّة فمتى ما تحقق الموضوع ترتبت عليه الحجيّة .
والمبنى الثاني يعني أنَّ وثاقة الراوي اُخذت بنحو الطريقيّة أي أنَّ وثاقة الراوي لمّا كانت من أهم وسائل الوثوق فإنّ ذلك يبرِّر جعل الحجيّة لها ، وإلاّ فموضوع الحجيّة ـ على هذا المبنى ـ هو الوثوق ، ووثاقة الراوي ماهي إلاّ طريق من طرق تنقيح موضوع الحجيّة ، ففي كل مورد لا تكون وثاقة الراوي طريقاً للوثوق فهذا يقتضي عدم ثبوت الحجيّة للخبر .
والثمرة المترتبة على المبنيين انّه بناء على موضوعيّة وثاقة الراوي تكون الحجيّة ثابتة بمجرَّد إحراز الوثاقة دون الحاجة إلى ملاحظة الحيثيات الأخرى التي قد تُساهم في التشكيك في صدور الخبر كما لو أعرض مشهور القدماء عن خبر ولم يعملوا به وأحرزنا بطريقة واخرى أن ذلك الإعراض لم يكن ناشئاً عن حدس يتّصل مثلا بمضمون الخبر بأن كانوا يرونه مجملا أو انَّ فيه اشكالا جهتياً أو أنَّه معارض بما هو راجح عليه وهكذا .
وأمّا بناء على طريقيّة الوثاقة فإنّ ذلك يقتضي عدم ثبوت الحجيّة إلاّ أن يحصل الوثوق بالصدور ولهذا يكون الإعراض من القدماء موجباً لسقوط خبر الثقة عن الإعتبار والحجيّة .
ومن هنا ينجرُّ البحث إلى الخبر الذي لا يكون راويه ثقة ، وهذا النحو من الأخبار له حالتان إذ قد يكون مكتنفاً بقرائن موجبة للظن بصدوره ، وقد يكون مجرَّداً عن كلِّ قرينة موجبة للظن بالصدور .
أمَّا الحالة الثانية فالخبر فيها ساقط عن الإعتبار والحجيّة من غير فرق بين مبنى موضوعيّة الوثاقة أو طريقيّتها ، وذلك لانَّه إذا كان المبنى هو موضوعيّة وثاقة الراوي للحجيّة فهو مفروض العدم وإن كان المبنى هو طريقيّة وثاقة الراوي لموضوع الحجيَّة ـ والذي هو الوثوق ـ فكذلك لا تكون مثل هذه الأخبار متوفِّرة على موضوع الحجيّة إذ انَّه لا وثوق بعد ان لم يكن الراوي للخبر ثقة ولا انّ الخبر محتفٌّ بما يُوجب الوثوق بصدوره إذ انَّ الفرض في هذه الحالة هو تجرُّد الخبر عن كل قرينة .
وأمّا الحالة الاولى فتارة تكون القرائن المحتفَّة بالخبر موجبة للاطمئنان الشخصي بالخبر من قبل المطَّلع عليها وعلى الخبر ، وهنا تثبت الحجيّة للخبر بواسطة الإطمئنان ، وذلك لحجيَّة الإطمئنان كما ثبت في محلِّه .
وتارة لا تُحقق القرائن اطمئناناً شخصياً للمطلع عليها وفي حالة من هذا القبيل تكون الحجيّة منوطة بما هو المبنى في موضوع الحجيَّة لخبر الثقة  ، فإن كان البناء هو انَّ موضوع الحجيّة هو وثاقة الراوي على نحو يكون هو المناط الوحيد في ترتُّب الحجيّة بحيث لا يُعتبر معها شيء آخر ـ وهذا ما يُعبَّر عنه بأخذ الوثاقة في الحجيّة بنحو الموضوعيّة ـ فهذا يقتضي عدم حجيّة الخبر الذي لا يكون راوية ثقة وإن كان الخبر مشتملا على ما يُوجب الوثوق النوعي بصدوره ، إذ انّ ذلك لا يكفي في ثبوت الحجيّة لمثل هذا الخبر بعد افتراض انتفاء موضوعها .
وإن كان البناء هو ان موضوع الحجيّة هو الوثاقة والوثوق معاً بحيث يكون المعتبر في ترتُّب الحجيّة على الخبر هو وثاقة الراوي وفعليّة الوثوق .
وبتعبير آخر إن الوثاقة لمَّا كانت طريقاً غالبياً للوثوق فهذا يقتضي اتّفاق عدم تحقّق الوثوق في بعض الحالات ، والمعتبر في ثبوت الحجيّة للخبر هو تحقّق الأمرين ، الوثاقة والتي هي السبب والوثوق والذي هو المسبب ، وتحقق الوثاقة دون الوثوق أو تحقّق الوثوق بسبب آخر غير الوثاقة يعني عدم تحقّق تمام الموضوع للحجيَّة .
ومن هنا يتضح عدم ثبوت الحجيّة للخبر الذي لا يكون راوية ثقة بناءً على هذا المبنى أيضاً وإن كان محتفَّاً بما يوجب الوثوق بصدوره ، وذلك لاختلال أحد جزئي موضوع الحجيّة ـ على هذا المبنى ـ فهو وإن كان موثوقاً بصدوره إلاّ انّه لمّا كان الوثوق مسبباً عن غير الوثاقة فهذا يقتضي انتفاء ماهو دخيل في موضوع الحجيَّة وبذلك لا تثبت الحجيَّة .
أما إذا كان البناء هو ان موضوع الحجيّة هو الوثوق فحسب . والوثاقة المعتبرة في الحجيَّة انما هي طريق وليس لها أيُّ موضوعيّة فهذا يقتضي الحجيَّة للخبر المحتف بقرائن موجبة للوثوق بصدوره وإن كان راوية غير ثقة ، وذلك لانَّ وثاقة الراوي اُخذت في موضوع الحجيّة بنحو الطريقيّة المحضة باعتبارها وسيلة غالبية لتحقّق الوثوق ، فإذا اتّفق ان حصل الوثوق بموجب آخر فقد تحقّق موضوع الحجيَّة .
وهذه المباني الثلاثة هي منشأ الخلاف بين الأعلام في جابرية الشهرة العمليّة للخبر الضعيف وعدم جابريتها بعد الفراغ صغروياً عن انّ شهرة العمل بالرواية الضعيفة من القدماء قرينة موجبة للوثوق بالصدور .
أمّا الجهة الثانية : ـ في مقدار الحجيّة من جهة المضمون ـ فإن الحجيّة لا تثبت لمطلق الخبر أيّاً كان مضمونه إذ انَّ أدلّة الحجيّة لا تتّسع لذلك ، فهي لا تشمل الخبر الحدسي ، كما انَّها لا تشمل الخبر الحسِّي الذي يكون مضمونه مخالفاً لكتاب الله عزّ وجلّ أو السنّة القطعية .
أمّا عدم شمول الحجيّة للأخبار الحدسيّة فيُعرف من خلال ملاحظة الأدلّة التي استُدلّ بها على حجيّة خبر الثقة مثل آية النبأ إذ النبأ هو موضوع الحجيَّة في الآية الكريمة ، وهو غير صادق على الخبر الحدسي المستفاد بواسطة الاجتهاد والنظر ، وكذلك في الروايات والسيرة فإنّ موضوعها جميعاً هو الخبر الحسِّي .
وأمَّا عدم شمول الحجيّة للاخبار المخالفة لكتاب الله والسنّة فمنشأوه تكثُّر الروايات الدالّة على عدم حجيّة ما خالف كتاب الله وسنة نبيّه  (صلى الله عليه وآله وسلم)  . ومن الواضح انّ النسبة بين أدلّه الحجيَّة وبين هذه الروايات هي نسبة الإطلاق والتقييد ، وبمقتضى قاعدة حمل المطلق على المقيّد نقيِّد أدلّة الحجيّة بهذه الروايات النافية للحجيَّة عن قسم خاص من الأخبار وهي المخالفة للكتاب والسنة القطعيّة .
 


قاعدة التسامح في أدلّة السنن
 

والمراد من هذه القاعدة هو انَّ ما يُعتبر في ثبوت الحجيّة للخبر من وثاقة الراوي أو احتفاف الخبر بما يُوجب الوثوق بصدوره غير معتبر في الاخبار المتضمّنة للمستحبات وكذلك المكروهات ـ على قول ـ ، فالمراد من التسامح هو التساهل وعدم متابعة السند للتعرّف على وثاقة الواقعين في سلسلته أو عدم وثاقتهم وكذلك التساهل في تحصيل القرائن الموجبة للوثوق .
والمراد من أدلَّة السنن هي الروايات الواردة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل البيت (عليهم السلام) والمتصديَّة لبيان المستحبات والمكروهات .
ومدرك هذه القاعددة مجموعة من الروايات وفيها ماهو معتبر سنداً كمعتبرة هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال « من سمع شيئاً من الثواب على شيء فصنعه كان له أجره وإن لم يكن على ما بلغه »() ، وهذه الروايات يُعبَّر عنها بروايات من بلغ ومفادها كما اتّضح من معتبرة هشام ان كلّ من بلغه انَّ الفعل الكذائي يترتّب على الإتيان به الثواب ففعله فإنَّ له ذلك الثواب وإن كان ما بلغه لا يُطابق الواقع .
وتقريب الإستدلال بروايات من بلغ على القاعدة انَّ هذه الروايات تُصحِّح العمل بكلِّ رواية متضمّنة لحكم استحبابي . وهذا هو معنى جعل الحجيّه لأخبار السنن أيّاً كان أسنادها ودرجة الوثوق بصدورها .
إلاّ أنَّ الصحيح انَّ روايات ( من بلغ ) غير متعينة في المعنى المذكور ، بل انّها محتملة لمعان يكون المعنى المذكور أحدها . وبيان ذلك :
انّ المعاني المحتملة من روايات « من بلغ » أربعة :
المعنى الأوّل : انَّ روايات « من بلغ » متصدّية لجعل الحجيَّة لمطلق الخبر الواصل اذا كان مضمون الخبر استحباب فعل . وهذه الحجيَّة انما هي مجعولة في ظرف الشك وعدم العلم بمنافاة مضمون الخبر للواقع .
وبهذا يتَّضح انَّ الإستحباب الثابت للخبر بروايات « من بلغ » هو استحباب ظاهري .
المعنى الثاني : أن تكون روايات « من بلغ » متصديّة لبيان حكم واقعي وهو استحباب الفعل الذي بلغ عليه الثواب ، وهذا الحكم الواقعي المُنشأ بواسطة روايات « من بلغ » هو حكم واقعي ثانوي أي انَّ تعنون الفعل بكونه قد بلغ عليه الثواب موجب لاستحباب ذلك الفعل واقعاً وإن كان الفعل في حدِّ نفسه لو لم يبلغ عليه الثواب لما كان مستحباً .
ويمكن تنظير ذلك بالفعل المنذور فإنَّه في حدِّ نفسه لو لم يقع متعلّقاً للنذر لا يكون واجباً ولكن لوقوعه متعلَّقاً للنذر صار واجباً ، فالوجوب الثابت للفعل المنذور وجوب واقعي إلاّ انه ثانوي ، والمراد من الثانوي انَّه لو خلِّي ونفسه لما اقتضى عروض الوجوب عليه ، وكونه واقعياً باعتبار انَّ ثبوت الوجوب له ليس في ظرف الشك في الحكم الواقعي له بل انّ الوجوب ثابت له دون واسطة .
إذن الفعل الذي بلغ عليه الثواب مستحب واقعاً إلا انَّه ثانوي أي انَّه لو خلِّي ونفسه ولم يتعنون بعنوان انه مما بلغ عليه الثواب لما اقتضى عروض الإستحباب عليه ، الاّ انّه لمّا بلغ على فعله الثواب أوجب ذلك عروض الاستحباب عليه واقعاً .
المعنى الثالث : أن تكون روايات « من بلغ » متصدّية للتنبيه والإرشاد الى ما يقتضيه العقل من حسن الإحتياط والتحفُّظ على مرادات المولى جلّ وعلا ، وإن كان كلّ من يفعل ما بلغه انَّه مطلوب للمولى ـ رجاء مطلوبيته واقعاً ـ يكون مستحقّاً لمثوبة المولى جلَّ وعلا .
المعنى الرابع : أن تكون روايات « من بلغ » متصدّية للإخبار والكشف عن وعد إلاهي لعباده وانّه يُثيب على كلّ فعل بلغهم انَّه مطلوب للمولى ، على أن يكون الغرض من هذا الوعد ـ المنكشف بروايات « من بلغ » ـ متعلِّق بنفس الوعد دون انْ يكون للافعال التي بلغ عليها الثواب أيُ مصلحة تقتضي جعل الإستحباب لها ، نعم قد تكون المصلحة من الوعد هو الترغيب في الإحتياط إلاّ انّ ذلك لا يُغيِّر من واقع تلك الأفعال التي يقع عليها الثواب بحيث يثبت لها الإستحباب بسبب البلوغ .
والظاهر من هذه المعاني المحتملة هو المعنى الثالث وهو انّ روايات « من بلغ » متصدّية للتنبيه والإرشاد الى ما يقتضيه الفعل من حسن الإحتياط وترتُّب الثواب عليه ، وذلك لسقوط المعنى الأول والمعنى الثاني .
امّا المعنى الأوّل فلانّه لمّا كان منشأ استظهاره هو انَّ ترتُّب الثواب على الفعل الذي بلغ عليه الثواب كاشف عن أنَّ الشارع قد جعل له الإستحباب ، إذ لا معنى لترتُّب الثواب على فعل إلاّ انَّ الشارع جعل له الإستحباب ، ولو كان هذا الإستظهار تاماً فما معنى ترتُّب الثواب حتى في موارد مخالفة ما بلغ للواقع ، وهذا ما يكشف عن أنّ الثواب ليس ناشئاً عن جعل الإستحباب للفعل الذى بلغ عليه ثواب ومنه يتّضح عدم تصدّي الإمام (عليه السلام) لجعل الحجيّة وإنشاء الإستحباب الظاهري لكل فعل بلغ عليه الثواب ، وذلك لانّ منشأ استظهار هذا الإحتمال فاسد .
وأمَّا المعنى الثاني فليس هناك ما يُبرِّر استظهاره من روايات « من بلغ » فيبقى احتمالا محضاً لا شاهد على إرادته ، نعم قد يُقال انّ ترتُّب الثواب على فعل كاشف عن مطلوبيته للمولى واقعاً وهذا ما يُعيِّن هذا المعنى الثاني ، إلاّ أنَّ هذا القول لا يُصغى اليه بعد ان لم تكن مطلوبية الفعل هي المنشأ الوحيد لترتب الثواب ،إذ انَّ الثواب قد ينشأ عن الإحتياط الذي يحكم العقل بحسنه ، وبهذا يتعيَّن المعنى الثالث ، إلاّ انّه تبقى مشكلة تواجه إستظهار المعنى الثالث من روايات « من بلغ » إذ انَّ ظاهرها انَّ الثواب المترتِّب على العمل بالفعل الذي بلغ عليه الثواب هو مقدار الثواب المذكور في الرواية وهذا ما لا يتكفّل المعنى الثالث لبيانه إذ انّه لا يثبت به أكثر من ترتُّب الثواب أمّا مقداره فليس له تصد لبيانه .
وعلاج هذه المشكلة يستوجب تعديل المعنى الثالث بالمعنى الرابع بأن يُقال انّ روايات « من بلغ » وإن كان ظاهرها الإرشاد لما يحكم به العقل من حسن الإحتياط إلاّ انّها متضمّنة لوعد إلاهي بترتُّب نفس الثواب الموعود به .
 


إثبات حجيّة الدلالة في الدليل الشرعي
 


1 ـ تمهيد
2 ـ حجية الظهور
3 ـ موضوع الحجيّة
4 ـ ظواهر الكتاب الكريم


 

تمهيد
 


ويقع الكلام فيه عن أنحاء الدلالة للدليل الشرعي ، والنتائج المترتّبة على التفاوت في أنحاء الدلالة :
النحو الأوّل : أن تكون دلالة الدليل الشرعي على الحكم الشرعي دلالة بيِّنة لا يشوبها شيء من الغموض والشكّ بحيث يحصل اليقين أو الإطمئنان بتطابق المستفاد من الدليل مع ماهو المراد جداً للشارع .
وهذا النحو من الدلالة ينشأ عادة من أحد امور ثلاثة :
الأوّل : ـ وهو مختص بالدليل الشرعي اللفظي ـ وهو أن تكون الألفاظ المستعملة في الكشف عن الحكم الشرعي واضحة ومعلوم وضعها لمعانيها وليس هناك ما يُوجب صرفها عن معانيها الموضوعة لها . ومن هنا لا ينقدح اي احتمال ولو بمستوىً ضئيل أن المعاني المستفادة من تلك الألفاظ ليست مرادة وهذا ما يُعبَّر عنه بالنص ، كما انّه قد تنشأ النصوصية عن طريق احتفاف الدليل بقرائن لفظية موجبة للقطع أو الإطمئنان بالمراد .
الثاني : ـ وهو مختص أيضاً بالدليل اللفظي ـ وهو أن تكون الألفاظ والصياغة المستعملة في الكشف عن الحكم الشرعي غير دالَّة على الحكم الشرعي بنحو النصوصيّة بنفسها إلاّ انَّه يحصل القطع أو الاطمئنان بتطابق المستفاد مع الواقع بواسطة إنضمام قرائن حاليَّة أو عقلية مع الدليل الشرعي اللفظي .
الثالث : أن يكون منشأ اليقين أو الإطمئنان بالدلالة هو قرينة عقلية تُوجب الإنتقال ممّا هو محرز بالوجدان الى الحكم الشرعي بنحو الدليل الإنِّي .
ومثاله ـ كما اتّضح ممّا تقدّم في بحوث سابقة ـ ترك المعصوم (عليه السلام)لفعل أو ممارسة المعصوم (عليه السلام) لفعل ، فإنَّ الأول يدلُّ بلا أدنى ريب على عدم والوجوب والثاني يدلُّ على عدم الحرمة .
وبما ذكرناه يتّضح انَّ المناشئ الثلاثة من هذا النحو من الدلالة تشترك في ترتّب اليقين أو الإطمئنان بالمدلول . ومن هنا تثبت الحجيّة لهذا المدلول .
النحو الثاني : أن تكون دلالة الدليل محتملة لأكثر من معنى بحيث تكون المحتملات الناشئة من الدليل متساوية من حيث درجة إحتمال إرادتها . وهذا النحو من الأدلّة يُعبَّر عنه بالدليل المجمل .
ويمكن ان يُتصوّر له ثلاث حالات :
الحالة الاولى : ان تكون المحتملات الناشئة عن الدليل المجمل مشتركة في جامع قابل للتنجيز ، كما لو كان مفاد الدليل المجمل ظاهراً في الحرمة إلاّ انَّ متعلَّق الحرمة مردد بين شيئين بحيث لا يمكن استظهار أحدهما من الدليل .
ففي حالة من هذا القبيل يتنجّز الجامع وهو أحدهما ، فلا يجوز إرتكابهما معاً . وهذا هو معنى انَّ المجمل حجة في الجامع .
وهذا المقدار من الحجيّة هو الثابت للمجمل ، أمَّا المحتملات الناشئة عن الدليل المجمل فلا حجيّة لها بعد عدم إحراز إرادتها بأحد أنحاء الإحراز كاليقين أو الإطمئنان أو الظهور .
الحالة الثانية : أن يكون أحد المحتملات الناشئة عن الدليل له ما يُعيِّنه من الخارج ، كقرينة عقلية أو لفظية منفصلة ، وفي حالة من هذا القبيل يتنجَّز ذلك المحتمل من غير فرق بين ان يكون للدليل المجمل جامع قابل للتنجيز أو غير قابل للتنجيز ، فإنّ المنجَّز في مثل هذا الدليل هو المحتمل الذي قامت القرينة على تعيّنه .
الحالة الثالثة : أن لا يكون للمحتملات الناشئة عن الدليل المجمل جامع قابل للتنجيز كما انّه ليس هناك ما يُعيِّن أحد المحتملات من قرائن خارجية . وفي مثل هذه الحالة لا يكون للدليل المجمل أي حجيّة .
النحو الثالث : ان تكون دلالة الدليل الشرعي تحتمل أكثر من معنى أيضاً إلاّ ان أحد تلك المعاني هو المنصرف إليه من ذلك الدليل وهذا هو المُعبَّر عنه بالظهور . فالظهور إذن هو إنسباق أحد المعاني المحتملة من الدليل بحيث ينقدح في الذهن خصوص ذلك المعنى من الدليل اللفظي ، ثمّ تستقر النفس على انّ ذلك هو المراد الجدِّي من الدليل . وهذا هو معنى قول المصنّف (رحمه الله) انّ االظهور هو انسباق الذهن إلى أحد المعاني تصوّراً وتصديقاً ، إذ انّ الظهور قد يكون على مستوى الدلالة التصوريّة فحسب ويكون الظهور على مستوى الدلالة التصديقيّة في معنىً آخر أو لا يكون هناك ظهور في مرحلة المدلول التصديقي ، فهنا إذن ثلاث حالات :
الاولى : تطابق الظهورين في مرحلتي الدلالة التصوّريّة والدلالة التصديقيّة على معنى واحد ، كما لو قال المولى « صلِّ » فإنّ المدلول الوضعي التصوري لصيغة الأمر هو الوجوب ، فلو استظهرنا من حال المتكلّم انّه جاد فيما أفاد فهذا هو التطابق بين الظهورين .
الثانية : أن يكون المُنصرف من الدليل بحسب الأوضاع اللغويّة معنى معيَّن إلا انّنا نعلم انّ المتكلّم غير مريد لذلك المعنى وانَّما يريد معنىً آخر غير المعنى الموضوع له اللفظ كما لو دلَّت القرينة الحاليّة للمتكلم على ذلك .
فلو قال المتكلِّم مثلا « رأيت أسداً » وعلمنا بواسطة القرينة الحاليّة إرادة المتكلّم للرجل الشجاع . فهنا لم يتطابق الظهور في المعنى الوضعي التصوري مع المراد الجدي للمتكلم .
الحالة الثالثة : ان تكون للدليل دلالة تصوّريّة إلاّ انه لم ينعقد ظهور لحال المتكلم في إرادة ذلك المدلول التصوري كما لو قال المتكلم « رأيت أسداً » ولم يُعلم انّ المتكلّم كان ملتفتاً أو ذاهلا واتفق عدم وجود وسيلة لتعيين أحد الإحتمالين ، فهنا لا ينعقد الظهور التصديقي رغم انعقاد الظهور التصوري .
والحالة الاولى لا إشكال في ثبوت الحجيَّة لمدلول الدليل فيها وذلك لحجيَّة الظهور كما سيتّضح فيما بعد .
والحالة الثانية تثبت الحجيَّة لمدلول الدليل ، إلاّ انّها إنما تثبت للظهور في المدلول التصديقي دون الظهور في المدلول التصوري ، إذ انّ الظهور الذي دلَّ الدليل على حجيّته هو الظهور المعيِّن للمراد وهو انّما يناسب المدلول التصديقي إذ هو المعيِّن للمراد .
وبهذا يتّضح عدم حجيّة الدليل في الحالة الثالثة ، إذ لا تعيين فيه للمراد بعد إن كان الظهور في خصوص المدلول التصوري الوضعي .
وكيف كان فالحجيّة الثابتة للظهور لم تنشأ عن افادته للعلم بمطابقة المستفاد من الدليل مع المراد الجدِّي للمتكلّم ، إذ انَّ الظهور ـ كما اتّضح ـ لا يولِّد العلم .
ومن هنا نحتاج لاثبتات الحجيّة للظهور الى دليل شرعي وهذا ما سيتمّ بحثه .


الإستدلال على حجيّة الظهور


وقد استُدلّ على حجيّة الظهور بالسيرة العقلائيّة والسيرة المتشرعيّة .

أما تقريب الإستدلال بالسيرة العقلائيّة :
فهو انّه لا ريب في تباني العقلاء على التوسُّل بالظهور للتعرّف على مرادات المتكلّمين والجري على مقتضياتها دون توقُّف لغرض التأكد من تلك المفادات الحاصلة بواسطة الظهور ، ولذلك نراهم يحتجُّون على المتكلّم بظاهر كلامه كما ويحتج المتكلّم بظاهر كلامه على المخاطب دون ان يعترض المتكلّم على المخاطب بأنّه لم يكن مريداً لذلك المعنى الظاهر أو يعترض المخاطب على المتكلّم بأنّه احتمل إرادة معنىً آخر غير المعنى الظاهر . كلُّ ذلك يُعبِّر عن ترسُّخ هذه السيرة وتجذّرها في جبلّة العقلاء ، وبطبيعة الحال يكون ذلك موجباً لامتداد هذه السيرة للقضايا الشرعية ، إذ انّ ذلك هو مقتضى تجذّر السيرة ، وإذا كان كذلك فهي تُهدِّد أغراض الشريعة لو لم تكن مرضية من قبل الشارع المقدّس ، وهذا ما يكشف عن الإمضاء في حال عدم الردع .
وقد ذكرنا في بحث دليليّة السكوت على الدليل الشرعي وجهين لإثبات تلك الدليليّة أحدهما عقلي وله تقريبان والآخر إستظهاري .
أمّا الدليل العقلي بتقريبيه فهو صالح لتطبيقه هنا كما يتضح ذلك بالمراجعة .
وأمّا الوجه الإستظهاري فلا يمكن تطبيقه في المقام لاستلزام تطبيقه هنا للدور المستحيل . لانّنا في مقام الإستدلال على حجيّة الظهور ، فإذا كان الدليل على إمضاء السيرة العقلائية هو ظهور حال المعصوم (عليه السلام) في الإمضاء فهذا معناه إثبات حجيّة الظهور بالظهور .

وأمّا تقريب الإستدلال بالسيرة المتشرّعيّة :
فهو أن الفقهاء والرواة المعاصرين لزمن المعصوم كانت سيرتهم جارية على العمل بظهورات الأدلّة الشرعيّة في مقام فهم واستنباط الأحكام الشرعيّة ، وهذا ما يُعبِّر عن تلقيهم ذلك عن الشارع ، إذ انّ ذلك هو مقتضى كونهم متشرّعة وملتزمين بمناهج الشريعة في امورهم الشخصية فضلا عن الامور الخطيرة التي لو تبرَّعوا فيها بسلوك من عند أنفسهم لكان منه المحتمل قوياً أن يكون ذلك موجباً لتفويت أغراض الشريعة والحال أنَّهم أحرص الناس على التحفُّظ عليها .
ومن هنا نستكشف بطريق الإن انّ سيرتهم متلقاة أو ممضاة من قبل الشارع المقدّس دون ان نحتاج إلى الإستعانة بالسكوت لإثبات الإمضاء إذ انّ الذي يحتاج إلى ذلك هو السيرة العقلائية كما اتّضح ذلك ممّا تقدّم .
نعم نحتاج إلى إثبات وجود هذه السيرة في زمن المعصوم (عليه السلام) وقد ذكرنا طرقاً خمسة لإثبات معاصرة السيرة للمعصوم (عليه السلام) .
والطريق الذي يمكن الإستفادة منه في المقام هو الطريق الرابع ، ويمكن الإستفادة من غيره ، وهذا يتّضح بمراجعة تلك الطرق .
أدلّة نفي الحجيّة عن الظهور :
وقد استُدل على نفي الحجيّة عن الظهور بنفس الأدلّة التي استُدلّ بها على نفي الحجيّة عن خبر الواحد ، وهو انَّ السيرة لو كانت فهي مردوع عنها بالأدلّة الناهية عن العمل بالظن وكذلك بالإطلاق في أدلّة الاُصول كما اتَّضح ممّا تقدّم . والجواب هناك هو الجواب في المقام ، ويمكن أن يختص المقام بجواب آخر .
وهو ان الأدلّة النّاهية عن العمل بالظنّ انّما تشمل المقام بواسطة الإطلاق ، والإطلاق أحد مصاديق الظهور ، فيكون نفيها للحجيّة عن الظهور نفياً لحجيّة نفسها ، إذ لا نحتمل اختصاصها بالحجيّة دون سائر الظهورات . ومن هنا يكون ثبوت الحجيّة لها في نفي الحجيّة عن الظهور نفياً لحجيّة نفسها ، إذ انها تنفي الحجيَّة عن الظهور ودلالتها على نفي الحجيّة انّما هو بالظهور فإذا ثبت نفيها للحجيّة فهذا يعني انّها تنفي الحجيّة عن نفسها .
وكلّ شيء يلزم من ثبوت حجيّته نفي الحجيّة عن نفسه يستحيل التعويل عليه ، إذ كل شيء يلزم من وجوده عدمه فهو مستحيل .
وبهذا يتّضح عدم صلاحيّة الأدلّة الناهيّة عن الظنّ للردع عن السيرة الجارية على العمل بالظهورات .
موضوع الحجيّة :
والغرض من هذا البحث هو تحديد دائرة الموضوع الذي ثبتت له الحجيَّة ، وهل انَّ الحجيّة ثابتة في حال تطابق الظهورين في معنىً واحد فحسب أو انَّ موضوع الحجيّة هو الظهور في مرحلة المدلول التصديقي سواءً طابق الظهور في المدلول التصوري أو لم يطابقه ، أو انّ الحجيّة تتسع لتشمل الظهور التصوري ولكن في حال عدم انعقاد أيِّ ظهور في المدلول التصديقي .
فهنا ثلاثة احتمالات لموضوع الحجيّة ، وقبل بيانها لا بأس بإعادة بيان الفرق بين الظهور على مستوى المدلول التصوري والظهور على مستوى المدلول التصديقي .
أمَّا الظهور على مستوى المدلول التصوري :
فهو انسباق أحد المعاني المحتملة الى الذهن من اطلاق اللفظ ، ويكون منشأ ذلك الإنسباق هو الوضع ، وقد قلنا ان الظهور لا يأبى عن بقاء المحتملات الأخرى إلاّ انّها لا تكافئ المعنى المسبق الى الذهن من حيث استقراره وركون النفس بتعيُّنه ، إذ انَّ لانسباقه واستقراره مبرِّر وهو الوضع بخلاف سائر المحتملات إذ ان مبرِّراتها لا تكون منتظمة ومطَّردة .
وأما الظهور على مستوى المدلول التصديقي :
فهو لا يتّصل بالاوضاع اللغويَّة وانّما هو معنى ينسبق الى الذهن ومنشاؤه معرفة حال المتكلم ، ودوره الكشف عن مراده الجدّي ، فالظهور التصديقي إذن هو ما يكشف عن مراد المتكلّم من خلال ملاحظة حاله ، وهذا النحو من الظهور لا ينافي وجود محتملات اخرى وانّها هي المرادة واقعاً ، إلاّ انّ هذه المحتملات لا اعتداد بها عند العقلاء بعد أن لم يكن لها مبرِّر سوى انَّ الظهور لا يُوجب العلم .
وبعد اتّضاح الفرق بين الظهور التصوري والظهور التصديقي نصل لبيان تحديد الموضوع الذي ثبتت له الحجيّة ، وقد قلنا إنّ فيه ثلاثة احتمالات :
الإحتمال الأوّل : انَّ دائرة موضوع الحجيَّة تختصُّ بمورد تطابق الظهورين على معنىً واحد كما لو كان مقتضى المدلول الوضعي يطابق ماهو مقتضى المدلول الجدِّي للمتكلِّم .
والصحيح هو عدم اختصاص الحجيّة بهذا المورد ، فهو وإن كان القدر المتيقّن من موضوع الحجيّة إلاّ انَّه لمَّا كان منشأ ثبوت الحجيَّة لهذا المورد هو الظهور التصديقي فهذا يقتضي عدم اختصاصه بالحجيَّة .
وبيان ذلك : إنّ الحجيَّة إنّما تثبت للظهور الكاشف عن مراد المتكلّم ، إذ هو المصحح للإحتجاج لا ما ينسبق الى الذهن بسبب الأوضاع اللغويّة .
كما انّ الذي يحكم العقل بوجوب تحصيله وامتثاله هو إرادة المولى ، ومن الواضح ان الذي يكشف عن إرادة المولى انما هو الظهور التصديقي المُستفاد من معرفة حال المتكلِّم ، أمَّا الظهور التصوري فليس أكثر من انقداح معان خاصة في الذهن بسبب إستعمال ألفاظها الموضوعة لإفادتها .
ومن البديهي انَّ الألفاظ لا تكشف وحدها عن المراد ، نعم الدلالة الوضعيّة التصوريّة كثيراً ما تُساهم في التعرُّف على المراد الجدِّي والظهور التصديقي إلاّ انّ هذا انّما يقتضي كون الدلالة التصوريّة وسيلة من وسائل الوصول الى مرحلة الظهور في المدلول التصديقي . ومنشأ مساهمتها هو أصالة التطابق بين الدلالة التصوريّة الناشئة عن الأوضاع اللغويّة وبين الدلالة التصديقيّة والتي تعني انَّ ما يُفيده المتكلّم بواسطة الألفاظ فهو يُريده جدّاً وواقعاً . وقد أوضحنا ذلك فيما سبق .
الإحتمال الثاني : إنَّ دائرة موضوع الحجيّة تتّسع لتشمل الظهور التصديقي حتى في مورد منافاته لما هو مقتضى الظهور في المدلول التصوري .
وقد اتّضح ممّا تقدم ثبوت الحجيّة للظهور في المدلول التصديقي ، اذ انَّه هو الكاشف عن المراد ، ويبقى الظهور التصوري عارياً عن الحجيّه إذ لا كشف له عن المراد كما لا مساهمة له في تنقيح الظهور الصديقي . وهذا ما يُوضح انَّ الحجيّة ثابتة للظهور التصديقي حتى في موارد عدم وجود دلالة تصوريّة لفظيّة كما هو الحال في الظهور التصديقي الناشيء عن الفعل الصامت .
الإحتمال الثالث : إن دائرة موضوع الحجيّة لا تختص بالظهور التصديقي بل لو لم يكن هناك ظهور تصديقي وكان هناك ظهور تصوري فإنَّ الحجيَّة تثبت له .
وهذا الإحتمال اتَّضح حاله ممّا تقدّم وانّه لا يمكن البناءعلى أنَّ الظهور التصوري مشمول لموضوع الحجيّة ، وذلك لعدم كاشفيّته عن المراد فهو مجرَّد تصوّر ينشأ عن الأوضاع اللغويّة ، ولذلك يحصل هذا الظهور من كلام متكلّم غير عاقل كما لو اتّفق صدوه من البهيمة .
ومن أجل أن يتضح هذا الإحتمال أكثر نقول :
انّ المتكلّم قد يأتي بكلام له ظهور في مرحلة المدلول التصوري إلاّ انَّه نصب قرينة على إرادة معنىً آخر غير المعنى المستفاد من الدلالة الوضعية التصوريّة ، كأن يقول « رأيت أسداً » ثم ياتي بما يدلُّ على إرادة الرجل الشجاع ، وقد اتَّضح الحال من هذه الصورة في الاحتمال الثاني وانَّ الحجيّة انّما تثبت للمدلول التصديقي فحسب .
وقد يأتي بكلام له ظهور تصوري إلاّ انَّه من المحتمل انّه نصب قرينة على عدم إرادة الظهور التصوري جداً ، ومناشئ الاحتمال كثيرة ، منها احرازنا بوقوع الغفلة عن متابعة المتكلّم إلى ان انتهى من كلامه فإنّه في مثل هذه الحالة وإن كان يمكن إجراء أصالة عدم الغفلة للمتكلّم إلاّ انَّ هذا الأصل العقلائي لا يجري في حقّنا لإحراز وقوع الغفلة منّا عن متابعة المتكلّم إلى آخرر كلامه فلعلَّه في أثناء غفلتنا نصب قرينة على إرادة معنى آخر غير المعنى المفاد بواسطة الدلالة الوضعيّة التصوريّة ، وهذا الاحتمال لا دافع له بعد إحراز الغفلة .
ومن هنا لا ينعقد ظهور تصديقي للكلام ، فلا وسيلة لنا للكشف عن مراد المتكلّم .
فتكون نتيجة هذا الاحتمال تساوق القطع بوجود القرينة المنافية لمقتضى الظهور التصوري ، وبهذا يتّضح هذا الإحتمال وانَّه هل تثبت الحجيّه للمدلول التصوري بعد ان لم يكن هناك ظهور في المدلول التصديقي . وقد عرفت عدم ثبوت الحجيّة له لعدم كاشفيّته عن مراد المتكلّم .


ظواهر الكتاب الكريم


اتّضح ممّا تقدّم حجيّة الظهور وانَّ موضوع الحجيّة هوالظهور في مرحلة المدلول التصديقي . ومقتضى أدلّة حجيّة الظهور هو حجيّته بنحو مطلق من غير فرق بين متكلِّم وآخر وبين السنَّة الشريفة والقرآن الكريم ، إلاّ انّ عدداً من العلماء استثنوا ظواهر الكتاب الكريم من الحجيّة اعتماداً على أدلّة تقتضي في نظرهم حرمة التعويل على ما ينفهم من القرآن الكريم بواسطة الضوابط المقرَّرة عند أهل المحاورة وأن فهم القرآن الكريم مختص بمن خُوطب به وهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل البيت (عليهم السلام) ، فلذلك تكون الوسيلة الوحيدة للتعرّف على مرادات القرآن الكريم هو ما يرد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته (عليهم السلام) ، أو أن تكون دلالة القرآن الكريم على المعنى بنحو النصوصيّة .
ومن الأدلّة التي ذُكرت لإثبات هذه الدعوى هي :

الدليل الأوّل :
قوله تعالى ] هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنَّ امّ الكتاب واُخر متشابهات فأمَّا الذين في قلوبهم زيغ فيتّبعون ما تشابه منه إبتغاء الفتنة ابتغاء تأويله ولا يعلم تأويله إلاّ الله والراسخون في العلم  [() .
وتقريب الإستدلال لصالح النافيين لحجيَّة ظواهر الكتاب : هو انَّ الآية الكريمة صنَّفت آيات القرآن الكريم إلى قسمين : الأوّل هو الآيات المحكمة ، وقد فسَّروها بالآيات التي تكون دلالتها على المعنى بنحو النصوصيّة .
والقسم الثاني هو الآيات المتشابهة ، وهي كلّ آية لا تكون دلالتها نصاً في المعنى ، وبهذا تكون الظواهر من المتشابه ـ الممنوع عن العمل به ـ وذلك لانّ الظاهر كالمجمل من حيث انّه يتحمّل أكثر من معنى ،وكونه يختلف عن المجمل من جهة عدم تكافئ المحتملات الناشئة عنه لا يخرجه عن حد المتشابه ، إذ انّ المتشابه هو ما يحتمل أكثر معنى ، كلُّ معنىً له نحو علاقة مع اللّفظ تكون تلك العلاقة موجبة لإحتمال إرادته ، وبهذا يكون المتشابه صادق على الظاهر ، إذ أنَّ الظاهر يكون له أكثر من معنى محتمل ، غايته أنَّ أحد المعاني يكون هو المنسبق إلى الذهن إلاّ انّه مع ذلك تبقى المعاني الاخرى محتفظة باحتمال إرادتها .
والجواب على هذا الدليل :
وقد أجاب المصنّف (رحمه الله) على هذا الدليل بثلاثة أجوبة :
الجواب الأوّل : هو نفي كون الظاهر داخلا تحت عنوان المتشابه ، وذلك لانَّ الظاهر وإن كان يحتمل أكثر من معنى إلا انَّ المعنى غير المنسبق من اللفظ عند اطلاقه معنى موهوم لا اعتداد له بنظر العقلاء ، وذلك لانَّ العلقة التي تربطه باللفظ ضعيفة جداً بحيث لا تؤثر على مستوى وثاقة العلاقة بين المعنى الظاهر ولفظه وهذا ما يجعل المعنى الظاهر متعيّناً وواضحاً لا تشابه فيه .
وبعبارة اخرى المتشابه هو ما يكون تشابه محتملاته من حيث مستوى علاقتها باللّفظ موجباً لحيرة المخاطب أو السامع وعدم استقراره على معنىً من المعاني ، وذلك لتساوي احتمال إرادتها .
ومن هنا يكون المراد من المتشابه هو خصوص المجمل .
الجواب الثاني : ان المتشابه حتى لو افترضنا صدقه على الظاهر إلاّ انَّ ذلك لا يُثبت دعوى القوم في نفي الحجيّة عن ظواهر الكتاب الكريم إذ أنَّ الآية بصدد النهي عن التوسُّل بالمتشابهات وفصلها عن الآيات المحكمة لغرض التعمية وإثارة الشبهات المضلَّة ، فكأنَّما الآية الشريفة تنهى عن التدليس في النقل والبيان ، إذ أنَّ فصل كلام الله عن القرائن المحتفَّة به أو عن بعض حيثيّاته ـ التي لها اتّصال بتوضيح مراده ـ موجب للتشويش على ماهو المراد الواقعي للمتكلّم ، وهو من أقبح مصاديق التدليس .
ومن هنا يتّضح انَّ الآية المباركة متصديّة لبيان مطلب آخر غير الذي يروم القوم إثباته .
ويمكن تأييد هذا الفهم للآية بما رُوي عن الإمام الرضا (عليه السلام) قال « من ردَّ متشابه القرآن الى محكمه فقد هُدي إلى صراط مستقيم » ثم قال (عليه السلام) « إن في أخبارنا محكماً كمحكم القرآن ومتشابهاً كمتشابه القرآن فردّوا متشابهها إلى محكمها ولا تتّبعوا متشابهها دون محكمها فتضلّوا »() .
الجواب الثالث : انّه لو سلّمنا انَّ الظاهر من قسم المتشابه وانّ الآية في صدد نفي الحجيّة عن المتشابه إلاّ انَّه لا يمكن التسليم بأنّ الآية المباركة نصٌ في ذلك وبالتالي تكون دلالتها على نفي الحجيّة ـ على أحسن الأحوال ـ بنحو الظهور ، وإذا كان كذلك فيستحيل صلوحها لنفي الحجيَّة إذ انّ نفيها لحجيّة ظواهر الكتاب مستوجب لنفي الحجيَّة عن نفسها بعد ان لم تكن دالّة على نفي الحجيَّة بأكثر من الظهور . وكلُّ شيء يلزم من حجيّته نفي الحجيَّة عن نفسه يستحيل التعويل عليه في النفي والردع ، إذ كلّ شيء يلزم من وجوده عدمه فهو مستحيل .

الدليل الثاني :
هو ماوررد عن أهل البيت (عليهم السلام) من النهي عن العمل بظواهر الكتاب . وهي على ثلاث طوائف .
الطائفة الاولى : ماورد من أن القرآن الكريم لا يفهمه إلاّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام) وذلك لإشتماله على معان رفيعة لا يمكن أن تُدركها عقول الرجال ، وأنّ الله عزّ وجلّ جعل فهمه مختصّاً بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل البيت (عليهم السلام) لتشتدَّ حاجة الناس إليهم .
ومن الروايات مارواه جابر قال قال ابو عبد الله (عليه السلام) « يا جابر انّ للقرآن بطناً وللبطن ظهراً وليس شيء أبعد عن عقول الرجال منه ، إنَّ الآية لينزل أوّلها في شيء وأوسطها في شيء وآخرها في شيء ، وهو كلام متصرِّف على وجوه »() .
ومنها : ما رواه إسماعيل بن جابر عن الصادق (عليه السلام) قال « انّ الله بعث محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) ... وأنزل عليه كتاباً فختم به الكتب فلا كتاب بعده ... فجعله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) علماً باقياً في أوصيائه فتركهم الناس وهم الشهداء على كلّ زمان .. ثمّ ذكر كلاماً طويلا في تقسيم القرآن إلى أن قال إن كلام الباري سبحانه لا يُشبه كلام الخلق ... ولهذه العلّة وأشباهها لا يبلغ كنه معنى حقيقة تفسير كتاب الله تعالى إلاّ نبيّه وأوصياؤه (عليهم السلام) »() .
ومنها : ما عن سعيد بن طريف عن ابي جعفر (عليه السلام) « .. فإنَّما على الناس ان يقرؤوا القرآن كما اُنزل فإذا احتاجوا الى تفسيره فالإهتداء بنا وإلينا »() .
ومنها : ما رواه المعلّى ابن خنيس عن ابي عبد الله (عليه السلام) « ... ولذلك قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه ليس شيء أبعد من قلوب الرجال من تفسير القرآن ... وانّما أراد الله بتعميته في ذلك ... وينتهوا في قوله إلى طاعة القوّام بكتابه والناطقين عن أمره .. »() .
والجواب عن هذه الطائفة :
ذكر المصنّف (رحمه الله) في مقام الجواب عن هذه الطائفة وجهين :
الوجه الأوّل : هو انّ رويات هذه الطائفة غير معتبرة سنداً ، وذلك لأنّها لا تخلو إمّا أن تكون مرسلة ، وامّا أن يكون سندها مشتملا على رواة قد ثبت ضعفهم أو لم تثبت وثاقتهم .
وبهذا تسقط هذه الطائفة عن الحجيّة ولا يصح التعويل عليها لنفي الحجيّة عن ظواهر الكتاب الكريم ،، على انّه يمكن دعوى الوثوق والإطمئنان بكذب هذه الطائفة من الروايات ، وذلك إذا ما حصل التوجه إلى مقدّمتين :
المقدّمة الأولى :
انّ أغلب روايات هذه الطائفة مشتملة أسنادها على من ثبت ضعفه أو فساد مذهبه وميله إلى الغلوّ وسلوكه المسلك الباطني والذي كان يفهم أحكام الشريعة على أساس انّها مجموعة من المفاهيم الغامضة التي لا يُدركها إلاّ الأوحدي من الناس ، وان كل ظواهر الشريعة ليست مرادة ، وكانوا يضعون لتلك الظواهر تفسيرات غريبة أشبه بالخرافات التي يعتقدها المعقَّدون من الناس ، وكانوا يبرِّرون غرابتها بأنَّ فهم ذلك ليس ميسوراً لكلِّ أحد ، وانَّ تلك المعاني لا تُدرك بالعقول ، ومن هنا لابدَّ من تلقِّيها بالتسليم والقبول إذ انّ ذلك هو مقتضى الإيمان الحقيقي ، ولهذا لا تُعرض هذه المفاهيم إلا على من محض الإيمان .
ومن أصحاب هذا المسلك هو جابر بن يزيد الجعفي أو لا أقلّ انّ أصحاب هذا المسلك قد استفادوا من بعض روايات جابر وأضافوا عليها من عند أنفسهم لغرض تشييد هذا المذهب الباطل ، ولعلَّ هذا هو الذي يشير إليه النجاشي في ترجمة جابر حيث قال « روى عنه جماعة غمِّز فيهم ضعِّفوا ، منهم عمرو بن شمر ومفضل بن صالح ومنخّل بن جميل ويُوسف بن يعقوب وكان في نفسه مختلطاً وكان شيخنا ابو عبد الله محمد بن محمد النعمان (رحمه الله) ينشد أشعاراً كثيرة في معناه تدلُّ على الإختلاط » أي تدلُّ على إختلاط جابر .
وقد ذكر الكشي في ترجمة جابر رواية وصلتنا بواسطة عمرو بن شمر انّ جابر قال دخلت على الإمام أبي جعفر (عليه السلام) وأنا شابّ ... قال دفع إليَّ كتاباً .. ثم دفع اليَّ كتاباً آخر ثم قال (عليه السلام) « وهاك هذا فإنّ حدثت بشيء منه أبداً فعليك لعنتي » .
وذكر الكشي أيضاً رواية منقولة عن أبي جميلة المفضّل صالح عن جابر الجعفي قال حدّثني أبو جعفر تسعين ألف حديث لم اُحدّث به أحداً قط ولا أحدِّث به أحداً . قال جابر فقلت لابي جعفر (عليه السلام) جعلت فداك انّك حملتني وقراً عظيماً حدثتني به من سرّكم الذي لا أحدِّث به أحداً فربَّما جاش صدري حتى يأخذني منه شبه الجنون قال (عليه السلام) « يا جابر فإذا كان ذلك فاخرج إلى الجبال واحفر حفيرة ودلِّ رأسك فيها ثم قل حدثني محمّد بن علي بكذا وكذا » .
ومن أصحاب هذا المسلك ـ المعبَّر عنهم بأصحاب الأسرار ـ هو سعيد بن طريف أو ظريف وهو أيضاً ممن يروي المناكير والغرائب وقد عبَّر عنه النجاشي بأنّه « يُعرف ويُنكر » وهو الذي روى لنا في مقام تفسير قوله تعالى ] إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر [() انَّ الصلاة تتكلّم وانّ الفحشاء رجل والمنكر رجل .()
أمثال هؤلاء هم الواقعون في أسناد هذه الطائفة من الروايات .
المقدّمة الثانية :
انّه لو كان حقّاً عدم حجيّة ظواهر الكتاب وأنّ أهل البيت (عليهم السلام) قد عرَّفوا الناس بذلك فلماذا لم يصل إلينا نفي الحجيّة عن ظواهر الكتاب إلاّ عبر أصحاب هذا المسلك الذي هو ليس محل قبول عند أصحاب الأئمّة (عليهم السلام) وعند فقهاء الطائفة رغم انَّ هذه المسألة على درجة كبيرة من الخطورة ، إذ انّه لو كان نظر الشارع هو نفي الحجيَّة عن ظواهر الكتاب وأنّ ظواهر الكتاب غير مرادة من قبل الشارع لكان العمل بالظواهر تضييعاً لكثير من أغراض الشريعة ، وهذا يقتضي أن يكون التنبيه على نفي الحجيّة متناسباً مع مستوى ما يترتّب على عدم تعرّف الناس على ذلك من ضياع لكثير من أهداف الشريعة خصوصاً وأن العمل بالظواهر هو السلوك المتعارف عند العقلاء في مقام إستكشاف مرادات المتكلّمين ، وأنّ الطريقة المتّبعة عند المتشرّعة في مقام استنباط الأحكام الشرعيّة من السنّة الشريفة هي الظهور .
كلُّ ذلك يؤكد اختلاق أصحاب هذا المسلك لهذه الطائفة من الروايات والاّ لاطَّلع عليها فقهاء الرواة ، وهذا يقتضي وصولها إلينا بواسطتهم حيث انّهم المرجع في معرفة الأحكام وهم حفظة السنّة وأوتاد الأرض ـ كما عبَّرت عنهم الروايات المعتبرة ، أمثال زرارة بن أعين ومحمّد بن مسلم وبريد العجلي وأبان بن تغلب وابن ابي عمير وصفوان بن يحيى .
ومن المثير للإنتباه انَّ أمثال هذه الروايات لا تصل إلينا إلاّ عن طريق أصحاب هذا المسلك الباطني ولا يصل عن هؤلاء من مسائل الحلال والحرام إلاّ النزر القليل . وهذا ما يشير إليه النجاشي في ترجمته لجابر بن يزيد الجعفي حيث قال « قلَّ ما يورد عنه شيء في الحلال والحرام  » .
والمتحصّل ممّا ذكرناه انّه مع التوجه لكلا المقدّمتين يحصل الوثوق والاطمئنان بكذب هذه الطائفة من الروايات .
الوجه الثاني : إنّ هذه الطائفة من الروايات منافية لما هو صريح القرآن الكريم من انّه تبيان لكلِّ شيء قال الله تعالى ] ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكلِّ شيء وهدىً ورحمة وبشرى للمسلمين [() .
وإذا كان كذلك فهي ساقطة عن الحجيّة لما دلَّ من الروايات على أنَّ ما خالف كتاب الله فهو زخرف ، وانّنا لم نقله ، وأن قائله أولى به .
الطائفة الثانية : والتي مفادها عدم صحّة التعويل على ما ينفهم من ظواهر الكتاب الكريم دون مراجعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل البيت (عليهم السلام) .
ومن هذه الروايات ما رواه الطبرسي في الإحتجاج عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)انّه قال يوم الغدير « ... فو الله لن يُبيِّن زواجره ولا يُوضح لكم عن تفسيره إلاّ الذي أنا آخذ بيده »() .
ومنها : ما رواه موسى بن عقبة عن الإمام الحسين (عليه السلام) « ... والمُعوَّل علينا في تفسيره لا نتظنى تأويله بل نتَّبع حقائقه فأطيعونا فإنَّ طاعتنا مفروضة »() .
والجواب عن هذه الطائفة :
انّ أقصى ما تدلّ عليه هذه الطائفة من الروايات هو انّه لا يجوز الإعتماد على ما ينفهم من ظواهر الكتاب في مقابل ما يُبيِّه أهل البيت (عليهم السلام)من معاني القرآن الكريم ، وغاية ما يقتضيه ذلك هو عدم صحة التعويل على ما يُستظهر من آيات القرآن دون مراجعة الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) فإن كان ما استظهرناه مطابقاً مع ماورد عن أهل البيت فلا كلام وإن كان منافياً فلا يصحّ التمسّك بما استظهرناه في مقابل ما ورد عنهم (عليهم السلام) ، وإن لم يكن في الروايات ما ينافي مقتضى الظهور العرفي فليس في هذه الطائفة من الروايات ما يدلّ على عدم جواز التمسّك به . وبهذا يصحّ التعويل على ما يظهر من آيات القرآن اعتماداً على أدلّة حجيّة الظهور  .
الطائفة الثالثة : وهي التي منعت عن التفسير بالرأي وهي روايات كثيرة جداً .
منها : ما رواه الكليني بسند متّصل عن زيد الشحّام عن أبي جعفر (عليه السلام) « ... ويحك يا قتادة إن كنت انّما فسّرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت »() .
ومنها : ما رواه في الخصال بسند متصل عن عبد الرحمن بن سمرة « ... ومن فسّر القرآن برأيه فقد افترى على الله الكذب »() .
ومنها : حديث الريّان بن الصلت عن الرضا (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال قال الله عزّ وجلّ ـ في حديث قدسي ـ « ما آمن بي من فسَّر القرآن برأيه .. »() الحديث .
والجواب عن هذه الطائفة :
وقد أورد على الإستدلال بهذه الطائفة على نفي الحجيّة عن ظواهر الكتاب بما حاصله :
إنَّ فهم القرآن على أساس ماهو مققتضى الظهور العرفي لا يُعدُّ تفسيراً وذلك لأنَّ التفسير يعني التوضيح والكشف عمّا خفي ورفع الستار عمّا اُبهم من مراد ، وهذا انّما يُناسب المجمل من الألفاظ والمركبات اللّفظيّة والتي تكون المعاني المحتملة فيه متكافئة من حيث احتمال إرادتها .
أمَّا فهم المعنى على أساس ماهو المتفاهم العرفي عند أهل المحاورة والذي يعتمد ضوابط مطّردة وملتزم بها عند كل من أراد أن يتكلّم بهذه اللغة فهذا ليس من التفسير في شيء إذ ان كل من اطَّلع على تلك الضوابط وأنس بها فإنَّه يفهم مرادات المتكلّمين بواسطة تلك الألفاظ والتراكيب المستعملة لغرض الكشف عمّا هو مختلج في النفس من معاني ، ولا يكون ثمّة تردّد في ذلك الفهم إذا ما قام على أساس تلك الضوابط المتبعة عند أهل المحاورة من ذلك اللسان .
وهذا الإيراد وان كان وجيهاً إلاّ انّه ليس حاسماً وذلك لعدم إطراده إذ انّ بعض الإستظهارات تقوم على أساس نكات دقيقة وخفيّة يتطلّب دركها تأنّياً وإمعاناً وتسلّطاً على الضوابط المقرّرة عند أهل المحاورة ، ومن هنا يكون الكشف عن تلك النكات كشفاً عمّا هو خفي وبه يكون هذا النحو من الإستظهار تفسيراً .
ولمزيد من التوضيح نقول :
انَّ بعض المركّبات اللّفظيّة تقتضي أكثر من ظهوره ، وهذه الظهورات التي يقتضيها ذلك المركَّب اللّفظي تنشأ عن أسباب متفاوتة كل سبب من تلك الأسباب يقتضي ظهوراً خاصاً . فالأوضاع اللغويّة مثلا قد تقتضي ظهوراً معيناً ومناسبات الحكم والموضوع تقتضي ظهوراً آخر ، وقد تكون هناك قرينة داخليّة تُستوحى من نفس المركّب المستعمل تقتضي ظهوراً مغايراً للظهورين .
ومن هنا يكون استكشاف ماهو مقتضى الظهور واقعاً يحتاج الى تشييد القرينة المقتضية والموجبة لغلبة ما توجبه من ظهور على سائر القرائن الأخرى والمقتضية لظهورات اخرى ، ويحتاج أيضاً الى إبراز ما يُوهن القرائن المقتضية للظهورات الاخرى .
وكلُّ ذلك لا يكون ميسوراً لكلِّ أحد ، وهذا هو السرُّ في اختلاف الفقهاء في فهم الأدلّة الشرعيّة فلو كان الاستظهار من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى كشف فلماذا هذا الإختلاف من الفقهاء وكذلك أهل المحاورة في فهم الخطابات الصادرة عن الشارع وعن غيره من المتكلّمين .
ومن هنا يتّضح أن بعض الإستظهارات تكون من قبيل الكشف عمّا هو خفي ، وهذا هو التفسير الذي اُدّعي عدم تناسبه مع الظهور .
ومع اتِّضاح عدم تماميّة الإيراد السابق نحتاج إلى جواب آخر على الإستدلال بالطائفة الثالثة والتي استُدلّ بها على نفي الحجيّة عن ظواهر الكتاب وقد ذكر المصنِّف (رحمه الله) ثلاثة أجوبة لذلك :
الجواب الأوّل :
إنَّ الظاهر من رويات هذه الطائفة هو التصدّي للردع عمّا كان رائجاً في زمن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) من إعتماد الرأي المبني على الحدس والتخمين والإستحسان والقياس والمصالح المرسلة وسد الذرايع كوسيلة لفهم النصوص الشرعيّة سواءً منها النصوص القرآنية أو السنّة الشريفة .
وهذا هو المبرِّر لاستظهار هذا المعنى من هذه الطائفة من الروايات ، إذ من المعروف الذي لا ريب فيه استيحاش أهل البيت (عليهم السلام) من هذه الطريقة في فهم النصوص الشرعيّة ، وتصدِّيهم بشتى الوسائل لتوهين هذه المدرسة الغريبة في متبنياتها على الإسلام ، وهذا بخلاف فهم النصوص الشرعيّة على أساس ماهو المتفاهم العرفي وما تقتضيه سليقة أهل المحاورة في كيفيّة التعرّف على مرادات المتكلّمين ، فإنَّ هذه الطريقة هي المتّبعة حتّى عند أهل البيت (عليهم السلام) .
والذي يؤكّد ما استظهرناه من أنّ هذه الروايات بصدد الردع عن مدرسة الرأي الرائجة آنذاك هي الحوارات التي كان يجريها الامامان الباقر والصادق (عليهما السلام) مع أئمّة هذه المدرسة لغرض صرفهم عن هذا السلوك الذي يُهدِّد أغراض الشريعة ، ولنذكر لذلك مثالين :
الأوّل : ما رواه زيد الشحام قال دخل قتادة ابن دعامة على أبي جعفر (عليه السلام) فقال : « يا قتادة أنت فقيه أهل البصرة ؟ » فقال : « هكذا يزعمون » فقال أبو جعفر (عليه السلام) « بلغني انّك تُفسّر القرآن » فقال له قتادة : نعم فقال له أبو جعفر (عليه السلام) « فإن كنت تُفسِّره بعلم فأنت أنت » ، أنا أسألك الى أن قال « إن كنت تُفسّر القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت وإن كنت قد فسَّرته من الرجال فقد هلك وأهلكت ، ويحك يا قتادة انّما يعرف القرآن من خُوطب به »() .
الثاني : مارواه شبيب عن أنس عن بعض أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام)في حديث .. إنّ أبا عبد الله قال لأبي حنيفة أنت فقيه أهل العراق قال : نعم ; إلى أن قال : يا أبا حنيفة إذا ورد عليك شيء ليس في كتاب الله ولم تاتِ به الآثار والسنّة كيف تصنع ؟ فقال أصلحك الله أقيس وأعمل برأيي فقال (عليه السلام)يا أبا حنيفة إنّ أوّل من قاس إبليس الملعون قاس على ربّنا تبارك وتعالى فقال : « أنا خير منه خلقتني من ناره وخلقته من طين » قال فسكت أبو حنيفة ; فقال (عليه السلام) : يا أبا حنيفة ايّما أرجس البول أو الجنابة ؟ فقال البول فقال فمابال الناس يغتسلون من الجنابة ولا يغتسلون من البول فسكت فقال يا أبا حنيفة ايّما أفضل الصلاة أو الصوم ؟ فقال الصلاة . قال : فمابال الحائض تقضي صومها ولا تقضي صلاتها ؟ فسكت »() .
الجواب الثاني :
انّنا لو تنزّلنا وقلنا انّ إطلاقات هذه الطائفة من الروايات شاملة لظواهر الكتاب الكريم فإنها مع ذلك قاصرة عن إثبات الردع عن السيرة العقلائيّة باعتبار انّ الردع لابدَّ أن يكون بمستوى تجذُّر السيرة وتأصّلها في سلوك العقلاء ، ونحن لو قايسنا هذه الطائفة من الروايات مع مستوى ترسّخ هذه السيرة في جبلَّة العقلاء وسلوكهم لوجدنا انّه لا تناسب بينهما أصلا .
فمع انّنا نجد العمل بما هو مقتضى الظهور هي الطريقة الوحيدة التي يستكشف العرف منها مرادات المتكلّم وأنّ سلوك غير هذه الطريقة يُعدُّ شذوذاً وخروجاً عمّا هو المألوف والمتعارف نجد انَّ هذه الروايات ليست من الوضوح بحيث يمكن التعويل عليها في إلغاء هذه السيرة المستحكمة .
وأمّا قصورها عن الردع عن السيرة المتشرّعيّة فلأنَّه لو كان هذه الروايات متصديَّة للردع لانعكس ذلك على سلوك المتشرعة في حين اننا لا نجد وسيلة اخرى عندهم لفهم النصوص القرآنيّة غير هذه الوسيلة ، ولو كانت هذه الروايات متصديّة للردع لأثَّر ذلك ولو على بعض المتشرّعة والحال اننا لا نجد من ذلك عيناً ولا أثراً مما يؤكّد انَّ اطلاقات هذه الروايات ـ لو تمت ـ مقيدة بالسيرة ، ولمزيد من البيان راجع ماذكرناه في بحث حجيّة خبر الواحد في مقام الاستدلال على الحجيّة بالسيرة .
الجواب الثالث :
انّ هناك مجموعة من الروايات يمكن التمسك بها لإثبات حجيّة ظواهر الكتاب وإذا تمّت دلالتها فهي صالحة لإسقاط ـ الروايات النافية للحجيّة ـ عن الدليليّة أولا أقل تكون صالحة لمعارضتها .
ويمكن تصنيف هذه الروايات إلى ثلاث طوائف :
الطائفة الاولى : هي الروايات الآمرة بالتمسُّك بالقرآن وانّه المرجع في كلّ ما يعترض المسلمين من بلايا وفتن .
وهذه الروايات من قبيل حديث الثقلين والّذي ثبت تواتره عن الفريقين .
ومن قبيل ماورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّها إذا عرضت عليكم الفتن كقطع اللّيل المظلم فعليكم بالقرآن .
وتقريب الإستدلال بهذه الطائفة من الروايات واضح إذ انّ الأمر بالتمسُّك بالقرآن معناه الإلتزام بمضامينه وما يشتمل عليه من مفاهيم وأحكام . واستكشاف هذه المضامين والمفاهيم لا يكون إلاّ بواسطة الظهور ، إذ انّها الوسيلة المتعارفة في مقام التعرُّف على مرادات المتكلّمين وسيتضح هذا التقريب أكثر في تقريب الإستدلال بالطائفة الثانية .
الطائفة الثانية : وهي الروايات الآمرة بعرض الشروط في العقود على القرآن فما خالف كتاب الله فهو مردود ، وهذا من قبيل ماورد « من أن كلّ شرط خالف كتاب الله فهو باطل » .
وتقريب الإستدلال بهذه الطائفة من الروايات حاصله : انّه إن كان المقصود من مخالفة الشرط للكتاب مخالفته لما هو مقتضى الإطلاق اللّفظي للقرآن فهذا يعني انَّ المخالفة لكتاب الله هي المخالفة لظواهر الكتاب ، إذ انَّ الإطلاق اللّفظي من مصاديق الظهور ، وبذلك يثبت المطلوب .
وإن كان المقصود من مخالفة الشرط للكتاب هو منافاة الشرط واقعاً فلابدَّ من وسيلة للتعرّف على واقع المضمون المراد من قِبل الله جلَّ وعلا .
والاحتمالات في المقام ثلاثة ; إمَّا أن لا يكون هناك وسيلة للتعرّف على المضمون الواقعي . وهذا الإحتمال ساقط حتماً ، إذ ما معنى إرجاع الشروط الى كتاب الله جلّ وعلا إذا لم تكن وسيلة لمعرفة مقاصد القرآن الكريم .
وإمّا أن تكون هناك وسيلة اخترعها الشارع لغرض الوصول بها إلى مقاصده . وهذا الإحتمال ساقط أيضاً ، إذ لو كان لبان كما اتّضح ذلك في بحث حجيّة الظهور .
والإحتمال الثالث انَّ الشارع لم يتصدَّ لبيان الوسيلة التي يُتوصّل بها إلى مقاصده ، وهذا ما يكشف عن قبوله للوسيلة المتعارفة عند المخاطبين بالقرآن .
ولمّا كانت الوسيلة المتعارفة عند المخاطبين بالقرآن ـ وهم العرف ـ هي العمل بما يقتضيه الظهور فهذا ما يُثبت حجيّة ظواهر الكتاب .
وقد لاحظتم انّنا استفدنا من الإطلاق المقامي لإثبات إمضاء الشارع لما عليه العرف في مقام إستكشاف مقاصد الشريعة .
وقد أوضحنا المراد من الإطلاق المقامي في محلّه ، وقد طبقناه في المقام وقلنا انّ المولى لو كانت له وسيلة أخرى غير المتّبعة عند العرف لكان ذلك يقتضي بيانها ، فعدم بيانها كاشف عن أنَّ العمل بظواهر الكتاب لم يقع موضوعاً للردع ، حيث انّ الشارع وبحكم قيوميّته دائماً يكون في مقام الرّدع عن كلّ ظاهرة إجتماعيّة غير مرضية عنده ، وحيث انّه ردع عن مجموعة من الظواهر ، ولم يردع عن هذه الظاهرة رغم انَّه في مقام الردع عن كلّ ماهو غير مرضي فهذا يكشف عن عدم كون العمل بظواهر الكتاب موضوعاً للردع وهذا هو معنى ما قلناه من أنّ الإطلاق المقامي ينفي موضوعاً عن أن يكون مشمولا لحكم .
الطائفة الثالثة : وهي أوضح الطوائف الثلاث . وهي الروايات الآمرة بعرض ما يرد عن أهل البيت (عليهم السلام) على الكتاب فما خالف كتاب الله فهو لم يصدر عن أهل البيت (عليهم السلام) ، وانَّ ما خالف كتاب الله فهو زخرف وقائله أولى به وانّه يُرمى به عرض الجدار . وهي روايات كثيرة بل متواترة .
وتقريب الاستدلال بهذه الطائفة :
انّ الاحتمالات المتصوّرة في فهم المراد من هذه الروايات ثلاثة :
الاحتمال الأوّل : انّ المراد من المخالف لكتاب الله هو المخالف لمقاصد القرآن المستفادة بواسطة الأخبار أي انّ الخبر الساقط عن الحجيّة هو الخبر المنافي لمضامين القرآن إلاّ انّ التعرّف على المنافاة وعدم المنافاة لا يتمّ بواسطة ملاحظة القرآن الكريم مباشرة بل انَّ معرفة المنافاة لمضامين القرآن انّما تستكشف بواسطة الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) .
وهذا الإحتمال ساقط حتماً ، إذ انّ هذه الطائفة من الروايات إنَّما هي في مقام بيان ماهو المميّز للروايات المعتبرة من الروايات غير المعتبرة ، ومن الواضح انّ كلَّ الروايات بما فيها الروايات المبيِّنة لمضامين الكتاب العزيز داخلة تحت هذا المميز . ولهذا كيف يكون الكاشف عن الاعتبار هو الذي يُراد استكشاف اعتباره .
الاحتمال الثاني : انّ المراد ممّا خالف كتاب الله جلَّ وعلا هو ما خالف نصوص الكتاب فحسب ، وهذا الإحتمال ساقط أيضاً ، وذلك لانَّ الظاهر من هذه الطائفة انّها تُعالج مشكلة كانت سائدة ويمكن ان يُكتب لها الدوام والاستمرار ، وهذه المشكلة هي تصدّي أصحاب الأهواء الفاسدة لوضع الحديث ونسبته الى أهل البيت (عليهم السلام) ، ولم يكن هؤلاء من الغباء بحيث يلفِّقون على أهل البيت (عليهم السلام) أحاديث منافية لصريح القرآن ، إذ انّه لن يصدّقهم أحّد في ذلك ، وهذا ينافي غرضهم من الوضع والتدليس ، ولهذا نجد أنّ الروايات المناقضة لصريح القرآن قليلة جدّاً بل لا تكاد تُذكر .
الإحتمال الثالث : أن يكون المراد من المخالف لكتاب الله هو ما خالف نصوص القرآن وظواهره . وهذا هو المتعيّن من الإحتمالات بعد اتِّضاح فساد الإحتمالين السابقين .
وبهذا تثبت حجيّة ظواهر الكتاب إذ لو لم يكن حجّة لما جعله الشارع وسيلة لتمييز الروايات المعتبرة من غير المعتبرة وهذه الطوائف الثلاث من الروايات إمَّا أن تكون موجبة لإسقاط الروايات النافية للحجيّة عن ظواهر الكتاب ، وبهذا يثبت المطلوب ، أو تكون معارضة لها وحينئد تسقط كلُّ الروايات ـ النافية والمثبتة ـ عن الحجيّة ، ويكون المرجع عند ذلك هو السيرة ، ولا تكون الروايات النافية للحجيّة صالحة للردع عنها بعد افتراض سقوطها بالتعارض .
وهذه السيرة إمّا أن تثبت حجّتها بوسائل وجدانيّة ، كأنْ كان هناك إحراز لإمضائها ، أو تثبت بواسطة الإستصحاب كأن كان الإمضاء محرزاً ثمّ عرض على بقائه الشكّ .

الدليل الثالث :
انّه قد تعلّقت إرادة المولى جلَّ وعلا بأن يتّصل الناس بأهل
البيت (عليهم السلام) ويرتبطوا بهم ، إذ أنَّ في الإرتباط بهم تكون الهداية وفي الإنفصال عنهم تكون الضلالة ، ومن الواضح انَّ هذه الإرادة تقتضي أن يخلق المولى مبرِّرات تُوجب ارتباط الناس بأهل البيت (عليهم السلام) .
ومن هنا تعمّد المولى إجمال وإبهام آيات الكتاب حتّى تلجأ الناس لأهل البيت (عليهم السلام) لغرض الإستيضاح والتعرُّف على مقاصد القرآن ، وهذا ما يُوجب إشتداد علاقة الناس بهم (عليهم السلام) .
ثمّ انّ هناك منشأ آخر لإجمال مقاصد الكتاب العزيز وهو انّه لمّا كانت المعاني المشتمل عليها القرآن الكريم عالية ومقاصده ذات مضامين رفيعة فهذا يستوجب أن لا تكون مفهومة .
فبهذين المنشأين أو بأحدهما يثبت الإجمال لآيات الكتاب ، ومن هنا تخرج آيات الكتاب العزيز عن حجيّة الظهور موضوعاً وتخصّصاً .
والجواب عن هذا الدليل :
والجواب يتمّ بواسطة إسقاط دليليّة المنشأين المذكورين عن إثبات الإجمال لآيات الكتاب العزيز .
أمّا المنشأ الأوّل : فجوابه انّ من المقطوع به انّ الغرض من إنزال القرآن الكريم هو هداية الناس ، وهذا ما يقتضي أن يكون واضحاً وميسور الفهم ، ودعوى إبهامه وإجماله ينافي ماهو الغرض من إنزاله ، والحكيم لا ينقض غرضه ، ونحن وإن كنّا نسلِّم أنّ المولى جلَّ وعلا قد تعلَّقت إرادته بأن يتمسّك الناس بأهل البيت (عليهم السلام) ويرتبطوا بهم أشد إرتباط ، إلاّ انّه من أين حصل لنا العلم بتعلُّق إرادة المولى بذلك ، فامّا أن يكون العلم بذلك حصل بواسطة القرآن الكريم أو بواسطة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وبكلٍّ منهما يثبت المطلوب .
إن انّه لو كان الموجب للعلم بتعلّق إرادة المولى جلَّ وعلا بلزوم الإرتباط بأهل البيت (عليهم السلام) هو القرآن الكريم فهذا يقتضي أن يكون واضحاً ومفهوماً حتى يمكن إستفادة ذلك منه .
وإمّا أن يكون الموجب للعلم بهذه الإرادة المولويّة هو الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهذا يحتاج إلى إثبات حجيّة كلام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وانّه مبعوث من الله جلّ وعلا الذي هو الإله الحق .
وهذه هي أصول الدين المحتاج ثبوتها إلى معجزة ، إذ لا سبيل لإثبات الرسول والرسالة إلاّ المعجزة . والمعجزة التي أثبتت الرسالة الإسلامية وأنَّ الصادع بها هو محمّد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هي القرآن الكريم ، فإذا كان القرآن هو الحجّة في إثبات ذلك فهذا يقتضي أن يكون واضحاً وجليّاً وإلاّ لا يمكن أن تثبت به الأصول الإعتقاديّة .
وأمّا المنشأ الثاني : فجوابه أنَّ المناسب لكون القرآن كتاب هداية أن يكون في متناول الجميع ، وهذا هو مقتضى طبع كلّ حكيم أن يتناسب فعله مع هدفه لا أن يكون فعله مفوّتاً لهدفه ، فإذا كان الفرض الإلهي قد تعلّق بهداية الناس وإخراجهم من ظلمات الجهل إلى نور العلم ، فهذا يستوجب أن تكون الوسيلة التي جعلها من أجل الوصول لهذا الغرض متوفِّرة على المؤهّلات الكفيلة بتحقيق الغرض المنشود على أتمّ وجه .
ولمّا كان القرآن الكريم هو الوسيلة المجعولة من الله جلّ وعلا لتحقيق هذا الغرض فهذا يستوجب أن يكون واضحاً وبيناً يمكن الإسترشاد به والخروج به من ظلمات الضلالة إلى نور الهدى ، وإلاّ لو لم يكن كذلك فأيُ هداية يمكن أن تؤخذ عنه وهو مبهم ومجمل .
وكون القرآن مشتملا على مضامين عالية لا يُوجب إبهامه إذ انَّ الحكيم لا يجازف بأهدافه ، ومن هنا نجد أنّ القرآن الكريم رغم اشتماله على ما لا تصل إليه عقول الرجال مجتمعة مع ذلك فهو يصبُّ تلك المضامين الشامخة في قوالب لفظيّة بديعة ومفصحة عمّا هو المراد .

اللّهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد الأوصياء الراضين المرضيّين بأفضل صلواتك وبارك عليهم بأفضل بركاتك والسلام عليهم وعلى أرواحهم وأجسادهم ورحمة الله وبركاته .
والحمد لله ربّ العالمين
 


 

          العودة لمقدمة الكتاب

عودة للصفحة الرئيسية