|
الإطـلاق
ويقع البحث في جهات :
الجهة الاُولى : في تحديد معنى الإطلاق :
الإطلاق بحسب مدلوله اللغوي يعني الإرسال
بحيث يكون المطلق في سعة وفُسحة ، فحينما
يُقال دابّة مطلقة فهذا يعني أنَّها
مُرسَلة وغير معقولة بعقال يمنعها عن
الإسترسال في الحركة ، وكذلك حينما يقال
أطلق الرجل عنان دابّته أي رفع عنها القيد
المانع لها عن الاسترسال .
وهذا المعنى اللغوي للإطلاق لا يختلف
كثيراً عن معناه في مصطلح الاُصوليّين بل
أنَّ كلَّ التعاريف المذكورة للإطلاق تحوم
في حمى المعنى اللغوي ، وهذا واضح لِمَن
تأمَّل في التعاريف التي ذكروها للإطلاق .
وكيف كان فقد عرّف المصنّف (رحمه الله)
الإطلاق بما يُقابل التقييد ، ولمَّا أن
كان المراد من التقييد هو ملاحظة موضوع
الحكم أو متعلّقه مكتنفاً بقيد أو قيود
موجبة لتضييق دائرة الموضوع أو المتعلّق
فالإطلاق هو عدم ملاحظة تلك القيود .
فموضوع الحكم مثلا في كلٍّ من التقييد
والإطلاق واحد غايته أنَّ التقييد يُضيف
للموضوع قيوداً زائدة توجب تضيّقه ، وهذا
بخلاف الإطلاق حيث أنَّ الموضوع معه يكون
عارياً عن كل قيد حتى لحاظ عدم القيد إذ
أنَّ لحاظ عدم القيد قيد ، في حين أنَّه
قد افترضناه عارياً عن كل قيد .
وبهذا يصحُّ أن يقال أنَّ الإطلاق هو عدم
لحاظ القيد للطبيعة الواقعة موضوعاً أو
متعلّقاً لحكم من الأحكام ، فالحكم قد جعل
في حالات الاطلاق على الطبيعة المجرّدة عن
كل القيود ، وهذا هو معنى أنَّ الإطلاق من
سنخ الاُمور العدميّة إذ أنَّ معناه عدم
اللحاظ للقيد فكأنَّ المطلق ـ بصيغة
الفاعل ـ لم يُلاحظ القيود من رأس ، وانما
جعل الحكم على الطبيعة المجرّدة دون أن
يكون له التفات الى القيود حتى يثبتها أو
ينفيها إذ انّ إثبات القيد أو نفيه هو
معنى التقييد ، فانّ نفي القيد معناه انّ
الطبيعة ـ الواقعة موضوعاً أو متعلّقاً
للحكم ـ مقيدة بعدم القيد وبه لا يكون
موضوع الحكم هو الطبيعة المجرّدة ، فحينما
يقول المولى : « الميتة بشرط عدم الاضطرار
والاكراه حرام » فانَّ المجعول عليه
الحرمة في المثال ليس هو الطبيعة المجرّدة
والمرسلة بل هي الطبيعة المقيّدة بعدم هذه
القيود .
وبعبارة اُخرى : أن الطبيعة المجعول عليها
الحرمة ليس هي الميتة بما هي بل هي حصّه
خاصّة من الميتة وهي الميتة المتّصفة بعدم
الاضطرار والاكراه .
والمتحصّل ممّا ذكرنا ان الاطلاق يقابل
التقييد تقابل التناقض حيث قلنا أنّ
التقييد هو لحاظ القيود في مقام جعل الحكم
على موضوعه أو متعلّقه ، والإطلاق هو عدم
لحاظ القيود بل يكون الحكم مجعولا على
الطبيعة المجرّدة عن القيود .
فالتقابل بين لحاظ القيد وعدم لحاظه هو
تقابل التناقض كما هو واضح .
إذ اتّضح معنى الاطلاق ومعنى التقييد نقول
: إنّ الإطلاق يمكن تصوّره في الموضوع كما
يمكن تصوّره في المتعلّق ، وكذلك التقييد
يمكن تصوّره في الموضوع والمتعلّق ، ومن
أجل ان يتّضح المطلب نذكر لكل صورة من هذه
الصور الأربع مثالا :
الصورة الاُولى : الإطلاق في الموضوع :
ومثاله قوله تعالى : ] حُرّمت عليكم
الميتة [() ، فالميتة هي موضوع الحرمة في
الآية الشريفة ، وتلاحظون ان الحكم قد
جُعل على الطبيعة المرسلة والمجرّدة عن
القيود إذ لم يُلحظ معها أيُّ قيد ، أي
انّ مصب النظر في الآية الشريفة مقتصر على
طبيعة الميتة بما هي .
الصورة الثانية : الاطلاق في المُتعلَّق :
ومثاله « أكرم العلماء » فإنّ الإكرام هو
متعلّق الوجوب الثابت بصيغة الأمر ،
وتلاحظون ان متعلّق الحكم هو طبيعة
الاكرام العاري عن تمام القيود ولذلك فهي
تصدّق على كل أنحاء الاكرام .
الصورة الثالثة : التقييد في الموضوع :
ويمكن التمثيل له بقوله تعالى : ] ولا
تقربوا مال اليتيم [() فإن الموضوع للحرمة
في الآية الشريفة هو طبيعي المال ولكن
بإضافة قيد وهو اليتيم .
الصورة الرابعة : التقييد في المُتعلَّق :
ومثاله أيضاً قوله تعالى : ] ولا تقربوا
مال اليتيم إلاّ بالتي هي أحسن [()
فالمتعلّق للحرمة في الآية الشريفة هي
طبيعي التصرّف في مال اليتيم ولكن لوحظ مع
هذه الطبيعة قيد زائد وهو المستفاد من
قوله تعالى : ] إلاَّ بالتي هي أحسن [ إذ
انّ هذا تقييد لمتعلَّق الحرمة فكانّه قال
: أنهاكم عن التصرّف بغير حق ، فبغير حق
قُيّد به التصرّف الذي هو متعلَّق النهي
في الآية الشريفة .
الجهة الثانية : هل الإطلاق مُستفاد من
الوضع أو من دالٍّ آخر ؟
ويتحدَّد الجواب عن هذا السؤال بتحديد ما
هو الموضوع لألفاظ المفاهيم الواقعة
موضوعاً أو متعلّقاً للأحكام ، فإذا قلنا
أنَّ الفاظ المفاهيم موضوعة للطبايع بما
هي دون أن يكون الإطلاق والتقييد دخيلا
فيما هو الموضوع لها فهذا يعني أنَّ
الإطلاق غير مُستفاد من الوضع ، وإذا قلنا
إنَّ ألفاظ المفاهيم موضوعة للطبايع بنحو
الإطلاق فهذا يعني أنّ الاطلاق مُستفاد من
الوضع ، مثلا لو قلنا إنَّ لفظ الإنسان أو
لفظ الإكرام موضوعان لطبيعة الإنسان بما
هي ولطبيعة الإكرام بما هو دون أن يُلحظ
مع هذه الطبيعة شيء آخر فهذا يعني أنَّ
الإطلاق كالتقييد يعرضان على الطبيعة وليس
للفظ الإنسان أو للفظ الإكرام أيّ دلالة
عليهما وإنّما يُستفادان من دالٍّ آخر ،
فحينما يُقال : « أكرم الإنسان » فإنَّ
هنا مدلولين الأول طبيعة الإنسان والآخر
الإطلاق ، والمدلول الأوّل مستفاد من لفظ
الإنسان والمدلول الثاني مستفاد من دال
آخر غير مفهوم الإنسان كما هو الحال في
التقييد فحينما يقال : « أكرم الإنسان
العالم » فإنَّ مفهوم الإنسان أفاد معنى
الطبيعة بما هي ، والعالم أفاد التقييد
على نحو تعدد الدال والمدلول .
وهذا بخلاف ما لو قلنا إنَّ لفظ الإنسان
موضوع للطبيعة المطلقة فإنَّ الإطلاق
حينئذ مُستفاد من نفس لفظ الإنسان ولا
نحتاج الى دالٍّ آخر لإفادته ، وبه يكون
استعمال لفظ الإنسان في خصوص العالم
إستعمالا مجازيّاً لأنّه استعمال في غير
ما وضع له لفظ الإنسان إذ أنّه وضع
للطبيعة المطلقة وقد استُعمل في الطبيعة
المقيَّدة بالعالميَّة .
الثمرة المترتّبة على ما هو الدالُّ على
الإطلاق :
ويترتّب على الخلاف فيما هو الدال على
الإطلاق ثمرتان :
الثمرة الاُولى : وقد أشرنا إليها فيما
سبق ونذكرها لمزيد من التوضيح وهي أنّه
بناءً على أنَّ ألفاظ المفاهيم موضوعة
للطبايع بما هي فهذا يعني عدم وجود أيِّ
تجوّز في استعمال اللفظ الدال على الطبيعة
في المقيّد بنحو يكون الدالُّ على القيد
لفظاً آخر ، فيكون لفظ المفهوم محتفظاً
بمعناه وهو الطبيعة بما هي والقيد مُستفاد
من لفظ آخر على نحو تعدّد الدالِّ
والمدلول .
وأمَّا بناءً على أنَّ ألفاظ المفاهيم
موضوعة للطبايع المطلقة ، فهذا يعني أنَّ
استعمال ألفاظ المفاهيم وإرادة الطبايع
المقيّدة استعمال مجازي إذ أنّه استعمال
في غير ما وضعت له ألفاظ المفاهيم .
الثمرة الثانية : لو استُعمل لفظ من ألفاظ
المفاهيم في قضية من القضايا ولم ندرِ
أنّه استعمل في الطبيعة المطلقة أو في حصة
خاصة منها ، فإنَّه بناء على القول الأول
لا يمكن تحديد ما هو المراد من هذا اللفظ
بواسطة الوضع إذ أنَّ الوضع بناءً على هذا
القول لا يدلُّ على أكثر من الطبيعة بما
هي ، والإطلاق والتقييد أمران يعرضان
عليها فنحتاج لإثبات أحدهما إلى دالّ آخر
غير اللفظ الدال على الطبيعة .
وأمَّا بناء على القول الثاني فإنَّه في
مثل هذا الفرض نحمل اللفظ على الطبيعة
المطلقة إذ أنّه هو المعنى الموضوع له لفظ
المفهوم حيث قلنا إنّ الإطلاق قد اُخذ في
المعنى المدلول عليه بلفظ المفهوم .
وبهذا تكون الدلالة الوضعيّه التصوّرية
للفظ المفهوم هي الطبيعة المطلقة ومنه
نُحرز أنَّ المتكلّم أراد من لفظ المفهوم
الطبيعة المطلقة وذلك لقاعدة إحترازية
القيود .
الجهة الثالثة : الصحيح من القولين بنظر
المصنّف (رحمه الله) :
وقد استوجه المصنّف (رحمه الله) من هذين
القولين القول الأول القاضي بكون ألفاظ
المفاهيم موضوعة للطبايع بما هي دون أن
يكون لهذه الألفاظ دلالة على الإطلاق .
واستدلّ على ذلك بما عليه أهل المحاورة
وبما هو المتفاهم عندهم من عدم عدِّ
استعمال لفظ المفهوم في الحصَّة الخاصَّة
ـ على سبيل تعدّد الدال والمدلول ـ مجازاً
مما يكشف عن أنَّ الموضوع له لفظ المفهوم
هو الطبيعة فحسب دون أن تكون له دلالة على
الإطلاق بالإضافة للطبيعة .
قرينة الحكمة : وبعد أن لم يكن الوضع دالا
على الإطلاق يقع الكلام عن ما هو الدالُّ
على الإطلاق فنقول : إنَّ الإطلاق ـ كما
ذكرنا ـ هو عدم لحاظ القيود في الموضوع
الذي يُراد جعل الحكم له وإذا كان كذلك
ففي كل مورد لا يذكر فيه المتكلّم أيَّ
قيد للموضوع المجعول في الحكم رغم أنَّ
المتكلّم في مقام بيان تمام غرضه ، وليس
هناك مانع يمنعه عن بيان تمام مراده ،
فهذا يعني أنَّ الحكم قد جعل الحكم على
الموضوع المطلق والمجرّد عن تمام القيود ،
ولو لم يكن كذلك لذكر القيود المضيِّقة
لدائرة الموضوع ، وإلاَّ لكان ذلك خُلْف
كون المتكلّم في مقام البيان لتمام غرضه
والذي استفدناه من ظهور حال كلّ متكلّم
وأنّه يُبيّن تمام مراده .
وبهذل يتّضح أنَّ الإطلاق مُستفاد من ظهور
حال كلِّ متكلّم في أنَّ ما ذكره هو تمام
مراده وأنَّ الذي لم يذكره في كلامه فهو
غير مُراد له إذ أنَّه لو كان مراداً
لذكره ، فعدم ذكره له كاشفٌ عن عدم إرادته
إذ لو كان مريداً له ولم يذكره لكان ذلك
نقضاً للغرض ، والحكيم لا ينقض غرضه .
وبهذا البيان ـ المُعبَّر عنه بقرينة
الحكمة ـ ينعقدُ الظهور للإطلاق .
ولمزيد من التوضيح نقول : إنَّ الدالَّ
على الإطلاق هو قرينة الحكمة وهي تعني
ظهور حال المتكلّم في عدم إرادة القيود
التي لم يذكرها في كلامه . ومنشأ هذا
الظهور هو مجموعة من المقدمات ينعقدُ عن
ترتيبها هذا الظهور الحالي السياقي وهذه
المقدِّمات هي :
أولا : إفتراض الموضوع ـ الذي جعل
المتكلّم له الحكم ـ مجرّداً عن أيِّ قيد
.
ثانياً : إفتراض عدم وجود مانع يمنع عن
بيان تمام المراد من تقيّة أو نحوها .
ثالثاً : إنَّ الأصل في كلِّ متكلّم أن
يكون في مقام بيان تمام أغراضه .
رابعاً : انَّ كلَّ متكلّم عاقل إذا
تعلَّق غرضه بشيء يسعى لتحقيق غرضه .
خامساً : انَّ عدم السعي لتحقيق الغرض نقض
للغرض .
سادساً : انَّ الحكيم لا ينقض غرضه ولا
يسمح بفواتِ وتضييعِ مُراداته .
سابعاً : إنَّ عدم ذكر القيد مع عدم
إرادته نقض للغرض وتفويتٌ للمصالح
المُرادة كما أنَّه خُلْف كونِ المتكلّم
في مقام بيان تمام مراده .
ولو تأمّلنا هذه المقدّمات ورتّبناها على
شكل أقيسة منطقيّة لوجدنا أنَّها هي التي
أوجبت ظهور حال المتكلّم في عدم إرادة
القيود التي لم يذكرها وهذا هو عينُ قرينة
الحكمة المُوجبة لانعقاد الظهور في
الإطلاق .
وخلاصة الكلام إنَّ قرينة الحكمة التي
ينعقد بها الظهور في الإطلاق لا تكون
إلاَّ في مرحلة المدلول التصديقي الجدِّي
كما هو الحال في قاعدة احترازية القيود إذ
أنّهما يشتركان في أنَّ استفادتهما لا
تتمُّ إلاَّ من خلال معرفة حال التمكلّم
وأنَّه جادٌّ في تفهيم مقاصده عن طريق ما
جاء به من خطاب .
غاية ما في الأمر أنَّ قاعدة إحترازية
القيود تفترق عن قرينة الحكمة في أنَّ
الاُولى تُوجب إنعقاد ظهور حال المتكلّم
في أنَّ ما ذكره من قيود من مرحلة المدلول
الوضعي التصوّري فهي مرادة في مرحلة
المدلول التصديقي الجدّي .
أمّا قرينة الحكمة فهي تُوجب ظهور حال
المتكلّم في أنَّ الذي لم يذكره في خطابه
في مرحلة المدلول الوضعي التصوّري فهو غير
مُراد له ، وبهذا ينعقد الظهور في الإطلاق
إذ أنَّ القيود التي لم يذكرها إذا لم تكن
مُراده فهذا يعني انّ المراد هو الطبيعة
المجرّدة فحسب إذ أنها هي التي ذكرها
المتكلّم في خطابه ، فبضمّ أنما ذكره من
لفظ دالٍّ على الطبيعة فهو مُريد له ،
وانّ الذي لم يذكره من قيود للطبيعة فهو
غير مراد له ينعقد الظهور في الاطلاق .
وهنا إشكال قد يَرد على إنعقاد الظهور في
الاطلاق بواسطة قرينة الحكمة وحاصله :
انّ قرينة الحكمة تعتمد فيما تعتمد على
استظهار كون المتكلّم في مقام البيان
لتمام مراده ، وهذه المقدّمة غير حاصلة
وذلك لأنّ المتكلّم إذا لم يُبيِّن ما
يدلّ على الاطلاق فهو لم يُبيِّن تمام
مراده ، إذ غاية ما بيَّنه هو جعل الحكم
على الطبيعة وهي بنفسها لا تقتضي الاطلاق
كما لا تقتضي التقييد ، والحال أنَّه إمّا
انْ يكون مريداً للإطلاق أو يكون مريداً
للتقييد ، فما بيَّنه إذنْ ليس تمام مراده
إذ أنَّ مراده لو كان التقييد فهو لم يأتِ
بالتقييد كما هو الفرض ، ولو كان مراده
الاطلاق فأيُّ شيء يدلُّ على الإطلاق ؟ في
حين لم يأتِ في كلامه الاّ بما يدلُّ على
الطبيعة ، والطبيعة ـ كما هو مقتضى هذا
المبنى ـ لا تستبطن هذا الاطلاق .
والجواب عن هذا الإشكال يتمُّ بملاحظة ما
ذكرناه من أنَّ الاطلاق هو عدم لحاظ
القيود ، فإذا كان المتكلّم قد جعل الحكم
على الطبيعة ولم يقيّد هذه الطبيعة بأيِّ
قيد فإنَّ هذا يعني عدم إرادة هذه القيود
إذ أنّه لو كان مريداً لها ولم يذكرها فقد
نقض غرضه والحكيم لا ينقض غرضه ، وبهذا
ينعقد الاطلاق إذ أنَّ الاطلاق كما قلنا
ليس أكثر من عدم لحاظ القيود ، وقد ثبت
بالمقدّمة السابقة انّ المتكلّم لم يُلاحظ
القيود حينما جعل الحكم على الطبيعة .
إذن فالذي هو مفتقر إلى مؤنة زائدة على
ذكر الطبيعة هو التقييد إذ انّه يعني لحاظ
القيود ولا مثبت للحاظ القيود إلا ذكرها .
وهذا بخلاف الاطلاق فإنَّ ذكر الطبيعة
وحدها مع الظهور الحالي للمتكلّم في انّ
الذي لم يذكره لا يُريده كاف في إنعقاد
الاطلاق .
وبعبارة اُخرى : كاف في إثبات عدم إرادة
القيود وهو معنىً ثان للإطلاق إلا أنْ
يقال بانّ الاطلاق لا ينعقد إلاّ بتصريح
المتكلّم بعدم ارادة القيود ، ولكن هذا
القول بعيد عن الصواب وذلك لأنّه يستبطن
انّ المتكلّم لابدَّ ان يذكر كل ما يريد
وكل ما لا يريد والاّ لا ينعقد لكلامه
ظهور ، وهذا باطل حتماً إذ انّ المتفاهم
العرفي من حال كلّ متكلّم انّ الذي لم
يذكره في خطابه فهو لا يُريده وانّ مقدار
ما يريده هو مقدار ما بيّنه في خطابه .
وبهذا اتضح أنّ قرينة الحكمة هي الدالُّ
على الاطلاق ولهذا لا ينعقد للاطلاق ظهور
فيما لو اختلَّت بعض مقدمات قرينة الحكمة
، فلو أحرزنا من الخارج مثلا انّ المتكلّم
ليس في مقام البيان لتمام موضوع حكمه
فإنّه لا ينعقد للإطلاق ظهور إذ لا يمكن
في هذه الحالة إستظهار أنّ الذي لم يذكره
المتكلّم فهو غير مريد له إذ لعلّ بعض
الذي لم يذكره مراد له ، ولا نافي لهذا
الاحتمال بعد أن أحرزنا ان المتكلّم ليس
في مقام البيان لتمام موضوع حكمه ، وهذا
بخلاف ما لو كان الإطلاق مستفاداً عن
الوضع فإنَّ ذكر الطبيعة وحدها كاف في
انعقاد الظهور في الاطلاق حيث أن الطبيعة
ـ بناءً على هذا المبنى ـ تستبطن معنى
الاطلاق وذلك لأنّ اللفظ الدال عليها
موضوع للطبيعة المطلقة ، وبذكر اللفظ
الدالِّ على الطبيعة المطلقة تتنقّح
الدلالة الوضعيّة التصوّرية ، وبضم هذه
الدلالة الى قاعدة احترازية القيود
ـ التي تنشأ عن أصالة التطابق بين
المدلول التصوّري والمدلول الجدِّي ـ
ينعقد الظهور في الاطلاق أي أنَّ المتكلّم
مُريد للإطلاق .
وبتعبير آخر : انّه لمّا كان معنى
إحترازيّة القيود هو أنّ كلَّ ما ذكره في
خطابه فهو مُريد له ، فهذا يعني أنه مُريد
للإطلاق إذ انّ ذكر ما يدلَّ على الطبيعة
ذكر للاطلاق حيث انّ اللفظ الدال عليها
موضوع للطبيعة المطلقة ، وهذا بخلاف
المبنى الآخر حيث أنّ اللفظ الدال على
الطبيعة لا يدلُّ على أكثر منها وانّ
الاطلاق إنما هو مُستفاد من قرينة الحكمة
ولمّا كانت بعض مقدّمات قرينة الحكمة
مفقودة في المقام فلا دالّ على الاطلاق .
الجهة الرابعة : أقسام الإطلاق :
ويمكن تقسيم الاطلاق إلى قسمين :
الأول : الاطلاق الشمولي .
الثاني : الاطلاق البدلي .
وكل واحد من هذين القسمين يمكن تقسيمه الى
قسمين فحاصل أقسام الاطلاق أربعة :
القسم الاول : الاطلاق الشمولي : وهو ما
كان الاطلاق فيه مستوعباً لتمام أفراد أو
أحوال الطبيعة المطلقة بحيث يكون الحكم
المجعول على الطبيعة المطلقة منحلاًّ الى
أحكام بعدد أفراد أو أحوال تلك الطبيعة .
وبتعبير آخر : يكون الحكم مجعولا على كل
أفراد أو أحوال الطبيعة على سبيل العطف
بالواو .
وهذا القسم من الإطلاق يمكن تقسيمه إلى
قسمين :
الاول : الاطلاق الشمولي الافرادي : وهو
ما كان مصب الحكم فيه هو أفراد الطبيعة ،
فهو شمولي باعتبار إستيعابه للطبيعة
وأفرادي باعتبار أنّ مصبّه أفراد الطبيعة
. ومثاله قوله تعالى : ] واجتنبوا قول
الزور [() فإنَّ الحكم ـ وبواسطة قرينة
الحكمة ـ مجعول على تمام أفراد الطبيعة «
وهي الزور » فلذلك يمكن تحليل هذا الخطاب
الى قضايا ـ موضوعها فرد من أفراد الزور
ومحمولها لزوم الاجتناب ـ بعدد أفراد
الطبيعة .
الثاني : الاطلاق الشمولي الأحوالي : وهو
ما كان مصبُّ الحكم فيه أحوال الطبيعة
الواقعة موضوعاً أو متعلّقاً لذلك الحكم ،
فهو شمولي باعتبار إستيعابه للطبيعة
وأحوالي باعتبار أنّ الحكم وقع على أحوال
الطبيعة ، ومثاله قوله تعالى : ] ولا
تقربوا مال اليتيم [() فان الحكم ـ
وبواسطة قرينة الحكمة مجعول على تمام
أحوال طبيعة اليتيم أي سواء كان رضيعاً أو
مراهقاً وسواء كان سفيهاً أو عاقلا غنياً
أو فقيراً وهكذا .
القسم الثاني : الاطلاق البدلي : وهو ما
كان الحكم واقعاً على أحد أفراد أو أحوال
الطبيعة على سبيل البدل بحيث يمكن تحليل
الطبيعة الى أفرادها وجعل الحكم على
الافراد بنحو العطف « بأو » ، ولذلك يتحقق
الإمتثال بمجرّد الاتيان بفرد من أفراده .
وهذا القسم ينقسم أيضاً الى نفس القسمين
اللَّذين ينقسم عليهما الإطلاق الشمولي ،
غايته انّ الاطلاق هناك شمولي وهنا بدلي
ويمكن التمثيل للأول بقوله تعالى : ] أقم
الصلاة [() فإنّ الإطلاق هنا بدلي أفرادي
حيث أنّ الحكم قد وقع على أحد أفراد
الطبيعة « وهي الصلاة » على سبيل البدل .
ويمكن التمثيل للثاني بقوله تعالى : ] وإن
خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله
... [() فإنَّ امتثال الأمر يتحقق ببعث
حكم سواء كان عالماً أو جاهلا شيخاً أو
كهلا .
وبما ذكرناه يتّضح أنَّ الطبيعة الواحدة
قد يعرضها في وقت واحد إطلاق أفرادي
وإطلاق أحوالي كما في الآية الشريفة حيث
يمكن التمسك بإطلاقها لإثبات إجزاء أيَّ
فرد من أفراد الأهل كما يمكن التمسك
بإطلاقها لإثبات أيَّ حالة يكون عليها
الحكم المبعوث .
الإطلاق في المعاني الحرفية :
لا ريب في إمكان بل وقوع الإطلاق في
المعاني الاسمية ـ والتي هي مُستفادة من
ألفاظها إستقلالا ـ وذلك مثل : (تصدّق على
الفقير) فإنّه يمكن بقرينة الحكمة أنْ
يعرض الإطلاقُ طبيعةَ الفقير والذي هو من
المعاني الاسمية إذ أنّ لفظ الفقير يدلّ
على معناه استقلالا وكذلك الكلام في مثل :
(لا تكذب) فإنَّ طبيعة الكذب من المعاني
الإسمية إذ هو دال على معناه استقلالا ،
وهذا المقدار كما قلنا من صلاحية قرينة
الحكمة لخلْق الإطلاق لا ريب فيه ، إنَّما
الإشكال في صلاحية قرينة الحكمة لخلق
الإطلاق في المعاني الحرفية ـ والمستفادة
من الهيئات الواقعة في إطار الجمل التامّة
والناقصة وذلك مثل الحرمة المُستفادة من
هيئة (لا تكذب) فإنَّ الكلام يقع فيها من
حيث إمكان جريان قرينة الحكمة لإثبات
الإطلاق في النسبة الزجريّة أو عدم إمكان
ذلك .
وهذا ما أرجأ المصنّف البحث عنه إلى
الحلقة الثالثة ، وسيتّضح هناك إمكان
جريان قرينة الحكمة في المعاني الحرفيّة .
التقابل بين الإطلاق والتقييد :
وقبل البحث عن نحو التقابل بين الإطلاق
والتقييد لابدَّ من بيان أقسام التقابل .
وهي كما ذكر المناطقة على أربعة أقسام :
الأول : تقابل التضاد : وهو ما يكون بين
الأمرين الوجوديين اللَّذَين يستحيل
عُروضهما على موضوع واحد في آن واحد ولا
يكون تصوّر أحدهما مستدعياً لتصوّر الآخر
. وإن حصل التداعي من تصوّر أحدهما لتصوّر
الآخر فهو لأمر خارجي لا يقتضيه نفس تصوّر
الضد .
ويمكن التمثيل لذلك بالحُسْن والقُبْح
والحُب والبُغض الذكاء والغباء ، فإنَّ
كلاًّ من الحُسن والقُبح أمران وجوديّان
يستحيل عروضهما على موضوع واحد في آن واحد
كما لا يلزم من تصوّر أحدهما تصوّر الآخر
.
الثاني : تقابل التضايف : وهو يكون أيضاً
بين الأمرين الوجوديّين اللَّذَين يستحيل
عروضهما على موضوع واحد ومن حيثيّة واحدة
، وجهة الإفتراق بين التضاد والتضايف أنَّ
الاول لا يلزم من تصوّر أحدهما تصوّر
الآخر بخلاف الثاني فإنَّ تصوّر أحد
المتضايفَين يلزم منه تصوّر الآخر ،
ومثاله : الأب والإبن وأخوة زيد لعمرو
وأخوة عمرو لزيد والقريب والبعيد والصغير
والكبير وهكذا .
فإنَّ التقابل بين الأب والإبن تقابل
التضايف ، وذلك لأنّهما أمران وجوديّان
يستحيل إجتماعهما على موضوع واحد من
حيثيّة واحدة إذ أنَّه لا يمكن أن يكون
زيد أباً لعمرو وإبناً لعمرو نفسه ، وإلى
هذا المقدار يكون تقابل التضايف هو عين
تقابل التضاد إلاَّ أنّهما يفترقان من حيث
أنّ تقابل التضايف لا يكون إلاَّ في
العنوانين اللَّذَين يلزم من تصوّر أحدهما
تصوّر الآخر كما في مثالنا ، فإنَّ تصوّر
عنوان الأب يستلزم تصوّر عنوان الإبن وما
ذلك إلاَّ لأنَّ العناوين المتضايفة
عناوين نسبيّة إضافية أيْ أنَّها تُنتزع
من إضافة أحد العنوانين إلى الآخر .
الثالث : تقابل التناقض : وهو ما يكون بين
الوجود والعدم لذلك الوجود ، واستحالة
اجتماعهما يُعَدُّ من الأوليّات التي لا
تفتقر إلى برهان ، كما أنّه يستحيل
ارتفاعهما إذْ أنّه ليس هناك حالة ثالثة
ليست وجوداً وليست عدماً بل الأشياء لا
تخلو إمَّا أن تكون موجودة أو معدومة ،
ومثاله : وجود الحيوان وعدم وجوده ، ووجود
الكرم وعدم وجوده ، وهكذا .
إذن يفترق التقابل بين النقيضين عن
التقابل بين الضدّين والمتضايفين أنّ
النقيضين يستحيل خلو الواقع عنهما معاً ،
وهذا بخلاف الضدّين والمتضايفين .
وهناك فارق آخر وهو أنَّ تقابل التناقض
يُتعقّل في الجواهر كما يُتعقّل في
الأعراض ـ كما اتضح ذلك من التمثيل السابق
ـ وهذا بخلاف تقابل التضاد والتضايف فإنّه
لا يكون إلاَّ من الأعراض ، ولذلك قلنا
(أنهما يعرضان على موضوع واحد) .
الرابع : تقابل الملكة وعدمها : وهو
التقابل الواقع بين الوجود والعدم في
موضوع يمكن أن يتّصف بذلك الوجود ، فلذلك
لا يكون التقابل بين الملكة والعدم إلاَّ
في الأعراض إذ أنَّ الملكة لا تجعل بجعل
الذات بل هي تعرض على الذات أو لا تعرض ،
وذلك لأنَّ الذات تجعل بنحو الجعل البسيط
والذي هو إيجاد نفس الذات ، وهذا بخلاف
جعل الملكة فإنَّه يكون بنحو الجعل
التأليفي أي اتصاف الذات بشيء بعد تقرُّرِ
الذات في رتبة سابقة ، ومن هنا يتّضح
إمكان خلوِّ الواقع عن الملكة وعدمها بأن
لا يكون الموضوع متّصفاً بالملكة أو
بعدمها إلاَّ أنَّ خلو الواقع منهما لا
يُتصوّر إلاَّ في الموضوعات التي ليس لها
شأنية الإتّصاف بالملكة ، أمّا في الموضوع
الذي له شأنيّة الإتّصاف بالملكة فإنّه لا
يمكن أنْ يخلو واقعه من الملكة وعدمها .
ويمكن التمثيل لهذا النوع من التقابل
بالنطق وعدمه والشجاعة وعدمها ، فإنَّ
النطق هو الملكة وعدم النطق هو عدم الملكة
ولا يمكن إجتماعهما على موضوع واحد في آن
واحد ، كما أنَّ عدم ملكة النطق مثلا لا
يتّصف بها غير الإنسان كالنبات إذ أنّه
غير متّصف بالملكة فلا يتّصف بعدمها ،
وبهذا يتّضح إمكان خلوّ الواقع منهما
فإنَّ النبات لمَّا لم يكن له شأنية
الملكة فلا يتّصف بعدهما .
إذا اتّضحت أنحاء التقابل ، يقع الكلام
فيما هو نوع التقابل بين الإطلاق والتقييد
، والبحث عنه تارة يقع في مقام الثبوت
واُخرى في مقام الإثبات .
أمَّا مقام الثبوت : فتوضيحه أنَّ واقع
التقابل يمكن تحديده وتضييق دائرة
احتمالاته عن طريق ما ذكرناه في بيان معنى
التقييد والاطلاق ، حيث قلنا أنَّ التقييد
هو لحاظ القيد والإطلاق هو عدم لحاظ القيد
، وإذا كان كذلك فنحو التقابل بينهما لا
يمكن أن يكون من قبيل تقابل الضدَّين أو
تقابل المتضايفين لأنَّ التقابل بين
الضدّين وكذلك المتضايفين لا يكون إلاَّ
بين الأمرين الوجوديين ، والإطلاق ليس من
سنخ الاُمور الوجوديّة إذ أنّه كما قلنا
عبارة عن عدم لحاظ القيد ، وبذلك تنحصر
دائرة الإحتمالات عن واقع التقابل بين
الاطلاق والتقييد في احتمالين :
الإحتمال الأول : هو تقابل التناقض : إذ
أنَّه يمكن أن ينسجم مع تعريف الإطلاق
والتقييد كما هو واضح ، فيكون التقييد
والإطلاق من قبيل وجود زيد وعدم وجوده ،
ويترتّب على هذا الإحتمال أنَّه في كلّ
مورد يثبت فيه التقييد فهو يعني عدم
الإطلاق وكذلك العكس ، وذلك لأنَّ الواقع
لا يخلو من أحد النقيضين كما اتّضح مما
سبق .
الإحتمال الثاني : هو تقابل الملكة وعدمها
: وهذا الاحتمال أيضاً يمكن إنسجامه مع
تعريف الإطلاق والتقييد بحيث يكون التقييد
هو الملكة والإطلاق هو عدم الملكة ،
ويترتّب على ذلك أنَّ الإطلاق لا يُتصوّر
إلاَّ في مورد يمكن فيه التقييد كما هو
الحال في النطق وعدمه .
أمَّا مقام الإثبات : فالمتعيّن فيه هو
تقابل الملكة وعدمها ، فالتقييد هو الملكة
والإطلاق عدمها ، وذلك لأنَّ مقام الإثبات
يعني مقام ما يُثبِت الإطلاق والتقييد في
مرحلة الدلالة على مقام الثبوت ، إذ أنَّ
وظيفة مقام الإثبات والدلالة هي الكشف عن
مقام الثبوت والواقع ، ومن الواضح أنَّ
الذي يكشف عن التقييد الثبوتي هو ذكر
القيد في مقام الدلالة ، وأنَّ الذي يكشف
عن الإطلاق الثبوتي هو عدم ذكر القيد في
مورد يمكن فيه التقييد أي له شأنيّة أن
يُقيد ، ولو لم يكن المورد قابلا للتقييد
لما كان عدم ذكر القيد دالا على الإطلاق
الثبوتي وذلك لأننا بالوجدان نرى أنَّ
الموارد التي لا تقبل التقييد لا يكون عدم
ذكر القيد لها كاشفاً عن الإطلاق ، وهذا
ما يدلُّ على أنَّ نحو التقابل بين
الإطلاق والتقييد في مرحلة الإثبات هو
تقابل العدم والملكة .
الحالات المختلفة لاسم الجنس :
وقبل بيان هذه الحالات لابدَّ من تشخيص
معنى اسم الجنس فنقول :
إنَّ اسم الجنس هو ما يُوضع بإزاء الطبيعة
التي يمكن أن تنطبق خارجاً على كثرين ،
باعتبارها الحقيقة المشتركة بينهم ، إلاَّ
أنَّ هذا لا يعني أنَّ اسم الجنس موضوعاً
للطبيعة بقيد الانطباق على ما تصدق عليه
من أفراد لأنَّ ذلك يعني أنَّ الإطلاق
مأخوذ فيما وُضع له اسم الجنس ، وقد قلنا
أنَّ الإطلاق كالتقييد يعرض على الطبيعة
أو لا يَعرض .
ويمكن التمثيل لإسم الجنس بكل المفاهيم
المُعبَّر عنها في المنطق بالمفاهيم
الكليّة ، والتي يكون لها مصاديق أو لا
يكون لها مصاديق في الخارج كالإنسان
والأسد والرجل والنار والحجر والشجر ،
وهكذا ، فإنَّ كلّ هذه العناوين مفاهيم
كلّية لها مصاديق أو يمكن أن لا يكون لها
مصاديق في الخارج .
وإذا اتّضح المراد من اسم الجنس ، فنقول :
إنَّ لاسم الجنس ثلاث حالات :
الحالة الاُولى : وهي ان يكون اسم الجنس
معرَّفاً باللاّم ، وذلك مثل قوله تعالى :
] حُرِّمت عليكم الميتةُ والدمُ [() وقوله
تعالى : ] أقم الصلاةَ لدلوكِ الشمس [() ،
فإنَّ المتية والدم والصلاة كلُّها اسماء
أجناس معرّفةٌ بالاَلف واللام ، وقد أضفت
لامُ التعريف على هذه الأسماء خصوصية
زائدة على ما هو الموضوع له إسم الجنس ،
وهذه الخصوصية الزائدة هي التعريف إذ انّه
لا تُستفاد هذه الخصوصيّه من حاقِّ اسم
الجنس .
ولام التعريف على أنحاء ، فتارةً تُفيد
العهد الحضوري وتارة تُفيد العهد الذكري ،
وتارة تُفيد العهد الذهني الخاص ، واُخرى
تفيد العهد الذهني العام ويُعبَّر عنها في
النحو الرابع بلام الجنس .
وهذه الأنحاء الأربعة للام التعريف تشترك
في أنّها مُفيدة للإشارة الى ما هو
متعيِّن ومعهود عند المخاطب ، فدورها دور
اسم الاشارة ، فكما أنّ اسم الاشارة
تُوجِّه المخاطب نحو ما هو معهود ومتعيِّن
عنده من معنى المُشار اليه ، فكذلك لام
التعريف ، فقولنا الأسد في قوّة قولنا «
هذا أسد » من حيث أنّ اللام وإسم الاشارة
« هذا » يُشيران الى ما هو المتعيّن في
الذهن عند المخاطب نيتجة مُلابسات وعوامل
إقتضت ذلك التعيّن والمعهوديّة ، غايته ان
نوع التعيّن تختلف باختلاف أنحاء لام
التعريف .
أمّا النحو الأول : للام التعريف ـ وهي
العهديّة الحضوريّة ـ فتتحقّق في حالة
يكون فيها اسم الجنس مذكوراً في الخطاب
قبل تعريفه ، فتعريف اسم الجنس بعد ذلك
وفي نفس الخطاب يُفيد العهد الحضوري لحضور
اسم الجنس بنفسه في الخطاب ، وذلك مثل
قوله تعالى : ] كمشكاة فيها مصباح المصباح
في زجاجة الزجاجة كأنّها كوكبٌ دُرّي [()
فإنّ لام المصباح ولام الزجاجة هي لام
العهد الحضوري ، وذلك لأنّ اسم الجنس وهو
« مصباح وزجاجة » قد ذُكر في نفس الخطاب
منكَّراً قبل ذكره معرَّفاً باللام ،
فلذلك تكون اللام في المصباح والزجاجة
مُشيرة لما هو متعيّن ومعهود عند المخاطب
من معنى مصباح وزجاجة بسبب ذكر المتكلّم
لهما في خطابه قبل ذكرهما معرَّفين
باللاّم .
وأمّا النحو الثاني : للام التعريف ـ وهي
اللام المفيدة للعهد الذكري ـ فتتحقّق في
حالة يكون فيها اسم الجنس مذكوراً في
خطابات سابقة على الخطاب الذي عُرِّف فيه
اسم الجنس باللام ، كأنْ يقول المتكلّم «
رأيت أسداً » ثم يقول بعد ذلك لنفس
المخاطب « انّ الاسد كان كبيراً » فإنّ
اللام في هذا الخطاب هي لام العهد الذكري
، وهي تُشير الى ما هو المتعيّن والمعهود
عند المخاطب بسبب ذكر اسم الجنس مجرّداً
عن لام التعريف في خطاب سابق .
وأمّا النحو الثالث : للام التعريف ـ وهي
اللام المفيدة للعهد الذهني الخاص ـ فهو
ما اذا كانت هناك قرائن مُوجبة لمعهوديّة
اسم الجنس وتعيّنه في ذهن المخاطب فتكون
اللام الداخلة على اسم الجنس في الخطاب
مُشيرة الى ذلك المعهود والمتعيّن في ذهن
المخاطب بسبب تلك القرائن ، وذلك مثل قوله
تعالى : ] النبيُّ أولى بالمؤمنين من
أنفسهم [() فاللام هنا مفيدة لتعيّن ما هو
معهود في ذهن المخاطب من جرّاء قرائن
معيّنة من قبيل أنّه لا نبي في زمن الخطاب
إلا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
المعهود ، وبهذا تكون اللام مشيرة الى ما
هو المتعيّن في الذهن .
وسُمِّي العهد الذهني بالخاص لأنّ المعهود
في الذهن هو حصّة خاصّة من الطبيعي .
وأمّا النحو الرابع : للام التعريف ـ وهي
اللام المفيدة للعهد الذهني العام ـ فهو
ما اذا كان إسم الجنس بسعته معهوداً في
ذهن المخاطب نتيجة معرفة أصل وضعه مثلا أو
نتيجة استعماله كثيراً عند أهل المحاورة
في معناه السعي مما أوجب تعاهده في الذهن
بهذا النحو من السعة ، وفي مثل هذه الحالة
لو اُدخلت لام التعريف على اسم الجنس
ودلَّت القرينة على أنَّ هذه اللام هي لا
الجنس فإنَّ هذا يقتضي إفادة اللام
للاشارة لما هو معهود ومتعيِّن في الذهن
من المعنى على سعته ، والناشئ عن ملابسات
خاصة أوجب تعيّنه وهي كما قلنا مثل معرفة
أصل الوضع .
ويمكن التمثيل له بقوله تعالى : ] إنَّ
الإنسان لربّه لَكَنود [() ، وقوله تعالى
: ] وليس الذكر كالاُنثى [() ، فإنّ اللام
في مثل الإنسان تُشير الى ما هو معهود
ومتعيِّن في الذهن من معنى اسم الجنس على
سعته .
إذا اتّضح ما ذكرناه فنقول : انّ اسم
الجنس المدخول للام التعريف له الصلاحيّه
لأنْ يَعرض عليه الاطلاق اذا اكتنف
استعماله بما يوجب ظهور حال المتكلّم في
إرادة الاطلاق .
والاطلاق المناسب لاسم الجنس المدخول للام
التعريف هو الاطلاق الشمولي القاضي
باستيعاب اسم الجنس المعرَّف باللام لتمام
ما يصدق عليه من أفراد .
الحالة الثانية : لاسم الجنس هي أنْ يكون
اسم الجنس منوَّناً بتنوين التنكير ، وذلك
مثل قوله تعالى : ] ربّنا أنزل علينا
مائدةً من السماءِ [() ، وقوله تعالى : ]
لعلِّي ءآتيكم منها بقبس [() ، فإنَّ اسم
الجنس « مائدة وقبس » قد اُضفي عليه معنىً
زائداً على المعنى الموضوع له اسم الجنس
بسبب تنوين التنكير ، وهذا المعنى هو قيدُ
الوحدة فيكون اسم الجنس المنوّن بتنوين
التنكير يدلُّ على الطبيعة المقيَّدة
بالوحدة على نحو تعدّد الدالِّ والمدلول ،
فاسم الجنس دالّ على الطبيعة بما هي ،
وتنوين التنكير دال على تقيّد الطبيعة
بالوحدة ، فيكون اسم الجنس محتفظاً بمعناه
الموضوع له ويبقى صالحاً للإنطباق على
أفراده ، وغاية ما يصنعه تنوين التنكير هو
تقييد الطبيعة بقيد الوحدة والذي يقضي
بإرادة أحد أفراد الطبيعة على نحو البدل
دون أن يكون لتنوين التنكير أيّ دلالة على
تعيين فرد من أفراد الطبيعة .
ومن هنا يتّضح أنَّ اسم الجنس المنوّن
بتنوين التنكير يصلح لأن يعرض عليه
الإطلاق ، إلاَّ أنَّ الإطلاق المناسب
للعروض عليه هو خصوص الإطلاق البدلي وذلك
لمكان التنوين المفيد لقيد الوحدة ، فمثلا
قوله تعالى : ] إنَّ اللهَ يأمركم أن
تذبحوا بقرةً [() فإنَّ اسم الجنس (بقرةً)
وإن كان موضوعاً للطبيعة الصالحة للإنطباق
على أفرادها إلاَّ أنَّ تنوين التنكير
أضفى عليها معنىً زائداً ـ وهو قيد الوحدة
ـ فأوجب ذلك عدم صلوح اسم الجنس لأنْ يعرض
عليه الإطلاق الشمولي ، وذلك لأنَّ
الإطلاق الشمولي يعني الاستيعاب لتمام
أفراد الطبيعة في عرض واحد وهو لا يُناسب
قيد الوحدة المُفاد بواسطة تنوين التنكير
، إذ أنَّ المناسب لقيد الوحدة هو الإطلاق
بنحو العطف (بأو) فقوله تعالى : ] إنَّ
الله يأمركم أن تذبحوا بقرةً [() في قوة
أنْ يقول : (يأمركم أن تذبحوا هذه البقرة
أو هذه أو هذه) .
الحالة الثالثة : ـ لإسم الجنس ـ أن لا
يكون معرّفاً ولا منوّناً بتنوين التنكير
كما لو كان منوّناً بتنوين التمكين أو
مضافاً .
والمراد من تنوين التمكين هو ما يعرض
الأسماء المعربة لغرض تشخيصها عن الأسماء
المبنيّة ، وليس لهذا النوع من التنوين
أيّ معنىً يمكن أن يُضاف إلى المعنى
الموضوع له إسم الجنس ، ويمكن أن يُمثَّل
له بقوله (عليه السلام) : « مَن تزوّج
امرأةً لمالها وكّله الله إليه »() ،
فإنَّ التنوين في إسم الجنس (إمرأة) هو
تنوين التمكين بدليل أنَّ العرف لا يفهم
من اسم الجنس الواقع في هذه الجملة إلاَّ
معناه الموضوع له ، وهذا يعني أنَّ
التنوين لم يُضف معنىً زائداً على المعنى
الموضوع له إسم الجنس ولو كان هذا التنوين
هو تنوين التنكير لكان هذا يقتضي إضافة
قيد الوحدة لمعنى اسم الجنس ، ويمكن أن
نمثّل له أيضاً بقوله تعالى : ] مَن إلـهٌ
غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه [()
فإنَّ التنوين في اسم الجنس (ليل) هو
تنوين التمكين بنفس التقريب السابق .
وبالجملة الذي يُميّز تنوين التمكين عن
تنوين التنكير هو سياق الجملة التي
استُعمل فيها اسم الجنس ، فإنْ كان
التنوين في اسم الجنس مفيداً لمعنىً زائد
ـ هو قيد الوحدة ـ فهذا يعني أنّه تنوين
التنكير وإن لم يضف أيَّ معنىً للمعنى
الموضوع له إسم الجنس فهذا هو تنوين
التمكين .
أمَّا اسم الجنس العاري عن التعريف باللام
وعن مطلق التنوين فإنَّه لا يُفيد أكثر من
معناه الموضوع له كما هو الحال في المنوّن
بتنوين التمكين ، ويمكن التمثيل له بقول
الإمام علي (عليه السلام) : « مَن سلَّ
سيفَ البغي قُتل به »() ، ومحلُّ الشاهد
في هذه الرواية هو اسم الجنس (سيفَ) حيث
وقع موقع المضاف .
ومع اتضاح هذه الحالة من حالات اسم الجنس
يتّضح أيضاً صلاحيّته لعروض الإطلاق
الشمولي عليه ويمكن التمثيل لذلك بقوله
تعالى : ] ومَن كان مريضاً أو على سفر
فعدّه من أيام اُخر [() ، فإنَّ اسم الجنس
(مريضاً) وكذلك (سفر) قد عرض عليهما
الإطلاق الشمولي بعد أن دلَّت قرينة
الحكمة على عدم إرادة القيود حيث لم تُذكر
.
كما يمكن التمثيل لاسم الجنس الواقع موضع
المضاف بالحديث النبوي (صلى الله عليه
وآله وسلم) : « نهى رسول الله عن بيع
الغرَر »() بنفس التقريب .
الإنصراف :
وهو عبارة عن إنسباق بعض أفراد الطبيعة
إلى الذهن عند إطلاق ما يدلّ على الطبيعة
، وذلك نتيجة عوامل خارجة عن أصل الوضع
كأنْ تكون هذه الأفراد أجلى مصاديق تلك
الطبيعة بنظر العرف أو تكون أكثر تداولا
عند المخاطب أو تكون مستعملة كثيراً في
خصوص هذه الأفراد أو يكون الموجب للإنصراف
هو غلبة الوجود لهذه الأفراد أو انعدام
بعض الأفراد عند صدور الخطاب أو ندرتها أو
تكون الأفراد المُنصرف إليها هي القدر
المتيقّن في مقام التخاطب كما لو كانت هذه
الأفراد هي مورد السؤال الذي وقع جوابه
مطلقاً .
هذه بعض العوامل التي قد تُساهم في انسباق
الذهن الى بعض أفراد الطبيعة عند إطلاق ما
يدل عليها ، وقد ذكر المصنّف عاملين من
هذه العوامل لغرض البحث عن صلاحيّتهما
للمنع عن انعقاد الإطلاق وعدم صلاحيّتهما
لذلك .
العامل الأوّل : هو غلبة وجود بعض أفراد
الطبيعة في الخارج بحيث تكون هذه الغلبة
موجبة لانسباق هذه الأفراد الى الذهن عند
اطلاق ما يدلّ على الطبيعة باعتبارها
القدر المتيقّن من الخارج .
ويمكن التمثيل له برواية الخصال عن الإمام
الصادق عن أبيه (عليهما السلام)قال : «
لا تحلُّ الصدقة لبني هاشم »() فإن
المنسبق بدواً عند اطلاق عنوان بني هاشم
هم أولاد علي وفاطمة (عليهما السلام) ،
وذلك لغلبة وجودهم خارجاً بحيث أوجبت هذه
الغلبة صيرورتهم القدر المتيقّن لعنوان
بني هاشم ، إلاّ انّ ذلك لا يُوجب المنع
عن انعقاد الظهور في الاطلاق وذلك لأنّ
هذا الإنصراف لم ينشأ عن علاقة بين هذه
الأفراد من الطبيعة وبين اللفظ الدال على
الطبيعة ، بل يبقى اللفظ محتفظاً
بصلاحيّته للدلالة على الطبيعة بسعتها ،
وغاية ما أوجبته غلبة الوجود هو حصول
الاستئناس الذهني بين واقع الطبيعة وبين
بعض أفرادها دون ان يؤثِّر ذلك على علاقة
لفظ الطبيعة بمعناها الوسيع .
وبعبارة اُخرى : لمّا كان الانصراف ناشئاً
عن مناسبات خاصة أوجبت تداعي معنى أفراد
خاصة من الطبيعة بمجرّد تصوُّر الطبيعة ،
فهذا يعني انّ العلاقة الذهنيّه إنما هي
بين هذه الأفراد وبين واقع الطبيعة وليس
للّفظ أيّ مدخليّة في انقداح خصوص هذه
الأفراد مما يعبِّر عن أنه لم يقع أيُّ
تصرُّف في دلالة اللفظ على معناه ، وانّ
العلاقة الوضعيّه بينهما لا زالت صالحة
للكشف عن المدلول الوضعي للفظ الطبيعة ،
واذا كان كذلك فالانصراف الحاصل حين اطلاق
اللفظ إنما هو انصراف بدوي يزول بمجرّد
الالتفات الى انّ العلاقة الوضعية بين
اللفظ والطبيعة بمعناها السَعِي لا زالت
على حالها بحيث يمكن للمتكلّم ان يعتمد
عليها لو أراد الإطراق دون الحاجة الى
التوسُّل بقرائن مُفيدة لنفي القيود غير
قرينة الحكمة فإمكان اعتماده على صلاحية
اللفظ لعروض الاطلاق عليه دليل على عدم
تأثير غلبة الوجود على العلاقة الوضعية
بين لفظ الطبيعة ومعناها السَعِي .
العامل الثاني : هو كثرة استعمال اللفظ
الدال على الطبيعة في بعض افراده على نحو
تعدّد الدال والمدلول بأنْ يأتي بالاضافة
الى لفظ الطبيعة بما يدل على ارادة بعض
الأفراد فيكون هناك دالان ومدلولان ،
فالدال الأول هو لفظ الطبيعة الموضوع
لإفادة معنى الطبيعة ، والدال الثاني هو
القيد الموجب لافادة بعض افراد الطبيعة
دون غيرها .
ويمكن التمثيل له بقوله تعالى : ] يا أهل
الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون
الحق وأنتم تعلمون ... (الى قوله) ولا
تُؤمنوا إلاّ لمن تبع دينكم [() فإنّ
عنوان أهل الكتاب يدلُّ بحسب سعته اللفظية
على كل من نزل عليهم كتاب من الله
عزَّوجلَّ ، فهو يشمل المسلمين إلا أنه
كثر استعمال هذا العنوان مع القرينة ـ كما
في الآية الشريفة ـ في اليهود والنصارى
حتى صارت هذه الكثرة موجبة لانصراف الذهن
الى خصوص اليهود والنصارى عند إطلاق هذا
العنوان حتى وان كان مجرداً عن القرينة .
اذا اتّضح هذا فنقول : ان كثرة الاستعمال
الموجبة للانصراف يمكن تصنيفها الى ثلاث
مراتب .
المرتبة الاُولى : ان تؤدي كثرة الاستعمال
الى نقل اللفظ من معناه الموضوع له الى
خصوص الحصّه التي كثر استعمال اللفظ فيها
بحيث تكون تلك الكثرة موجبة لهجران المعنى
الأول .
وفي مثل هذه الحالة تكون الكثرة في
الاستعمال مانعة عن انعقاد الظهور في
الاطلاق ، بل انّ الظهور يتحوَّل الى
المعنى الثاني الذي كثر استعمال اللفظ فيه
.
ويمكن التمثيل لهذه المرتبة من الكثرة
بالمثال السابق وهو عنوان « أهل الكتاب »
فإنّ كثرة استعماله في مثل اليهود
والنصارى أوجب انتقال هذا اللفظ من معناه
الوسيع الى بعض حصصه .
المرتبة الثانية : أن تُؤدي كثرة
الاستعمال الى نشوء وضع ثان للّفظ فيكون
من قبيل المشتركات اللفظية ، وذلك بأن
تكون كثرة الاستعمال موجبة لتحقّق وضع
تعيُّني للّفظ يكون بإزاء بعض أفراد
الطبيعة .
وإذا كانت كذلك فلا يمكن استظهار أحد
المعنيين إلاّ مع قيام القرينة الخاصة على
إرادة أحدهما كما هو الحال في المشتركات
اللفظية ، وقرينة الحكمة غير نافعة في
المقام لإثبات الإطلاق وذلك لتقوّمهما
بصلاحية اللفظ لعروض الإطلاق عليه ، ومن
الواضح أنَّ اللفظ بحسب الفرض يحتمل أن لا
يكون صالحاً لعروض الإطلاق عليه كما لو
كان مستعملا في المعنى الثاني وهو الحصّة
الخاصّة .
ويمكن التمثيل لهذه المرتبة بلفظ الدابَّة
فإنَّها موضوعة بحسب سعتها اللفظية لمطلق
ما يدبُّ على الأرض ، إلاّ أنَّ كثرة
استعمال لفظ الدابّة في خصوص الخيل
والبغال بحيث يمكن أن يُدعى أنَّ تلك
الكثرة أوجبت نشوء وضع تعيُّني ثان للفظ
الدابّة .
المرتبة الثالثة : وهي أن تكون كثرة
الإستعمال مؤدِّية الى نشوء علاقة بين
اللفظ وبين الحصّة الخاصة من معناه إلاَّ
انّ هذه العلاقة لا تبلغ مرتبة النقل أو
الإشتراك اللفظي ولكنّها من الوثاقة بحيث
يمكن أن يُعوّل عليها المتكلّم لو أراد
التقييد دون الحاجة الى إبراز قرينة على
إرادة الحصّة الخاصّة .
وفي مثل هذه الحالة لا ينعقد أيضاً ظهور
في الإطلاق وذلك لأنَّ قرينة الحكمة ـ كما
ذكرنا ـ مبنيّة على إحراز عدم وجود قرينة
على التقييد وفي المقام لا يُمكن إحراز
ذلك إذ أنَّ كثرة الاستعمال وإن كنَّا لا
نُحرز قرينيّتها على التقييد إلاّ أنها
صالحة للقرينيَّة فيكون ذلك موجباً لإجمال
المراد وعدم انعقاد الظهور في الإطلاق أو
التقييد .
الإطلاق المقامي :
الإطلاق الذي تحدّثنا عنه وقلنا أنَّهُ
متقوّم بقرينة الحكمة الدالّه على أنَّ
القيود التي لم يذكرها المتكلّم فهو لا
يريدها ، هذا الإطلاق هو الإطلاق اللفظي
الحكمي .
وهناك إطلاق آخر يُعبَّر عنه بالإطلاق
المقامي ، وهو يختلف عن الإطلاق اللفظي
الحكمي وذلك لأنَّ الإطلاق اللفظي متقوّم
بحيثيّتين :
الحيثيّة الاُولى : هي أنَّ المتكلّم بصدد
جعل حكم على طبيعة يمكن أن يعرض علها
التقييد ويمكن أن لا يعرض لها التقييد ،
ومن الواضح أنّ المتكلّم إذا كان بصدد ذلك
فهو يعني أنّه قد تصوّر الطبيعة التي
يُريد جعل الحكم عليها وتصوّر القيود التي
يُمكن أن تعرض عليها فإمَّا أن يأخذ هذه
القيود أو بعضها في الطبيعة التي يريد جعل
الحكم عليها وإمَّا أن يجعل الحكم على
الطبيعة دون أن يقيدها بأيّ قيد من تلك
القيود .
الحيثيَّة الثانية : هي ظهور حال كلِّ
متكلّم يُريد جعل حكم لموضوع أن يُحدد
الموضوع لذي يريد جعل الحكم له ، فكل قيد
لم يذكره للموضوع في حال جعل الحكم عليه
فهو يعني أنَّه لا يُريده ولو كان يريده
لذكره في كلامه وإلاَّ كان ناقضاً لغرضه ،
والحكيم لا ينقض غرضه ، وهذه هي قرينة
الحكمة الموجبة لانعقاد الظهور في الإطلاق
.
إذن كل متكلّم يريد جعل حكم لموضوع ،
فإنَّ ظاهر حاله أنَّه في مقام بيان تمام
موضوع حكمه ، فإذا لم يذكر أيّ قيد لذلك
الموضوع فهذا يقتضي عدم إرادة أيّ قيد
للموضوع الذي رتَّب عليه الحكم .
فقرينة الحكمة وظيفتها نفي القيود المحتمل
عروضها على الموضوع المترتّب عليه الحكم .
أمَّا الإطلاق المقامي فليس من هذا القبيل
إذ أنَّ الغرض منه نفي موضوع مستقل عن أن
يكون مشمولا لحكم من الأحكام .
ولمزيد من التوضيح نقول : إنَّ المولى قد
يكون بصدد بيان مركّب من المركّبات
العباديّة فيعدد أجزاء وشرائط ذلك المركّب
، فلو شكّكنا بعد أن انتهى المولى من
تعداد تلك الأجزاء والشرائط في وجود جزء
أو شرط لهذا المركّب إلاَّ أنَّ المولى
أهمله ولم يذكره ، ففي مثل هذه الحالة
ينعقد ظهور يقتضي نفي وجود شرط أو جزء
زائد على ما ذكره المولى ، وهذا ما
يُعبَّر عنه بالإطلاق المقامي .
وبهذا يتّضح أن الإطلاق المقامي ينفي
موضوعاً مستقلا عن أن يكون مشمولا للمركّب
العبادي ، إذ لو كان هذا الموضوع ـ المنفي
بالإطلاق المقامي ـ ثابتاً لكان موضوعاً
مستقلا للوجوب وذلك لأنّ المركَّب العبادي
ينحلُّ ـ روحاً ـ الى مجموعة من الوجوبات
بعدد الأجزاء والشرائط المأخوذة في ذلك
المركَّب ، فكل جزء أو شرط في المركَّب
العبادي فهو موضوع مستقل للوجوب ، وهذا
بخلاف الإطلاق اللفظي ، فإنَّ القيود التي
ينفيها هذا الإطلاق لوكانت ثابتة لما كانت
أكثر من قيد يُوجب تضييق دائرة الموضوع ،
فما ينفيه الإطلاق اللفظي إنّما هو قيود
الموضوع الذي يُجعل له الحكم ، والتي لا
تصوّر لها ولا وجود لولا وجود موضوعها .
أمَّا المنفي بالإطلاق المقامي فلا صلة له
بالموضوعات الاُخرى التي تثبت أو لا تثبت
للحكم ، فثبوت الوجوب لهذا الجزء أو عدم
ثبوته لا صلة له بثبوت أو نفي الوجوب
للجزء الآخر بل أنّ الحكم قد يثبت لهما
معاً وقد ينتفي عنهما معاً ، وقد يثبت
لأحدهما دون الآخر ، فإذا ثبت لأحدهما
وانتفى عن الآخر ثبت لموضوع مستقل وانتفى
عن موضوع آخر مستقل .
وبهذا البيان يتّضح أنّ الاطلاق المقامي
ينفي وجود موضوع زائد للحكم الثابت
للموضوعات المذكورة في كلام المتكلّم ،
وإتّضح ايضاً مما ذكرناه انّ الاطلاق
المقامي لا ينعقد له ظهور الا مع إحراز
كون المتكلّم بصدد بيان تمام الموضوعات
المجعول لها الحكم المذكور .
وبتعبير آخر : اذا احرزنا انّ المولى بصدد
تعداد تمام الأجزاء والشرائط للمركّب
العبادي فإنّ هذا الاحراز هو الموجب
لانعقاد الظهور في نفي الاجزاء والشرائط
التي لم يذكرها المولى .
ويمكن التمثيل لذلك بالوضوءات البيانيّة
مثل رواية ميسر عن أبي جعفر (عليه السلام)
قال : « ألا أحكي لكم وضوء رسول الله (صلى
الله عليه وآله وسلم) ، ثم أخذ كفّاً من
ماء فصبّها على وجهه ، ثم أخذ كفّاً
فصبّها على ذراعه ، ثم أخذ كفّاً آخر
فصبّها على ذراعه الاُخرى ، ثم مسح رأسه
وقدميه ... »() ، فقوله (عليه السلام) :
(ألا أحكي وضوء رسول الله (صلى الله عليه
وآله وسلم)) قرينة على انّ الإمام (عليه
السلام) في صدد تعداد الأجزاء لهذا المركب
، ومع إحراز ذلك ينعقد ظهور في الإطلاق
المقامي القاضي بنفي وجوب جزء آخر لم
يذكره الامام (عليه السلام) ، فلو احتملنا
وجوب غسل الاُذن فان الاطلاق المقامي ينفي
ذلك الوجوب ، أو قل ينفي جزءيّة غسل
الاُذن لهذا المركّب ، وذلك لأن غسل
الاُذن لو كان جزءاً لهذا المركّب لكان
على الامام (عليه السلام) أن يذكره ، فعدم
ذكره مع انه جزء للمركّب يُنافي كون
الإمام في صدد تعداد جميع أجزاء هذا
المركّب .
وبهذا المثال يتّضح كلّ ما ذكرناه آنفاً ،
حيث قلنا : أن الاطلاق المقامي ينفي
موضوعاً مستقلا عن الموضوعات الثابت لها
الحكم في كلام المتكلّم إذ أن جزءية غسل
الاذن لو كانت ثابتة لكانت موضوعاً مستقلا
عن بقيّة الأجزاء المذكورة في كلام الإمام
(عليه السلام) ، فحينما نفى الاطلاق
المقامي جزءيّته فقد نفى موضوعاً مستقلا
ولم ينفِ قيداً لموضوع ثبت له الحكم كما
هو الحال في الاطلاق اللفظي .
وكذلك اتّضح انّ الاطلاق المقامي انما
ينعقد له ظهور في حال وجود قرينة خاصّة
على ان المتكلّم بصدد تعداد تمام
الموضوعات الثابت لها الحكم المذكور في
كلامه ، اذْانّ قول الامام (عليه السلام)
(ألا أحكي لكم وضوء رسول الله (صلى الله
عليه وآله وسلم)) يشكّل قرينة على أنّ
الامام بصدد ذلك .
وبهذا اتّضح ان الاطلاق المقامي قوامه
قرينة خاصّه على انّ المتكلّم بصدد تعداد
تمام موضوعات حكم من الأحكام ، ووظيفته
نفي موضوع مستقل عن انْ يكون مشمولا للحكم
المذكور في كلام المتكلّم .
ولهذا فهو يختلف عن الاطلاق اللفظي
اختلافاً جوهريّاً ، إذ ان قوام الاطلاق
اللفظي هو قرينة الحكمة ووظيفته هي نفي
القيود الغير المذكورة عن الموضوع الثابت
له الحكم في كلام المتكلّم .
بعض التطبيقات لقرينة الحكمة :
ذكر المصنّف (رحمه الله) في المقام موردين
من موارد إنعقاد الظهور في الاطلاق بواسطة
قرينة الحكمة .
المورد الأوّل :
وهو التمسك بقرينة الحكمة لاستظهار الوجوب
من الأوامر .
وبيان ذلك : ان الأمر كما ذكرنا ظاهر في
الطلب الوجوبي ، وهذا لا إشكال فيه واما
الاشكال فيما هو المنشأ في انعقاد ظهور
الأمر في الطلب الوجوبي ، فقد ذكر البعض
ان منشأ ذلك هو الوضع ، وذكر آخرون ان
المنشأ لظهور الأمر في الطلب الوجوبي هو
الاطلاق وقرينة الحكمة ، وذلك لأن لفظ
الأمر موضوع لطبيعة الطلب ، والوجوب
والاستحباب خارجان عما هو موضوع له لفظ
الأمر ، نعم قد يعرض أحدهما على الطبيعة
« الطلب » ولكن ذلك لا يثبت إلا بدالٍّ
آخر غير لفظ الأمر ، واذا كان كذلك
فالدالّ على الاستحباب يتمّ بقرينة خاصة ،
واما الدالّ على الوجوب فيثبت بواسطة
قرينة الحكمة ، وذلك لانّ الاستحباب مشتمل
على مؤنة زائدة على مفهوم الطلب ، إذ أنه
يعنى تقييد الطلب بقيد وهو الترخيص في
الترك ، ومن الواضح ان هذا القيد يحتاج
الى بيان زائد على بيان أصل الطلب ، فإذا
لم يذكر هذا القيد في الكلام رغم ان
المتكلّم في مقام بيان تمام موضوع حكمه
فهذا يقتضي انعقاد ظهور لحال المتكلّم في
عدم ارادة ذلك القيد الموجب للاستحباب .
وبذلك يتعيّن الوجوب لأنه لا يعني أكثر من
أن الطبيعة غير مقيّدة بالترخيص في الترك
، وقد ثبت عدم تقيدها بذلك ببركة قرينة
الحكمة .
المورد الثاني :
التمسك بقرينة الحكمة لاستظهار النفسية
التعيينيّة العينيّة للطلب .
وقبل بيان ذلك لابدّ من بيان مقدّمة نذكر
فيها ما ينقسم عليه الطلب ، فنقول :
يمكن تقسيمه الى ثلاثة تقسيمات :
الأول : انقسامه الى الطلب النفسي ،
والطلب الغيري :
أمّا الطلب النفسي : هو ما كان متعلّق
الطلب مطلوباً لنفسه لكونه هو المشتمل على
الملاك الموجب لطلبه ، وذلك مثل :
(الصلاة) حيث أنَّ منشأ طلبها هو اشتمالها
على مصلحة أوجبت جعل الطلب عليها .
أمَّا الطلب الغيري : وهو ما كان متعلّق
الطلب غير مطلوب لنفسه لعدم اشتماله على
ملاك يُوجب جعل الطلب عليه استقلالا
ومباشرة ، ولكن لمَّا كان هذا المتعلّق
صالحاً للتوسُّل به الى المطلوب الأصلي
فإنَّ ذلك هو الذي أوجب جعل الطلب عليه ،
وذلك مثل السفر لأداء مناسك الحج فإنَّ
السفر ليس مطلوباً بنفسه للمولى لكنّه
لمَّا لم يكن بالإمكان أداء مناسك الحج
دون السفر الى مكّة المكرّمة فإنَّ ذلك
يسبّب تعلّق الإرادة والطلب بالسفر ،
وإلاّ فالسفر في حدّ نفسه غير مطلوب
للمولى .
الثاني : انقسامه الى الطلب التعييني ،
والطلب التخييري :
أمَّا الطلب التعييني : فهو ما كان متعلّق
الطلب واحداً بحيث لا يقوم شيء مقامه في
تحقيق الغرض ، بل أنّ تحقق الغرض منحصر
بالإتيان بهذا المتعلّق ، وذلك مثل :
(الصلاة) حيث لا يحقّق الغرض الذي أوجب
جعلها شيء آخر غير الإتيان بها .
أمَّا الطلب التخييري : فهو ما كان متعلّق
الطلب عدّة أشياء بحيث يكون واحد منها
محقّقاً للغرض من جعل الطلب .
وبعبارة اُخرى هو ما كان المطلوب فيه أحد
أشياء على سبيل البدل بحيث يكون امتثال
أحدها كافياً في تحقق المطلوب ، ويمكن
التمثيل له بخصال كفارة التخيير فإنَّ
المطلوب يتحقق بمجرّد إيجاد أحد خصال
الكفارة .
الثالث : إنقسامه الى الطلب العيني ،
والطلب الكفائي :
أمَّا الطلب العيني : فهو ما كان الغرض
فيه متعلّقاً بامتثال نفس المكلّف بحيث لا
يكون امتثال غيره موجباً لسقوطه عن
المكلّف الذي تعلّق الطلب بعهدته .
وبعبارة اُخرى : هو ما كان المطلوب فيه
مباشرة المكلّف للإمتثال بنفسه ، ولا يكون
امتثال الآخرين كافياً لتحقق الغرض وسقوط
الأمر المتوجّه لذلك المكلّف ، ومثاله :
(صوم شهر رمضان المبارك) فإنَّ غرض المولى
فيه لا يتحقّق إلا بأن يباشر المكلّفُ
الصوم بنفسه .
وأمَّا الطلب الكفائي : فهو ما كان
المطلوب المولوي فيه هو تحقّق المأمور به
خارجاً دون أن يكونَ للمولى أيّ غرض في
امتثال مكلّف بعينه .
وبعبارة اُخرى : الطلب الكفائي هو ما كان
الخطاب فيه متوجّهاً لكفاة المكلّفين
إلاَّ أنَّ امتثال أحدهم موجبٌ لسقوطه عن
البقيّة ، وذلك مثل : دفن الميّت المسلم
، فإنَّ الأمر بدفن الميّت متوجّه لكل
مكلّف إلاَّ أنّ امتثال أحدهم موجب لسقوطه
.
ومع اتّضاح هذه المقدّمة يقع الكلام فيما
هو منشأ استظهار النفسيّة والتعيينيّة
والعينيّة من الطلب حين عدم القرينة على
الخلاف ، فنقول :
أمَّا استظهار النفسيّه فيتم بهذا التقريب
، وهو : أنَّ اثبات النفسيّة للطلب لا
يحتاج الى بيان زائد على ذكر ما يدل على
الطلب ، إذ أنَّ طبع كل طلب أن يكون
متعلّقه مطلوباً بنفسه ، وهذا بخلاف الطلب
الغيري ، فإنَّ إثباته يحتاج إلى بيان
زائد عن ذكر الطلب ، إذ أنَّ مطلوبيّته
منوطة بمطلوبيّة ما وجب لأجله ، ومن هنا
يحتاج الطلب الغيري الى ذكر قيد وهو كون
الواجب الذي وجب الغيريُّ لأجله مطلوباً ،
فإذا لم يذكر القيد رغم أنَّ المتكلّم في
مقام بيان تمام موضوع حكمه ، فهذا يوجب
ظهور حال المتكلّم في عدم إرادة القيد ،
وإذا لم يكن القيد مراداً فهذا يقتضي
النفسيّة إذ أنَّ ثبوتها ليس معلّقاً على
شيء من القيود .
وبهذا تثبت النفسيّة بواسطة الإطلاق
وقرينة الحكمة .
وبتعبير آخر : لمَّا كانت النفسيّة غير
معلّقة على أي قيد ، وكانت الغيريّة
معلّقة على مطلوبيّه الغير ، فهذا يعني
أنَّ إرادة الغيريّة تستوجب ذكر القيد
المعلّق ثبوتها عليه ، ومع عدم ذكر القيد
يستكشف عدم إرادته إذ المفترض أنَّ
المتكلّم في مقام البيان ، ومع استظهار
عدم إرادة القيد تتعيّن النفسيّة إذ أنَّ
هذا هو مقتضى الاطلاق الذي يعني عدم لحاظ
القيد .
وأمَّا استظهار التعيينيّة وكذلك العينيّة
، فيتّضح مما ذكرناه في استظهار النفسية ،
وذلك أنَّ الطلب التخييري يحتاج الى بيان
زائد على الطلب وهو التقييد بعدم امتثال
البدل ، وكذلك الطلب الكفائي فإنَّه
يستوجب التقييد بعدم امتثال مكلّف آخر
للطلب ، فمع عدم ذكر القيد يستظهر الإطلاق
والذي يقتضي التعيينيّة العينيّة ، إذ أنّ
ثبوتهما لا يحتاج الى بيان زائد على ذكر
أصل الطلب .

العمـوم
تعريف العموم :
المراد من العموم هو : الاستيعاب المُفاد
بالوضع ، فلو قال المتكلّم (أكرم كل عالم)
فإنَّ لفظ كلّ عالم يستوعب كل فرد من
أفراد طبيعة العالم ، وهذا الاستيعاب
لتمام أفراد الطبيعة اُستفيد من وضع لفظ
كل بإزاء مفهوم الإستيعاب ، فكل مفيدة
لاستيعاب مدخولها بواسطة الوضع ، وهذا
بخلاف الإطلاق فإنَّه وإن كان يفيد
الإستيعاب لجميع أفراد الطبيعة إلاَّ أنَّ
الدال على الاستيعاب إنّما هو قرينة
الحكمة ، فحينما يقول المتكلّم (أكرم
العالم) فإنَّ لفظ العالم يشمل ويستوعب
جميع أفراد طبيعة العالم إلاَّ أنَّ هذا
الإستيعاب والشمول اُستفيد بواسطة قرينة
الحكمة والتي تعني ظهور حال المتكلّم في
عدم إرادة القيد الموجب لتضييق دائرة
الطبيعة .
فكلٌّ مِن الإطلاق والعموم يوجبان إنحلال
الحكم إلى أحكام بعدد أفراد الطبيعة
المجعول لها ذلك الحكم ، إلاَّ أنَّ ما
أوجب الإنحلال في الإطلاق هو قرينة الحكمة
، وما أوجب الانحلال في العموم هو الوضع ،
فحينما يقول المتكلّم (أكرم كلَّ عالم)
تنحلّ هذه القضية الى قضايا بعدد أفراد
الطبيعة المجعول لها الحكم ، فيكون موضوع
كل قضية فرد من أفراد طبيعة العالم ،
ويكون محمولها وجوب الإكرام ، وهذا
الإنحلال اُستفيد بواسطة وضع لفظ (كل)
للإستيعاب والشمول .
وكذلك الكلام لو قال المتكلّم (أكرم
العالم) فان هذه القضية تنحلّ الى قضايا
بعدد أفراد طبيعة العالم ، ويكون محمول
هذه القضايا هو وجوب الإكرام ، إلا ان هذا
الإنحلال استُفيد بواسطة انّ المتكلّم لم
يذكر أيّ قيد للطبيعة في حين انّه في مقام
بيان تمام موضوع الحكم ، مما يكشف عن عدم
إرادة القيد ، وبهذا تكون الطبيعة على
سعتها مشمولة للحكم .
وبما ذكرناه من معنى العموم يتّضح خروج
أسماء الأعداد عن العموم ، فانّ أسماء
الاعداد وان كانت مستوعبة لوحداتها إلا ان
ذلك هو مقتضى طبع اسم العدد ، فليس
الاستيعاب مستفاداً من وضع اسم العدد لذلك
، وإنما هو موضوع لمعناه ، والاستيعاب فيه
انما هو أثر تكويني له أو قل لازم ذاتي له
، فكما ان الزوجيّه أو الفردية أثر تكويني
ولازم ذاتي لإسم العدد ، فكذلك الاستيعاب
لوحداته .
ويمكن تنظير الاستيعاب لإسم العدد
بالحرارة للنار ، فكما أنّ النار ليست
موضوعة لإفادة معنى الحرارة وإنما الحرارة
لازم ذاتي للنار فكذلك الاستيعاب بالنسبة
لإسم العدد .
فمثلا العدد عشرة يدلّ على مرتبة من مراتب
الأعداد ، هذه المرتبة هي المتكوّنة من
مجموعة من الاعداد الفردية تساوي عشر
وحدات ، هذا ما وضع له لفظ العشرة ، وأما
انقسامه الى متساويين ووقوعه بين مرتبتين
من مراتب العدد ، وكذلك استحالة انقسامه
على الثلاثة بدون كسر فهذا ما يقتضيه واقع
العدد عشرة وليس هو من المدلولات الوضعيّه
للفظ العشرة ، وبهذا يتّضح ان استيعاب اسم
العدد عشرة لوحداته ليس هو من مدلولات لفظ
عشرة ، وانما هو من مقتضى واقع اسم العدد
عشرة ، وهذا بخلاف لفظ (كل) و(جميع) فانها
موضوعة لافادة الاستيعاب والشمول .
أدوات العموم ونحو دلالاتها :
الكلام حول دلالة بعض الألفاظ على العموم
والاستيعاب ، لم يقع محلا للاشكال حيث
انّه وبدون شكّ قد وضعت مجموعة من الألفاظ
لإفادة معنى العموم والاستيعاب مثل (كل)
(جميع) و(كافة) وهكذا .
وانما الاشكال في انّ شمول الحكم لكل
أفراد مدخول هذه الألفاظ هل هو مستفاد من
قرينة الحكمة أو هو مستفاد من نفس هذه
الألفاظ الموضوعة لافادة العموم ؟
فحينما يقال (أكرم كلّ عالم) فان المتفاهم
العرفي منه هو استيعاب الحكم لكل أفراد
الطبيعة المجعول لها ذلك الحكم إلا انّ
الاشكال فيما هو المنشأ لهذا الاستظهار
والمتفاهم العرفي ، هل هو قرينة الحكمة أو
هو أداة العموم ؟
وقد طرح في المقام إتّجاهان :
الاتّجاه الأول : هو ان المنشأ لاستظهار
شمول الحكم لتمام أفراد مدخول الأداة
(الطبيعة) هو قرينة الحكمة ، وذلك لأن
أداة العموم انما وضعت لافادة استيعاب
وشمول ما يراد من الطبيعة ، وهذا يستدعي
ان نستظهر أولا حدود ما يراد من الطبيعة ،
ومن الواضح ان المتكفّل لبيان حدود المراد
من الطبيعة هو قرينة الحكمة والتي تستفاد
من عدم ذكر المتكلّم للقيد رغم انّه في
مقام بيان تمام موضوع حكمه ، فاذا استُظهر
من حال المتكلّم ـ بواسطة قرينة الحكمة ـ
انّه لا يريد القيود فهذا يعني ان الحكم
المجعول على الطبيعة مجعول على تمام
أفرادها .
ومن هنا يتّضح ان المنشأ لاستيعاب الحكم
لكل أفراد مدخول الأداة انما هو قرينة
الحكمة .
الاتّجاه الثاني : هو أنَّ المنشأ
لاستظهار شمول الحكم لكلِّ أفراد مدخول
ألفاظ العموم هو ما وضعت له ألفاظ العموم
، إذ أنَّ ألفاظ العموم وضعت لاستيعاب كل
فرد تصدق عليه الطبيعة الواقعة مدخولا
لأداة العموم ، ومن هنا لا نحتاج الى
قرينة الحكمة لإفادة الشمول والإستيعاب
لكل أفراد الطبيعة المدخولة للأداة ، وذلك
لأنَّ نفس أداة العموم تتكفّل بتحقيق ذلك
بعد أن كانت موضوعة لاستيعاب كل أفراد
الطبيعة ، نعم لو كانت موضوعة لاستيعاب ما
يُريده المتكلّم من أفراد الطبيعة لكان
ذلك يستدعي تنقيح ما هو المراد من أفراد
الطبيعة التي يريد المتكلّم جعل الحكم
عليها وهذا ما تتكفّل به قرينة الحكمة .
إذن المنشأ للإتجاهين هو تحديد ما وُضعت
له ألفاظ العموم فإنْ كانت قد وضعت
لاستيعاب ما هو المراد من الطبيعة
المدخولة للأداة فهذا يستوجب تبني الإتجاه
الأول إذ أنَّ تحديد المراد من حيث عدم
إرادة القيد لا يتم إلاَّ عن طريق قرينة
الحكمة .
وأمَّا إذا كانت ألفاظ العموم قد وُضعت
لاستيعاب كل ما تصدق عليه الطبيعة من
أفراد ، فهذا يستوجب تبنِّي الإتجاه
الثاني إذ أنَّ الأداة تتكفّل بالدلالة
على الاستعياب والشمول ويكون تحديد أنَّ
هذا مما تصدق عليه الطبيعة أو لا تصدق من
شؤون المكلّف إذ أنَّ القضايا لا تتكفّل
بتنقيح موضوعاتها .
وقد تَبنَّى صاحب الكفاية (رحمه الله)
الإتجاه الثاني() ـ بعد أن اعترف
بمعقوليّة كلا الاتجاهين ـ وذلك لأنَّه
مقتضى الظهور العرفي .
ثم أنَّ المصنِّف (رحمه الله) بعد أن
استوجه مبنى صاحب الكفاية (رحمه الله) قال
: انّه يمكن البرهنة على بطلان الإتجاه
الأول فيتعيّن الإتجاه الثاني ، وحاصل ما
أفاده من برهان على بطلان الإتجاه الثاني
:
هو أنَّ دعوى استفادة الاستيعاب من قرينة
الحكمة يستوجب لغويِّة الفاظ العموم وذلك
لأنَّ قرينة الحكمة تُوجب ظهور استيعاب
الحكم لأفراد الطبيعة دون الحاجة إلى أداة
العموم ، بل أننا قد ذكرنا في بيان
الإتجاه الأول أنَّ تنقيح الظهور في
الإستيعاب لأفراد الطبيعة بواسطة قرينة
الحكمة لابد أن يتم في مرحلة سابقة وقبل
ملاحظة كون الطبيعة مدخولة للأداة ، إذ
أنَّ الأداة لا يكون لها دور الإفادة
للإستيعاب إلاَّ بعد أن نحدد ما هو المراد
من الطبيعة والذي يتم عن طريق قرينة
الحكمة ، واذا كان كذلك فوجود الأداة لغو
محض أي لا تصلح حتى للتأكيد إذ أننا بعد
أن فرغنا عن تحقّق الظهور في الاستيعاب
بواسطة قرينة الحكمة فما هو معنى مجيء
أداة العموم ، وهل أنَّ دورها إلاَّ دور
تحصيل الحاصل ، نعم لو كان استظهار
الإستيعاب بواسطتهما معاً وفي عرض واحد
لأمكن أن يقال أنَّ لها دور التأكيد ،
إلاَّ أنَّ هذا خلف ما ذكرناه من أنَّ دور
قرينة الحكمة يأتي أوّلا .
دلالات الجمع المعرّف باللام :
ومن الموارد التي ذُكر أنها مفيدة للعموم
هي موارد الجمع المحلّى باللاَّم مثل «
العلماء » في قولنا « اكرم العلماء » حيث
ادُّعي دلالته على استيعاب الحكم ـ
المجعول عليه ـ لتمام أفراد الطبيعة
المُستفادة من مادة الجمع .
والبحث عن دلالة الجمع المحلّى باللام يقع
في مقامين :
المقام الأوّل : في تصوير كيفيّه إستفادة
العموم منه ، وقد ذُكر لذلك عدة تصويرات
وقد إختار المصنِّف (رحمه الله) هذا
التصوير وحاصله : انّ ما يمكن ان يكون
منشأً لدلالة الجمع المعرَّف باللام على
العموم والإستيعاب هو اشتماله على ثلاث
دلالات من ثلاثة دوال تساهم بمجموعها في
إفادة العموم .
الأول : هو مادّة الجمع : ومدلولها
الطبيعة التي نبحث عن شمول الحكم لأفرادها
.
الثاني : هيئة الجمع : ومدلولها الجمع
المتقوِّم بثلاثة أفراد أو يزيدون .
الثالث : اللاَّم الداخلة على الطبيعة
المتهيّئة بهيئة الجمع : ويمكن أن يكون
مدلولها استيعاب وشمول الحكم لتمام أفراد
الطبيعة .
فهذه الدوال الثلاث ، أو قل الدالَّين
الثاني والثالث هي التي يُمكن أن تكون
مرتكز الدلالة على العموم ثبوتاً .
المقام الثاني : وهو مقام الإثبات
والدلالة بعد الفراغ عن صلاحيّة الجمع
المعرَّف باللاَّم للدلالة على العموم .
وفي المقام اتجاهان لإثبات دلالة الجمع
المعرَّف باللاَّم على العموم :
الاتجاه الأوّل : انَّ اللاَّم الداخلة
على الجمع قد وُضعت لافادة العموم مباشرة
وابتداءً ، أي دون الحاجة في استظهار
العموم منها الى قرينة الحكمة مثلا أو
غيرها من القرائن ، واذا كان كذلك ففي
كلِّ مورد تدخل اللاَّم على الطبيعة
المُتهيّئة بهيئة الجمع تنشأ دلالة على
العموم ، وانّ الحكم المجعول على مادّة
الجمع يستوعب كل افراد المادّة .
ويمكن النقض على هذا الاتجاه بحالات
استعمال اللاّم الداخلة على الجمع في
العهد ، فإنّه في مثل هذه الحالة لا تكون
اللاَّم دالّة على استيعاب كل أفراد
الطبيعة المدخولة لها ، إذ انّ أقصى ما
تدلّ عليه اللاّم في مثل هذه الحالة هو
استيعاب الأفراد المعهودة فحسب ، فمثلا لو
قال المتكلّم « اكرم العلماء » وقامت
القرينة على أنّ اللاّم في هذا الاستعمال
هي لام العهد الحضوري مثلا ، فإنّ اللام
في مثل هذه الحالة لا تُفيد أكثر من
استيعاب الحكم للأفراد المعهودة من
الطبيعة عند المخاطب .
ومن هنا لابدّ ـ بناءً على هذا الاتجاه ـ
من الإلتزام بأحد لازمين أو التنازل عن
هذا الاتّجاه .
وهذان اللازمان هما : إما ان يلتزم
بمجازيّة استعمال اللام في العهد ، وإما
أن يلتزم بكون اللام مشتركاً لفظيّاً ،
فتكون قد وُضعت لإفادة الاستيعاب والشمول
لتمام افراد مدخولها ، ووضعت بوضع ثان ـ
في حالات العهد ـ لإفادة الاستيعاب لخصوص
الافراد المعهودة من الطبيعة .
وكلا هذين اللازمين لا يمكن الالتزام بهما
لمنافاتهما مع ما هو مقتضى المتفاهم
العرفي ، فإنّهم لا يرون أيَّ تجوّز في
استعمال اللاّم في العهد كما أنهم لا يرون
انّ للام الجمع معنيين ووضعين .
إذن فالوجدان العرفي قاض بوجود معنىً واحد
للام الجمع في تمام حالات إستعمالها .
وبهذا يتّضح فساد هذا الاتّجاه .
الاتجاه الثاني : انَّ اللاَّم الداخلة
على الجمع وُضعت للإشارة لما هو المتعيّن
من مدخولها ، فاللام هنا هي نفس لام
التعريف الداخلة على اسم الجنس ، ولمّا
كانت لام التعريف بأنحائها الأربعة موضوعة
للإشارة الى ما هو المتعيِّن من مدخولها ،
فكذلك اللاَّم الداخلة على الجمع ، فدور
اللاَّم دور اسم الاشارة وحيث انّ اسم
الاشارة يُشير ويُوجِّه المخاطب الى ما هو
المعهود والمعروف عنده في مرحلة سابقة على
الاستعمال نتيجة ملابسات وعوامل أوجبت
معروفيَّه ذلك الشيء عنده ، فكذلك لام
التعريف سواءً الداخل منها على اسم الجنس
أو الجمع ، فحينما نقول « هذا أسد »
و« هؤلاء علماء » فإنَّ اسم الاشارة في
الحالتين يُوجِّهان المخاطب الى ما هو
المعهود والمتعيّن عنده من معنى الاسد
ومعنى العلماء ، فكذلك لام التعريف
الداخلة على اسم الجنس وهيئة الجمع ، غاية
ما في الأمر انّ لام التعريف الداخلة على
اسم الجنس تشير الى ما هو المتعيّن في
الذهن نتيجة أحد المناشئ المذكورة في
محلِّها ، أما لام التعريف الداخلة على
الجمع فتشير الى ما هو المتعيّن في الخارج
من مراتب الجمع ، إذ انّ المتعيّن من
مراتب الجمع وان أمكن تصوّره في مقام
الواقع إلاّ انه غير مراد حتماً في مقام
الاستعمال ، إذ انّ للجمع تعيُّن في مقام
الواقع والذهن عند المتكلّم ، ولكن لا
سبيل الى معرفته ما لم تقم قرينة خاصَّة
عليه ، وقيام القرينة الخاصّة عليه خارج
عن محلّ البحث .
وبعبارة اُخرى : انَّ المتعيّن من مراتب
الجمع في مقام الواقع هو إمّا مرتبة
الثلاثة أو الأربعة وهكذا ، ولكن هذا لا
يعني تعيُّنه في مقام الخارج وعند المخاطب
، إذ أنَّه من أين له معرفة ما هو المراد
في مقام الاستعمال من هذه المراتب ، وهذا
بخلاف المرتبة الأخيرة للجمع والتي تقتضي
الاستيعاب لتمام أفراد مدخول اللاَّم
فإنها هي المتعيِّنة في مقام الاستعمال إذ
أنها هي التي تنطبق على تمام المراتب ولا
يكون أيُّ تردد فيها إذ انّها لو لم تكن
هي المرادة لكان المخاطب متردّداً في
استظهار ما هي المراتب المرادة من الجمع
هل هي مرتبة الثلاثة أو الأربعة أو الخمسة
؟ وهكذا ، وهذا التردد يُنافي كون اللام
قد وُضعت للاشارة والتوجيه الى ما هو
المتعيّن والمعهود عند المخاطب إذ أنَّه
كيف يكون تعين ومعهودية والحال أنّ
المخاطب متردد في أيِّ المراتب هي المرادة
من الجمع المدخول لِلاّم .
ومن هنا يتّضح ان اللاَّم لا تدلّ مباشرة
على الاستيعاب لتمام أفراد مدخولها ، بل
أنها تدل عليه بواسطة انّ التعين الذي
تشير اليه اللام لا يمكن ان يكون الاّ
المرتبة الأخيرة من الجمع القاضية بإرادة
تمام أفراد الطبيعة .
وبما ذكرناه تعرف فساد ما أفاده صاحب
الكفاية (رحمه الله) في مقام الردِّ على
هذا الاتجاه ، حيث ذكر (رحمه الله) انّ
الاشارة الى المتعيّن الذي ادُّعي دلالة
اللام عليه لا تقتضي المرتبة الأخيرة إذْ
من الممكن أن تكون اللام مشيرة الى ما هو
المتعيّن من المراتب الاُخرى للجمع إذ انّ
التعيّن والمعهوديّة موجودة في تمام
المراتب للجمع .
وبعبارة اُخرى : إنَّ ذهن المخاطب يحتفظ
برؤية متكاملة عن مرتبة الثلاثة مثلا من
حيث عدد وحدات هذه المرتبة وموقعها بين
المراتب وما هو حقيقة هذه المرتبة ، وهكذا
سائر المراتب للجمع .
وأنت خبير انَّ هذا ليس هو مقصودنا من
التعيّن الذي تشير إليه لام التعريف
الداخلة على الجمع ، إذ ان مقصودنا هو
التعيُّن في مقام الاستعمال والذي هو
تحديد ما هي الافراد المشمولة للجمع وما
هي الافراد الخارجة ، ومن الواضح انَّ
أيَّ مرتبة من مراتب الجمع غير المرتبة
الأخيرة لا تتمكّن من تحديد ذلك إذ أن
التردد فيما هو المراد وما هي الافراد
المشمولة للجمع يبقى على حاله ، وهذا
بخلاف المرتبة الأخيرة فإنّها اذا كانت هي
المشار إليها بلام التعريف فإنّها كفيلة
برفع التردد ومُوجبة لتحديد ما هو المراد
.
وهذا هو المناسب للام التعريف بعد أن قلنا
أنها موضوعة للاشارة إلى ما هو معهود
ومتعيّن عند المخاطب .

المفاهيم
تعريف المفهوم :
عُرِّف المفهوم بأنّه إنتفاء وانعدام سنخ
الحكم وطبيعيّه بانتفاء قيده المذكور في
المنطوق .
وهذا التعريف يستوجب بيان اُمور :
الأمر الأوّل : انّ المراد من المنطوق هو
المدلول المطابقي للكلام بحيث تكون دلالة
الكلام مُستفادة من نفس الملفوظ بمواده
وهيئاته التركيبيّة ، فحينما يقال (زيد
عالم) فإن لهذه الجملة مدلولا مطابقيّاً
وهو ثبوت العالمية لزيد ، وهذا المدلول
استُفيد من نفس مواد هذه الجملة وهيئاتها
التركيبيّة وليس هناك دالٌّ على ثبوت
العالميّه لزيد غير ما نُطق به من الفاظ
بهذا الترتيب الخاص .
ومع اتضاح معنى المنطوق يتّضح انَّ كلَّ
دلالة تُستفاد في عرض هذا المدلول أو في
طولها فهي ليست من المنطوق ويُطلق
المناطقة على مثل هذه المدلولات المدلولات
الالتزاميّة .
الأمر الثاني : انّ المراد من طبيعي الحكم
هو الحكم الكلِّي الجامع لافراده والذي
يكون في موقع الحقيقة المشتركة بينها فهو
بمثابة اسم الجنس الصادق على أفراده صدق
الكلي على مصاديقه ، فكما انّ انتفاء
طبيعي الأسد يقتضي انتفاء وانعدام جميع
أفراده ، فكذلك انتفاء طبيعي الحكم يقتضي
انتفاء جميع أفراده .
وقد ذكرنا فيما سبق انّ الاحكام حقائق
متباينة ، كلُّ حكم يمثّل نوعاً له حدوده
المانعة عن تداخله مع غيره ، فالوجوب
حقيقة وطبيعة متباينة تمام التباين مع
حقيقة الحرمة وهكذا سائر الأحكام ، واذا
كان كذلك فالحكم حقيقة كلِّية يكون لها
أفراد متسانخة ومتماثلة من حيث اشتراكها
في حقيقة واحدة وان كان كلُّ فرد منها له
مشخّصاته الخاصة به ، فوجوب الاكرام بملاك
الفقر غير وجوب الاكرام بملاك العلم ،
ووجوبه بملاك العلم غير وجوبه بملاك
القرابة ، إلاّ انَّ هذه الوجوبات
الشخصيّة تشترك في حقيقة واحدة هذه
الحقيقة هي المعبَّر عنها بطبيعي الوجوب ،
فلذلك يكون الفرق بين شخصي الوجوب وبين
طبيعيه هو أنّ إنتفاء شخص الوجوب لا يقتضي
انتفاء فرد آخر للوجوب ، فحينما ينتفي
وجوب الاكرام بملاك القرابة لا يكون ذلك
مقتضياً لانتفاء وجوب الاكرام بملاك الفقر
، وهذا بخلاف انتفاء طبيعي الوجوب فإنّ
ذلك يقتضي انعدام الوجوب بتمام افراده
وأشخاصه ، لأن الطبيعي لا ينتفي الا عند
انتفاء تمام أفراده ، فاذا قام الدليل على
انتفاء الطبيعي فهذا يكشف عن انتفاء تمام
أفراده .
الأمر الثالث : المراد من المفهوم في
المتفاهم العرفي هو مطلق المدلول المنطبع
في الذهن بقطع النظر عن منشئه إذ قد يكون
المنشأ هو الأوضاع اللغوية وقد يكون
المنشأ هو الاشارة وقد يكون المنشأ هو
الملازمات العقلية أو العادية أو الطبعية
للفظ ، وقد تكون المشاهد الخارجية التي
تقع تحت الحواس وقد يكون منشأ ذلك هو
التصوّرات النفسانية وقد يكون غير ذلك ،
فمثلا قوله تعالى : ] ففهّمناها سليمان
[() الظاهر أن الوسيلة التي فهِّم بها
سُليمان عليه السلام هي الوحي .
إذن المفهوم بحسب استعمال أهل المحاورة هو
مطلق المداليل والمعاني المستفادة من
دوالِّها ، ويبدو أنَّ هذا المعنى بسعته
للمفهوم هو المستعمل عند أهل المعقول ،
ولذلك قال الحكيم السبزواري في مقام بيان
ما هو المراد من الوجود :
مفهومه من أوضح الأشياءِ***وكُنْههُ في
غاية الخفاءِ
الأمر الرابع : المدلول الإلتزامي اللفظي
هو المعنى الخارج عن اللفظ اللازم له ،
وهذه الملازمة بين المدلول اللفظي
والمدلول الإلتزامي تنشأ عن علاقة واقتران
بينهما في الذهن نتيجة ملابسات خاصة من
قبيل تلازمهما في الواقع الخارجي أو يكون
التلازم الذهني ناشئ عن علاقة يختلقها
المتكلّم عن طريق استعمال أدوات لُغويّة
وُضعت لإفادة الربط بين المعاني ، ولمَّا
كانت طبيعة العلاقة ـ بين كل ملزوم ولازمه
ـ هو ثبوت اللازم عند ثبوت الملزوم
وانتفاء اللازم عند انتفاء الملزوم ، فهذا
يعني أنَّ العلاقة التلازميّة التي
اختلقها المتكلّم بواسطة أدوات الربط أراد
منها الربط ين المعنَيين في حالات الوجود
والعدم .
ويمكن التمثيل لذلك بالجمل الشرطيّة التي
وُضعت لإفادة التلازم بين المشروط وشرطه
في الوجود والعدم ، فتكون أداة الشرط
مفيدة لثبوت المشروط (اللازم) عند ثبوت
شرطه (الملزوم) وانتفاء المشروط عند
انتفاء شرطه .
ومع اتّضاح هذه الاُمور الأربعة نصل لبيان
تعريف المفهوم في مصطلح الاُصوليّين ،
فنقول : إنَّ المفهوم عندهم لا يُباين
المفهوم في المتفاهم العرفي ولكنّه أخصُّ
منه إذ أنَّ المفهوم في مصطلح الاُصوليّين
يعني المدلول المُستفاد من دالّ خاصّ ، إذ
أنّه يعني المدلول المستفاد عن الربط بين
الحكم المذكور في المنطوق وبين حالة خاصة
للموضوع المذكور أيضاً في المنطوق ، فإنَّ
هذا الربط المختلَق ـ بواسطة أدواته
الموضوعة لذلك ـ يُنشأ علاقة تلازميّة بين
الحكم المذكور في المنطوق وبين موضوعه
المُتحيِّث بحيثيِّة خاصة ، ومع تحقق
الملازمة بينهما فهذا يقتضي انتفاء الحكم
الملزوم بانتفاء هذه الحيثيّة ، وهذا
الانتفاء عند الإنتفاء هو المدلول
الإلتزامي وهو المفهوم باصطلاح
الاُصوليّين .
وهنا خصوصيّة إضافيّة مأخوذة في تعريف
المفهوم عندهم ، وهذه الخصوصيّة هي أنَّ
المفهوم لا يتحقّق إلاَّ بانتفاء طبيعي
الحكم بانتقاء ما اُخذ في الموضوع ، أمَّا
إذا كان المنتفي هو شخص الحكم ، فهذا لا
يسمّى مفهوماً عندهم .
وبما بيّناه يتّضح أنَّ المفهوم يتحدّد
بمجموعة اُمور :
الأوّل : أنَّه مدلول إلتزامي لفظي ،
وبهذا الحدِّ يخرج المنطوق ويخرج المدلول
الإلتزامي غير اللفظي .
الثاني : إنَّ هذا المدلول هو انتفاء
الحكم المذكور في المنطوق بانتفاء قيده ،
وبهذا يخرج المدلول الإلتزامي الذي لا
يتوقّف على انتفاء الحكم المذكور في
المنطوق ، مثلا إذن المالك لشخص بالمكث في
داره يُلازم الإذن له بدخول بيت الخلاء ،
فإنَّ المدلول الإلتزامي في المثال لا
يعني انتفاء الإذن بالمكث في الدار ، وهذا
بخلاف المفهوم المبحوث عنه في المقام
فإنَّه يعني انتفاء الحكم المذكور في
المنطوق ، مثلا لو قال المتكلّم « إذا جاء
زيد فأكرمه » فإنَّ المدلول الالتزامي
لهذه الجملة هو انتفاء وجوب الإكرام
بانتفاء مجيء زيد ، فنلاحظ أن المدلول
الإلتزامي في المثال هو عبارة عن انتفاء
الحكم في المنطوق ، وهذا هو المبحوث عنه
في المقام .
الثالث : أن يكون المنفي عند انتفاء القيد
المذكور هو طبيعي الحكم إذ قد يكون المنفي
عند انتفاء الموضوع (القيد) هو شخص الحكم
وذلك بواسطة قاعدة إحترازيّة القيود .
فحينما يقال « أكرم زيداً الفقير » ،
فإنَّ انتفاء الفقر عن زيد وإن كان يُوجب
انتفاء الحكم وهو وجوب الإكرام إلاَّ أنّ
هذا المنفي إذا كان هو شخص الوجوب فإنَّ
هذا لا يقتضي انتفاء شخص آخر للوجوب بملاك
القرابة أوالعلم ، وهذا الإنتفاء لشخص
الحكم انما نشأ عن قاعدة إحترازيّة القيود
والتي تعني تبعيّة الحكم لقيوده ، وهذا
المقدار لا يُحقق المفهوم إذ أنّ المنفي
في المفهوم هو طبيعي الحكم ، وهذا يستدعي
وجود خصوصيّة اضافيّة للربط بين الحكم في
المنطوق وبين قيوده المأخوذة في المنطوق
أيضاً .
وهذا ما سنبحث عنه في ضابطة المفهوم .
قوله (رحمه الله) : « تطبيقاً لقاعدة
إحترازيّة القيود » ، والتي تقتضي انتفاء
المقيد عند انتفاء قيده ، ومنشؤها أنَّ
القيد بمثابة الموضوع ، والأحكام تابعة
لموضوعاتها وجوداً وعدماً ، فمتى ما انتفى
الموضوع (القيد) انتفى بتبعه الحكم
المجعول عليه ، فالمتكلّم حينما جعل الحكم
منوطاً بقيده فهذا يكشف عن أنّه أراد أن
يكون القيد هو مدار وجود الحكم وانتفائه .
ضابطة المفهوم :
ولكي يكون المفهوم بحدوده متحقّقاً لابدَّ
أن يكون المنطوق متوفّراً على ركنين
أساسيّين :
الركن الأوّل : أن يكون القيد المرتبط
بالحكم في المنطوق علّة منحصرة للحكم بحيث
لا يقوم شيء مقام القيد لتحقيق الحكم .
وبعبارة اُخرى : لابدَّ ان تكون الجملة
مُتهيّئة بهيئة يستظهر منها العُرف كون
الربط بين الحكم وقيده ربطاً عليّاً
انحصاريّاً بحيث ينفهم منها إنتفاء الحكم
المقيّد عند انتفاء قيده المأخوذ في
المنطوق .
ومن الواضح ان انتفاء الحكم بانتفاء قيده
يتقوّم بثلاث ركائز :
الاُولى : وجود ملازمة بين الحكم وقيده .
الثانية : ان تكون هذه الملازمة بنحو
العلِّيّة .
الثالثة : ان تكون علِّيّة القيد للحكم
علّية انحصارية ، إذ لو لم تكن انحصاريّة
لأمكن ان ينتفي القيد ولا ينتفي معه الحكم
لجواز ان يكون للحكم علّة اُخرى .
الركن الثاني : ان يكون الربط في المنطوق
بين كلِّيّ الحكم وطبيعيَّه وبين القيد إذ
لو كان الربط بين شخص الحكم والقيد لكان
ذلك يقتضي انتفاء شخص الحكم بانتفاء قيده
، وهذا ليس من المفهوم المبحوث عنه .
وبعبارة اُخرى : لابدَّ من أن تكون الجملة
التي لها مفهوم ظاهرة في انَّ الربط فيها
انما هو بين طبيعي الحكم وبين القيد حتى
يكون انتفاء القيد مقتضياً لانتفاء طبيعي
الحكم ، لأن هذا هو مُقتضى الربط الواقع
في المنطوق .
ومع توفّر هذين الركنين في ايِّ جملة من
الجمل يثبت المفهوم لتلك الجملة .
الإشكال على الركن الأوّل : وقد أورد
المصنّف (رحمه الله) على الركن الأوّل
إيرادين :
الإيراد الأول : ذكرنا في الركن الأول انّ
القيد المرتبط بالحكم لابدَّ من ان يكون
علّة للحكم ، وهذا غير لازم في تحقق
المفهوم ، إذ المفهوم يمكن ان يتحقّق لو
كان القيد جزء علّة للحكم إذا كان جزء
علّة منحصرة ، مثلا لو قال المتكلّم « إذا
جاء زيد راكباً فأكرمه » فإنَّ ظاهر
الجملة انّ العلّة لوجوب الاكرام مركّبة
من جزءين ، الأول المجيء ، والثاني كون
المجيء بهيئة الركوب ، فلو انتفى أحد
الجزءين فان هذا يُنتج انتفاء الحكم وذلك
لان المنتفي هو جزء العلّة المنحصرة ،
وهذا يكشف عن انّ المنشأ لتحقق المفهوم هو
انحصار تحقق الحكم بقيده سواء كان القيد
الذي هو العلّة متّحداً أو متعدّداً ،
وكذلك يكفي ان يكون أحد جزءي العلّة
منحصراً وان كان الجزء الآخر من قبيل جزء
العلّة ذات البديل ، ففي مثالنا السابق لو
استظهرنا ان الركوب جزء علّة لوجوب
الاكرام ولكن بنحو جزء العلّة ذات البديل
بحيث يمكن استبدالها بجزء علّة اُخرى
ولكنَّ الجزء الآخر للعلّة وهو المجيء جزء
علّة منحصرة اي لا يقوم مقامها شيء آخر
فإنَّ ذلك يكفي في تحقق المفهوم لهذه
الجملة ، أي اذا افترضنا انتفاء جزء
العلّة المنحصر .
فهنا إذن معنيان للعلّة المنحصرة الاولى
هي ما يقابل العلّة المركّبة من اجزاء
متعدّدة كلُّ جزء منها يمثّل جزء علّة
الثانية : هي ما يقابل العلّه ذات البديل
.
فالمعنى الأول هو عبارة عن العلّة البسيطة
اي الغير المركّبة من اجزاء .
المعنى الثاني : هي عبارة عن العلّة التي
لا يقوم مقامها علّه اُخرى في تحقيق
المعلول فهي في مقابل العلّة ذات البديل
وهي التي يمكن ان يقوم مقامها علّة اُخرى
لتحقيق نفس المعلول .
والذي يظهر من عبارة المصنّف (رحمه الله)
أنّ الذي هو ليس أساسيّاً في تحقق المفهوم
هو المعنى الاول للعلّة المنحصرة إذ انَّه
يمكن ان تكون العلّة مركّبة ولكنها اذا
كانت منحصرة بالمعنى الثاني فهذا يكفي في
تحقق المفهوم ، فالعبرة في تحقق المفهوم
هو ان لا تكون العلّة للحكم ذات بديل ،
إلا انه يمكن ان يكون المصنّف (رحمه الله)
مريداً لصورة اُخرى بالاضافة الى ما ذكرنا
وهو انه لو كانت العلّة مركّبة وكان أحد
اجزائها من قبيل العلّة ذات البديل فإنَّ
ذلك لا يضرُّ في تحقق المفهوم إذا كان
الجزء الآخر من قبيل العلّة المنحصرة
بالمعنى الثاني ، إذ انّ الانحصار المحقّق
للمفهوم هو الانحصار بالمعنى الثاني ولو
في جزء العلّة .
الإيراد الثاني : ان أصل العلّيّة غير
معتبر في تحقق المفهوم إذ يكفي في تحقق
المفهوم كون الحكم مرتبطاً بالقيد
ارتباطاً وثيقاً بحيث يكون ذلك الحكم
متوقّفاً على القيد توقّف اللازم على
ملزومه إذ ان التوقف والتلازم بين الشيئين
لا يقتضي ان العلاقة بينهما علاقة العلّية
دائماً ، فقد تكون العلاقة بين المتلازمين
ناشئة عن كونهما معلولين لعلّة ثالثة ،
وقد تكون ناشئة عن تلازم علّتين في الوجود
والعدم يُنتجان معلولين يكون بينهما تلازم
في الوجود والعدم اي كلّما أوجبت العلّه
الاولى معلولها أوجبت العلة الاُخرى
معلولها ، وهذا يُنتج التلازم بين المعلول
الأول والمعلول الثاني .
ومثال الأول : التلازم بين الحراة
والإحراق رغم عدم وجود أي علّية بينهما بل
ان كلاهما معلولان لعلّة واحدة هي النار .
ومثال الثاني : سقوط قرص الشمس وبروز
القمر في الليالي المقمرة فإنّهما علّتان
متلازمتان وجوداً وعدماً ويُنتجان معلولين
متلازمين في الوجود والعدم وهما ذهاب
النهار وضوء القمر .
ومن هنا قلنا ان الربط الذي تُحدثه الجملة
لا يستوجب ان يكون بنحو العلّية بل يكفي
في هذا الربط ان يكون موجباً للتلازم بين
الحكم وقيده .
بل انّ التلازم بين الحكم وقيده غير ضروري
في تحقق المفهوم إذ انّه يكفي في تحقق
المفهوم للجملة هو إفادتها توقف الحكم على
قيده ولو اتفاقاً ، اي ولو لم يكن بين
الحكم وقيده تلازم واقعي إذ ان المناط في
تحقق المفهوم هو استفادة التوقّف والتلازم
من حاقِّ المنطوق بقطع النظر عن واقع
العلاقة بين الحكم وقيده ، فلو قلنا ان
مجيء زيد متوقّف على مجيء عمرو دون ان
يكون لذلك التوقّف اي سبب ، لكانت هذه
الجملة مفيدة لانتفاء مجيء زيد عند انتفاء
مجيء عمرو .
وبهذا يتّضح ان الربط بين الحكم وقيده وان
كان يوجب تحقق المفهوم إلا ان ذلك ليس هو
المناط في تحقق المفهوم بل ان المفهوم
يتحقق باقلَّ من ذلك ، اذ يكفي فى تحقق
المفهوم ان يكون الربط بين الحكم وقيده
بنحو يكون الحكم متوقّفاً على قيده ولو
اتفاقاً .
قوله (رحمه الله) : « ملتصقاً بالشرط
ومتوقّفاً عليه » الواو هنا عطف تفسير ،
فالتوقّف والإلتصاق يعبِّران عن معنىً
واحد وهو حالة التلازم ، ولو كان ذلك
التلازم مختلقاً ومعتبراً بواسطة الجملة
وليس وراءه واقع أو ليس في الجملة ما يدل
على عليّة أحدهما للآخر بنحو العليّة
الانحصاريّة .
« مفهوم الشرط »
وبعد أن اتضح ما هو المراد من المفهوم وما
هي ضابطته يقع الكلام حول بعض الجمل التي
ادعي دلالتها على المفهوم .
ولابدّ ان يكون مسار البحث عن توفّر هذه
الجمل على ضابطة المفهوم وعدم توفِّرها
عليها .
ونبدأ أولا بالجملة الشرطية والتي عُلِّقت
فيها قضية حمليِّة على قضية حمليَّه اُخرى
بطريقة خاصَّة اقتضت انفهام التعليق عرفاً
، ولذا لم يقع الاشكال في دلالة الجملة
الشرطية على الربط والتعليق ، نعم وقع
الكلام في ما هو الدال على الربط والتعليق
فيها .
وقد ذكر المصنّف رحمه الله تعالى في ذلك
اتجاهين :
الاتّجاه الأول : هو أن الدال على الربط
بين الشرط والجزاء هو أداة الشرط ، مثلا «
اذا جاء زيد فاكرمه » هذه الجملة الشرطية
دلَّت على ربط وجوب الاكرام بنحو التعليق
على مجيء زيد ، وهذا التعليق والربط بين
الشرط « وهو مجيء زيد » والجزاء « وهو
وجوب الاكرام » استفيد من اداة الشرط وهي
« إذا » في هذه الجملة إذ وُضعت لافادة
هذا النحو من الربط .
وهذا هو الاتّجاه المعروف .
الاتجاه الثاني : وهو الذي تبناه المحقق
الاصفهاني (رحمه الله) ، وحاصله : ان
الدال على الربط بنحو التعليق بين الشرط
والجزاء هو هيئة الجملة الشرطية حيث أنها
وبهذه الكيفية الخاصة التي رتّب فيها
الجزاء على الشرط مفيدة للنسبة الربطيّة
التعليقيّة بين ركني الجملة وهما الشرط
والجزاء ، وليس لأداة الشرط دلالة على
الربط والتعليق بل أنها وُضعت للدلالة على
أن الشرط الذي هو مدخولها قد لوحظ مقدر
الوجود وليس لمُنشأ الجملة أيّ تصد
لاحرازه خارجاً بل انّه افترضه افتراضاً
وعلّق عليه الجزاء بنحو القضية الحقيقية
فأداة الشرط ليس لها دور الا دور الدلالة
على انّ الجمل الشرطية مجعولة على نهج
القضايا الحقيقيّة .
وكيف كان فالاتّجاهان متّفقان على دلالة
الجملة الشرطية على الربط والتعليق ، إلاّ
انّ هذا المقدار غير كاف لاثبات المفهوم
للجملة الشرطية بل لابدَّ من اثبات انّ
الجملة الشرطية متوفّرة على ضابطة المفهوم
.
ومن هنا يتّجه البحث في الجملة الشرطية عن
جهتين :
الجهة الاُولى : ان الحكم المُعلَّق على
الشرط هل هو طبيعي الحكم أو شخص الحكم ؟
ولابدَّ من اثبات ان المعلَّق على الشرط
هو الطبيعي والا لم تكن الجملة دالّة على
المفهوم .
وقد قُرِّبت دعوى كون المعلّق على الشرط
هو الطبيعي بهذا التقريب ، وهو : أنّ
مقتضى الاطلاق في الجزاء المعلّق على
الشرط هو ان المعلّق طبيعي الحكم إذ لو
كان المعلَّق هو فرد خاص من الحكم لكان
على المتكلّم ان يأتي بالقيد الدال على
الحكم الخاص ، فعدم ذكر القيد ـ رغم انّه
في مقام بيان ما هو المعلَّق على الشرط ـ
كاشف عن عدم إرادة أي قيد في الحكم ، وهذا
يقتضي إرادة طبيعي الحكم ، مثلا قول
الامام (عليه السلام) : « اذا زالت الشمس
فقد دخل وقت الصلاتين »() أي صلاة الظهر
وصلاة العصر ، فالإمام (عليه السلام) قد
علَّق وجوب الصلاتين على زوال الشمس ،
والسؤال هو انّ الوجوب الثابت للصلاتين هل
هو طبيعي الوجوب أو شخص الوجوب بحيث يمكن
ان تجب صلاة الظهر ، وكذلك العصر بموجب
آخر غير زوال الشمس ، والجواب انّ مقتضى
الاطلاق وقرينة الحكمة انّ المعلَّق على
زوال الشمس هو طبيعي الوجوب بحيث اذا
انتفى الزوال تنتفي تمام أفراد الوجوب
للصلاتين ، فلا موجب آخر لأيِّ فرد من
أفراد الوجوب ، وذلك لأنه لو كان المعلَّق
على الزوال هو فرد خاص من وجوب الصلاتين
لكان على الامام (عليه السلام) ان يذكر
القيد الدالّ على ذلك ، إذ انّ الامام في
مقام بيان ما هو المعلّق على الزوال فلمّا
لم يذكر ما يدل على ارادة الفرد الخاص
للوجوب كشف ذلك عن عدم إرادة القيد ، وهذا
يعني ارادة طبيعي الوجوب للصلاتين .
وبهذا البيان اتّضح توفُّر الجملة الشرطية
على الركن الاول للمفهوم .
الجهة الثانية : انّ الشرط المعلَّق عليه
الجزاء هل يظهر منه انه علة إنحصاريّة
للجزاء وانه لا توجد علة اُخرى للجزاء أو
لا ؟
فان تم إثبات ظهور الشرط في العليّة
الانحصارية ثبت انّ للجملة الشرطية مفهوم
.
وقد طُرحت لإثبات ذلك محاولتان .
المحاولة الاُولى : إنّ الدال على انّ
الشرط علّة منحصرة للجزاء هو أداة الشرط ،
ومنشأ دلالتها على ذلك هو الوضع ، واذا
كان كذلك فاستعمال اداة الشرط في حالة كون
الشرط علة غير منحصرة يعني انه استعمال
لها في غير ما وضعت له « الأداة » وهو
يقتضي مجازيّة الاستعمال .
ومن هنا نشأ الاشكال على هذه الدعوى إذ
إنّ الوجدان قاض بفسادها ، فالعرف لا يرى
أيَّ تسامح وتجوُّز في استعمال أداة الشرط
في مورد لا يكون فيه الشرط علّه منحصرة
للجزاء مما يكشف عن عدم مجازية استعمال
الأداة في حالات عدم كون الشرط علّة
منحصرة .
المحاولة الثانية : ـ لإثبات انّ الشرط
علة منحصرة للجزاء ـ وهي انّ اثبات
العليّة الانحصاريّة للشرط تتم بثلاث دوال
يشكلون بمجموعهم ظهوراً في انحصار الجزاء
بالشرط :
الدالُّ الاول : هي اداة الشرط ومدلولها
الوضعي هو التلازم بين الشرط والجزاء دون
تحديد هويّة هذا التلازم ، فلو كنّا وهذا
المقدار لما كان للجملة الشرطيّة ايُّ
دلالة على أكثر من كون الجزاء لازماً
للشرط ، امّا انّ هذا اللزوم هو لزوم
علِّي أو غير علِّي وعلى فرض ثبوت العلّية
فهل هي علِّية انحصاريّة أو لا ؟ فهذا
خارج عن مفاد الأداة .
الدالُّ الثاني : هي فاء التفريع ـ والتي
يقع الجزاء مدخولا لها ـ ومدلولها الوضعي
هو علِّية الشرط للجزاء ، إذ انّ هذا هو
مقتضى تفرّع الجزاء عن الشرط ، وتفرع شيء
عن شيء يعني ان المتفرّع عنه علّة
للمتفرِّع ، « فالفاء » تدل على التفريع
والتفريع يقتضي العلِّية كما ذكرنا .
وما ذكرناه من دلالة « الفاء » وضعاً على
التفريع لا فرق فيه بين كون الفاء مذكورة
أو مقدَّرة .
الدالُّ الثالث : وهو الاطلاق في الشرط
فإنَّه دالّ على الإنحصار وعدم وجود بديل
يحقّق الجزاء ، وذلك لأن الشرط المذكور
امّا ان يكون علّة منحصرة للجزاء وأما ان
يكون العلّه للجزاء هو أو غيره ، ولمّا
كان المتكلّم في مقام بيان ما يُوجب
الجزاء ويحقّقه فهذا يستوجب ذكر كل ما
يحقق الجزاء ، فإذا لم يذكر الاّ هذا
الشرط فهذا يقتضي عدم وجود شرط آخر يمكن
ان يحقق الجزاء اذ لو كان موجوداً ومع ذلك
لم يذكره ـ وهو في مقام بيان ما يوجب
ويحقق الجزاء ـ لكان ناقضاً لغرضه .
وبهذا البيان يثبت انّه لا يوجد شرط آخر
يكون بديلا عن الشرط المذكور ، وهذا هو
الانحصار المطلوب إثباته .
وبهذه الدوالِّ الثلاثة يثبت ان الشرط في
الجملة الشرطيّة علّة منحصرة للجزاء .
ومن أجل ان يتّضح المطلب أكثر نطبّق هذه
الدوال الثلاثة على هذا المثال « اذا جاء
زيد فأكرمه » ، فاداة الشرط « إذا » دلَّت
على التلازم بين الشرط وهو « المجيء »
والجزاء « وهو وجوب الإكرام » .
و« الفاء » التي دخلت على الجزاء دلَّت
على تفرُّع الجزاء وهو وجوب الاكرام على
الشرط وهو المجيء ، وتفرُّع الوجوب على
المجيء دالٌّ على انّ المجيء علّة للوجوب
.
ثم ان مقتضى الاطلاق في الشرط ـ وهو مجيء
زيد ـ يثبت الإنحصار وذلك لأنه لو كان
للشرط بديل يُوجب الجزاء لذكره المتكلّم
اذ انه في مقام بيان ما يُحقق وجوب
الاكرام ، فعدم ذكر بديل للشرط كاشف عن
عدم وجوده ، وهذا هو الإنحصار في الشرط
الذي نروم إثباته .
وبهذا تكون الجملة الشرطيّة دالّة على
المفهوم لتوفّرها على كلا الركنين
المُعتبرين في تحقّق المفهوم في الجمل .
الشرط المسوق لتحقق الموضوع :
يمكن تصنيف الشرط في الجملة الشرطيّة إلى
قسمين :
القسم الأوّل : وهو ما يثبت لموضوع الحكم
مع إمكان زواله عن الموضوع ، ومع ذلك يبقى
الموضوع منحفظاً .
وبتعبير آخر : يكون الشرط واسطة في ثبوت
الحكم للموضوع المتقرّر في مرحلة سابقة عن
عروض الشرط عليه ، فلذلك لا يكون للشرط
دخالة في وجود الموضوع ، بل أنّه إذا اتفق
عروضه على الموضوع يثبت الحكم للموضوع ،
مثلا : (إذا كان زيد فقيراً فتصدّق عليه)
فوجوب التصدّق ثبت لموضوعه وهو زيد بواسطة
عروض الشرط عليه ، وهذا الموضوع متقرّر
وثابت بقطع النظر عن الشرط ، فهو لا
يُساوي الشرط وجوداً وعدماً ، فقد يوجد
زيد ولا يكون فقيراً ، وقد يثبت له الفقر
ثم يزول عنه .
فإذا كانت علاقة الشرط بموضوع الحكم من
هذا القبيل فالجملة الشرطية لها مفهوم .
القسم الثاني : أن يكون الشرط مساوياً
لموضوع الحكم وجوداً وعدماً ، فحيثما وجد
الشرط وجد معه الموضوع ، وحيثما انعدم
الشرط انعدم معه الموضوع ، فليس للموضوع
تقرر وثبوت في صورتي وجود الشرط وعدمه ،
وهذا النحو من الشروط في الجمل الشرطية قد
يكون غير الموضوع إلاَّ أنّه مساو للموضوع
في الوجود والعدم وقد يكون هو عين الموضوع
، وفي كلا الحالتين لا يكون للجملة
الشرطية مفهوم وذلك لأنَّ المفهوم ـ كما
قلنا ـ هو انتفاء الحكم عن الموضوع عند
انتفاء الشرط ، فإذا كان الموضوع منتفياً
بانتفاء الشرط أو كان الشرط هو الموضوع
فأيُّ موضوع نبحث عن انتفاء الحكم عنه ،
وهل هو إلاَّ من قبيل السالبة بانتفاء
الموضوع .
وبعبارة اُخرى : إنَّ الثمرة التي
نستفيدها من المفهوم هي أنَّ الحكم في ظرف
انتفاء الشرط منتف عن الموضوع فإذا لم يكن
هناك موضوع في ظرف انتفاء الشرط فلا حاجة
للمفهوم في إثبات إنتفاء الحكم لأنَّ
الحكم في مثل هذه الحالة منتف حتماً
لتبعيّة الأحكام لموضوعاتها ثبوتاً
وانتفاءً ، نعم لو كان للموضوع تقرر وثبوت
حتى في ظرف انتفاء الشرط يكون للمفهوم
فائدة إذ قد ينتفي الشرط ولا ينتفي الحكم
عن الموضوع فيكون دور المفهوم هو إثبات
انتفاء الحكم عن موضوعه في ظرف انتفاء
الشرط .
ويمكن التمثيل للشرط المساوي للموضوع بهذا
المثال : (إن رزقت ولداً فاختنه) فإنَّ
الموضوع مساو للشرط المعلَّق عليه الأمر
بالختن وهو أن يرزق المكلّف ولداً .
فإنَّ عدم رزق الله المكلّف للولد معناه
عدم الولد أي عدم الموضوع ، وبهذا ينتفي
الحكم وهو الأمر بالختن بانتفاء موضوعه
وهو الولد ، وذلك لتبعيّه الأحكام
لموضوعاتها وليس انتفاء الحكم بسبب
المفهوم إذ أنَّ المفهوم هو انتفاء الحكم
عن الموضوع الموجود عند انتفاء الشرط .
« مفهوم الوصف »
ومن الجمل التي ادعي دلالتها على المفهوم
هي الجمل الوصفيّه .
والمراد منها مطلق الجمل التي قُيّد
موضوعها أو متعلّق الحكم فيها بقيد من
القيود ، وليس للمفهوم الذي ادعي دلالة
الجمل الوصفيّة عليه اختصاص بالجمل
النعتية في مصطلح النحاة ، بل يشمل كل قيد
موجب لتضييق دائرة الموضوع أو متعلّق
الحكم ، فلذلك فهو يشمل الحال والتمييز
والإضافة وغيرهما مما يوجب التضييق في
موضوع الحكم أو متعلّقه .
ومثال ما فيه تضييق لموضوع الحكم قوله
تعالى : ] أُحلّ لكم صيد البحر [() فإنَّ
الصيد هو موضوع الحكم في الآية الكريمة
وقد ضيّقت دائرة هذا الموضوع بقيد وهو
البحر ، وبه أصبح موضوع الحكم (الحلّية)
غير شامل لصيد البر .
ومثال ما فيه تضييق لمتعلّق الحكم قوله
تعالى : ] مَن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه
بمثل ما اعتدى عليكم [() فإنَّ الإعتداء
هو متعلق الحكم وقد ضيّقت دائرته بقوله
تعالى : ] بمثل ما اعتدى عليكم [ وبه اصبح
متعلّق الحكم غير شامل للإعتداء بأكثر أو
بغير سنخ الإعتداء الواقع على المخاطب .
وبعد اتّضاح موضوع البحث يقع الكلام في
دلالة الجمل الوصفيَّة على المفهوم ، وقد
ذكر لإثبات ذلك وجهان :
الوجه الأوّل : انّ القيود المأخوذة في
موضوع الحكم أو متعلّقه إما ان تكون دخيلة
في ترتّب الحكم على الموضوع أو المتعلّق
وامّا ان لا تكون دخيلة في ذلك ، وعدم
دخالتها مناف لما هو مقتضى الظهور العرفي
إذ ان المتفاهم من أخذ قيد في موضوع انّ
ذلك القيد دخيل في ترتُّب الحكم على
موضوعه ، بمعنى ان الحكم لا يثبت لو اتفق
انتفاء قيد الموضوع كما هو الحال لو
قُدِّر انتفاء أصل الموضوع ، مثلا قول
الامام الصادق (عليه السلام) « لا تأكل
اللحوم الجلاّلة »() فإنّ الظاهر من أخذ
القيد في موضوع الحكم « اللحوم » انّ ذلك
القيد « الجلاَّلة » دخيل في ترتُّب
الحرمة على الموضوع .
والإشكال على هذا الوجه : هو أن هذا
المقدار لا يفي بإثبات المفهوم للجمل
الوصفيّه ، وذلك لأنّ غاية ما يثبته هذا
الوجه هو إنتفاء شخص الحكم بانتفاء القيد
المأخوذ في الموضوع أو المتعلّق ، ولذلك
يمكن ان يثبت مثل الحكم للموضوع المجرَّد
عن القيد .
وبعبارة اُخرى : انّ انتفاء شخص الحكم
بانتفاء القيد انما نشأ عن قاعدة
احترازيّة القيود القاضية بتطابق المدلول
التصوري مع الدلول التصديقي الجدِّي أي
انَّ كل مدلول وضعي تصوّري مستفاد مما
ذكره المتكلّم فهو مراد جدِّي له ، فإذا
ذكر المتكلّم قيداً لموضوع حكمه ، فهذا
القيد مُراد جدّاً أي انّ قصد المتكلّم
جعل القيد دخيلا في ترتّب الحكم وهذا
يقتضي انتفاء الحكم بانتفاء ذلك القيد
إلاَّ أنّ الحكم المنتفي بانتفاء القيد هو
شخص الحكم المذكور في الخطاب ، ولذلك يمكن
ان يثبت مثل ذلك الحكم لنفس الموضوع
المجرَّد عن ذلك القيد سواءً كان ثبوت مثل
الحكم بقيد آخر أو بدون قيد أصلا ،
والمفهوم الذي نبحث عن دلالة الجملة
الوصفيّة عليه هو انتفاء طبيعي الحكم
بانتفاء القيد ، والذي يقتضي انتفاء تمام
أفراد الحكم عن الموضوع حين انتفاء القيد
، ففي المثال الذي ذكرناه وهو قول الإمام
(عليه السلام)« لا تأكل اللحوم الجلالة »
لو انتفى الجلل عن اللحم ، فهذا يقتضي
انتفاء شخص الحرمة المذكورة في هذا الخطاب
إلا انّ ذلك لا يعني انتفاء الحرمة على
اللحوم غير الجلالة مطلقاً ، فقد تثبت
الحرمة للّحم بملاك آخر وهو كون اللحم من
موطوء الانسان أو ممن تغذَّى على لبن
خنزيرة ، وهذا بخلاف المفهوم فإنَّه يقتضي
انتفاء طبيعي الحرمة عن اللحم إذا انتفى
عنه قيد الجلل .
الوجه الثاني : ان ذكر القيد لو لم يكن
دالا على انتفاء طبيعي الحكم بانتفائه ،
لكان أخذه في الموضوع أو المتعلّق لاغياً
، وهو مناقض لما هو المفترض من حكمة
المتكلّم .
وحتى لا يحمل فعل المتكلّم على ما هو مناف
لمقتضى الحكمة لابد من حمل كلامه على
إرادة المفهوم وانّ المنتفي عند انتفاء
القيد هو طبيعي الحكم .
ولمزيد من التوضيح نقول : أنّه لو كان
المنتفي عند انتفاء القيد هو شخص الحكم
فقط لكان ذلك يقتضي امكان ثبوت مثل الحكم
للموضوع المجرّد عن ذلك القيد ، فلو كان
الموضوع المجرّد محكوماً بمثل ذلك الحكم
فما معنى أن يأتي المتكلّم بخطابين يُثبت
للموضوع المقيّد فرداً من الحكم ويُثبت
للموضوع المجرد فرداً آخر مثله ، وهل هذا
الا من قبيل الاكل من القفا ! إذ كان
بإمكان المتكلّم أن يأتي بخطاب واحد يدل
باطلاقه على ثبوت الحكم للموضوع الشامل
للفرد المقيّد .
فلو أن وجوب الاكرام ثابت للعالم المجرَّد
عن العدالة فلا معنى لأن يأتي المتكلّم
بخطابين يجعل في الأوّل وجوب الاكرام
للعالم العادل ويجعل في الآخر وجوب
الاكرام للعالم المجرّد عن العدالة ، إذ
يكفيه ان يأتي بخطاب واحد يدل بنحو
الاطلاق على وجوب الاكرام للعالم الشامل
للعادل وغير العادل .
والجواب عن هذا الوجه :
ان هذا الوجه غير قادر أيضاً على إثبات
المفهوم ـ بالمعنى المبحوث ـ للجملة
الوصفية إذ انّ المفهوم الذي نبحث عن
ثبوته للجملة الوصفيّة هو انتفاء طبيعي
الحكم بانتفاء قيده بحيث لا يثبت مثل
الحكم ـ ولو بنحو الموجبة الجزئيّة ـ
للموضوع حين انتفاء قيده ، وغاية ما ينتجه
هذا الوجه هو أن مثل الحكم للجمل الوصفيّه
لا يثبت للموضوع مطلقاً في حالات إنتفاء
القيد ، وهذا يعني إمكان ثبوت مثل الحكم
للموضوع في بعض حالات انتفاء القيد وذلك
لأن عمدة ما يرتكز عليه هذا الوجه هو أنَّ
مثل الحكم لو كان يثبت للموضوع في حال
انتفاء القيد لما كان لذكر القيد ايُّ |