الدليل
العقلي
1 ـ إثبات القضايا العقلية .
2 ـ حجّية الدليل العقلي .
تمهيد
ونبيِّن في هذا التمهيد المراد من
الدليل العقلي ، وكيفية إثباته للحكم
الشرعي ، وأيّ الأقسام من القضايا
العقلية تُبحث في علم الاُصول ،
وأيّها التي لا تُبحث في علم الاُصول
، فنقول :
أمّا ما هو المراد من الدليل العقلي
في اصطلاح الاُصوليّين فهوكل قضية
يكون إثبات محمولها لموضوعها بواسطة
المدركات العقلية بحيث تتأهل تلك
القضية بعد ذلك لانْ تكون لها صلاحيّه
إثبات حكم شرعي أو نفي حكم شرعي .
فالقضية المدركة بالعقل هي المعبَّر
عنها بالدليل العقلي ، فمثلا « الظلم
قبيح » قضية ثبت فيها حكم لموضوع ،
وهذا الثبوت نشأ عن إدراك العقل ، فهي
إذن قضية عقلية ، وانَّما سُميّت «
دليلا » باعتبارها صالحة للكشف عن حكم
شرعي أو المساهمة في الكشف عن الحكم
الشرعي ، فدليلية هذه القضية العقلية
باعتبار توسطها في إثبات حكم شرعي .
ومن أجل أن يتّضح ما هو المراد من
الدليل العقلي أكثر لابدَّ من بيان
امور :
الأمر الأول : انّ المراد من
المُدركات العقليّة في اصطلاح
الاُصوليّين هو ما يدركه العقل
ويستقرُّ عليه بنحو الجزم دون أن يكون
منشأ ذلك الإدراك هو الكتاب والسنة .
ثم انّه لا فرق بين مُدركات العقل
النظري او مدركات العقل العملي من حيث
دخولهما في المقصود وأن كل قضية
اُدركت بواسطة العقل النظري أو العقل
العملي إذا كانت صالحة لان يُستنبط
منها حكم شرعي أو نفي حكم شرعي ، فهي
داخلة تحت عنوان الدليل العقلي
باصطلاح الاُصوليّين .
ومثال ما يثبت بواسطة العقل النظري
الإستلزامات العقلية ، كاستلزام وجوب
شيء لحرمة ضدِّه ، واستلزام وجوب شيء
لوجوب مقدّمته ; فإنَّ إدراك العقل
لذلك هو إدراك لواقع الملازمة دون أن
يكون لهذا الإدراك تأثير عملي مباشر ،
أي انَّ إدراك العقل لواقع الملازمة
ليس له أيُّ انعكاس واقتضاء للعمل على
طبق ما يقتضيه ذلك المدرك ابتداءً ،
نعم قد يؤثّر هذا المُدرك النظري
عمليّاً إذا انضمت اليه مقدمة اخرى .
فمثلا إدراك العقل النظري للملازمة
بين وجوب شيء وحرمة ضدِّه هو إدراك
لكون الوجوب علّة لثبوت حرمة الضد
واقعاً ، وهذا لا يدعو ولا يستوجب
موقفاً عمليّاً مطابقاً لما هو مقتضى
ذلك الإدراك ، نعم هو يُساهم في
التأثير العملي إذا ضممنا اليه مقدمة
اُخرى ، وهي قيام الدليل الشرعي على
وجوب الصلاة مثلا ، فيثبت بذلك حرمة
الضد للصلاة ، وهذه النتيجة تستوجب
موقفاً عمليّاً مطابقاً لها .
وتلاحظ انّ المدرك بالعقل النظري هنا
قد استوجب موقفاً عمليّاً ، ولكن
بواسطة انضمام مقدمة اُخرى اليه .
ومثال ما يثبت بواسطة العقل العملي
المستقلات العقلية ، مثل إدراك العقل
لقبح الظلم وحسن العدل ، فإنّ هذا
الإدراك يستتبع موقفاً عمليّاً
مطابقاً لمقتضاه دون الحاجة الى توسّط
مقدمة اخرى ، كما هو الحال فيما يُدرك
بالعقل النظري .
الأمر الثاني : إنّ المدركات العقلية
التي هي محلُّ البحث في علم الاصول هي
المدركات التي يمكن أن يُستفاد منها
استكشاف حكم شرعي أو نفي حكم شرعي ،
فهي إذن المدركات التي تكون في عرض
الكتاب والسنة ، والتي يكون لها نفس
الدور الثابت للكتاب والسنة ، وهو
الدليلية والكاشفية عن الأحكام
الشرعيّة ، وبهذا يتّضح خروج نحوين من
المدركات العقلية عن بحث الاُصول .
النحو الأول : وهو المدركات العقلية
التي تثبت بها حجية الكتاب والسنة ،
فإنّ هذا النحو من المدركات ليست في
رتبة الكتاب والسنة ، بل هي الموجبة
لحجّيتهما ، إذ انّ ثبوت الحجيّة لهما
لا يمكن أن يثبت بواسطة نفس الكتاب
والسنة وإلا لزم الدور المستحيل ، كما
انَّ الإعتقاد بصدق الكتاب والسنة من
الاُصول الإعتقادية التي لا يُكتفى
فيها بالظن ، فلا سبيل للعلم بحجّتهما
إلا الادلة العقلية القطعية ، وهذه
الأدلة العقلية ليست محلا للبحث ولم
تقع محلا للنزاع .
النحو الثاني : وهو المدركات العقلية
الواقعة في رتبة معلولات الأحكام
الشرعية أي انّها متأخّرة عن الحكم
الشرعي ويكون الحكم الشرعي بمثابة
العلة لوجودها ، فلولا تقرُّر الحكم
الشرعي في رتبة سابقة لما كان لذلك
الإدراك وجود .
ومثاله إدراك العقل لحسن الطاعة وقبح
المعصية ، فإنّ هذا الإدراك مترتِّب
على وجود أوامر للمولى ، إذ انَّ
العقل لا يحكم بحسن الطاعة وقبح
المعصية لو لم تكن أوامر للمولى ، فلو
قطع العبد بعدم وجود تكليف إلزامي
تجاه فعل معيّن فهنا لا يحكم العقل
بحسن الطاعة وقبح المعصية ، إذ انّ
موضوع حكم العقل بذلك هو وصول التكليف
الإلزامي للمكلَّف وقد افترضنا عدمه .
ومع اتّضاح هذا النحو من المدركات
العقليّة يتّضح خروجه عن محلّ البحث
إذ انّ البحث الاصولي مختصّ بالمدركات
العقلية الواقعة في رتبة الكتاب
والسنة والتي يمكن أن يُستنبط منها
حكم شرعي ، لا المدركات التي تثبت بعد
تقرُّر الحكم الشرعي .
الأمر الثالث : إنَّ الدليل العقلي
تارة يكون واسطة في إثبات حكم شرعي
واخرى يكون واسطة في نفي حكم شرعي دون
أن تكون له صلاحيّة لإثبات حكم آخر .
ومثال الأول : إدراك العقل لملاك
الحكم وانَّه المصلحة التامة المقتضية
لترتُّب الحكم مع افتراض عدم وجود
المانع من تأثير تلك المصلحة أثرها في
ترتّب الحكم ، فحينئذ يكون هذا
الإدراك موجباً لثبوت الحكم الشرعي
بنحو الدليل اللمي الكاشف عن ثبوت
المعلول بواسطة ثبوت العلّة .
ومثال الثاني : إدراك العقل لإستحالة
اجتماع الأمر والنهي ، أو إدراكه
لاستحالة اجتماع حكمين متضادين ، فإنّ
إدراك العقل للإستحالة يُوجب إدراكه
لنفي حكم شرعي يلزم من ثبوته المحال ،
فلو قطع المكلف مثلا بحرمة شرب الخمر
فإنّ العقل هنا ينفي الحليَّة الشرعية
عن شرب الخمر ، وذلك لإدراكه استحالة
اجتماع حكمين متضادين على موضوع واحد
.
الأمر الرابع : إنَّ دليليَّة الدليل
العقلي منوط بتحقق مقدّمتين تكون
احداهما صغرى والاُخرى كبرى ، لقياس
نتيجته دليليَّة الدليل العقلي ، وذلك
بواسطة ثبوت الحد الاكبر ـ والذي هو
الحجية ـ للاصغر وهو متعلّق المدرك
العقلي .
فدليليَّة الصغرى باعتبار وقوعها صغرى
لقياس نتيجته دليليَّة الدليل العقلي
، ودليليَّة الكبرى باعتبار وقوعها
كبرى لقياس نتيجته دليليَّة الدليل
العقلي .
فالصغرى وحدها ليست كافية لإثبات
الدليليَّة إذا لم تنضم اليها الكبرى
، وهي حجية الدليل العقلي ، كما انّ
الكبرى وحدها ليست كافية لإثبات
دليليَّة الدليل العقلي ، إذا لم تنضم
اليها الصغرى ، وذلك لانعدام موضوع
دليليَّة الدليل العقلي ـ الذي هو
نتيجة القياس ـ إذ الصغرى مشتملة على
موضوع النتيجة ـ وهو الحد الأصغر ـ
كما انَّ الكبرى مشتملة على محمول
النتيجة ـ وهو الحد الأكبر ـ وهذا هو
الذي يقتضي ركنيَّة الصغرى والكبرى
لإثبات دليليَّة الدليل العقلي ،
والذي هو نتيجة القياس المثبت
لدليليَّة الدليل العقلي ، ولتوضيح
المطلب نذكر هذا المثال :
* العقل يحكم بوجوب مقدمة الواجب *
وكلُّ ما حكم به العقل فهو حجّة * إذن
: وجوب مقدمة الواجب حجّة .
وتلاحظون انّ الصغرى ساهمت في النتيجة
كما ان الكبرى ساهمت أيضاً في النتيجة
، ومن هنا عبَّرنا عن القضايا العقلية
الصغروية كما عبَّرنا عن الكبرى
بالدليل العقلي .
وتُلاحظون أيضاً انّ نتيجة هذا القياس
هو دليليّة الدليل العقلي ، إذ انّ
انّ الدليلية تعبير آخر عن الحجية
والتي هي محمول النتيجة والحد الأكبر
للكبرى ، كما انّ الدليل العقلي تعبير
آخر عن الحد الأصغر والذي و متعلّق
المدرك العقلي ، وفي المثال « وجوب
مقدمة الواجب » .
ومع اتّضاح ذلك نقول انّ البحث
الصغروي بحث عن ان العقل هل حقاً
يُدرك هذه القضية ؟
وبتعبير آخر : البحث الصغروي بحث عن
الأدلّة على إثبات ان العقل يُدرك هذه
القضية أو لا يُدركها ، فمثلا نبحث في
البحث الصغروي عن أن حسن العدل وقبح
الظلم هل هو من مدركات العقل أو ليس
هو من مدركات العقل وما هو الدليل على
ذلك .
وأما البحث الكبروي فهو متأخر عن
إثبات القضايا العقلية ، وأن العقل
فعلا يُدرك صحة هذه القضية ، فإذا ثبت
انّ العقل يُدرك صحة قضية من القضايا
، نبحث بعد ذلك عن أن ما أدركه العقل
هل هو حجة أو لا ؟ اذْ انَّ ادراك
العقل لقضية من القضايا لا يُنهي
البحث ولا يُثبت الدليليّة لما أدركه
العقل بل اننا نحتاج الى إثبات حجية
ما يدركه العقل ، فإذا ثبت انَّ ما
يدركه العقل حجَّة فحينئذ تثبت
دليليَّة الدليل العقلي .
إنقسام القضايا العقلية الى قسمين :
القسم الاول : القضايا العقلية التي
لو تمّت لأمكن الإستفادة منها
لإستنباط كثير من الأحكام الشرعية في
مختلف الأبواب الفقهيّة ، وذلك مثل
ادراك العقل لاستحالة التكليف بغير
المقدور ، ومثل إدراك العقل للملازمة
بين وجوب شيء ووجوب مقدّمته ، أو وجوب
شيء وحرمة ضدّه أو إدراكه للملازمة
بين ما يحكم به العقل وما يحكم به
الشرع ، وكذلك إدراكه لحجية المدركات
العقلية القطعية ، فإنَّ مثل هذه
القضايا لو افترض تماميّتها لأمكن
الإستفادة منها لإستنباط كثير من
الأحكام الشرعية ، فمثل إدراك العقل
لاستحالة التكليف بغير المقدور يمكن
أن يستفاد منه لنفي كل تكليف يلزم من
ثبوته التكليف بغير المقدور ، كما
يمكن أن يُساهم هذا المُدرك العقلي في
إثبات شرطية القدرة في كلّ التكاليف
التي ثبت ان المكلّف مسؤول عن
امتثالها .
وهذا ما يجعل مثل هذه القضايا عناصر
مشتركة في الإستنباط .
القسم الثاني : القضايا العقليّه التي
لو تمّت لما أمكن الإستفادة منها إلا
في موردها ، فهي وإن كانت صالحة لأن
يُستنبط منها حكم شرعي إلا انَّ هذه
الصلاحية غير مطّردة ، فيكون وِزان
هذه القضايا وِزان بحث مسألة الصعيد
والكُر أو أنّ هذه الرواية معتبرة
سنداً ، فكما انَّ إثبات اعتبار
رواية ما لا يُساهم إلا في الكشف عن
الحكم الشرعي المختص بموردها ، فكذلك
هذا النحو من القضايا العقلية .
ويمكن التمثيل لهذه القضايا بما
يُدركه العقل من قبح ضرب اليتيم
تشفيّاً ، فإنَّ هذه القضية وإن كانت
تصلح للكشف عن حكم شرعي وهو حرمة ضرب
اليتيم شرعاً إلا أنها لا تصلح للكشف
عن أحكام شرعية اُخرى لا تتصل بموردها
.
وكذلك يمكن التمثيل بما يُدركه العقل
من حرمة فعل اعتماداً على ما ثبت عن
الشارع من ثبوت نفس ذلك الحكم لموضوع
آخر .
ومنشأ ذلك الإدراك هو العلم باتحاد
الموضوعين في علّة الحكم ، فلو ثبت عن
الشارع حرمة أكل التراب وذلك لكونه
مضرّاً فإنّ العقل بذلك يُدرك حرمة
أكل السم .
ومنشأ إدراك العقل لحرمة أكل السم هو
العلم باتّحاد التراب والسم في علَّه
الحكم ، فما أدركه العقل من حرمة أكل
السم يصلح للكشف عن حكم شرعي وهو حرمة
أكل السم شرعاً ، وهذا المقدار هو
الذي تكشف عنه هذه القضية العقلية ،
أي أنّها لا تصلح للكشف عن أكثر من
موردها .
وهنا أمر لابدَّ من التنبيه عليه ،
وهو انّ هذه القضية العقليَّة نشأت عن
قضية عقلية اخرى ، وهي قياس المساواة
وليست هي المقصودة في المثال ، إذ انّ
قياس المساواة من القضايا العقلية
التي يمكن الاستفادة منها في استنباط
كثير من الأحكام الشرعية ، فهي اذن من
العناصر المشتركة .
والمراد من قياس المساواة هي إدراك
العقل بترتُّب الحكم الثابت شرعاً
لموضوع على كل الموضوعات المشتملة على
علَّة ذلك الحكم ، فلو ثبت عن الشارع
حرمة شرب الخمر وثبت بأي وسيلة من
وسائل الإثبات انّ علة ثبوت الحرمة
للخمر هي الإسكار ، فإنّ العقل يُدرك
عندئذ انَّ كلَّ موضوع اشتمل على نفس
العلة فهو حرام .
وتلاحظون انّ هذه القضية العقلية تصلح
لأن يُستنبط منها كثير من الأحكام
الشرعيّة في مختلف الأبواب الفقهيّة .
وتلاحظون أيضاً انّ منشأ القضية
العقلية القاضية بحرمة السم هي من
صغريات قياس المساواة ، فحرمة أكل
السم قضية عقلية إلا انها عنصر مختص ،
وقياس المساواة قضية عقلية إلا انّها
عنصر مشترك .
ومع اتضاح ما تنقسم عليه القضايا
العقلية يتَّضح ما هو الداخل منها في
علم الاُصول ، وما هو الخارج عن بحث
علم الاُصول ، فإنّه لمّا كانت ضابطة
المسألة الاُصوليّة هي كل دليل يُمكن
أن يقع في طريق استنباط كثير من
الأحكام الشرعية في مختلف الأبواب
الفقهيّة ، فهذا يقتضي أن يكون القسم
الأول من القضايا العقلية داخلا في
البحث الاُصولي ، غاية ما في الأمر
إنَّ بعض القضايا تُبحث على أساس
انّها صغرى لدليلية الدليل العقلي ،
والبحث الآخر ـ وهو حجية الدليل
العقلي ـ تبحث على أساس انّها كبرى
لدليليَّة الدليل العقلي ، فيكون مسار
البحث في الصغرى هو البحث عن إدراك
العقل لقضية من القضايا وعدم إدراكه
وما هو المصحّح لهذا المدرك العقلي ،
ويكون البحث عن الكبرى بحثاً عن أن
مدركات العقل هل هي حجة أو لا ، وما
هو الدليل على حجيّتها .
فمثلا نبحث في علم الاُصول عن إدراك
العقل للملازمة بين حكم العقل وحكم
الشرع ، وما هو المصحّح لهذه القضية
العقلية ، وهذا بحث صغروي ، ونبحث
أيضاً عن حجيّة هذه القضية العقلية ،
وهل انّها صالحة للكشف عن الحكم
الشرعي ، وهذا هو البحث الكبروي .
اما القسم الثاني من القضايا العقلية
، فلمّا لم تكن عنصراً مشتركاً ، فهذا
يقتضي خروجها عن البحث الاُصولي ،
ويتم بحثها في علم الفقه نظير البحث
عن مسألة الصعيد ومسألة الكُر ، نعم
البحث الكبروي وهو البحث عن حجية هذا
النحو من القضايا العقلية داخل في
البحث الاُصولي ، وذلك لانَّ الكبرى
من القضايا العقلية الصالحة لأن
يُستنبط منها احكام شرعية من مختلف
الأبواب الفقهيّة ، إذن البحث الكبروي
بحث اصولي على أيّ حال .
ثم انّ هنا أمراً لابدَّ من التنبيه
عليه وهو انّ القضايا المدركة بالعقل
تارة تكون قطعيّة واخرى تكون ظنّيّة ،
والتي نحتاج للبحث عن حجيّتها هي
القضايا العقلية الظنية ، امَّا
القضايا العقليّة القطعية ، فيكفي في
إثبات حجّيتها ما تقدم من انَّ القطع
حجة بذاته ويستحيل المنع عن حجّيته .
ولتوضيح المطلب أكثر نقول : انَّ
محلَّ النزاع في حجّية الدليل العقلي
يُمكن تصنيفه الى موردين :
المورد الأول : في حجيَّة الأدلة
العقلية الظنية كحجّية القياس الظني
والإستقراء الناقص والاستحسان
والمصالح المرسلة ، وهذا النزاع واقع
بين أبناء العامّة ومذهب الإماميّة ،
فمذهب الإمامية قاطبة على عدم حجيَّة
هذا النحو من القضايا العقليَّة ،
وأكثر العامة يبنون على حجيّة هذه
القضايا العقليَّة .
المورد الثاني : في حجية الأدلة
العقلية القطعيّة كحجيّة ما يدركه
العقل من قبح الظلم ، والنزاع هنا
واقع بين الإماميّة أنفسهم ، فمذهب
مشهور الاُصوليّين هو حجيّة هذا النحو
من القضايا العقلية ، وذلك لحجيَّة
القطع بذاته سواء كان ناشئاً عن
الكتاب والسنة أو كان ناشئاً عن
مقدمات عقلية ، وأمَّا مذهب
الإخباريين فهو عدم حجية هذا النحو من
القضايا العقلية وإن كانت موجبة للقطع
، إذ أنَّ حجية القطع في نظرهم مختصّ
بما إذا كان ناشئاً عن الكتاب والسنّة
.
وحيث اننا بحثنا حجية القطع وثبت لنا
أن القطع حجَّة بنحو مطلق فلا نحتاج
لإعادة البحث عن حجيَّة القضايا
العقلية القطعيّة ، فلذلك سوف يتركّز
البحث الكبروي عن حجيّة القضايا
العقليَّة الظنيّة ، وسيتّضح عدم
حجّيتها .
ومن هنا سوف يقع البحث أولا عن
القضايا العقلية الصغروية التي لو
تمّت لكانت عنصراً مشتركاً ، ويقع
البحث ثانياً عن حجيّة القضايا
العقليّة الظنية والتي لو تمّت لكانت
كبرى لقياس نتيجته دليلية الدليل
العقلي .

إثبات القضايا العقلية
تقسيمات للقضايا العقلية :
وقد ذكر المصنّف (رحمه الله) ثلاثة
تقسيمات للقضايا العقليّة :
التقسيم الأول :
هو انقسام القضايا العقلية الى ما
يُعبَّر عنه بالمستقلات العقلية ،
وغير المستقلات العقلية .
امّا المستقلات العقلية : فهي القضايا
العقلية التي يمكن الإستفادة منها
لإستنباط حكم شرعي دون الحاجة لأن
تنضم معها مقدمة شرعية ، وعُبِّر عنها
بالمستقلات ، لانَّ العقل فيها
يستقلُّ في إثبات الحكم الشرعي دون أن
يستعين في ذلك على مقدمة شرعيّة ،
فالاستقلاليّة بلحاظ المقدمات الشرعية
، إذ انّ المستقلات العقلية قد تحتاج
في مقام إثبات حكم شرعي الى مقدمة غير
شرعيّة .
ويمكن التمثيل للمستقلات العقلية بما
يُدركه العقل من حسن العدل وقبح الظلم
، فإنّ هذه القضية يمكن الاستفادة
منها في مقام الكشف عن حرمة ضرب
اليتيم تشفياً شرعاً دون ان نستعين في
ذلك بمقدّمة شرعيّة .
وكذلك يمكن التمثيل للمستقلات
العقليّة أيضاً بما يُدركه العقل ، من
انّ كل ما يحكم به العقل يحكم به
الشرع ، فإنّ هذه القضيّة يمكن ان
يُستنبط منها حرمة الكذب شرعاً ـ
باعتبار حكم العقل بقبحه ـ دون الحاجة
الى توسّط مقدّمة شرعيّة .
وأمّا غير المستقلاّت العقليّة : فهي
قضايا عقليّة صالحة لأن يُستنبط منها
حكم شرعي ، ولكن بواسطة انضمام مقدّمة
شرعيّة إليها ، فالتعبير عن مثل هذه
القضايا بغير المستقلاّت ناشيء عن
انَّ هذه القضايا لا يمكن الإستفادة
منها في الكشف عن الحكم الشرعي دون
الإستعانة بمقدّمة شرعيّة ، وهذا لا
يعني انَّ نفس إدراك العقل لمثل هذه
القضايا متوقّف على مقدّمة شرعيّة ،
إذ انّه لا فرق بين المستقلات وغير
المستقلاّت من جهة انّها من مُدركات
العقل ، وانَّما الفرق بينهما هو مقام
الدليليَّة على الحكم الشرعي ،
وانَّه متى تتأهّل القضيّة العقليّة
للكشف عن الحكم الشرعي ، فإن كانت
محتاجة في مقام الكشف عن الحكم الشرعي
الى مقدّمة شرعيّة ، فهذه القضيّة من
غير المستقلاّت العقليّة ، وإلاّ فهي
من المستقلاّت العقليّة .
ويمكن التمثيل لغير المستقلاّت
العقليّة بما يُدركه العقل ، من انّ
وجوب شيء يقتضي حرمة ضدّه ، فإنّ هذه
القضيَّة لا يمكن الإستفادة منها
لإثبات حرمة الصلاة مثلا إلاّ اإذا
ثبت شرعاً وجوب الإزالة .
وكذلك يمكن التمثيل بما يُدركه من أنّ
النهي في العبادات يقتضي الفساد ،
فإنّه لا يمكن استنباط حكم شرعي وهو
بطلان صوم يوم العيد مثلا إلاّ
بتوسُّط مقدّمة شرعيّة ، وهي النهي عن
صوم يوم العيد .
التقسيم الثاني :
وهو انقسام القضايا العقليّة إلى
قضايا تحليليّة واُخرى تركيبيّة :
المراد من القضايا التحليليّة : هي
القضايا التي يُبحث عن واقعها ،
والتعبير عنها بالتحليليّة باعتبار
انَّ مسار البحث عنها ليست أكثر من
تحليلها ، ومحاولة استكشاف كنهها
وحقيقتها ، فهي قضيّة عقليّة نبحث عن
كيفيّة تقرُّرها واقعاً ، وأيُّ شيء
هي في نفس الأمر والواقع .
ويمكن التمثيل لهذا النحو من القضايا
بالوجوب التخييري ، فإنَّ البحث عنه
بحث عن حقيقته ، وأيُّ شيء هو في نفس
الأمر والواقع ، فهل هو ينحلُّ الى
وجوبين مشروطين ، أو انّ حقيقته انّه
وجوب واقع على الجامع .
وأمَّا المراد من القضايا التركيبيّة
: فهي القضايا التي يكون محمولها
الإستحالة أو الضرورة ، والتي تعني
الوجوب المقابل للإمتناع ، ويكون
البحث فيها عن ثبوت الإستحالة أو عدم
ثبوتها وثبوت الضرورة أو عدم ثبوتها
بعد تقرِّرها واتّضاح معناها في مرحلة
سابقة .
ويُمكن التمثيل لهذا النحو من القضايا
باستحالة اجتماع الأمر والنهي ، فإنّ
البحث عن هذه القضيّة العقليّة بحيث
عن ثبوت الإستحالة أو عدم ثبوتها بعد
إن كانت هذه القضيّة محرَّرة وواضحة .
وكذلك يمكن التمثيل باستلزام وضرورة
وجوب المقدّمة عند وجوب ذي المقدّمة ،
فإنّ البحث عنها يكون عن ثبوت هذه
الملازمة وعدم ثبوتها . بعد تصوَّر
هذه القضيّة واتّضاح معالمها .
التقسيم الثالث :
وهو تقسيم خاصّ بالمستقلات العقليّة
التركيبيّة ، فلا يشمل غير المستقلاّت
كما لا يشمل المستقلات اذا كانت من
قبيل القضايا التحليليّة ، وهذا
التقسيم انّما هو بلحاظ ما تدلُّ عليه
هذه القضايا .
فالمستقلات العقليّة التركيبيّة تنقسم
بهذا اللّحاظ الى قسمين :
الأوّل : هو ما تكون فيه القضيّة
العقليّة دالّة على نفي حكم شرعي .
والثانية : ما تكون فيه دالّة على
إثبات حكم شرعي .
أمّا الأوّل : فمعنى نفيها للحكم
الشرعي هو انّه يمكن أن يُستنبط منها
انتفاء حكم عن أن يكون ثابتاً شرعاً .
ويمكن التمثيل لهذا النحو من
المستقلاّت التركيبيّة بقاعدة (
استحالة التكليف بغير المقدور ) ،
فإنَّه يمكن ان يُستنبط من هذه
القاعدة نفي حكم شرعي لو ثبت للزم من
ثبوته التكليف بغير المقدور ، فيكفي
في استكشاف نفي الحكم لزوم المحال عند
افتراض ثبوت ذلك الحكم .
وأمّا الثاني: فمعنى إثباتها لحكم
شرعي هو انَّه يمكن أن يُستنبط منها
ثبوت حكم شرعي .
ويمكن التمثيل لهذا النحو من
المستقلاّت التركيبيّة بقاعدة انّ كلّ
ما حكم به العقل حكم به الشرع ، فإنّه
يمكن ان يُستنبط من هذه القاعدة وجوب
ردِّ الأمانة شرعاً ، وذلك لإدراك
العقل حسن ردِّ الأمانات إلى أهلها ،
وكلُّ ما حكم به العقل حكم به الشرع ،
فهذه القاعدة قد ساهمت في استنباط حكم
شرعي هو وجوب ردِّ الأمانة .
تفاعل القضايا العقليَّة فيما بينها :
والمراد من تفاعل القضايا العقليّة
فيما بينها هو : انّه قد يُساهم بعضها
في الإستدلال على قضية عقليّة اُخرى ،
وقد يكون البحث عن قضية عقلية يجرُّ
إلى البحث عن قضية عقلية اخرى ، وذلك
لأن تحرير القضيّة العقليّة الاُولى
منوط بثبوت أو تفسير القضيّة العقليّة
الاُخرى .
وقد أشار المصنِّف (رحمه الله) الى
ثلاث حالات من حالات تفاعل القضايا
العقليّة فيما بينها :
الحالة الاولى : مساهمة بعض القضايا
العقليّة التحليليّة في البرهنة على
قضايا عقليَّة تحليليّة اُخرى .
ومثال ذلك : تصوير تعلُّق الأحكام
بالطبايع ، فإنّه يُساهم في تصوير
الوجوب التخييري ، وكذلك تصوير تعلُّق
الأحكام بالأفراد ، فإنّه قد يُؤدي
الى تبنّي انّ الوجوب التخييري ينحلُّ
الى وجوبات مشروطة .
الحالة الثانية : مساهمة بعض القضايا
العقليّة التحليليَّة في البرهنة على
قضايا اُخرى تركيبيّة .
ومثاله : القضية العقليّة التركيبيّة
وهي إمكان أو استحالة أخذ العلم
بالحكم في موضوع نفس الحكم ، فإنّه
بُرهن على دعوى الإمكان بواسطة تصوير
مرتبتين للحكم وهي مرتبة الجعل ومرتبة
المجعول .
الحالة الثالثة : مساهمة قضية عقليّة
تركيبيّة في البرهنة على قضية عقليّة
تركيبيّة .
ومثال ذلك : قاعدة استحالة التكليف
بغير المقدور اذا كان المراد منها
استحالة المؤاخذة والإدانة على ترك
التكليف الغير المقدور ، فإنّ مدرك
هذه القاعدة العقلية التركيبيّة هو ما
يُدركه العقل من قبح الظلم واستحالة
صدوره عن المولى جلّ وعلا .
وملاحظة البحوث الآتية يوضِّح كيفيّة
تفاعل القضايا العقليّة فيما بينها
أكثر .

قاعدة إستحالة التكليف بغير المقدور
لا إشكال في إدراك العقل لإستحالة
التكليف بغير المقدور ، لانّه إذا كان
الغرض من التكليف هو جعل العهدة
والمسئوليَّة على المكلّف بحيث يكون
متعلَّق الإرادة روحاً هو مؤاخذة
المكلّف العاجز ومعاقبته وليس له غرض
البعث والتحريك نحو امتثال التكليف ،
وذلك لعلمه بعدم امكان أن يتحرَّك
المكلّف عن التكليف بعد افتراض عدم
قدرته على ذلك ، فهذا من أجلى صور
الظلم ، والذي لا ريب في إدراك العقل
لقبحه ، ولمّا كان المولى جلَّ وعلا
منزّه عن الظلم فهذا يستوجب إستحالة
أنْ يصدر عنه ما يلزم منه الظلم .
وأما إذا كان الغرض من التكليف هو بعث
المكلَّف نحو امتثال التكليف غير
المقدور ، فهذا يقتضي إمَّا أن لا
يكون المولى ملتفتاً الى عدم امكان أن
يتحرّك المكلَّف نحو امتثال التكليف ،
وامَّا ان يكون ملتفتاً ، وكلاهما
مستحيل على المولى جلّ وعلا ، امّا
الاول فواضح ، وأمَّا الثاني فلإمتناع
أن يكون العاقل ملتفتاً الى عدم قدرة
المكلّف على التحرُّك والإنبعاث ، ومع
ذلك يكون جادَّاً في بعثه وتحريكه ،
فإفتراض الإلتفات من العاقل حين بعثه
نحو غير المقدور لا يخلو عن أحد
حالتين :
أما أن يكون العاقل المُلتفت عابثاً ،
وإمّا أن يكون جادّاً ، والأول مستحيل
على المولى جلَّ وعلا ، لتنزّهه عن
اللغو والعبث ، والثاني أيضاً مستحيل
، إذ أنَّ افتراض الجدّ مع الإللتفات
الى عدم امكان أن يتحرّك العبد عن
تحريكه وبعثه غير متصوّر أصلا .
وكيف كان فالإستحالة إنّما تثبت في
خصوص الموارد التي يلزم منها أحد
اللوازم الباطلة ، وهذا ما يستوجب
تحرير القاعدة وبيان حدود جريانها
فنقول :
أنَّ المراد من هذه القاعدة لا يخلو
عن أحد معنيين :
المعنى الاوّل : هو انّ استحالة
التكليف بغير المقدور تعني استحالة أن
يؤاخذ المولى ويعاقب المكلَّف على ترك
تكليف خارج عن حدود القدرة ، كمؤاخذة
المكلّف على ترك الصلاة في وقتها رغم
انّه كان مُغمىً عليه في تمام الوقت ،
وهذا المقدار من الإستحالة مُسلَّم ،
إذ انّ المؤاخذة على ترك التكليف
الغير المقدور من أجلى صور الظلم
والذي هو قبيح عقلا ، والمولى مُنزّهٌ
عن إرتكاب القبيح .
ومن هنا يتّضح خروج التكليف بغير
المقدور عن حدود حقّ الطاعة للمولى ،
لإستلزام ذلك للظلم المستحيل على
المولى جلَّ وعلا .
المعنى الثاني : انّ الاستحالة ثابتة
لأصل التكليف بغير المقدور حتى مع عدم
ترتُّب المؤاخذة على ترك المكلَّف
لمتعلَّق التكليف ، فلو كان متعلّق
التكليف خارجاً عن قدرة المكلَّف فإنّ
ذلك وحده يستوجب إستحالة أن يجعل
المولى متعلَّق التكليف على عهدة
المكلَّف حتى مع افتراض عدم المؤاخذة
على الترك ، وهذا يعني توسيع دائرة
الإستحالة لتشمل أصل التشريع للتكاليف
غير المقدورة .
وبهذا يتّضح انَّ مصبَّ الإستحالة
بناء على المعنى الاوّل هو المؤاخذة
والإدانة على ترك التكليف غير المقدور
، ولا تعرض له ، لأصل صدور التكليف
بغير المقدور ، وانّه مستحيل أيضاً أم
لا . وأمّا موضوع الاستحالة بناءً على
المعنى الثاني ، فهو أصل صدور التكليف
بغير المقدور ، حتى مع افتراض عدم
المؤاخذة ، وهذا ما يقتضي توسيع دائرة
الإستحالة ، بحيث نستطيع ان نقول انَّ
كل فعل خارج عن القدرة يستحيل ان يكون
متعلّقاً للتكليف المولوي .
ومن هنا سوف يقع البحث عن المعنى
الثاني ، إذ هو الذي يحتاج إلى بيان
لاستكشاف تماميّته أو عدم تماميّته ،
فنقول : انَّ واقع الحكم التكليفي
يمرُّ بثلاث مراحل ـ كما أوضحنا ذلك
في محلِّه ـ ويكفي في انتفاء التكليف
أن يكون أحد هذه المراحل متعذِّر
الوقوع .
المرحلة الاولى : من مراحل التكليف هو
اشتمال الفعل الذي يُراد جعل الحكم
عليه ـ على المصلحة أو المفسدة ، وهذا
ما يُعبَّر عنه بالملاك ، إذ لا يمكن
أن يكون الفعل مطلوباً فعله أو
مطلوباً تركه دون أن يكون مشتملا على
المصلحة أو المفسدة ، إذ الاحكام
تابعة للمصالح والمفاسد في متعلقاتها
.
ومن هنا نتساءل هل يمكن أن يكون الفعل
مشتملا على الملاك مع افتراض خروجه عن
قدرة المكلَّف .
والجواب بالإيجاب ، إذ انَّ اشتمال
الفعل على المصلحة أو المفسدة غير
منوط بقدرة المكلَّف على تحقيقه
خارجاً بل منوط بواقع الفعل وما
يترتَّب عليه من فوائد ومضار ، وهذا
أمر وجداني لا يحتاج الإذعان به الى
أكثر من تصوره ، فمفسدة شرب الخمر
منحفظة حتّى في موارد إلجاء الغير
المكلّف على شربه ، كما انَّ انقاذ
المؤمن حسَنٌ وذو مصلحة حتى مع عجز
المكلَّف عن إنقاذه . إذن لا إستحالة
بأن يتعلَّق الملاك بغير المقدور .
المرحلة الثانية : من مراحل التكليف
هو تعلُّق الإرادة بالفعل أو
المبغوضيّة ، وهذا أيضاً غير منوط
بقدرة المكلّف على تحقيقه خارجاً ، إذ
انّ الإرادة ليست أكثر من محبوبيّة
الفعل أو الترك ، وهذا لا ارتباط له
بقدرة المكلَّف وعدم قدرته ، وإنَّما
هو منوط بتصوّر الفعل وتصوُّر ما
يترتَّب عليه من فوائد متّصلة
باهتمامات المولى ، ثم الإذعان
والتصديق بترتُّب تلك الفوائد على ذلك
الفعل ، فمع تحقّق مناط الإرادة فإنّ
الفعل عندئذ يكون مُراداً ومحبوباً ،
وإن كان متعذِّر الوقوع خارجاً فضلا
عمّا إذا كان ممكن الوقوع وكان
امتناعه ناشئاً عن موانع عارضة .
فالإتيان بالصلاة يمكن أن يكون
محبوباً للمولى في مورد يكون المكلَّف
فاقداً للإختيار لعارض الإغماء مثلا .
وبهذا يتّضح إمكان تعلُّق الإرادة
بغير المقدور .
المرحلة الثالثة : من مراحل التكليف
هي الإعتبار ، ويمكن تعلُّقه بغير
المقدور لو كان المراد من الإعتبار هو
تكييف النفس بكيفيّة تكون تلك
الكيفيّة مسوّغة ـ ولو اعتباطاً ـ
لجعل شيء لشيء ، إذ انّ الإعتبار كما
قيل سهل المؤنة ، إلاّ انَّه مستحيل
على المولى مع افتراض عبثيَّة
الإعتبار ، أمَّا لو افترضنا انّ تلك
الكيفيّة النفسانيّة نشأت عن مبرِّر ،
وهو الكشف عن الملاك والإرادة ـ
فالمعتَبر لا يُراد منه إلا الكشف عن
أن الفعل متوفِّر على المصلحة
والمحبوبيّة ـ فهنا أيضاً لا إشكال في
امكان تعلُّق الإعتبار ـ بهذا المعنى
ـ بالفعل غير المقدور ، إذ انّه لمّا
كان له مبرِّر عقلائي فوقوعه من
المولى ممكنٌ جدّاً ، فنحن نجد انَّ
المقنّنين يجعلون بعض التكاليف على
انّها تكاليف اقتضائيّة ، ولا يقصدون
من جعلها إلا الكشف عن اشتمال
متعلّقاتها على مبادئ الحكم ، والوقوع
أقوى شاهد على الإمكان .
انّما الكلام في الاعتبار الذي يكون
منشأوه داعي البعث والتحريك نحو
متعلَّق التكليف المعتبر والذي يكون
خارجاً عن قدرة المكلَّف ، فإنَّ هذا
النحو من الإعتبار يستحيل وقوعه من
المولى لانَّه لا يخلو عن أن يكون
المولى حين الإعتبار إمَّا مُلتفتاً
الى عجز المكلَّف عن تحقيق متعلَّق
التكليف وإمَّا أن يكون غير ملتفت ،
وكلاهما مستحيل على المولى ، أما
الثاني فواضح ، وأمَّا الاول فلانّه
يستحيل على العاقل أن يكون ملتفتاً
الى عجز المأمور عن تحقيق المأمور به
، ومع ذلك يكون جادّاً في بعثه
وتحريكه ، إذ انّ افتراض جدّيّة البعث
والتحريك ينافي الإلتفات الى إستحالة
الإنبعاث والتحرُّك .
وبهذا اتَّضح استحالة الإعتبار اذا
كان بداعي البعث والتحريك نحو غير
المقدور . ولمّا كان ظهور حال المولى
حين جعل الأحكام واعتبارها على
المكلّفين هو البعث والتحريك ، فهذا
يقتضي تقيُّدها بالقدرة على متعلّقها
.
وبتعبير آخر : إنَّ الظاهر من الأوامر
والنواهي الصادرة عن الشارع المقدّس
هو انَّ هذه الأوامر والنواهي يُراد
إمتثالها والتحرّك عنها ، واحتمال كون
الغرض من هذه الأوامر هو الكشف عن
اشتمال متعلّقاتها على مبادئ الحكم ،
وإن كان ممكناً إلاّ انّه خلاف الظاهر
، إذ انّ الظاهر من كلِّ مولى حينما
يُصدر أوامر ونواهيَ لعبيده هو إرادة
بعثهم نحو متعلّقات تلك الأوامر ،
وزجرهم عن متعلّقات تلك النواهي ،
وتماميّة هذا الإستظهار تستوجب البناء
على تقيّد كل تلك التكاليف بالقدرة
على متعلَّقاتها .
وهذا لا يختصّ بالتكاليف الإلزاميّة
بل هو شامل للتكاليف غير الإلزاميّة
أيضاً وهي الإستحباب والكراهة ، فكما
يستحيل جعل الوجوب على فعل غير مقدور
أو جعل الحرمة على إرتكاب فعل يتعذَّر
على المكلّف تركه ، فكذلك يستحيل
البعث الإستحبابي نحو فعل خارج عن
القدرة أو الزجر الكراهتي عن فعل يكون
تركه خارجاً عن قدرة المكلّف ، وكذلك
يستحيل التكليف بغير المقدور مطلقاً ،
حتى في موارد كون التكليف مقيداً بقيد
داخل تحت اختيار المكلَّف ، كما لو
قال الآمر إن اشتريت حيواناً فيجب
عليك ان تجعله قارءاً للقرآن ، فإنّ
القيد الذي عُلّق عليه التكليف غير
المقدور وإن كان اختياريّاً ، إلا
انَّ ذلك لا يرفع استحالة التكليف
بغير المقدور ، لعين ماذكرناه في منشأ
الإستحالة .
وبهذا البيان اتَّضح انَّ الإستحالة
لا تختص بالإدانة والمؤاخذة ، بل انّ
أصل التكليف بغير المقدور مستحيل
أيضاً ، وذلك لاستحالة البعث والتحريك
نحو غير المقدور ، وقد قلنا انّه يكفي
في استحالة أصل التكليف هو تعذُّر
وقوع أحد مراحله الثلاث ، وقد ثبت
ممّا تقدّم انَّ المرحلة الثالثة وهي
الإعتبار بداعي البعث متعذِّرة الوقوع
.
ومن هنا قلنا انَّ أصل التكليف بغير
المقدور مستحيل وانَّ كل تكليف فهو
مشروط بالقدرة ، نعم مبادئ الحكم
والتي هـي المـلاك والإرادة لا يلزم
من تعلُّقها بالأفعال كون تلك الأفعال
مقدورة كما اتّضـح ممّا تقدّم .
إلاّ انّه من الممكن أن تكون مبادئ
الحكم مشروطة بالقدرة بحيث تنتـفي
المصلحـة والإرادة عن الفعل حين
افتراض عدم القدرة على
تحقيقه .
ومن هنا يمكن أن يقال انَّ مبادئ
الحكم بلحاظ القدرة لها حالتان :
الحالة الاولى : هو عدم كونها مشروطة
بالقدرة ، فالمصلحة والمحبوبيّة للفعل
ثابتة مطلقاً أي سواء كان ذلك الفعل
داخلا تحت القدرة أو خارجاً عنها .
وكذلك المفسدة والمبغوضيّة للفعل
ثابتة مطلقاً سواءً كان ترك ذلك
مقدوراً للمكلَّف أو انَّ تركه غير
مقدور .
ويمكن أن يُمثَّل لذلك بالصلاة فإنها
متوفّرة على الملاك والإرادة مطلقاً
حتى في ظرف عدم القدرة عليها كما في
حال الإغماء ، وكذلك قتل النفس
المحترمة فإنّه مشتمل على المفسدة
والمبغوضيّة حتى في ظرف كون القتل عن
غير اختيار .
الحالة الثانية : انَّ المصلحة
والمفسدة في الفعل منحصرة بظرف القدرة
بحيث لا يكون الفعل ذا مصلحة أو ذا
مفسدة مالم يكن مقدوراً .
ويمكن التمثيل لذلك بأكل الميتة فإنَّ
مبغوضيّته منوطة بالقدرة على ترك
أكلها . وبهذا يكون إنتفاء الحرمة عن
أكل الميتة ناشئاً عن انتفاء المقتضي
للحرمة وهي المفسدة والمبغوضيّة لا
أنّ المنشأ للحرمة هو المانع والذي هو
استحالة التكليف بغير المقدور وإنّ
التكليف في واقعه متوفِّر على مبادئه
وهي الملاك والمبغوضيّة .
وفي الحالة الاولى ـ والتي لا يكون
الملاك فيها منوطاً بالقدرة ـ يكون
اشتراط التكليف بالقدرة شرطاً عقلياً
، ويُعبَّر عن القدرة التي يكون
التكليف منوطاً بها « بالقدرة
العقليّة » ، إذ لا منشأ لإشتراط
التكليف بالقدرة حينئذ إلاّ ما يُدركه
العقل من استحالة التكليف بغير
المقدور ، إذ اننا افترضنا في هذه
الحالة انَّ الملاك والإرادة مطلقان
وغير منوطين بالقدرة .
وهذا بخلاف الحالة الثانية فإنّ
الملاك والإرادة لا وجود لهما في ظرف
عدم القدرة ، وهذا يعني انَّه مع
افتراض عدم القدرة لا مقتضي للتكليف
لا انَّ مقتضي التكليف موجود إلا انَّ
المانع عنه هو الإستحالة العقليّة كما
في الحالة الاولى ، ولذلك يُعبَّر عن
شرط القدرة ـ في التكاليف التي تكون
مبادؤها مختصة بحال القدرة ـ بالشرط
الشرعي ، ويُعبَّر عن القدرة في هذه
الحالة بالقدرة الشرعية .
إذن التكليف الذي تكون مبادؤه مطلقة
يُعبَّر عن شرط القدرة فيه بالشرط
العقلي ، وعن القدرة التي يكون
التكليف مشروطاً بها بالقدرة العقليّة
.
امّا التكليف الذي تكون مبادؤه مختصة
بحال القدرة يُعبَّر عن شرط القدرة في
مثل هذا التكليف بالشرط الشرعي كما
يُعبَّر عن نفس القدرة « بالقدرة
الشرعيّة » .
الثمرة المترتّبة على المعنيين :
امّا الثمرة بناءً على المعنى الاول ـ
وهو انَّ مصب الإستحالة هو المؤاخذة
والإدانة على ترك التكليف غير المقدور
ـ فظاهرة وهي انّ المكلَّف ليس مسئولا
عن ترك التكليف غير المقدور ولا
يُعدُّ عاصياً ومتعدّياً على مقام
الربوبيّة .
وأما المعنى الثاني والذي يقتضي شمول
الإستحالة لاصل التكليف غير المقدور
فقد يُقال بأنّه لا ثمرة مترتّبة عليه
بعد ان لم يكن المكلَّف مسئولا عن ترك
التكليف غير المقدور فسواءً قلنا انَّ
أصل التكليف بغير المقدور ممكن أو
مستحيل فالمكلَّف غير مؤاخذ على ترك
ذلك التكليف ، فلو افترضنا انّ
التكليف بغير المقدور ممكن فما هو
الأثر المترتِّب على ذلك بعد ان لم
يكن المكلَّف مؤاخذاً على تركه ، الاّ
انه يمكن إبراز ثمرة للمعنى الثاني
وهي عدم القضاء مثلا لو كنّا نبني على
استحالة أصل التكليف بغير المقدور ،
وثبوت القضاء لو كنَّا نبني على عدم
استحالة أصل التكليف بغير المقدور .
وبيان ذلك :
إنّ الملاك لمّا لم يكن معلقاً على
القدرة فقد يكون الفعل متوفِّراً على
الملاك ويكون المانع عن التكليف به هو
عدم قدرة المكلَّف على امتثاله ، وهذا
ما يقتضي القضاء لو افترض زوال العجز
، وهذا بخلاف مالو لم يكن الفعل
واجداً للملاك في ظرف العجز فإنَّ
زوال العجز عن المكلَّف بعد ذلك لا
يستوجب القضاء إذ انّ الملاك لم يكن
حتى يجب تداركه بعد زوال العجز .
ومن هنا تظهر الثمرة بناءً على القول
باستحالة أصل التكليف بغير المقدور ،
إذ بناءً عليها يُستكشف من الخطاب
الشرعي عدم واجدية التكليف غير
المقدور للملاك حتى لو لم يُقيد
التكليف بالقدرة ، إذ انَّ نفس
الإستحالة كاشفة عن أن التكليف مشروط
بالقدرة ، وهذا يعني عدم فعليّة
الملاك في ظرف العجز أو لا أقل عدم
وجود ما يكشف عن انّ الملاك موجود في
ظرف العجز وهذا ما يقتضي عدم وجوب
القضاء لو زال العذر ، إذ لا كاشف عن
فوات الملاك حتى يجب تداركه ، إذ انّ
الملاك كما اتضح من بحوث سابقة مدلول
التزامي للدليل ومع سقوط الدلالة
المطابقيّة للدليل تسقط بتبعها
الدلالة الالتزاميّة . والدليل
المطابقي الكاشف عن المدلول الإلتزامي
في المقام هو الخطاب الشرعي المطلق
والمثبت للتكليف والذي يستلزم ثبوت
الملاك للتكليف ، فإذا قامت القرينة
العقليّة ـ وهي استحالة التكليف بغير
المقدور ـ على سقوط التكليف في ظرف
العجز فالدلالة الالتزامية تسقط أيضاً
بناءً على ما ذهب اليه المصنِّف من
تبعيّة الدلالة الإلتزاميّة للدلالة
المطابقيّة في الثبوت والانتفاء .
وهذا بخلاف مالو بنينا على عدم
إستحالة أصل التكليف بغير المقدور ،
فإنه لو كان الخطاب الشرعي مطلقاً
فإنّه يمكن التمسُّك به لإثبات أنَّ
التكليف شامل للعاجز ، وهذا يقتضي انّ
الفعل واجد للملاك في ظرف العجز ، إذ
ان هذا هو المدلول الإلتزامي ، ولمّا
لم يكن هناك ما يُوجب سقوط المدلول
المطابقي فهذا يقتضي كاشفيّته عن
المدلول الالتزامي وهو وجود الملاك في
ظرف العجز ، إذ انّ فرض الكلام انّه
لا إستحالة في أصل التكليف بغير
المقدور .
ومن هنا يمكن إثبات القضاء بعد زوال
العجز ، وذلك لتدارك ما فات من الملاك
.
ولمزيد من التوضيح نقول :
انّه قد اتّضح ممّا تقدّم انّ مبادئ
الحكم من الملاك والإرادة ليست منوطـة
بالقـدرة فقـد يكون الفعل واجداً
للمصلحة والمحبوبيّة مع انَّه خـارج
عن قدرة المكلَّف وفـي مثل هذه الحالة
يكون المقتضي للتكليف موجوداً .
فهنا نقول انّه لو بنينا عل استحالة
أصل التكليف بغير المقدور فكلُّ
الخطابات الشرعيّة الكاشفة عن
التكاليف تكون مقيّدة بالقدرة حتى مع
عدم النصّ على التقييد ، إذ انّ نفس
قاعدة استحالة التكليف بغير المقدور
كاشفة عن عدم شمول التكليف للعاجز
وانّ الاطلاق ليس مراداً جديّاً من
الخطاب ، وبسقوط التكليف عن العاجز
تسقط الدلالة الإلتزاميّة للخطاب
الشرعي الكاشفة عن ثبوت الملاك للفعل
المكلَّف به مطلقاً ، والذي يسقط من
الدلالة الإلتزاميّة هو مقدار ما سقط
من الدلالة المطابقيّة ، فالدلالة
المطابقيّة التي دلَّت على تكليف
العاجز هي التي تسقط بواسطة القرينة
العقليّة فيكون الساقط من الدلالة
الإلتزاميّة هو ثبوت الملاك للفعل في
ظرف العجز ، ومنشأ سقوط الدلالة
الإلتزاميّة هو قاعدة تبعيّة الدلالة
الالتزاميّة للدلالة المطابقيّة في
الثبوت والانتفاء .
ومن هنا يتعذَّر إثبات واجديّة الفعل
للملاك في ظرف العجز ، إذ الكاشف عنه
هو المدلول المطابقي المثبت للتكليف
في ظرف العجز وقد افترضنا سقوطه
بواسطة القرينة العقلية .
وإذا تمَّ ماذكرناه من عدم وجود
الدليل على ثبوت الملاك في ظرف العجز
فهذا يقتضي عدم وجوب القضاء بعد زوال
العجز ، وذلك لانّ القضاء انّما هو
لتدارك الملاك الفائت ولا دليل على
فواته بعد أن كان المثبت للملاك قد
سقط .
وبهذا تكون الثمرة المترتّبة على
القول باستحالة أصل التكليف بغير
المقدور هو سقوط المدلول الالتزامي
المثبت للملاك في ظرف العجز ، وينتج
عن ذلك عدم وجوب القضاء بعد زوال
العجز .
وأمّا لو بنينا على عدم استحالة أصل
التكليف بغير المقدور فلا موجب لتقييد
الإطلاقات المثبتة للتكاليف ، وبهذا
يكون مقتضى الإطلاق هو ثبوت التكليف
في ظرف العجز ، وهذا يقتضي ثبوت
الملاك في ظرف العجز إذ هو المدلول
الالتزامي لثبوت التكليف ، وهذا اما
يُنتج وجوب القضاء بعد زوال العجز ،
وذلك لتدارك الملاك الفائت بسبب العجز
.

قاعدة إمكان التكليف المشروط
ويقع البحث في المقام عن إمكان أن
يكون الحكم مشروطاً ، إذ قد يقال
باستحالة أن يكون الحكم معلقاً ، وذلك
لانّ الحكم اما ان يُجعل على المكلف
وإمّا أن لا يُجعل ولا واسطة بين
الحالتين ، فافتراض وجود الحكم يعني
افتراض عدم كونه معلَّقاً وذلك لانّ
تعليقه على الشرط يعني عدم وجوده .
وبتعبير آخر : إنَّ جعل الحكم على
المكلّف يعني انَّ المولى قد أعمل
مولويّته وأوجد حكماً وهذا يقتضي عدم
كونه مشروطاً ، إذ انَّ افتراض كونه
مشروطاً يساوق عدم الحكم ، لانّ كل
شيء عُلّق على شرط فهو عدمٌ مالم
يتحقّق شرطه وهذا ينافي افتراض ايجاد
المولى للحكم . ومن هنا يُدَّعى
استحالة التكليف المشروط .
ومن أجل ان يتّضح ماهو الحق في المقام
لابدَّ من بيان مقدّمة :
انّ جعل الأحكام غالباً ما يكون على
نهج القضيّة الحقيقيّة ، والمراد من
القضيّة الحقيقيّة هي ما يكون الموضوع
فيها مقدر الوجود ، وهذا يعني ملاحظة
الموضوع مع كلّ ما يكون دخيلا في
ترتُّب الحكم ثم جعل الحكم معلقاً على
تحقق الموضوع المفترض مع جميع القيود
المأخوذة معه .
فالجائي بالقضيّة الحقيقيّة يكون قد
تصوّر الموضوع وتصوّر معه الحيثيات
الدخيلة في ترتُّب الحكم ثم أناط
الحكم بذلك الموضوع المُتصوَّر هو مع
حيثياته .
مثلا لو قال المولى « اذا كان
للمكلَّف أموال وكانت بقدر النصاب
وحال عليها الحول وهي تحت يده وجبت
عليه الزكاة » فإنَّ المولى هنا قد
تصوّر الموضوع مع تمام الحيثيّات
الدخيلة في ترتُّب الحكم وهو وجوب
الزكاة ثمّ جعل الحكم معلَّقاً على
الموضوع المُفترض مع حيثيّاته
المفترضة والمقدرة ، ومن هنا قالوا
بأن القضايا الحقيقيّة في قوّة
القضايا الشرطيّة حتى وإن كانت
القضيّة الحقيقيّة بهيئة القضيّة
الحمليَّة ، وذلك لان القضايا الشرطية
يكون الحكم فيها معلقاً على شرطه فمتى
ما تحقق الشرط ترتَّب الحكم المعلَّق
عليه .
ومع اتِّضاح هذه المقدمة نقول :
إنَّ فعلية الحكم منوط بتحقّق موضوعه
خارجاً فما لم يتحقّق الموضوع مع تمام
الحيثيّات المأخوذة في ترتُّب الحكم
لا يكون المكلَّف مسئولا عن امتثال
ذلك الحكم ، وذلك لانَّ جعل الحكم
معلقاً على تحقّق موضوعه يعني انَّه
بمثابة المعلول لموضوعه ، وإذا كان
كذلك فلابدَّ من تحقق الموضوع مع
حيثياته وبعد ذلك يُوجد الحكم أي يكون
فعليَّاً ويكون المكلَّف مسئولا عنه .
إلاَّ انَّه قد يُقال اذا كان الحكم
منوطاً بتحقق موضوعه خارجاً فأيُّ حكم
نشأ بواسطة القضية الحقيقيّة ؟ فإمَّا
أن تلتزم أن الحكم ينشأ بواسطة
القضيّة الحقيقيّة وهذا ما يقتضي
وجوده وفعليته بمجرَّد وجود منشأ جعله
وهي القضيّة الحقيقية ، وإمّا أن
تلتزم بإناطة وجود الحكم بوجود موضوعه
وهذا يقتضي أن لا يكون هناك حكم نشأ
عن القضيّة الحقيقيّة ، وهذا ينافي
كون المولى ـ حين أنشأ القضيّة
الحقيقيّة ـ أعمل مولويته وجعل الحكم
على المكلَّف .
والجواب عن هذا الاشكال :
هو انّ الذي نشأ بواسطة القضية
الحقيقيّة هو الجعل والذي ينشأ بواسطة
تحقّق الموضوع خارجاً هو المجعول .
وبيان ذلك :
انّ المولى حينما رتَّب حكماً على
موضوع مقدّر يكون قد أوجد حكماً
بالفعل ، وذلك في مقابل مَن تصوَّرَ
موضوعاً مع مجموعة من الحيثيّات إلاّ
انّه تردّد في إثبات حكم لهذا الموضوع
مع حيثيّاته لو قُدِّر لهذا الموضوع
بحيثيّاته الوجود في هذه الحالة لا
وجود للحكم أصلا ، أمّا في فرض الكلام
وهو جعل حكم على نهج القضيّة
الحقيقيّة فالحكم موجود ، ولذلك يمكن
أن يُقال انّ المولى قد حكم بهذا
الحكم على ذلك الموضوع .
إذ انّ الحكم الناشئ عن القضيّة
الحقيقيّة هو المُعبَّر عنه بالجعل
والحكم فيه يكون موضوعه مقدر الوجود ،
فقوام الحكم الذي هو الجعل هو تصوّر
الموضوع مع تصوّر ماله دخل في ترتب
الحكم ، فالصورة الذهنيّة للموضوع هي
قوام الجعل .
وأمّا ما ينشأ بواسطة تحقّق الموضوع
خارجاً هو فعليّة الحكم أي انّ
المكلَّف يكون مسئولا عن امتثال الحكم
حين تحقق الموضوع خارجاً ، فتحقق
الموضوع علّة لفعليّة الحكم . وهذا هو
المعبَّر عنه بالحكم المجعول .
وبتعبير آخر : انَّ الحكم له مرتبتان
الاولى هي مرتبة الجعل والثانية هي
مرتبة المجعول ، فما ينشأ بواسطة
القضيّة الحقيقيّة هو الحكم بمرتبة
الجعل وما ينشأ بواسطة تحقّق الموضوع
خارجاً هو مرتبة المجعول .
فحينما يقول المولى « إذا كان للمكلّف
أموال وكانت بقدر النصاب وحال عليها
الحول وهي تحت يده وجبت عليه الزكاة »
فإنّ هنا حكم بوجوب الزكاة إلاّ انّه
حكم إنشائي يُعبَّر عنه بالحكم في
مرتبة الجعل ، وذلك لانّ موضوعه
مقدَّر الوجود فإذا تحقّق الموضوع بأن
وُجد مكلَّف له أموال بقدر النصاب وقد
حال عليها الحول وهي تحت يده فإنّ
الحكم الذي كان بمرتبة الجعل يصير
فعلياً على المكلَّف ويكون مسئولا عن
امتثاله ، وهذا هو الحكم بمرتبة
المجعول .
فالحكم بمرتبة الجعل يكون متحقّقاً من
حين إنشاء القضيّة الحقيقيّة إذ انّ
موضوعه مقدر الوجود وهذا متصوَّر حين
جعل الحكم ، وهذا هو مبرِّر استحالة
أن يكون الحكم بمرتبة الجعل مشروطاً ،
إذ أن مشروطيّته تعني عدم وجوده إلاّ
بعد تحقّق شرطه والحال انّه موجود من
حين إنشاء القضيّة الحقيقيّة إذ انّ
المولى حين إنشاء القضيّة الحقيقيّة
متصد لإيجاد الحكم وهذا ما يمنع كونه
معلقاً ومشروطاً .
امّا الحكم بمرتبة المجعول فإنّه
معلَّق ومشروط بتحقّق موضوعه خارجاً
فهو لا يُوجد بوجود القضيّة الحقيقيّة
وإنما يُوجد حين تقرُّر الموضوع
خارجاً .
وبهذا البيان يتّضح امكان الحكم
المشروط ، فالحكم المشروط هو الحكم
بمرتبة المجعول « الفعليّة » بل انّ
الحكم المجعول دائماً يكون مشروطاً
وذلك لتوقفه على تحقّقق موضوعه خارجاً
.
فالمراد من الحكم الذي يمكن أن يكون
مشروطاً هو الحكم المجعول من غير فرق
بين أن يكون الحكم من سنخ الأحكام
التكليفيّة كما في مثال وجوب الزكاة ،
أو من سنخ الأحكام الوضعيّة كما لو
قال المولى « إذا قال الزوج لزوجته في
حال وعيه انت طالق وكانت في طهر لم
يواقعها فيه فقد وقع الطلاق » ،
فالحكم بالطلاق من سنخ الأحكام
الوضعيّة وقد رتّب هذا الحكم على
تحقّق الموضوع بحيثيّاته خارجاً ،
فالطلاق الفعلي « المجعول » منوط
بتحقّق موضوعه خارجاً ، وأمّا الحكم
بالطلاق في مرتبة الجعل فموضوعه ما
لاحظه المولى حين جعل الطلاق على نهج
القضيّة الحقيقيّة .

قاعدة تنوّع القيود وأحكامها
تنوّع القيود :
القيد في كل شيء ما يُوجب تضييق دائرة
المقيّد به ، فلا تكون الطبيعة معه
مرادة على سعتها بل المراد منها حين
تقيِّدها هو الحصة الخاصة والتي هي
الواجدة للقيد .
والقيود تارة ترجع الى الحكم واخرى
الى متعلق الحكم ، وفي الحالتين تكون
القيود موجبة لتضييق دائرة الطبيعة «
الحكم أو متعلق الحكم » التي تقيدت
بها ، غايته انّ قيود الحكم يُنتج عدم
فعلية الحكم مالم تتحقق القيود
المعتبرة في ترتُّبه . فلا يكون
المكلَّف مسئولا عن امتثال الحكم
إلاَّ أنْ تتحقق قيوده وتُوجد ، فقيود
الحكم تكون بمثابة العلل المُوجِدة
للحكم أي لفعليته .
وهذا بخلاف القيود الراجعة لمتعلَّق
الحكم فإنّ فعليّة الحكم لا تكون
منوطة بتحقق تلك القيود ، فسواءً
تحققت او لم تتحقق فعلية الحكم ـ اذا
تحقّقت قيوده الراجعة اليه ـ ثابتة
ويكون المكلَّف مسئولا عن امتثال
الحكم بقطع النظر عن تحقق قيود
المتعلَّق أو عدم تحققها .
ومن هنا تكون قيود المتعلَّق داخلة
فيما يجب امتثاله اذا تحققت فعليّة
الحكم .
ويمكن التمثيل لقيود الحكم وقيود
متعلَّق الحكم بما لو قال المولى «
إذا زالت الشمس صلِّ متطهراً » ، فإنّ
الزوال في المثال من قيود الحكم «
الوجوب » وهذا يقتضي إناطة فعلية
الوجوب بتحقق الزوال فلا يكون
المكلَّف مخاطباً بامتثال الوجوب مالم
تزل الشمس . وأما الكون على طهارة فهو
من قيود متعلق الحكم « الواجب » وهو
الصلاة ولذلك لا تكون فعلية الحكم
متوقفة عليه فسواء تطهر المكلَّف أو
لم يتطهر فهو مخاطب بامتثال الوجوب
والاتيان بالصلاة اذا ما تحقق الزوال
خارجاً وهذا يقتضي دخول قيود متعلق
الحكم « الطهارة » فيما يجب امتثاله ،
إذ انّ معنى تقييد المتعلَّق « الصلاة
» هو انّ طبيعة الصلاة على سعتها ليست
مرادة وانَّما المراد منها خصوص الحصة
المتقيدة بالطهارة .
ومن هنا تكون الحصة الواقعة متعلقاً
للحكم مشتملة على شيء زائد على
الطبيعة وهو الذي أوجب تحصيص الطبيعة
بتلك الحصة أي الواجدة لذلك القيد ،
فالواجب والذي هو متعلَّق الحكم هو
طبيعة الصلاة مع تقيُّدها بالطهارة ،
فالطهارة خارجة عن متعلَّق الحكم أي
أنَّها ليست واجبة إلاَّ أنّ تقيّد
الصلاة بالطهارة داخل في متعلَّق
الحكم أي أن التقيّد بالطهارة داخل في
الواجب .
والمراد من أن القيد « الطهارة » خارج
عن الواجب وأن التقيُّد بالطهارة داخل
في الواجب المراد من ذلك انه ليس
الواجب هو طبيعة الصلاة والطهارة ،
ولذلك لو جيء بكل واحد منهما على حِدة
لما تحقق الامتثال ، فالواجب هو طبيعة
الصلاة المتقيدة بالطهارة ، وهذا يعني
ان الواجب هو الحصة الخاصة من طبيعة
الصلاة وهي الحصة الواجدة للقيد إذ
انّ الطبيعة قد تكون واجدة للقيد وقد
تكون فاقدة له والذي وقع متعلَّقاً
للحكم هو الطبيعة الواجدة للقيد وهذا
هو معنى انّ التقيّد داخل في الواجب .
ومن هنا يتضح انَّ الإتيان بالطهارة
ليس واجباً ، نعم الإتيان بالطهارة
يكون مقدمة وعلّة لحصول التقيُّد
الواجب ، إذ انّه لا يمكن تحقق
التقيّد بالطهارة مالم ياتِ المكلَّف
بالطهارة ، فإذا ما أتى بالطهارة أمكن
الإمتثال وهو الاتيان بالحصة الخاصة
والتي هي الصلاة المتقيدة بالطهارة .
فعلاقة القيد بالتقيُّد علاقة العلة
بالمعلول فالقيد علة والتقيُّد معلول
له ، وذلك لانّ معنى التقيّد هو
اقتران الطبيعة بالقيد ، ومن الواضح
انَّ الإقتران لا يمكن تحققه خارجاً
مالم يُوجد القيد فمالم تتحقّق
الطهارة لا يمكن تحقّق إقتران الصلاة
بالطهارة .
وعلاقة العليّة بين القيد والتقيّد لا
تسري الى نفس الطبيعة فالقيد ليس علّة
للطبيعة ولا هو جزء علة لها .
ويمكن ان نستنتج مما ذكرناه انّ قيود
المتعلَّق « الواجب » تقتضي اموراً
ثلاثة :
الاول : هو تحصيص طبيعة المتعلَّق
بالحصَّة الواجدة للقيد فلا تكون
الحصة الفاقدة للقيد مشمولة للمتعلَّق
فطبيعة الصلاة على سعتها ليست واجبة
وانما الواجب منها هو حصة خاصة وهي
الواجدة للطهارة .
الثاني : انّ تقيّد المتعلَّق يعني
انّ الواجب هو ذات الطبيعة والتقيّد
بالقيد ويكون نفس القيد خارجاً عن
المتعلّق « الواجب » .
الثالث : انَّ العلاقة بين القيد
والتقيّد علاقة العلة والمعلول فالقيد
علَّة والتقيُّد معلول ، إذ انه لا
يمكن أن يتحقق التقيّد مالم يتحقق
القيد ، وهذا بخلاف علاقة نفس الطبيعة
بالقيد فإنَّ القيد ليس علة لها ولا
هو جزء علَّة لها .
القيود الراجعة للحكم ومتعلقه :
اتَّضح مما ذكرناه انّ القيود تارة
ترجع إلى الحكم « الوجوب » واخرى ترجع
الى المتعلَّق « الواجب » ، وقد يتفق
أن القيد يكون راجعاً الى الحكم
وفي نفس الوقت يكون راجعاً الى
المتعلّق.
ومقتضى رجوع القيد للحكم هو توقف
فعلية الحكم على تحقق القيد كما انَّ
مقتضى رجوعه الى المتعلّق هو اختصاص
المتعلَّق بالطبيعة الواجدة للقيد أي
أنَّ الواجب هو الطبيعة مع التقيّد
بالقيد .
ويمكن أن نمثِّل لذلك بالزوال بالنسبة
لصلاة الظهر .
فالزوال قيد لوجوب صلاة الظهر اي قيد
للحكم وفي نفس الوقت هو قيد للواجب «
المتعلّق » وهي الصلاة أي انَّ الواجب
ليس هو الصلاة على اطلاقها بل أن
الواجب هو حصة خاصة من الصلاة وهي
الصلاة المقترنة بالزوال .
ومقتضى كون الزوال قيداً للوجوب هو
انَّ المكلف لا يكون مخاطباً بالوجوب
ولا مسئولا عن الإمتثال مالم يتحقق
الزوال خارجاً .
كما انَّ مقتضى كون الزوال قيداً
للواجب هو انّ الواجب ليس هو طبيعة
الصلاة على سعتها بل هي الحصة الخاصة
وهي المتقيدة بالزوال .
أحكام القيود المتنوعة :
ويقع البحث هنا عن أحكام القيود
واختلافها باختلاف أنحاء القيود ،
وماهو الضابط في اختلاف أحكام القيود
، فنقول :
إنَّ القيود تارة لا يجب تحصيلها ولا
يكون المكلَّف مسئولا عن امتثالها بل
انَّها تُوخذ مفروضة التحقُّق ، فمتى
ما اتفق تحقق هذا النحو من القيود
خارجاً ترتب المقيد بها وأصبح المكلف
مسئولا عن امتثاله . ويمكن التمثيل
لذلك بالإستطاعة للحج ، فالاستطاعة هي
القيد ووجوب الحج هو المقيد بها ،
فهذا القيد قد اُخذ مفروض التحقق فمتى
ما تحقق خارجاً ترتب المقيد وهو وجوب
الحج ، وهذا معناه عدم وجوب تحصيل
القيد « الاستطاعة » على المكلَّف ،
نعم لو اتفق حصول الإستطاعة « القيد »
خارجاً ترتَّب المقيد وهو وجوب الحج ،
وأصبح المكلَّف مسئولا عن امتثاله .
وهناك قيود يجب على المكلَّف تحصيلها
بحيث لو لم يحصِّلها وجاء بذات
المقيَّد فإنَّه لا يكون ممتثلا
للمقيَّد ويبقى مخاطباً بامتثال ذات
المقيَّد مقترناً بقيده .
ومثال هذه القيود الطهارة والإستقبال
والساتر بالنسبة للصلاة ، فإن هذه
القيود من سنخ القيود التي يجب
تحصيلها والصلاة مقيدة بتلك القيود ،
ولا يكون المكلّف ممتثلا لذات المقيد
« الصلاة » مالم يأتِ بالقيود ،
فالواجب على المكلَّف في مثل هذه
الحالة هو امتثال المقيَّد مقترناً
بقيوده .
الضابط لتشخيص حكم القيد :
عرفنا انَّ القيود منها ما يجب تحصيله
ومنها ما لا يجب تحصيله ، والذي
يُميِّز القيود الواجبة التحصيل عن
القيود التي لا يجب تحصيلها هو ذات
المقيَّد ، فحينما تكون القيود راجعة
الى متعلق الحكم « الواجب » فهذه من
القيود الواجبة التحصيل وهي المعبَّر
بمقدّمات الواجب ، ومعنى وجوب تحصيل
هذه المقدمات هو أنَّ الواجب ـ روحاً
ـ ذات المقيد « المتعلق » مقترناً
بالقيد .
وبعبارة اخرى : انَّ الواجب ليس هو
الطبيعة على سعتها بل هو الحصة الخاصة
من الطبيعة وهي ذات الواجب مقترناً
بالقيد ، فالواجب ليس هو الصلاة كيفما
اتفقت وانَّما هو ذات الصلاة المتقيّد
بالطهارة .
فاذن القيود التي يجب تحصيلها ويكون
المكلَّف مخاطباً بامتثالها هي القيود
الراجعة الى الواجب أي متعلّق الحكم ،
ولهذا لا يتحقّق امتثال متعلَّق الحكم
مالم يمتثل المكلف الحصّة الخاصَّة من
المتعلَّق وهي الحصّة المقترنة
بالقيود المأخوذة فيه .
وأمّا القيود التي لا يجب تحصيلها فهي
القيود الراجعة الى الحكم « الوجوب »
وهي المُعبَّر عنها بمقدمات الوجوب ،
فمقدمات الوجوب تُؤخذ مفروضة التحقق
أي متى ما اتفق تحقّقها فإنَّ المكلّف
بعد ذلك يكون مسئولا عن امتثال الحكم
.
ومن هنا لا تكون هذه المقدمات واجبة
التحصيل ، إذ انّ وجوب تحصيلها يقتضي
أن يكون الحكم المقيّد بها فعليّاً
قبل تحقّق قيوده وهذا خُلْف كون هذه
القيود هي الموجبة لتحقق الفعلية
للحكم ، إذ انَّ هذه المقدمات واقعة
في رتبة العلة لفعليَّة الحكم فلا
يُعقل ان يترشح الوجوب من الحكم اليها
إذ انَّ هذا يعني أنَّ الحكم « الوجوب
» فعلي قبل تحقّق مقدّماته خارجاً
وهذا خُلْف الفرض والذي هو توقف فعلية
« المجعول » على وجود مقدّماته خارجاً
.
وهناك حالة ثالثة تكون فيها القيود
راجعة الى الحكم وإلى متعلَّق الحكم
أي انّ هذه القيود في الوقت التي تكون
قيوداً للوجوب هي قيود للواجب . وهنا
أيضاً لا يكون المكلَّف مطالباً
بتحصيل هذه القيود ، وذلك لعدم فعلية
الوجوب قبل تحقّق القيود ، فلا
يترشَّح عن الوجوب ما يقتضي وجوب
مقدماته .
وبعبارة اخرى : لمّا كانت فعليّة
الوجوب منوطة بتحقّق مقدّماته فهذا
يقتضي عدم وجود الفعليّة قبل وجود
المقدّمات ، ولو اتّفق حصول المقدّمات
فإنَّ الوجوب وان أصبح فعليّاً إلاّ
انَّه لا يمكن ان يترشَّح عنه وجوب
للمقدّمات أيضاً ، وذلك لانَّه تحصيل
للحاصل ، نعم في مثل هذا الفرض ـ وهو
تحقّق الفعليّة للوجوب بعد تحقّق
مقدّماته ـ يكون المكلَّف مخاطباً
ومطالباً بالإتيان بالواجب مقترناً
بالقيد أي انّه متى ما تحقق الوجوب
لتحقّق قيده يكون المكلَّف ملزماً
بتحصيل الواجب وهو الحصة الواجدة
للقيد .
وبما ذكرناه يتَّضح انَّ للقيود ثلاثة
أنحاء كل نحو يقتضي حكماً خاصّاً :
النحو الأوّل : هو رجوع القيد للحكم «
الوجوب » وهذا يقتضي عدم مسئولية
المكلّف عن تحصيل القيد .
النحو الثاني : هو رجوع القيد
لمتعلَّق الحكم « الواجب » وهذا يقتضي
مسئوليّة المكلّف عن تحصيل القيد .
النحو الثالث : هو رجوع القيد للحكم
والمتعلَّق وهذا يقتضي عدم مسئوليّة
المكلَّف عن تحصيل القيد إلاّ أنّه
حينما يُصبح الحكم فعليّاً يكون
المكلَّف مسئولا عن تحقيق التقيُّد
بعد افتراض تحقّق القيد أي انّ
المكلَّف لا يكون ممتثلا ـ بعد فعليّة
الحكم بتحقّق قيده ـ إلا أن يأتي
بالواجب مقترناً بالقيد ، فلو نذر
المكلّف أن يصوم الجمعة واتفق حصول
يوم الجمعة فإنَّ وجوب صوم يوم الجمعة
يُصبح فعليّاً وذلك لتحقق قيده وهو
يوم الجمعة وبهذا يكون المكلَّف
مسئولا عن التقيّد أي انّه لا يكون
ممتثلا إلاّ أن يأتي بالصوم مقترناً
بيوم الجمعة ، وهذا بخلاف مالو كان
القيد راجعاً للحكم فحسب فإنَّه
بتحقّق القيد يكون المكلّف مطالباً
بالإتيان بمتعلَّق الحكم كيفما اتّفق
وليس المطلوب منه حصّة خاصّة وهي
المتقيّدة بالقيد .
ومع اتِّضاح ماهو الضابط لتشخيص حكم
القيد يتّضح انَّ قيود الوجوب لا يلزم
أن تكون مقدورة للمكلَّف ، وذلك لعدم
مسئوليّة المكلَّف عن تحصيلها ، إذ
انَّها اُخذت مفروضة التحقّق ، فلا
يلزم من عدم اختياريّة القيود أي
محذور بعد ان لم يكن المكلّف مطالباً
بإيجادها ، ولذلك نلاحظ انّ من قيود
الوجوب ماهو اختياري مثل الإستطاعة
ومنها ماهو خارج عن الإختيار والقدرة
مثل هلال شهر رمضان بالنسبة لوجوب
الصوم والزوال بالنسبة لوجوب الصلاة .
وأمّا قيود الواجب فيلزم أن تكون
مقدورة للمكلَّف ، وذلك لانَّ هذه
القيود واجبة التحصيل ويكون المكلَّف
عاصياً بتفويتها ، فلو كانت خارجة عن
قدرة المكلَّف واختياره لكان التكليف
بها تكليفاً بغير المقدور ، وقد
اتَّضح ممّا سبق استحالة التكليف بغير
المقدور من غير فرق بين أن التكليف
بمعنى المؤاخذة والإدانة أو أن يكون
المراد من التكليف هو أصل التشريع
فإنَّ كلا منهما مستحيل في ظرف عدم
قدرة المكلَّف على الإمتثال .
قد يقال إنَّ الزوال مثلا قد افتُرض
من قيود الواجب وهو خارج عن اختيار
المكلَّف فإذا كانت قيود الواجب واجبة
التحصيل لزم من ذلك التكليف
بغيرالمقدور .
وبالتأمّل فيما ذكرناه سابقاً يتَّضح
جواب هذا الإشكال حيث قلنا انّ الذي
يجب تحصيله هو التقيّد والذي هو
امتثال المتعلَّق مقترناً بالقيد ،
وهذا ليس خارجاً عن اختيار المكلّف
كما هو واضح ، ففي الزوال مثلا لا
يكون مسئولا عن تحصيل الزوال حتى يلزم
من ذلك التكليف بغير المقدور بل انَّ
الذي يجب على المكلّف تحصيله هو
الصلاة المتقيّدة بالزوال أي انّ
الواجب ليس هو طبيعي الصلاة بل الحصة
التي تكون فيها الصلاة مقترنة مع
الزوال .
قيود الواجب على قسمين :
يمكن تصنيف قيود الواجب الى قسمين :
القسم الأوّل : وهو ما يُعبَّر عنه
بالقيود أو المقدّمات الشرعيّة ، وهي
قيود الواجب المستفادة بواسطة الشارع
المقدّس ، وذلك بأن يجعل الشارع
امتثال الواجب معلَّقاً على قيد من
القيود ، وبهذا التعليق يصبح الواجب
هو الحصة المقترنة بذلك القيد .
ويمكن التمثيل لذلك بالطهارة
والإستقبال والساتر للصلاة ، فإنّ هذه
القيود شرعيّة باعتبار انَّها تثبت عن
الشريعة ، وهذا الإعتبار الشرعي أوجب
تحصيص الصلاة الواجبة بالحصة المشتملة
والمقترنة بهذه القيود والمقدّمات .
وهذه المقدّمات لا تكون واجبة التحصيل
إلاّ بعد افتراض تحقق الفعلية للوجوب
إذ انّ أصل الواجب « متعلّق الوجوب »
لا يكون المكلَّف مسئولا عن ايجاده
مالم تتحقّق فعليّة الوجوب ، ومن
الواضح انّ مقدّمات الواجب انّما
يُؤتى بها باعتبار توقف امتثال الواجب
عليها إذ انّ الواجب ليس هو طبيعي
المتعلَّق كيفما اتّفق بل هو الحصّة
المقترنة بالقيود .
وإذا كان كذلك فوجوب تحصيلها انّما
يثبت بعد تقرُّر فعليّة الوجوب للواجب
فما لم تتحقّق فعليّة الوجوب فلا موجب
عقلا لوجوب تحصيل المقدّمات .
وبتعبير آخر : انّ العلّة في وجوب
تحصيل المقدّمات هو فعليّة الوجوب «
المجعول » وهذا يقتضي عقلا تأخّر
المسئوليّة عن تحصيل المقدّمات حتى
تتحقّق الفعليّة للوجوب .
فالطهارة مثلا لا تكون واجبة التحصيل
مالم تتحقّق فعليّة الوجوب للصلاة ،
إذ انّه قبل تحقّق فعليّة الوجوب
للصلاة لا مبرِّر لثبوت المسئوليّة
على المكلَّف تجاه الطهارة ، إذ انّ
وجوب المقدّمة مترشح عن وجوب ذي
المقدّمة .
القسم الثاني : هو ما يُعبَّر عنه
بالقيود العقليّة للواجب ، وهي قيود
الواجب التي يتوقّف عقلا تحقّق الواجب
عليها أي انّها القيود التي لولاها
لما أمكن تكويناً تحقّق الواجب وذلك
مثل السفر للحج بالنسبة للآفقي ،
فإنَّ الآفاقي لا يمكنه تكويناً أداء
فريضة الحجّ مالم يُسافر الى مكّة
المكرّمة .
ومن هنا لو ثبت وجوب الحج في حقّ
مكلَّف فإنّه يكون مسئولا عقلا عن
تحصيل السفر ، وذلك لانّه مطالب
بامتثال الوجوب وهذا غير ممكن مالم
يُسافر ، نعم لا يكون المكلّف مسئولا
عن السفر مالم تثبت فعليّة الوجوب
للحج لعين ماذكرناه في المقدّمات
الشرعيّة حيث قلنا انََّّ وجوب
المقدّمة مترشّح عن وجوب ذي المقدّمة
فافتراض عدم فعليّة وجوب ذي المقدّمة
يُساوق عدم وجوب المقدّمة المترشِّحة
عنها ، أمّا في حالة وجوب ذي المقدّمة
فحيث انَّ امتثال الوجوب متوقّف
تكويناً على تحصيل المقدّمة فالعقل
يحكم بلزوم تحصيل المقدّمة .
نعم لو كانت المقدّمة العقليّة من
قبيل مقدّمات الوجوب أي من قيود الحكم
فلا يكون المكلَّف مطالباً بإيجادها
بعد ان لم يكن هناك موجب لتحصيلها ،
إذ انّ الوجوب انّما هو متأخر عنها .
ويمكن التمثيل لمقدمات الوجوب
العقليّة بالعلم بوقوع المنكر ، فهو
مقدّمة لوجوب النهي عن المنكر ، إذ من
الواضح انّ وجوب النهي عن المنكر
متوقف عقلا على العلم بوقوع المنكر
فمع عدم العلم بوقوع المنكر لا يكون
هناك فعليّة لوجوب النهي عن المنكر ،
ومن هنا لا يجب تحصيل مقدّمة الوجوب
وهي العلم بوقوع المنكر ، وذلك لتأخّر
فعليّة الوجوب عنها وكونها العلّة
لتحقّق الفعليّة .
المسئوليّة قبل الوجوب :
اتّضح ممّا تقدّم انّه لا مسئوليّة
على المكلَّف عن تحصيل مقدّمات الواجب
مالم تتحقّق فعليّة الوجوب إلاّ أنَّه
قد يتفق العلم بعدم التمكّن من تحصيل
المقدّمات بعد تحقّق فعليّة وجوب ذيها
وكان المكلَّف قبل تحقّق الفعليّة
للوجوب قادراً على تحصيل تلك
المقدّمات ، فهل يلزمه في مثل هذا
الفرض أن يأتي بالمقدّمات قبل تحقّق
الفعليّة للوجوب أو انَّه لا يلزمه
ذلك ؟
وبتعبير آخر : إنّ هناك بعض التكاليف
يعلم المكلَّف بتحقّق فعليّتها فيما
يُستقبل من الزمان ، وهذه التكاليف لو
اتّفقت فعليّتها فإنّ امتثالها يكون
متوقفاً على مقدّمات شرعيّة ، فلو علم
المكلَّف انَّ هذه المقدّمات لا يمكن
ايجادها عند تحقّق زمان فعليّة الوجوب
إلاّ انّها متيسِّرة قبل زمان
الفعليّة فهل ان المكلَّف في مثل هذا
الفرض أيضاً لا يكون مسئولا عن تحصيل
المقدّمات أو انّ العقل في مثل هذا
الفرض يحكم بلزوم تحصيل هذه المقدّمات
وذلك لأنَّ عدم الإتيان بها قبل زمان
الفعليّة يقتضي فوات الواجب في حينه ،
ومن هنا سُمِّيت مثل هذه المقدّمات
بالمقدمات المفوتة ، ويمكن التمثيل
للمقدمات الشرعية المفوتة بالطهارة في
فرض عدم القدرة على تحصيلها بعد تحقّق
زمان فعليّة الوجوب للصلاة في حين
انَّها مقدورة قبل زمان الفعليّة .
ومثال المقدّمات العقليّة المفوتة
السفر ، فلو كان البناء على انّ زمان
فعليَّه الوجوب للحج يبدأ بهلال شوال
ـ أول أشهر الحج ـ وعلمنا بعدم امكان
السفر في أشهر الحج إلاّ انّه ممكن
قبل أشهر الحج أي قبل تحقّق فعليّة
الوجوب للحجّ .
فهنا نقول : انّه هل يلزم المكلَّف
الإتيان بالطهارة في المثال الأوّل
والسفر في المثال الثاني قبل تحقّق
زمان الفعليّة للوجوب باعتبار ما يحكم
به العقل من لزوم التحفُّظ على امتثال
الواجب في حينه وعدم تفويته بترك
المقدّمات التي يتوقف امتثال الواجب
في حينه عليها ، أو انّ المكلَّف غير
مطالب بتحصيل المقدّمات مالم تتحقّق
فعليّة الوجوب وإن لزم من عدم تحصيلها
قبل زمان الفعليّة فوات الواجب في
حينه .
والتحقيق انّ ما تقتضيه القاعدة
العقليّة هو عدم وجوب تحصيل مقدّمات
الواجب في مثل هذا الفرض ، وذلك
لأنَّه قبل تحقّق زمان الفعليّة لا
وجوب حتى يترشّح عنه وجوب لتحصيل
المقدّمات ، وبعد تحقّق الزمان الذي
يُفترض أن يكون الوجوب فيه فعليّاً لا
يكون هناك فعليّة للوجوب ، وذلك
لتعذُّر امتثال الواجب في حينه فيكون
التكليف به تكليفاً بغير المقدور وهو
منفيّ عقلا . وبيان ذلك :
إنَّ وجوب تحصيل مقدّمات الواجب
العقليّة والشرعيّة مترشّح عن تحقّق
الفعليّة لوجوب الواجب وقبل تحقّق
زمان الفعليّة لا وجوب حتى يكون
المكلَّف مسئولا عن ايجاد مقدّماته
وبعد تحقّق زمان الفعليَّة يكون
الإمتثال خارجاً عن القدرة ، وذلك
لتعذُّر تحصيل المقدّمات المتوقّف
تحصيل الواجب عليها ـ كما هو مقتضى
الفرض ـ وقد ثبت استحالة التكليف بغير
المقدور فلا تكليف حتى يترتَّب عليه
وجوب المقدّمات .
فالطهارة قبل الزوال والسفر قبل أشهر
الحج ليسا واجبي التحصيل لعدم فعليّة
وجوب الصلاة قبل الزوال والحج قبل
أشهر الحج ، وبعد تحقّق الزوال
وابتداء أشهر الحج لا يكون وجوب
الصلاة والحج فعليّاً أيضاً ، وذلك
لعدم القدرة على امتثال وجوب الصلاة
والحج ، إذ انّ امتثال الوجوب ـ والذي
يقتضي الإتيان بالصلاة والحج ـ يكون
متعذراً بعد تعذُّر المقدّمات
المتوقّف الإمتثال عليها فيكون
التكليف بهما تكليفاً بغير المقدور
وهو مستحيل .
والخلاصة انَّ مقدّمات الواجب المفوتة
غير واجبة التحصيل كما هو الحال في
سائر مقدّمات الواجب قبل تحقّق فعليّة
الوجوب .
إلاّ انَّه تبقى مشكلة تحتاج إلى علاج
وهي انّ بعض مقدّمات الواجب لا تكون
إلاّ من قبيل المقدّمات المفوّتة أي
انَّه يتعذَّر دائماً تحصيلها بعد
زمان فعليّة الوجوب ويلزم دائماً من
تأخير إيجادها الى زمان الفعليّة فوات
الواجب في حينه ، ونجد الفقهاء في مثل
هذه الحالة يُفتون بلزوم تحصيل هذه
المقدّمات المفوّتة .
فمثلا الطهارة من الحدث الأكبر «
الجنابة » من مقدّمات الواجب وهو
الصوم في شهر رمضان ، إذ انَّ من
الثابت فقهيّاً انَّه لا يمكن إمتثال
التكليف بوجوب الصوم إلاّ أن يكون
الصوم الممتَثل مقترناً بالطهارة من
الحدث الأكبر .
ونلاحظ انّ زمان فعليّة الوجوب للصوم
هو الفجر ومقتضى القاعدة انَّ الكون
على الطهارة من الحدث الأكبر انَّما
يجب تحصيله بعد تحقّق زمان فعليّة
الوجوب للصوم « الفجر » إلاّ انّ
تأخير التطهر من الحدث الأكبر الى ما
بعد تحقّق زمان الفعليّة « الفجر »
يقتضي دائماً العجز عن الإتيان
بالواجب « الصوم » مقترناً بالطهارة
من الحدث الأكبر ، إذ انّ الوقت الذي
يُوتى فيه بالطهارة لا يكون الصوم
مقترناً بالطهارة .
ومن هنا تكون الطهارة من الحدث الأكبر
من المقدّمات المفوتة ومع ذلك نجد
الفقهاء يُفتون بلزوم التطهر من الحدث
الأكبر قبل طلوع الفجر أي قبل زمان
فعليّة الوجوب للصوم .
ويمكن التمثيل لمقدّمات الواجب
المفوتة بمثال آخر يناسب مقدّمات
الواجب العقليّة ، وهو السفر لعرفات
فإنَّه مقدّمة للوقوف بعرفات الواجب ،
ومقدار الوقوف الواجب يبدأ من زوال
الشمس ليوم عرفة ، فإذا كانت فعليّة
الوجوب للوقوف متوقّفة أيضاً على
تحقّق الزوال من يوم عرفة فهذا يقتضي
عدم مسئوليّة المكلَّف عن السفر لأرض
عرفات قبل زوال يوم عرفة في حين أنّ
تأخير السفر الى ما بعد تحقّق
الفعليّة يقتضي دائماً عجز المكلَّف
عن الإتيان بالواجب في حينه .
وبهذا اتَّضح أنَّ السفر الى عرفات من
المقدّمات العقليّة المفوّتة ،
والفقهاء مُلتزمون بوجوب تحصيل هذه
المقدّمة قبل تحقّق زمان فعليّة
الوجوب للوقوف .
ومن هنا فقد تصدَّى الاصوليّون لبيان
ماهو المنشأ للحكم بلزوم تحصيل
المقدّمات المفوّتة التي يقتضي
تأخيرها الى زمان فعليّة الوجوب عجز
المكلَّف عن الإتيان بالواجب في حينه
، وقد ذكروا لذلك مجموعة من التوجيهات
أرجأ المصنَّف (رحمه الله) البحث عنها
أو عن بعضها إلى الحلقة الثالثة .
القيود المتأخّرة زماناً عن المقيّد
القيود سواء كانت راجعة الى الوجوب «
الحكم » أو كانت راجعة الى الواجب «
متعلَّقق الحكم » يمكن تصنيفها الى
ثلاثة أقسام :
القسم الاول : القيود المقارنة :
ويُعبَّر عنها بالشرط المقارن ، وهي
القيود المأخوذة على نحو تكون متحدة
زماناً مع المقيد ، فالقيود الراجعة
للوجوب هي القيود الموجب تحقّقها
تحقّق فعليّة الوجوب بحيث لا تكون
هناك فاصلة زمنيّة بين تحقّق القيود
خارجاً وبين ترتُّب الفعليّة للوجوب ،
فمتى ما تحققت القيود تحقّقت معها
الفعليَّة .
ويمكن التمثيل لذلك بالزوال بالنسبة
لفعليَّة الوجوب للصلاة ، إذ انَّ
فعليّة الوجوب للصلاة مقارنة زماناً
لتحقق الزوال خارجاً .
وامّا القيود المقارنة للواجب فهي
القيود المأخوذة على نحو يكون امتثال
الواجب منوطاً بتواجدها في تمام زمان
الإمتثال بحيث لا يكون الواجب حين
امتثاله فاقداً لذلك القيد .
ويمكن التمثيل لذلك بالاستقبال
والساتر والكون على طهارة ، فإنّ كل
هذه الشروط من الشروط المقارنة للصلاة
فلا يكون المكلَّف ممتثلا مالم تكن
هذه القيود مقترنة بالصلاة حين
امتثالها .
القسم الثاني : القيود المتقدّمة :
ويُعبَّر عنها بالشرط المتقدّم ، وهي
القيود التي اُخذت متقدّمة على
المقيّد بها أي يلزم أن يكون وجودها
قبل وجود المقيّد بها .
فالقيود المتقدّمة الراجعة للحكم هي
القيود التي افتُرضت على نحو تكون
فعليّة الوجوب متأخرة عنها وتكون هي
متقدّمة على الفعليّة ، ومثاله
الاستطاعة بناء على انّ الفعليّة
لوجوب الحج انّما تكون بعد تحقّق أشهر
الحج .
وأمَّا القيود المتقدّمة للواجب فهي
القيود التي اُخذت على نحو تكون
متقدّمة على امتثال الواجب بحيث لا
يكون المكلَّف ممتثلا مالم يتحقّق
القيد أولا .
ويمكن التمثيل لذلك بالوضوء والغسل
والتيمّم للصلاة فإنّ هذه القيود
اُخذت على نحو يكون تحصيلها قبل
الإتيان بالواجب « الصلاة » .
القسم الثالث : القيود المتأخّرة :
ويُعبَّر عنها بالشرط المتأخر ، وهي
القيود التي اُخذت على نحو تكون
متأخرة عن زمان المقيّد .
فالقيود المتأخّرة الراجعة للحكم هي
القيود المتأخّرة عن الحكم زماناً
والموجبة لفعليّته من حين وقوع
متعلَّقه .
ويمكن التمثيل لذلك بعقد الفضولي بناء
على الكشف ، وذلك لانَّه بناء على
الكشف تكون إجازة المالك موجبة لنفوذ
العقد من حين وقوعه فتكون الإجازة
المتأخّرة شرطاً في نفوذ ما وقع من
عقد في زمن
متقدّم .
وبيان ذلك :
لو باع شخص ما لا يملك دون إذن المالك
، فإنَّ هذا البيع يكون فضوليّاً ،
ولهذا يتوقّف نفوذه على إجازة المالك
، فلو وقعت الإجازة من المالك بعد
يومين من وقوع العقد الفضولي ، فإنّ
هذه الإجازة ـ بناء على الكشف ـ تكون
موجبة لنفوذ العقد وحصول النقل
والإنتقال من حين وقوع العقد أي قبل
يومين من تحقّق إجازة المالك .
فالاجازة المتأخّرة عن العقد أوجبت
صحّة العقد « الحكم » المتقدّم عليها
زماناً .
وأمّا القيود المتأخّرة الراجعة
لمتعلّق الحكم « الواجب » فهي القيود
التي اُخذت على نحو تكون صحّة ما جاء
به المكلَّف من واجب منوطاً بتحقّق
ذلك القيد المتأخر زماناً عن تحقّق
الواجب .
ويمكن التمثيل لذلك بغسل المستحاضة في
الليل ، فإنّه شرط في صحّة الصوم
الواقع في النهار المتقدّم ، كما لو
صامت المستحاضة في يوم السبت ، فإنَّ
صحّة صومها الواقع في يوم السبت منوط
بشرط متأخّر وهو تحقّق الغسل منها في
ليلة الأحد .
ومع اتِّضاح الأقسام الثلاثة للقيود
نقول : انَّه غالباً ما تكون
القيود من سنخ القيود المقارنة أو
المتقدّمة ، وأمَّا القيود المتأخرة
فقد
يُدَّعى انَّها مستحيلة ، وذلك لأنَّ
القيود دائماً تكون في رتبة العلل
للمقيد
بها ، واذا كان كذلك فيستحيل تأخرها
عن المقيَّد لإستحالة تأخر العلة عن
معلولها .
إلاّ انّه في مقابل دعوى الإستحالة
هناك دعوى بالإمكان وانَّه لا محذور
عقلا في تأخر القيود عن المقيَّد بها
زماناً ، إذ انّ دعوى الإستحالة نشأت
عن توهّم كون القيود في رتبة العلل
للمقيّد بها وهذا غير صحيح ، وذلك
لانّ قيود الواجب الشرعيّة لا تعني
أكثر من أنّ الواجب ليس هو الطبيعة
على سعتها بل هو الحصّة الخاصّة من
الطبيعة وهي الواجدة للقيد ، إذ انَّ
المولى حينما يأخذ قيداً في الواجب
فإنّه يُضيّق من دائرة المطلوب ويجعل
الواجب حصّة خاصّة من الطبيعة وهي
المتقيّدة بالقيد ، وهذا التضييق
لدائرة المطلوب قد يتمّ بواسطة جعل
المطلوب هو الحصّة التي يسبقها القيد
، وقد يتم بواسطة جعل المطلوب هو
الحصّة التي يقترن معها القيد ، وقد
يتمّ بواسطة جعل المطلوب هو الحصّة
التي يتعقَّبها القيد ، وكلُّ هذه
الحالات يكون المولى قد ضيَّق من
دائرة المطلوب وحصَّصه بحصة خاصة ،
وليس في حالة من هذه الحالات يكون
فيها ذات الواجب متوقفاً على قيده بل
انّ هذه القيود لا تعني أكثر من تعيين
ماهو المطلوب للمولى . وبهذا لا تكون
قيود الواجب بمثابة العلل للمقيّد بها
، فلا محذور حينئذ في أن يكون القيد
متقدّماً أو متأخّراً .
ففي مثالنا وهو اشتراط صحّة الصوم
السابق بالغسل في الليلة اللاحقة لا
يعني هذا الشرط أكثر من أنّ المطلوب
للمولى هو الحصّة الخاصة من الصوم وهي
الصوم الذي يتعقّبه غسل الاستحاضة .
وكذلك لا محذور في افتراض تأخر قيود
الحكم عن الحكم وذلك لانَّ الحكم
بمرتبة الجعل يُجعل على نحو القضيّة
الحقيقيّة والتي يكون موضوعها مقدر
الوجود ، وهذا يعني انَّ القيود
المأخوذة في الحكم بمرتبة الجعل هي
قيود افتراضيّة ذهنيّة يلحظها المولى
ثمّ يجعل الحكم عليها معلقاً على
مالاحظه وقدَّره من موضوع وقيود ،
وإذا كان كذلك فالحكم بمرتبة الجعل
يكون موجوداً بمجرَّد إنشاء المولى
للقضيّة الحقيقيّة ، وذلك لأنَّ الحكم
لمّا كان معلقاً على ماهو ملحوظ في
الذهن فحتماً يكون موجوداً حين إنشاء
القضيّة الحقيقيّة ، إذ انّ القضيّة
الحقيقيّة متقوّمة بتقدير الموضوع
وتصوّره في الذهن وهو « الموضوع
المقدَّر » حاصل حين إنشاء الحكم
حتماً ، إذ انّ هذا هو مقتضى جعل
الحكم على نهج القضيّة الحقيقيّة .
وبتعبير آخر : إنّ افتراض جعل الحكم
على نهج القضيّة الحقيقيّة يقتضي كون
الموضوع مقدراً ومتصوراً حال إنشاء
الحكم وجعله ، وإذا كان كذلك فالحكم
بمرتبة الجعل لا يكون معلّقاً على
واقع القيود بل هو معلّق على القيود
المفترضة وهي متحقّقة حين إنشاء وجعل
الحكم على الموضوع أي ان قيود الحكم
بمرتبة الجعل تكون دائماً مقارنة
للحكم ، وإذا كانت قيود الحكم بمرتبة
الجعل مقارنة دائماً للحكم فلا يضرّ
أن تكون متأخرة خارجاً عن الحكم ، إذ
انَّ القيود الخارجيّة ليست قيوداً
للحكم بمرتبة الجعل ، فالقيود التي
تكون خارجاً متأخّرة عن الحكم هي
مقارنة للحكم في مقام التصوّر
والتقدير ، وذلك لانّ موضوع الحكم هي
القيود المقدّرة وهي حاصلة حين ترتيب
الحكم عليها . وهذا هو معنى مقارنة
قيود الحكم بمرتبة الجعل للحكم .
وأمَّا الحكم المجعول ـ والذي يعني
تحقّق الفعليّة ـ فهو محض إعتبار أي
انَّ المولى يعتبر ويفترض الحكم
فعليّاً متى ما تحقّقت قيوده خارجاً ،
فهو إذن ليس من سنخ الوجودات
الحقيقيّة الخارجيّة .
وبهذا يتّضح بأنَّه لا مانع من تعليق
الحكم المجعول على قيد متأخر بعد أن
كان الحكم المجعول وجوداً إعتباريَّاً
تابعاً للمعتبِر فإذا كان المعتبر قد
جعل الفعليّه للحكم معلَّقة على شرط
متأخّر فإنّ هذا لا يعني أكثر من أن
الإعتبار قد كُيِّف بهذه الكيفيّة ،
فأيُ فرق بين اعتبار الفعليّة منوطة
بشرط متقدّم أو بشرط متأخّر بعد ان
كان الإعتبار بيد المعتبر يكيِّفه كيف
يشاء .
فتعليق نفوذ العقد الفضولي على
الإجازة المتأخّرة لا يعني أكثر
من أنّ المولى قد اعتبر العقد الفضولي
نافذاً من حينه إذ تعقبته
الإجازة .
زمان الوجوب والواجب
ويقع البحث هنا عن إمكان الواجب
المعلّق أو استحالته .
وقبل بيان المراد من الواجب المعلَّق
وهل هو ممكن أو مستحيل لابدَّ من
تقديم مقدّمة :
وهي انَّ العلاقة بين الزمن الذي
تتحقّق فيه الفعلية للوجوب « المجعول
» والزمن الذي اُنيط به امتثال الواجب
« متعلّق الحكم » يمكن ان تُتصوّر لها
ثلاث حالات :
الحالة الاولى : وهي أن يتّحد زمان
الوجوب مع زمان الواجب ابتداءً وبقاءً
، وهذه هي الحالة الغالبة .
ويمكن التمثيل لها بالزمان الذي
تتحقّق فيه فعليّة الوجوب لصلاة الظهر
وزمان الواجب « متعلَّق الوجوب » فإنّ
زمانهما متحدٌ ابتداءً وهو زوال الشمس
وبقاءً وهو زوال الحمرة المشرقيّة ،
فإنَّ فعليّة الوجوب لا تتحقّق إلاّ
حين تزول الشمس وكذلك امتثال الواجب
يكون منوطاً بتحقّق الزوال ، وتستمر
الفعليّة الى حين زوال الحمرة
المشرقيّة وكذلك زمان امتثال الواجب .
الحالة الثانية : وهي افتراض تقدُّم
تمام زمان الوجوب على زمان الواجب
بحيث يكون ابتداء زمان الواجب بعد
انتهاء زمان الوجوب .
وهذه الحالة مستحيلة التحقّق وذلك
لانّه بعد انتهاء أمد الفعليّة للوجوب
لا يكون هناك موجب لمسئوليّة المكلَّف
عن الإتيان بالواجب ، إذ انّ
مسئوليّته عن الواجب انّما تنشأ عن
الوجوب ومع افتراض انتهاء أمد الوجوب
لا يكون هناك منشأ يوجب الإتيان
بالواجب .
الحالة الثالثة : أن يكون زمان الوجوب
متقدّماً على زمان الواجب إلاّ انّ
زمان الواجب يبدأ قبل انتهاء زمان
الوجوب ويتحد بعد ذلك زمان الواجب مع
زمان الوجوب ويكون انتهاء زمنيهما في
آن واحد .
ويمكن التمثيل لذلك بوجوب صيام شهر
رمضان ، فإنّ زمان وجوبه يبدأ برؤية
الهلال أما زمان الواجب فيبدأ عند
طلوع الفجر ، فزمان الوجوب تقدّم على
زمان الواجب إلاّ أن زمان الإتيان
بالواجب « الصوم » بدأ قبل انتهاء
فعليّة الوجوب للصوم وبقيا متحدين الى
حين انتهاء أمديهما معاً .
ومع اتِّضاح هذه المقدّمة نقول : إنّ
الحالة الثالثة هي التي يُعبَّر فيها
عن الواجب بالمعلَّق ، فالمراد من
الواجب المعلَّق هو ما يكون زمان
الواجب متأخراً عن زمان تحقّق
الفعليَّة للوجوب بحيث لا يكون
المكلَّف ممتثلا للمأمور به إلاّ في
حال وقوع الواجب في الزمن المحدّد
والذي يكون متأخراً عن زمان الفعليّة
للوجوب .
هل الواجب المعلَّق ممكن أو مستحيل ؟
ذهب المصنِّف (رحمه الله) الى استحالة
أن يكون الواجب معلقاً ، وذلك لأنَّ
معنى أن يكون الواجب معلقاً هو أن
يكون مقيداً بزمن ، والزمن ليس من
القيود الاختياريّة ، وقد ذكرنا انّ
قيود الواجب يستحيل أنْ تكون غير
اختياريّة ، إذ انّ المكلّف مسئول عن
تحصيلها وايجادها ولا يمكن أن يكون
المكلَّف مسئولا عمَّا هو خارج عن
قدرته لاستحالة التكليف بغير المقدور
، نعم يمكن تقييد الوجوب والواجب معاً
بقيد غير اختياري لانه في مثل هذه
الحالة لا يكون المكلَّف مطالباً
بتحصيل القيد ـ كما اتّضح ذلك مما سبق
ـ وأمّا ان نُقيِّد الواجب وحده بقيد
غير اختياري فهذا مستحيل ، ومن هنا
لابدَّ من أن يكون زمان الواجب قيداً
للوجوب أى ان فعليّة الوجوب تبدأ حين
يتحقّق زمان الواجب ، وهذا يعني عدم
تأخر زمان الواجب عن زمان الفعليّة .
وخلاصة الكلام انّ الزمان لمّا كان من
القيود غير الإختياريّة فيستحيل تقييد
الواجب وحده به ، فلابدَّ أن يكون
القيد راجعاً الى الوجوب فإذا كانت
فعليَّة الوجوب مقيَّدة بتحقّق زمان
الواجب فهذا يقتضي عدم تحقّقها الى
حين تحقّق زمان الواجب وهذا يعني عدم
تقدّم زمان الفعليّة على زمان الواجب
وعدم تأخّر زمان الواجب عن زمان
الفعليّة . وبهذا تثبت استحالة الواجب
المعلَّق .
وفي مقابل القول بالإستحالة ذهب جماعة
من الاصوليّين الى إمكان الواجب
المعلَّق ، إذ انّه ايُّ محذور في أن
يكون الوجوب فعليّاً وتكون المسئوليّة
عن الإتيان بالواجب معلّقة على زمن
متأخر .
الثمرة المترتّبة على القولين :
أمّا الثمرة المترتّبة على القول
بإمكان الواجب المعلّق فهو وجوب
المقدّمات المفوتة .
وبيان ذلك : إنّ دعوى استحالة وجوب
المقدّمات المفوتة نشأ عن انّ زمان
الواجب متحد مع زمان فعليّة الوجوب
وأنّ الفعليّة لا تتحقّق إلاّ في زمان
الواجب ، إذ انَّ هذا هو مقتضى اشتراط
الفعليّة بزمان الواجب ، وفي مثل هذه
الحالة لا يكون المكلَّف مسئولا عن
مقدّمات الواجب قبل تحقّق الفعليّة
للوجوب ومع تحقّق الفعليّة للوجوب
يكون المكلّف عاجزاً عن تحصيل مقدّمات
الواجب كما هو مقتضى الفرض .
وبتعبير أوضح : إنّ مقدّمات الواجب لا
يكون المكلَّف مسئولا عن تحصيلها إلاّ
بعد تحقّق الفعليّة للوجوب ، فلو
افترضنا المكلَّف يعلم بعدم قدرته على
تحصيل مقدّمات الواجب في حينه إلا انه
قادر قبل ذلك على تحصيل المقدّمات ،
فإنه في مثل هذه الحالة لا يكون
مسئولا عن تحصيل المقدّمات وإن كان
قادراً على تحصيلها ، وذلك لان وجوب
تحصيل مقدمات الواجب منوط بتحقّق
الفعليّة للوجوب والفعليّة منوطة
بتحقّق زمان الواجب وفي حال تحقّق
زمان الواجب يكون المكلَّف عاجزاً عن
تحصيل المقدّمات ، ومن هنا لا تكون
المقدّمات المفوتة واجبة التحصيل .
امَّا لو افترضنا ان زمان الوجوب يمكن
أن ينفك عن زمان الواجب ويتقدّم عليه
، فإنّه بتحقق الفعليّة للوجوب يكون
المكلَّف مسئولا عن تحصيل المقدّمات
ومنها المقدّمات المفوتة ، إذ ان وجوب
مقدّمات الواجب مترشّح عن فعليّة
الوجوب وهو حاصل بناءً على إمكان
الواجب المعلَّق ، فالمكلّف وإن كان
غير قادر على الإغتسال من الجنابة في
زمان الواجب « الفجر » إلاّ انّه قادر
عليه ليلا ولمّا كان زمان الوجوب يبدأ
من حين رؤية الهلال فهذا يقتضي
مسئوليّة المكلّف عن تحصيل كلّ
المقدّمات التي يتوقف عليها إمتثال
الواجب « الصوم » والتي منها الاغتسال
عن الجنابة .
وأمَّا الثمرة المترتبة على القول
باستحالة الواجب المعلّق فبناءً على
استحالة الشرط المتأخّر تكون فعليّة
الوجوب منوطة بتحقّق زمان الواجب ولا
يمكن أن تتقدّم الفعليّة على تحقّق
زمان الواجب . وبيان ذلك : انّه إذا
بنينا على استحالة تعلّق فعليّة الحكم
« الوجوب » على شرط متأخر فهذا يعني
استحالة كون زمان الواجب شرطاً
متأخراً لفعليّة الوجوب . ومن هنا
لابدَّ أن يكون شرطاً مقارناً للوجوب
فمتى ما تحقّق زمان الواجب تحقّقت
الفعليّة وقبل ذلك لا تكون هناك
فعليَّة للوجوب ، إذ انّ تحقّق
الفعليّة قبل تحقّق زمان الواجب يعني
إمكان أن يكون الحكم « الوجوب »
معلقاً على شرط متأخّر وقد افترضنا
استحالته ، ومن هنا لا يكون هناك ما
يُبرِّر وجوب تحصيل المقدّمات المفوتة
لأنَّه قبل تحقق زمان الواجب لا يكون
الوجوب فعليّاً فلا موجب حينئذ لتحصيل
مقدّمات الواجب وبعد تحقّق زمان
الفعليّة بتحقّق زمان الواجب يكون
المكلّف عاجزاً عن تحصيل المقدّمات .
وأمَّا بناءً على إمكان الشرط المتأخر
فلا محذور في إناطة الحكم بشرط متأخر
وهو زمان الواجب .
وتلاحظون هنا انّ فعليّة الوجوب تبقى
منوطة بتحقّق زمان الواجب ، غاية
مافي الأمر انّ زمان الواجب يكون
شرطاً متأخراً ، وهذا لا يسوّغ إمكان
الواجب المعلّق ، إذ انّ فعليّة الحكم
تبقى معلقة على زمان الواجب ، نعم
المقدّمات المفوتة بناءً على هذا
الفرض واجبة التحصيل لو اتّفق تحقّق
زمان الواجب بعد ذلك أمّا لو لم
يتحقّق زمان الواجب فإنّ ذلك يكشف عن
عدم وجوب المقدّمات المفوتة ، وذلك
لان عدم تحقّق زمان الواجب يعني عدم
تحقّقق الفعليّة للوجوب من أوّل الامر
فلا موجب لتحصيل مقدّمات الواجب ، إذ
انها مترشحة عن فعليّة الوجوب وهي غير
حاصلة لو اتّفق عدم تحقّق زمان الواجب
.
وهذا بخلاف مالو قلنا بإمكان الواجب
المعلَّق ، فإنَّ المقدّمات المفوتة
تكون واجبة التحصيل على أي حال سواءً
تحقّق زمان الواجب بعد ذلك أو لم
يتحقّق ، إذ انّ مقدّمات الواجب التي
منها المفوتة مترشحة عن فعليّة الوجوب
وهي غير منوطة بزمان الواجب فسواءً
اتّفق حصول زمان الواجب أو لم يتّفق
حصوله فالفعليّة للوجوب ثابتة .
وخلاصة الكلام : انّه بناءً على القول
باستحالة الواجب وإمكان الشرط المتأخر
يمكن أن يُناط الوجوب « المجعول »
بتحقّق زمان الواجب فيكون زمان الواجب
من شرائط الوجوب ، ففي المثال الذي
ذكرناه وهو وجوب الصوم في شهر رمضان
يكون منوطاً بشرطين :
الأوّل : هو رؤية الهلال ، وهذا الشرط
يوجب تحقّق فعليّة وجوب الصوم بمجرَّد
تحقّقه فيكون وجوب الصوم مزامناً
لتحقّق الرؤية للهلال .
الثاني : هو طلوع الفجر ، فالمكلّف
الذي رأى هلال شهر رمضان وكان ممّن
سيطلع عليه الفجر وهو قادر على الصيام
فوجوب الصوم يكون عليه فعلياً ، وبهذا
يكون مسئولا عن المقدّمات المفوّتة من
قبيل الغسل عن الجنابة .
أما من رأى الهلال إلا انه في علم
الله لن يُوفق لإدراك الفجر أو يُدركه
وهو عاجز عن الصوم فهذا ممّن لا تجب
عليه المقدّمات المفوّتة واقعاً ، إذ
ان عدم إدراك الفجر يكشف عن عدم تحقّق
فعليّة الوجوب للصوم من أوّل الأمر ،
وهذا يعني عدم وجوب المقدّمات المفوتة
، إذ انّها فرع تحقّقق الفعليَّة
لوجوب الصوم .
متى يجوز عقلا التعجيز
والغرض من عقد هذا البحث هو بيان
الموارد التي يحكم العقل فيها بجواز
تعجيز النفس عن إيجاد الواجب والموارد
التي يحكم العقل فيها بعدم جواز
التعجيز .
والمراد من تعجيز النفس هو ان يُوجِد
المكلَّف ما يُوجب إنسلاب قدرته عن
الإتيان بالمأمور به . والمراد من
القدرة الأعم من القدرة التكوينيّة
كأنْ يؤخر الآفاقي سفره الى مكة
المكرّمة الى حد لا يمكن معه أداء
مناسك الحج في وقتها ، إذ انّ أداء
مناسك الحج في ذي الحجة متوقف تكويناً
بالنسبة للآفاقي على السفر الى مكّة
المكرّمة قبل وقت أداء المناسك .
أو القدرة الشرعيّة والتي تعني القدرة
على الإتيان بالواجب مقترناً بالقيد
الشرعي ، ويمكن التمثيل له بمن يشرب
عمداً ما يُوجب التقيّء في نهار شهر
رمضان . أو يفعل ما يوجب فقدان الوعي
في تمام وقت الصلاة .
وباتّضاح ماذكرناه نقول : إنّ تعجيز
المكلَّف نفسه عن ايجاد الواجب يمكن
تصويره في موردين :
المورد الأوّل : أن يُوجِد المكلَّف
ما يُوجب تعجيز نفسه عن إيجاد الواجب
بعد تحقّق الفعليّة للوجوب ، وفي مثل
هذه الحالة لا إشكال في عدم جواز
تعجيز النفس عقلا ، وذلك لأنَّ
المكلَّف لمَّا كان مسئولا عن الإتيان
بالواجب فإن تعجيز النفس يساوق ترك
الواجب اختياراً ، وهذا هو معنى
المعصية والتي يحكم العقل بقبح صدورها
من العبد .
ومثال ذلك أن يشرب المكلَّف مايوجب
انسلاب وعيه في حالة يكون فيها وجوب
الصلاة فعليّاً كأن يشربه بعد الزوال
ويكون مفعوله مستمراً الى حين زوال
الحمرة المشرقيّة . أو أن يؤخر
الآفاقي المستطيع سفره الى مكّة
المكرّمة الى أن يتضيّق وقت أداء
فريضة الحج بحيث لا يتمكن تكويناً من
أداء فريضة الحج .
المورد الثاني : ان يُعجِّز المكلَّف
نفسه عن أداء الواجب ولكن قبل تحقّق
فعليّة الوجوب ، كما لو أحدث بالجنابة
اختياراً قبل طلوع الفجر وهو يعلم
بعدم قدرته على الاغتسال الى حين طلوع
الشمس .
وفي هذا المورد ذهب المصنِّف (رحمه
الله) الى جواز تعجيز النفس وذلك لعدم
وجود ما يُوجب التحفُّظ على القدرة
بعد افتراض عدم فعليّة الوجوب ، وأمّا
بعد تحقّق زمان الفعليّة للوجوب يكون
المكلَّف عاجزاً عن إيجاد الواجب ومع
عجزه يستحيل تكليفه لاستلزامه التكليف
بغير المقدور .
وتطبيق ماذكرناه على المثال انَّ
المكلَّف حينما أحدث بالجنابة لم يكن
هناك تكليف بالصلاة عن طهارة مائية ،
وذلك لانه أحدث بالجنابة قبل طلوع
الفجر أي قبل مخاطبته بالصلاة وبعد أن
طلع الفجر لم يكن قادراً على الإتيان
بالصلاة عن طهارة مائية ، وهذا ما
يستوجب عدم إمكان تكليفه بالصلاة عن
طهارة مائية لاستحالة تكليف العاجز ،
فالمكلَّف وإن كان هو الذي منع عن
تحقّق الفعليّة للوجوب إلاّ انّ ذلك
غير ضائر بعد ان كانت الفعليَّة منوطة
بزمان لم يكن متحقّقاً حين التعجيز
فلم تصدر من المكلَّف معصية ، إذ انّ
المعصية هي مخالفة التكليف ولم يكن
تكليف حينما عجّز نفسه .
وبهذا اتَّضح جواز تعجيز النفس عن
ايجاد الواجب إذا لم تكن الفعليّة قد
تحقّقت ، إلاّ انه يمكن ان يُقال في
مثل هذا المورد بالتفصيل بين التكليف
الذي تكون مبادؤه مختصّة بظرف القدرة
أي انّ القدرة شرط شرعي له وبين
التكليف الذي لا تكون مبادؤه مختصة
بظرف القدرة أي انّ القدرة شرط عقلي
له فإنه في الاول يجوز تعجيز النفس عن
ايجاد الواجب قبل تحقّق الفعليّة وفي
الثاني لا يجوز . وبيان ذلك :
اننا ذكرنا في بحث استحالة التكليف
بغير المقدور ان مبادئ التكليف لا
تكون دائماً منوطة بالقدرة فقد تكون
المصلحة والمحبوبيّة ثابتة للفعل في
ظرف عدم القدرة كما في إنقاذ المؤمن
من الغرق فإنّه واجد للمصلحة
والمحبوبيّة حتى وإن كان المكلَّف
عاجزاً عن إنقاذه ، وفي مثل هذه
الحالة تكون القدرّة ـ المعتبرة في
تحقّق الفعليّة للتكليف ـ عقليّة ، إذ
انّ المقتضي لتحقّق الفعليّة للتكليف
موجود « الملاك والإرادة » إلاّ ان
الذي سبَّب المنع عن تحقّق الفعليّة
هو عجز المكلّف والذي هو موضوع لحكم
العقل باستحالة التكليف .
وفي الحالة الثانية تكون فيها المصلحة
والمحبوبيّة منوطة بالقدرة فلا مصلحة
ولا محبوبيّة للفعل في ظرف عدم القدرة
، وفي مثل هذه الحالة تكون القدرة ـ
المعتبرة في تحقّق الفعليّة للتكليف ـ
شرعيّة ، وذلك لأنَّ المقتضي للتكليف
في ظرف عدم القدرة منتف ، وهذا ما
أوجب التعبير عن القدرة المعتبرة في
فعليّة التكليف بالقدرة الشرعيّة
لتتميّز عن القدرة المُعبّر عنها
بالعقليّة . ومع إتضاح هذه المقدّمة
نقول :
انّه يجوز للمكلَّف أن يعجِّز نفسه عن
إيجاد الواجب قبل تحقّق الفعليّة
للوجوب إذا كان الوجوب منوطاً بالقدرة
الشرعيّة ، إذ انّه في مثل هذه الحالة
لا تكون هناك مصلحة فائتة ، وذلك
لأنَّ المصلحة في هذا الفرض
منوطة بالقدرة ، وبتعجيز المكلَّف
نفسه تكون المصلحة منتفية عن الفعل
فلا يلزم من منع المكلّف عن تحقّق
الفعليّة للتكليف تفويت المصلحة
على المولى.
وهذا بخلاف ما إذا كان الوجوب منوطاً
بالقدرة العقليّة فإنّه لا يجوز
للمكلَّف تعجيز نفسه عن إيجاد الواجب
، إذ انّ المصلحة تبقى منحفظة في ظرف
عدم القدرة ، وهذا يعني انّ المصلحة
تفوت بتعجيز المكلَّف لنفسه ، والعقل
يحكم بقبح تفويت ملاكات المولى .
وبتعبير آخر : انّ مبادئ الحكم إذا
كانت ثابتة في حال عدم القدرة فإنَّ
ذلك يقتضي فواتها بسبب استحالة
التكليف بغير المقدور ، فإذا كان
العجز ناشئاً عن ظروف قاهرة فالمكلّف
معذور في عدم تحصيل مبادئ الحكم
والمحافظة على ملاكات المولى ، أمَّا
إذا كان منشأ العجز هو المكلّف نفسه
فهذا يعني انّه سبَّبب في فوات ملاكات
المولى وهو قبيح عقلا .
وبهذا يثبت عدم جواز تعجيز النفس عن
ايجاد الواجب قبل تحقّق الفعليَّة
للوجوب إذا كان الوجوب مشروطاً
بالقدرة العقليَّة أي اذا كانت
المصلحة ثابتة حتى في ظرف عدم القدرّة
، ويترتَّب على هذا التفصيل وجوب
المقدّمات المفوتة إذا كان التكليف
الموجب لها من قبيل التكاليف المشروطة
بالقدرة العقليّة بخلاف مالو كان
التكليف من قبيل التكاليف المشروطة
بالقدرة الشرعيّة .
وذلك لان التكاليف المشروطة بالقدرة
العقليّة تكون المبادئ فيها محفوظة
حتى في ظرف عدم القدرة ، فعدم تحصيل
المقدّمات المفوتة يعني التسبيب في
فوات تلك المبادئ والذي هو قبيح عقلا
، أمّا التكاليف المشروطة بالقدرة
الشرعيّة فلمّا لم تكن مبادؤها ثابتة
في ظرف العجز ، فعدم تحصيل المقدّمات
المفوّتة لا يلزم منه تفويت ملاكات
المولى لعدمها في ظرف العجز .
أخذ العلم بالحكم في موضوع الحكم
استحالة اختصاص الحكم بالعالم به :
ذكرنا في بحث القطع الطريقي والقطع
الموضوعي انّ موضوع كلّ حكم يقع
دائماً في رتبة متقدّمة على ترتُّب
الحكم ، فما لم يتنقح الموضوع
ويتقرَّر يكون ترتُّب الحكم مستحيلا ،
وبهذا يكون الموضوع مولِّداً للحكم .
وذكرنا أيضاً انَّ الموضوع ليس له دور
الكشف عن الحكم وانَّما الكاشف عن
الحكم هو الأدلّة الإثباتيّة فهي التي
تكشف عن ثبوت الحكم لموضوعه وبهذا
تكون الأدلّة الإثباتيّة متأخرة عن
ثبوت الحكم لموضوعه في نفس الأمر
والواقع فما لم يكن هناك منكشف فأيُّ
شيء تكشف عنه الأدلّة الإثباتية .
وباتّضاح هذه المقدّمة نقول : انَّه
وقع البحث عن إمكان أو استحالة أخذ
العلم بالحكم في موضوع نفس ذلك الحكم
أي جعل العلم بالحكم جزءً لموضوع نفس
ذلك الحكم ، وذلك بأن يجعل المولى
حكماً على نهج القضيّة الحقيقيّة
ويكون موضوع تلك القضيّة المقدّر
مشتملا على العلم بنفس الحكم المُنشأ
في القضيّة نفسها ، مثلا لو قال
المولى « الخمر حين العلم بحرمته حرام
» فالحكم المُنشأ بواسطة هذه القضيّة
هو « الحرمة » وموضوع هذا الحكم مركّب
من جزءين الاول هو الخمر والثاني هو
العلم بحرمته أي العلم بحكم الخمر ،
وبهذا يكون العلم بالحرمة المأخوذ في
موضوع القضيّة قيداً من قيود الحكم «
الحرمة » ومن هنا اُدعي استحالة أخذ
العلم بالحكم في موضوع نفس ذلك الحكم
، وذلك لاستلزامه الدور المحال ، إذ
انّ الحكم في هذه القضيّة قد توقف على
نفسه .
وبيان ذلك :
اننا قد ذكرنا فيما سبق انَّ فعليّة
الحكم « المجعول » منوطة بتحقّق قيوده
خارجاً ، فقيود الحكم تقع في رتبة
العلّة لفعليَّة الحكم ، وإذا كان
كذلك فلابدَّ من تقدمها على الحكم
ويكون الحكم متأخراً عنها تأخر
المعلول عن علّته .
فإذا افترضنا ان العلم بالحكم هو من
قيود الحكم فهذا يقتضي توقّف الحكم
على تحقّق العلم بالحكم خارجاً كما هو
الحال في سائر قيود الحكم .
ومن الواضح انّ العلم بالحكم مستحيل
مالم يكن الحكم ثابتاً في مرتبة سابقة
، وذلك لأنَّ العلم كاشف فهو متفرع عن
وجود المنكَشف « الحكم » ، فالعلم
بالحكم في الوقت الذي يكون فيه قيداً
وعلة لثبوت الحكم يكون معلولا لثبوت
الحكم .
إذن فالحكم علّة العلم بالحكم ـ إذ
لولاه لتعذَّر العلم ـ والعلم بالحكم
علَّة لتحقّق الحكم ، وبهذا يكون
الحكم علّة لثبوت نفسه ومعلولا لنفسه
.
أمَّا انَّه علَّةٌ لثبوت نفسه فلانه
علَّة للعلم الذي هو علة لثبوت
الحكم ، وأمّا انه معلول لنفسه
فلانَّه معلول للعلم بالحكم وإذا كان
معلولا للعلم بالحكم فهو معلول للحكم
، إذ انَّ العلم بالحكم « الكاشف »
معلول للحكم « المُنكَشف » .
ولمزيد من التوضيح نطبِّق ماذكرناه
على المثال السابق : إنَّ أخذ العلم
بحرمة الخمر في موضوع حرمة الخمر يعني
انّ العلم بحرمة الخمر قيد لحرمة
الخمر وإذا كان كذلك فتحقّق فعليّة
الحرمة للخمر منوط بتحقّق العلم بحرمة
الخمر ، إذ انَّ هذا هو مقتضى قيديّة
العلم بالحرمة للحكم « الحرمة » ،
فثبوت الفعليّة لحرمة الخمر إذن
متوقفة على تحقّقق العلم بحرمة الخمر
ولمّا كان العلم بالحرمة متوقفاً على
تقرُّر الحرمة وثبوتها في مرحلة سابقة
فهذا يقتضي انّ ثبوت الحرمة متوقف على
العلم بالحرمة والعلم بالحرمة متوقف
على ثبوت الحرمة ، وهذا يعني توقّف
حرمة الخمر على حرمة الخمر .
إذ انّ الحرمة للخمر متوقفة على العلم
بالحرمة لانها اُخذت قيداً للحرمة
ولمّا كان العلم بالحرمة منوطاً بثبوت
الحرمة فهذا يعني توقف العلم بالحرمة
على الحرمة المتوقّفة على العلم بها .
وبهذا يثبت انّ أخذ العلم بالحكم في
موضوع نفس ذلك الحكم يلزم منه الدور
المحال .
الجواب على دعوى الدور :
ذكر المصنِّف (رحمه الله) جوابين على
دعوى الدور :
الجواب الأوّل :
انّه وان كنَّا نسلِّم بتوقف فعلية
الحكم على تحقّق قيوده خارجاً
وبالتالي تكون فعليّة الحكم متوقفة
على العلم بالحكم إلاّ انّه لا نسلِّم
بتوقف العلم بالحكم على الحكم ، وذلك
لانّ العلم بالحكم ليس معلولا للحكم
بل انّه معلول لما يحضر من
صورة المعلوم في ذهن العالم به .
وبتعبير آخر : انَّ علّة العلم ليس هو
الثابت في نفس الأمر والواقع وإلاّ
لكان كلُّ علم مطابقاً للواقع ، إذ
انّه إذا كان علة العلم هو الثابت في
الواقع فهذا يقتضي أن لا علم ظرف عدم
الثبوت في الواقع ، وذلك لأنَّ انتفاء
الثبوت يعني انتفاء علة العلم ، وكيف
يكون هناك معلول « العلم » مع انتفاء
علّته ؟!
وهذا خلاف ما نجده من أن العلم قد
يكون موجوداً ولا يكون معلومه ثابتاً
في الواقع ممّا يُعبِّر عن انّ العلم
ليس معلولا لما هو الثابت واقعاً
والاّ لزم أن ينشأ المعلول عن غير
علته أو من غير علّة وهو محال كما هو
واضح .
وبهذا يثبت عدم توقف العلم بالحكم على
الحكم نفسه ، وانّما هو متوقّف على
الصورة الحاضرة في الذهن وهي المعلوم
بالذات ، ومنشأ كون المُدرَك الذهني
هو المعلوم بالذات أن العلم هو الرؤية
، والمرئي للعالم حقيقة هو الصورة
الذهنيّة .
والمقصود من كون المُدرَك الذهني هو
المعلوم بالذات يتّضح من هذا البيان :
وهو انّ العلم عبارة ثانية عن رؤية
المعلوم ، فالمرئي للعالم حقيقة هو
الصورة الذهنيّة الحاضرة في نفس
العالم بها ، فحينما نُدرك معنى النار
لا يكون واقع النار هو الحاضر في
الذهن وانَّما الذي يحضر في الذهن هو
صورة النار فهي المعلوم أولا وبالذات
لأنَّها هي عين المُدرك في الذهن ،
فتكون النار الخارجيّة معلومة لنا
بالتبع أي بواسطة الصورة الذهنيّة
والتي هي عين المعلوم .
ويمكن تنظير ذلك بالمرآة إذ انّ
المرئي بواسطة المرآة هي الصورة وليس
هو الوجود الخارجي ، نعم الصورة
المرئيّة بواسطة المرآة تكون كاشفة عن
الوجود الخارجي ، فصورة وجه زيد هي
المرئية بواسطة المرآة أولا وبالذات
ووجه زيد الخارجي انّما انكشف لنا
بواسطة الصورة ، وهذا يعني انّ المرآة
كشفت عن وجه زيد الخارجي بالتبع
وبالعرض .
وبهذا يتّضح انّ العلم بالحكم معلول
للصورة الذهنيّة للحكم وليس هو معلولا
لواقع الحكم ، فقد لا يكون هناك حكم
في الواقع فكيف يكون علَّة وهو عدم ،
وهذا بخلاف الصورة الذهنيّة فإنّها
تكون ثابتة في ظرف العلم ، وبهذا تسقط
دعوى الدور لبطلان دعوى توقف العلم
بالحكم على نفس الحكم أي واقع الحكم .
والإشكال على هذا الجواب : هو انَّه
وان كانت كبراه مسلَّمة إلاّ انّه لا
ينفع في دفع غائلة الدور ، وذلك
لأنَّه لا ريب في انّ العلم ليس له
إلاّ دور الكاشفيّة عن متعلقه «
المعلوم » وأخذ العلم بالحكم في موضوع
نفس ذلك الحكم يعني انّ العلم صار له
دور توليد الحكم ، إذ انّ الموضوع ـ
كما قلنا ـ يولِّد الحكم .
وبعبارة اخرى : انّه لمّا كان العلم
بالحكم جزءً لموضوع نفس الحكم فهذا
يعني انّ العلم بالحكم ساهم في ايجاد
الحكم ، والحال انّ العلم ليس له إلاّ
دور الكشف عن الحكم وهذا ما يقتضي
تأخّره عن الحكم الذي يكشف عنه ، فما
ينبغي أن يكون متأخراً صار متقدّماً
ومولِّداً وهذا غير معقول ، إذ كيف
يكون الكاشف مولِّداً لمنكَشَفه الذي
من المفترض أن يكون متقدماً في وجوده
عليه ، فهل من المعقول انَّ المرآة
تُوجد ما تكشف عنه والحال انّ
كاشفيّتها عنه تقتضي تقرُّر
المُنكَشَف في رتبة سابقة على
الكاشفيّة .
الجواب الثاني :
انّ استحالة أخذ العلم بالحكم في
موضوع نفس ذلك الحكم انّما هي في حالة
كون الحكم في رتبة الموضوع هو عين
الحكم في رتبة المحمول أمّا لو كان
الحكم في الموضوع مغايراً للحكم في
رتبة المحمول فلا استحالة ، إذ لا دور
. وبيان ذلك :
إنّ الحكم المأخوذ في الموضوع هو
الحكم الإنشائي « الجعل » والحكم
المنوط بالعلم بالحكم هو الحكم
المجعول ، والذي يعني الفعليَّة للحكم
، ولا يلزم من ذلك الدور ، إذ انَّ
الذي توقف عليه الحكم المجعول هو
الحكم الإنشائي والذي هو الجعل
فالمتوقّف غير المتوقّف عليه .
وبتعبير آخر : انّه يمكن التفصِّي عن
إشكال الدور بدعوى انّ الذي وقع قيداً
لفعليّة الحكم هو الحكم الإنشائي ،
فالقيد هو العلم بالحكم الإنشائي
والمقيَّد هو الحكم الفعلي « المجعول
» ، ومن الواضح انّ العلم بالحكم
الإنشائي « الجعل » لا يتوقف على
تحقّق الفعليّة للحكم ، فكأنّما
المولى قال « إذا علمت انّ الخمر قد
جُعلت له الحرمة فإنّه الحرمة تكون
بذلك فعليّة » فكما ان تحقّق الزوال
والإستطاعة موجب لتحقّق فعليّة الوجوب
للصلاة والحجّ فكذلك عندما يتحقّق
العلم بجعل الحرمة على الخمر فإنّ ذلك
موجب لتحقّق الفعليّة للحرمة . وليس
في ذلك دور ، إذ انّ المقيد وهو الحكم
المجعول غير القيد « الجعل » .
الثمرة المترتّبة على القول
بالإستحالة :
والثمرة المترتّبة على القول باستحالة
أخذ العلم بالحكم في موضوع نفس العلم
مرتبطة بما هو المبنى في نحو العلاقة
بين الإطلاق والتقييد ، فبناءً على
القول بأن العلاقة بينهما ـ في نفس
الامر والواقع ـ هي علاقة التناقض وأن
التقييد هو لحاظ القيد والإطلاق هو
عدم لحاظ القيد . فالاطلاق في حالة
يكون التقييد متسحيلا هو المتعيّن ،
فحيث أنَّ أخذ العلم بالحكم قيداً
للحكم مستحيل فهذا يقتضي إطلاق الحكم
وعدم تقيَّده بهذا القيد الذي يستحيل
اعتباره .
وأمَّا بناءً على القول بأن نحو
العلاقة بين الإطلاق والتقييد هي
علاقة العدم والملكة ـ فالاطلاق هو
عدم التقييد في مورد يمكن فيه التقييد
والملكة هي التقييد ـ فإنَّ تحقّق
الإطلاق في حالة يكون التقييد مستحيلا
متعذِّر .
وبعبارة اُخرى : انّه لمّا كان البناء
على انَّ الإطلاق هو عدم التقييد في
حالة يمكن فيها التقي