الدليل
العقلي
1 ـ إثبات القضايا العقلية .
2 ـ حجّية الدليل العقلي .
تمهيد
ونبيِّن في هذا التمهيد المراد من
الدليل العقلي ، وكيفية إثباته للحكم
الشرعي ، وأيّ الأقسام من القضايا
العقلية تُبحث في علم الاُصول ،
وأيّها التي لا تُبحث في علم الاُصول
، فنقول :
أمّا ما هو المراد من الدليل العقلي
في اصطلاح الاُصوليّين فهوكل قضية
يكون إثبات محمولها لموضوعها بواسطة
المدركات العقلية بحيث تتأهل تلك
القضية بعد ذلك لانْ تكون لها صلاحيّه
إثبات حكم شرعي أو نفي حكم شرعي .
فالقضية المدركة بالعقل هي المعبَّر
عنها بالدليل العقلي ، فمثلا « الظلم
قبيح » قضية ثبت فيها حكم لموضوع ،
وهذا الثبوت نشأ عن إدراك العقل ، فهي
إذن قضية عقلية ، وانَّما سُميّت «
دليلا » باعتبارها صالحة للكشف عن حكم
شرعي أو المساهمة في الكشف عن الحكم
الشرعي ، فدليلية هذه القضية العقلية
باعتبار توسطها في إثبات حكم شرعي .
ومن أجل أن يتّضح ما هو المراد من
الدليل العقلي أكثر لابدَّ من بيان
امور :
الأمر الأول : انّ المراد من
المُدركات العقليّة في اصطلاح
الاُصوليّين هو ما يدركه العقل
ويستقرُّ عليه بنحو الجزم دون أن يكون
منشأ ذلك الإدراك هو الكتاب والسنة .
ثم انّه لا فرق بين مُدركات العقل
النظري او مدركات العقل العملي من حيث
دخولهما في المقصود وأن كل قضية
اُدركت بواسطة العقل النظري أو العقل
العملي إذا كانت صالحة لان يُستنبط
منها حكم شرعي أو نفي حكم شرعي ، فهي
داخلة تحت عنوان الدليل العقلي
باصطلاح الاُصوليّين .
ومثال ما يثبت بواسطة العقل النظري
الإستلزامات العقلية ، كاستلزام وجوب
شيء لحرمة ضدِّه ، واستلزام وجوب شيء
لوجوب مقدّمته ; فإنَّ إدراك العقل
لذلك هو إدراك لواقع الملازمة دون أن
يكون لهذا الإدراك تأثير عملي مباشر ،
أي انَّ إدراك العقل لواقع الملازمة
ليس له أيُّ انعكاس واقتضاء للعمل على
طبق ما يقتضيه ذلك المدرك ابتداءً ،
نعم قد يؤثّر هذا المُدرك النظري
عمليّاً إذا انضمت اليه مقدمة اخرى .
فمثلا إدراك العقل النظري للملازمة
بين وجوب شيء وحرمة ضدِّه هو إدراك
لكون الوجوب علّة لثبوت حرمة الضد
واقعاً ، وهذا لا يدعو ولا يستوجب
موقفاً عمليّاً مطابقاً لما هو مقتضى
ذلك الإدراك ، نعم هو يُساهم في
التأثير العملي إذا ضممنا اليه مقدمة
اُخرى ، وهي قيام الدليل الشرعي على
وجوب الصلاة مثلا ، فيثبت بذلك حرمة
الضد للصلاة ، وهذه النتيجة تستوجب
موقفاً عمليّاً مطابقاً لها .
وتلاحظ انّ المدرك بالعقل النظري هنا
قد استوجب موقفاً عمليّاً ، ولكن
بواسطة انضمام مقدمة اُخرى اليه .
ومثال ما يثبت بواسطة العقل العملي
المستقلات العقلية ، مثل إدراك العقل
لقبح الظلم وحسن العدل ، فإنّ هذا
الإدراك يستتبع موقفاً عمليّاً
مطابقاً لمقتضاه دون الحاجة الى توسّط
مقدمة اخرى ، كما هو الحال فيما يُدرك
بالعقل النظري .
الأمر الثاني : إنّ المدركات العقلية
التي هي محلُّ البحث في علم الاصول هي
المدركات التي يمكن أن يُستفاد منها
استكشاف حكم شرعي أو نفي حكم شرعي ،
فهي إذن المدركات التي تكون في عرض
الكتاب والسنة ، والتي يكون لها نفس
الدور الثابت للكتاب والسنة ، وهو
الدليلية والكاشفية عن الأحكام
الشرعيّة ، وبهذا يتّضح خروج نحوين من
المدركات العقلية عن بحث الاُصول .
النحو الأول : وهو المدركات العقلية
التي تثبت بها حجية الكتاب والسنة ،
فإنّ هذا النحو من المدركات ليست في
رتبة الكتاب والسنة ، بل هي الموجبة
لحجّيتهما ، إذ انّ ثبوت الحجيّة لهما
لا يمكن أن يثبت بواسطة نفس الكتاب
والسنة وإلا لزم الدور المستحيل ، كما
انَّ الإعتقاد بصدق الكتاب والسنة من
الاُصول الإعتقادية التي لا يُكتفى
فيها بالظن ، فلا سبيل للعلم بحجّتهما
إلا الادلة العقلية القطعية ، وهذه
الأدلة العقلية ليست محلا للبحث ولم
تقع محلا للنزاع .
النحو الثاني : وهو المدركات العقلية
الواقعة في رتبة معلولات الأحكام
الشرعية أي انّها متأخّرة عن الحكم
الشرعي ويكون الحكم الشرعي بمثابة
العلة لوجودها ، فلولا تقرُّر الحكم
الشرعي في رتبة سابقة لما كان لذلك
الإدراك وجود .
ومثاله إدراك العقل لحسن الطاعة وقبح
المعصية ، فإنّ هذا الإدراك مترتِّب
على وجود أوامر للمولى ، إذ انَّ
العقل لا يحكم بحسن الطاعة وقبح
المعصية لو لم تكن أوامر للمولى ، فلو
قطع العبد بعدم وجود تكليف إلزامي
تجاه فعل معيّن فهنا لا يحكم العقل
بحسن الطاعة وقبح المعصية ، إذ انّ
موضوع حكم العقل بذلك هو وصول التكليف
الإلزامي للمكلَّف وقد افترضنا عدمه .
ومع اتّضاح هذا النحو من المدركات
العقليّة يتّضح خروجه عن محلّ البحث
إذ انّ البحث الاصولي مختصّ بالمدركات
العقلية الواقعة في رتبة الكتاب
والسنة والتي يمكن أن يُستنبط منها
حكم شرعي ، لا المدركات التي تثبت بعد
تقرُّر الحكم الشرعي .
الأمر الثالث : إنَّ الدليل العقلي
تارة يكون واسطة في إثبات حكم شرعي
واخرى يكون واسطة في نفي حكم شرعي دون
أن تكون له صلاحيّة لإثبات حكم آخر .
ومثال الأول : إدراك العقل لملاك
الحكم وانَّه المصلحة التامة المقتضية
لترتُّب الحكم مع افتراض عدم وجود
المانع من تأثير تلك المصلحة أثرها في
ترتّب الحكم ، فحينئذ يكون هذا
الإدراك موجباً لثبوت الحكم الشرعي
بنحو الدليل اللمي الكاشف عن ثبوت
المعلول بواسطة ثبوت العلّة .
ومثال الثاني : إدراك العقل لإستحالة
اجتماع الأمر والنهي ، أو إدراكه
لاستحالة اجتماع حكمين متضادين ، فإنّ
إدراك العقل للإستحالة يُوجب إدراكه
لنفي حكم شرعي يلزم من ثبوته المحال ،
فلو قطع المكلف مثلا بحرمة شرب الخمر
فإنّ العقل هنا ينفي الحليَّة الشرعية
عن شرب الخمر ، وذلك لإدراكه استحالة
اجتماع حكمين متضادين على موضوع واحد
.
الأمر الرابع : إنَّ دليليَّة الدليل
العقلي منوط بتحقق مقدّمتين تكون
احداهما صغرى والاُخرى كبرى ، لقياس
نتيجته دليليَّة الدليل العقلي ، وذلك
بواسطة ثبوت الحد الاكبر ـ والذي هو
الحجية ـ للاصغر وهو متعلّق المدرك
العقلي .
فدليليَّة الصغرى باعتبار وقوعها صغرى
لقياس نتيجته دليليَّة الدليل العقلي
، ودليليَّة الكبرى باعتبار وقوعها
كبرى لقياس نتيجته دليليَّة الدليل
العقلي .
فالصغرى وحدها ليست كافية لإثبات
الدليليَّة إذا لم تنضم اليها الكبرى
، وهي حجية الدليل العقلي ، كما انّ
الكبرى وحدها ليست كافية لإثبات
دليليَّة الدليل العقلي ، إذا لم تنضم
اليها الصغرى ، وذلك لانعدام موضوع
دليليَّة الدليل العقلي ـ الذي هو
نتيجة القياس ـ إذ الصغرى مشتملة على
موضوع النتيجة ـ وهو الحد الأصغر ـ
كما انَّ الكبرى مشتملة على محمول
النتيجة ـ وهو الحد الأكبر ـ وهذا هو
الذي يقتضي ركنيَّة الصغرى والكبرى
لإثبات دليليَّة الدليل العقلي ،
والذي هو نتيجة القياس المثبت
لدليليَّة الدليل العقلي ، ولتوضيح
المطلب نذكر هذا المثال :
* العقل يحكم بوجوب مقدمة الواجب *
وكلُّ ما حكم به العقل فهو حجّة * إذن
: وجوب مقدمة الواجب حجّة .
وتلاحظون انّ الصغرى ساهمت في النتيجة
كما ان الكبرى ساهمت أيضاً في النتيجة
، ومن هنا عبَّرنا عن القضايا العقلية
الصغروية كما عبَّرنا عن الكبرى
بالدليل العقلي .
وتُلاحظون أيضاً انّ نتيجة هذا القياس
هو دليليّة الدليل العقلي ، إذ انّ
انّ الدليلية تعبير آخر عن الحجية
والتي هي محمول النتيجة والحد الأكبر
للكبرى ، كما انّ الدليل العقلي تعبير
آخر عن الحد الأصغر والذي و متعلّق
المدرك العقلي ، وفي المثال « وجوب
مقدمة الواجب » .
ومع اتّضاح ذلك نقول انّ البحث
الصغروي بحث عن ان العقل هل حقاً
يُدرك هذه القضية ؟
وبتعبير آخر : البحث الصغروي بحث عن
الأدلّة على إثبات ان العقل يُدرك هذه
القضية أو لا يُدركها ، فمثلا نبحث في
البحث الصغروي عن أن حسن العدل وقبح
الظلم هل هو من مدركات العقل أو ليس
هو من مدركات العقل وما هو الدليل على
ذلك .
وأما البحث الكبروي فهو متأخر عن
إثبات القضايا العقلية ، وأن العقل
فعلا يُدرك صحة هذه القضية ، فإذا ثبت
انّ العقل يُدرك صحة قضية من القضايا
، نبحث بعد ذلك عن أن ما أدركه العقل
هل هو حجة أو لا ؟ اذْ انَّ ادراك
العقل لقضية من القضايا لا يُنهي
البحث ولا يُثبت الدليليّة لما أدركه
العقل بل اننا نحتاج الى إثبات حجية
ما يدركه العقل ، فإذا ثبت انَّ ما
يدركه العقل حجَّة فحينئذ تثبت
دليليَّة الدليل العقلي .
إنقسام القضايا العقلية الى قسمين :
القسم الاول : القضايا العقلية التي
لو تمّت لأمكن الإستفادة منها
لإستنباط كثير من الأحكام الشرعية في
مختلف الأبواب الفقهيّة ، وذلك مثل
ادراك العقل لاستحالة التكليف بغير
المقدور ، ومثل إدراك العقل للملازمة
بين وجوب شيء ووجوب مقدّمته ، أو وجوب
شيء وحرمة ضدّه أو إدراكه للملازمة
بين ما يحكم به العقل وما يحكم به
الشرع ، وكذلك إدراكه لحجية المدركات
العقلية القطعية ، فإنَّ مثل هذه
القضايا لو افترض تماميّتها لأمكن
الإستفادة منها لإستنباط كثير من
الأحكام الشرعية ، فمثل إدراك العقل
لاستحالة التكليف بغير المقدور يمكن
أن يستفاد منه لنفي كل تكليف يلزم من
ثبوته التكليف بغير المقدور ، كما
يمكن أن يُساهم هذا المُدرك العقلي في
إثبات شرطية القدرة في كلّ التكاليف
التي ثبت ان المكلّف مسؤول عن
امتثالها .
وهذا ما يجعل مثل هذه القضايا عناصر
مشتركة في الإستنباط .
القسم الثاني : القضايا العقليّه التي
لو تمّت لما أمكن الإستفادة منها إلا
في موردها ، فهي وإن كانت صالحة لأن
يُستنبط منها حكم شرعي إلا انَّ هذه
الصلاحية غير مطّردة ، فيكون وِزان
هذه القضايا وِزان بحث مسألة الصعيد
والكُر أو أنّ هذه الرواية معتبرة
سنداً ، فكما انَّ إثبات اعتبار
رواية ما لا يُساهم إلا في الكشف عن
الحكم الشرعي المختص بموردها ، فكذلك
هذا النحو من القضايا العقلية .
ويمكن التمثيل لهذه القضايا بما
يُدركه العقل من قبح ضرب اليتيم
تشفيّاً ، فإنَّ هذه القضية وإن كانت
تصلح للكشف عن حكم شرعي وهو حرمة ضرب
اليتيم شرعاً إلا أنها لا تصلح للكشف
عن أحكام شرعية اُخرى لا تتصل بموردها
.
وكذلك يمكن التمثيل بما يُدركه العقل
من حرمة فعل اعتماداً على ما ثبت عن
الشارع من ثبوت نفس ذلك الحكم لموضوع
آخر .
ومنشأ ذلك الإدراك هو العلم باتحاد
الموضوعين في علّة الحكم ، فلو ثبت عن
الشارع حرمة أكل التراب وذلك لكونه
مضرّاً فإنّ العقل بذلك يُدرك حرمة
أكل السم .
ومنشأ إدراك العقل لحرمة أكل السم هو
العلم باتّحاد التراب والسم في علَّه
الحكم ، فما أدركه العقل من حرمة أكل
السم يصلح للكشف عن حكم شرعي وهو حرمة
أكل السم شرعاً ، وهذا المقدار هو
الذي تكشف عنه هذه القضية العقلية ،
أي أنّها لا تصلح للكشف عن أكثر من
موردها .
وهنا أمر لابدَّ من التنبيه عليه ،
وهو انّ هذه القضية العقليَّة نشأت عن
قضية عقلية اخرى ، وهي قياس المساواة
وليست هي المقصودة في المثال ، إذ انّ
قياس المساواة من القضايا العقلية
التي يمكن الاستفادة منها في استنباط
كثير من الأحكام الشرعية ، فهي اذن من
العناصر المشتركة .
والمراد من قياس المساواة هي إدراك
العقل بترتُّب الحكم الثابت شرعاً
لموضوع على كل الموضوعات المشتملة على
علَّة ذلك الحكم ، فلو ثبت عن الشارع
حرمة شرب الخمر وثبت بأي وسيلة من
وسائل الإثبات انّ علة ثبوت الحرمة
للخمر هي الإسكار ، فإنّ العقل يُدرك
عندئذ انَّ كلَّ موضوع اشتمل على نفس
العلة فهو حرام .
وتلاحظون انّ هذه القضية العقلية تصلح
لأن يُستنبط منها كثير من الأحكام
الشرعيّة في مختلف الأبواب الفقهيّة .
وتلاحظون أيضاً انّ منشأ القضية
العقلية القاضية بحرمة السم هي من
صغريات قياس المساواة ، فحرمة أكل
السم قضية عقلية إلا انها عنصر مختص ،
وقياس المساواة قضية عقلية إلا انّها
عنصر مشترك .
ومع اتضاح ما تنقسم عليه القضايا
العقلية يتَّضح ما هو الداخل منها في
علم الاُصول ، وما هو الخارج عن بحث
علم الاُصول ، فإنّه لمّا كانت ضابطة
المسألة الاُصوليّة هي كل دليل يُمكن
أن يقع في طريق استنباط كثير من
الأحكام الشرعية في مختلف الأبواب
الفقهيّة ، فهذا يقتضي أن يكون القسم
الأول من القضايا العقلية داخلا في
البحث الاُصولي ، غاية ما في الأمر
إنَّ بعض القضايا تُبحث على أساس
انّها صغرى لدليلية الدليل العقلي ،
والبحث الآخر ـ وهو حجية الدليل
العقلي ـ تبحث على أساس انّها كبرى
لدليليَّة الدليل العقلي ، فيكون مسار
البحث في الصغرى هو البحث عن إدراك
العقل لقضية من القضايا وعدم إدراكه
وما هو المصحّح لهذا المدرك العقلي ،
ويكون البحث عن الكبرى بحثاً عن أن
مدركات العقل هل هي حجة أو لا ، وما
هو الدليل على حجيّتها .
فمثلا نبحث في علم الاُصول عن إدراك
العقل للملازمة بين حكم العقل وحكم
الشرع ، وما هو المصحّح لهذه القضية
العقلية ، وهذا بحث صغروي ، ونبحث
أيضاً عن حجيّة هذه القضية العقلية ،
وهل انّها صالحة للكشف عن الحكم
الشرعي ، وهذا هو البحث الكبروي .
اما القسم الثاني من القضايا العقلية
، فلمّا لم تكن عنصراً مشتركاً ، فهذا
يقتضي خروجها عن البحث الاُصولي ،
ويتم بحثها في علم الفقه نظير البحث
عن مسألة الصعيد ومسألة الكُر ، نعم
البحث الكبروي وهو البحث عن حجية هذا
النحو من القضايا العقلية داخل في
البحث الاُصولي ، وذلك لانَّ الكبرى
من القضايا العقلية الصالحة لأن
يُستنبط منها احكام شرعية من مختلف
الأبواب الفقهيّة ، إذن البحث الكبروي
بحث اصولي على أيّ حال .
ثم انّ هنا أمراً لابدَّ من التنبيه
عليه وهو انّ القضايا المدركة بالعقل
تارة تكون قطعيّة واخرى تكون ظنّيّة ،
والتي نحتاج للبحث عن حجيّتها هي
القضايا العقلية الظنية ، امَّا
القضايا العقليّة القطعية ، فيكفي في
إثبات حجّيتها ما تقدم من انَّ القطع
حجة بذاته ويستحيل المنع عن حجّيته .
ولتوضيح المطلب أكثر نقول : انَّ
محلَّ النزاع في حجّية الدليل العقلي
يُمكن تصنيفه الى موردين :
المورد الأول : في حجيَّة الأدلة
العقلية الظنية كحجّية القياس الظني
والإستقراء الناقص والاستحسان
والمصالح المرسلة ، وهذا النزاع واقع
بين أبناء العامّة ومذهب الإماميّة ،
فمذهب الإمامية قاطبة على عدم حجيَّة
هذا النحو من القضايا العقليَّة ،
وأكثر العامة يبنون على حجيّة هذه
القضايا العقليَّة .
المورد الثاني : في حجية الأدلة
العقلية القطعيّة كحجيّة ما يدركه
العقل من قبح الظلم ، والنزاع هنا
واقع بين الإماميّة أنفسهم ، فمذهب
مشهور الاُصوليّين هو حجيّة هذا النحو
من القضايا العقلية ، وذلك لحجيَّة
القطع بذاته سواء كان ناشئاً عن
الكتاب والسنة أو كان ناشئاً عن
مقدمات عقلية ، وأمَّا مذهب
الإخباريين فهو عدم حجية هذا النحو من
القضايا العقلية وإن كانت موجبة للقطع
، إذ أنَّ حجية القطع في نظرهم مختصّ
بما إذا كان ناشئاً عن الكتاب والسنّة
.
وحيث اننا بحثنا حجية القطع وثبت لنا
أن القطع حجَّة بنحو مطلق فلا نحتاج
لإعادة البحث عن حجيَّة القضايا
العقلية القطعيّة ، فلذلك سوف يتركّز
البحث الكبروي عن حجيّة القضايا
العقليَّة الظنيّة ، وسيتّضح عدم
حجّيتها .
ومن هنا سوف يقع البحث أولا عن
القضايا العقلية الصغروية التي لو
تمّت لكانت عنصراً مشتركاً ، ويقع
البحث ثانياً عن حجيّة القضايا
العقليّة الظنية والتي لو تمّت لكانت
كبرى لقياس نتيجته دليلية الدليل
العقلي .

إثبات القضايا العقلية
تقسيمات للقضايا العقلية :
وقد ذكر المصنّف (رحمه الله) ثلاثة
تقسيمات للقضايا العقليّة :
التقسيم الأول :
هو انقسام القضايا العقلية الى ما
يُعبَّر عنه بالمستقلات العقلية ،
وغير المستقلات العقلية .
امّا المستقلات العقلية : فهي القضايا
العقلية التي يمكن الإستفادة منها
لإستنباط حكم شرعي دون الحاجة لأن
تنضم معها مقدمة شرعية ، وعُبِّر عنها
بالمستقلات ، لانَّ العقل فيها
يستقلُّ في إثبات الحكم الشرعي دون أن
يستعين في ذلك على مقدمة شرعيّة ،
فالاستقلاليّة بلحاظ المقدمات الشرعية
، إذ انّ المستقلات العقلية قد تحتاج
في مقام إثبات حكم شرعي الى مقدمة غير
شرعيّة .
ويمكن التمثيل للمستقلات العقلية بما
يُدركه العقل من حسن العدل وقبح الظلم
، فإنّ هذه القضية يمكن الاستفادة
منها في مقام الكشف عن حرمة ضرب
اليتيم تشفياً شرعاً دون ان نستعين في
ذلك بمقدّمة شرعيّة .
وكذلك يمكن التمثيل للمستقلات
العقليّة أيضاً بما يُدركه العقل ، من
انّ كل ما يحكم به العقل يحكم به
الشرع ، فإنّ هذه القضيّة يمكن ان
يُستنبط منها حرمة الكذب شرعاً ـ
باعتبار حكم العقل بقبحه ـ دون الحاجة
الى توسّط مقدّمة شرعيّة .
وأمّا غير المستقلاّت العقليّة : فهي
قضايا عقليّة صالحة لأن يُستنبط منها
حكم شرعي ، ولكن بواسطة انضمام مقدّمة
شرعيّة إليها ، فالتعبير عن مثل هذه
القضايا بغير المستقلاّت ناشيء عن
انَّ هذه القضايا لا يمكن الإستفادة
منها في الكشف عن الحكم الشرعي دون
الإستعانة بمقدّمة شرعيّة ، وهذا لا
يعني انَّ نفس إدراك العقل لمثل هذه
القضايا متوقّف على مقدّمة شرعيّة ،
إذ انّه لا فرق بين المستقلات وغير
المستقلاّت من جهة انّها من مُدركات
العقل ، وانَّما الفرق بينهما هو مقام
الدليليَّة على الحكم الشرعي ،
وانَّه متى تتأهّل القضيّة العقليّة
للكشف عن الحكم الشرعي ، فإن كانت
محتاجة في مقام الكشف عن الحكم الشرعي
الى مقدّمة شرعيّة ، فهذه القضيّة من
غير المستقلاّت العقليّة ، وإلاّ فهي
من المستقلاّت العقليّة .
ويمكن التمثيل لغير المستقلاّت
العقليّة بما يُدركه العقل ، من انّ
وجوب شيء يقتضي حرمة ضدّه ، فإنّ هذه
القضيَّة لا يمكن الإستفادة منها
لإثبات حرمة الصلاة مثلا إلاّ اإذا
ثبت شرعاً وجوب الإزالة .
وكذلك يمكن التمثيل بما يُدركه من أنّ
النهي في العبادات يقتضي الفساد ،
فإنّه لا يمكن استنباط حكم شرعي وهو
بطلان صوم يوم العيد مثلا إلاّ
بتوسُّط مقدّمة شرعيّة ، وهي النهي عن
صوم يوم العيد .
التقسيم الثاني :
وهو انقسام القضايا العقليّة إلى
قضايا تحليليّة واُخرى تركيبيّة :
المراد من القضايا التحليليّة : هي
القضايا التي يُبحث عن واقعها ،
والتعبير عنها بالتحليليّة باعتبار
انَّ مسار البحث عنها ليست أكثر من
تحليلها ، ومحاولة استكشاف كنهها
وحقيقتها ، فهي قضيّة عقليّة نبحث عن
كيفيّة تقرُّرها واقعاً ، وأيُّ شيء
هي في نفس الأمر والواقع .
ويمكن التمثيل لهذا النحو من القضايا
بالوجوب التخييري ، فإنَّ البحث عنه
بحث عن حقيقته ، وأيُّ شيء هو في نفس
الأمر والواقع ، فهل هو ينحلُّ الى
وجوبين مشروطين ، أو انّ حقيقته انّه
وجوب واقع على الجامع .
وأمَّا المراد من القضايا التركيبيّة
: فهي القضايا التي يكون محمولها
الإستحالة أو الضرورة ، والتي تعني
الوجوب المقابل للإمتناع ، ويكون
البحث فيها عن ثبوت الإستحالة أو عدم
ثبوتها وثبوت الضرورة أو عدم ثبوتها
بعد تقرِّرها واتّضاح معناها في مرحلة
سابقة .
ويُمكن التمثيل لهذا النحو من القضايا
باستحالة اجتماع الأمر والنهي ، فإنّ
البحث عن هذه القضيّة العقليّة بحيث
عن ثبوت الإستحالة أو عدم ثبوتها بعد
إن كانت هذه القضيّة محرَّرة وواضحة .
وكذلك يمكن التمثيل باستلزام وضرورة
وجوب المقدّمة عند وجوب ذي المقدّمة ،
فإنّ البحث عنها يكون عن ثبوت هذه
الملازمة وعدم ثبوتها . بعد تصوَّر
هذه القضيّة واتّضاح معالمها .
التقسيم الثالث :
وهو تقسيم خاصّ بالمستقلات العقليّة
التركيبيّة ، فلا يشمل غير المستقلاّت
كما لا يشمل المستقلات اذا كانت من
قبيل القضايا التحليليّة ، وهذا
التقسيم انّما هو بلحاظ ما تدلُّ عليه
هذه القضايا .
فالمستقلات العقليّة التركيبيّة تنقسم
بهذا اللّحاظ الى قسمين :
الأوّل : هو ما تكون فيه القضيّة
العقليّة دالّة على نفي حكم شرعي .
والثانية : ما تكون فيه دالّة على
إثبات حكم شرعي .
أمّا الأوّل : فمعنى نفيها للحكم
الشرعي هو انّه يمكن أن يُستنبط منها
انتفاء حكم عن أن يكون ثابتاً شرعاً .
ويمكن التمثيل لهذا النحو من
المستقلاّت التركيبيّة بقاعدة (
استحالة التكليف بغير المقدور ) ،
فإنَّه يمكن ان يُستنبط من هذه
القاعدة نفي حكم شرعي لو ثبت للزم من
ثبوته التكليف بغير المقدور ، فيكفي
في استكشاف نفي الحكم لزوم المحال عند
افتراض ثبوت ذلك الحكم .
وأمّا الثاني: فمعنى إثباتها لحكم
شرعي هو انَّه يمكن أن يُستنبط منها
ثبوت حكم شرعي .
ويمكن التمثيل لهذا النحو من
المستقلاّت التركيبيّة بقاعدة انّ كلّ
ما حكم به العقل حكم به الشرع ، فإنّه
يمكن ان يُستنبط من هذه القاعدة وجوب
ردِّ الأمانة شرعاً ، وذلك لإدراك
العقل حسن ردِّ الأمانات إلى أهلها ،
وكلُّ ما حكم به العقل حكم به الشرع ،
فهذه القاعدة قد ساهمت في استنباط حكم
شرعي هو وجوب ردِّ الأمانة .
تفاعل القضايا العقليَّة فيما بينها :
والمراد من تفاعل القضايا العقليّة
فيما بينها هو : انّه قد يُساهم بعضها
في الإستدلال على قضية عقليّة اُخرى ،
وقد يكون البحث عن قضية عقلية يجرُّ
إلى البحث عن قضية عقلية اخرى ، وذلك
لأن تحرير القضيّة العقليّة الاُولى
منوط بثبوت أو تفسير القضيّة العقليّة
الاُخرى .
وقد أشار المصنِّف (رحمه الله) الى
ثلاث حالات من حالات تفاعل القضايا
العقليّة فيما بينها :
الحالة الاولى : مساهمة بعض القضايا
العقليّة التحليليّة في البرهنة على
قضايا عقليَّة تحليليّة اُخرى .
ومثال ذلك : تصوير تعلُّق الأحكام
بالطبايع ، فإنّه يُساهم في تصوير
الوجوب التخييري ، وكذلك تصوير تعلُّق
الأحكام بالأفراد ، فإنّه قد يُؤدي
الى تبنّي انّ الوجوب التخييري ينحلُّ
الى وجوبات مشروطة .
الحالة الثانية : مساهمة بعض القضايا
العقليّة التحليليَّة في البرهنة على
قضايا اُخرى تركيبيّة .
ومثاله : القضية العقليّة التركيبيّة
وهي إمكان أو استحالة أخذ العلم
بالحكم في موضوع نفس الحكم ، فإنّه
بُرهن على دعوى الإمكان بواسطة تصوير
مرتبتين للحكم وهي مرتبة الجعل ومرتبة
المجعول .
الحالة الثالثة : مساهمة قضية عقليّة
تركيبيّة في البرهنة على قضية عقليّة
تركيبيّة .
ومثال ذلك : قاعدة استحالة التكليف
بغير المقدور اذا كان المراد منها
استحالة المؤاخذة والإدانة على ترك
التكليف الغير المقدور ، فإنّ مدرك
هذه القاعدة العقلية التركيبيّة هو ما
يُدركه العقل من قبح الظلم واستحالة
صدوره عن المولى جلّ وعلا .
وملاحظة البحوث الآتية يوضِّح كيفيّة
تفاعل القضايا العقليّة فيما بينها
أكثر .

قاعدة إستحالة التكليف بغير المقدور
لا إشكال في إدراك العقل لإستحالة
التكليف بغير المقدور ، لانّه إذا كان
الغرض من التكليف هو جعل العهدة
والمسئوليَّة على المكلّف بحيث يكون
متعلَّق الإرادة روحاً هو مؤاخذة
المكلّف العاجز ومعاقبته وليس له غرض
البعث والتحريك نحو امتثال التكليف ،
وذلك لعلمه بعدم امكان أن يتحرَّك
المكلّف عن التكليف بعد افتراض عدم
قدرته على ذلك ، فهذا من أجلى صور
الظلم ، والذي لا ريب في إدراك العقل
لقبحه ، ولمّا كان المولى جلَّ وعلا
منزّه عن الظلم فهذا يستوجب إستحالة
أنْ يصدر عنه ما يلزم منه الظلم .
وأما إذا كان الغرض من التكليف هو بعث
المكلَّف نحو امتثال التكليف غير
المقدور ، فهذا يقتضي إمَّا أن لا
يكون المولى ملتفتاً الى عدم امكان أن
يتحرّك المكلَّف نحو امتثال التكليف ،
وامَّا ان يكون ملتفتاً ، وكلاهما
مستحيل على المولى جلّ وعلا ، امّا
الاول فواضح ، وأمَّا الثاني فلإمتناع
أن يكون العاقل ملتفتاً الى عدم قدرة
المكلّف على التحرُّك والإنبعاث ، ومع
ذلك يكون جادَّاً في بعثه وتحريكه ،
فإفتراض الإلتفات من العاقل حين بعثه
نحو غير المقدور لا يخلو عن أحد
حالتين :
أما أن يكون العاقل المُلتفت عابثاً ،
وإمّا أن يكون جادّاً ، والأول مستحيل
على المولى جلَّ وعلا ، لتنزّهه عن
اللغو والعبث ، والثاني أيضاً مستحيل
، إذ أنَّ افتراض الجدّ مع الإللتفات
الى عدم امكان أن يتحرّك العبد عن
تحريكه وبعثه غير متصوّر أصلا .
وكيف كان فالإستحالة إنّما تثبت في
خصوص الموارد التي يلزم منها أحد
اللوازم الباطلة ، وهذا ما يستوجب
تحرير القاعدة وبيان حدود جريانها
فنقول :
أنَّ المراد من هذه القاعدة لا يخلو
عن أحد معنيين :
المعنى الاوّل : هو انّ استحالة
التكليف بغير المقدور تعني استحالة أن
يؤاخذ المولى ويعاقب المكلَّف على ترك
تكليف خارج عن حدود القدرة ، كمؤاخذة
المكلّف على ترك الصلاة في وقتها رغم
انّه كان مُغمىً عليه في تمام الوقت ،
وهذا المقدار من الإستحالة مُسلَّم ،
إذ انّ المؤاخذة على ترك التكليف
الغير المقدور من أجلى صور الظلم
والذي هو قبيح عقلا ، والمولى مُنزّهٌ
عن إرتكاب القبيح .
ومن هنا يتّضح خروج التكليف بغير
المقدور عن حدود حقّ الطاعة للمولى ،
لإستلزام ذلك للظلم المستحيل على
المولى جلَّ وعلا .
المعنى الثاني : انّ الاستحالة ثابتة
لأصل التكليف بغير المقدور حتى مع عدم
ترتُّب المؤاخذة على ترك المكلَّف
لمتعلَّق التكليف ، فلو كان متعلّق
التكليف خارجاً عن قدرة المكلَّف فإنّ
ذلك وحده يستوجب إستحالة أن يجعل
المولى متعلَّق التكليف على عهدة
المكلَّف حتى مع افتراض عدم المؤاخذة
على الترك ، وهذا يعني توسيع دائرة
الإستحالة لتشمل أصل التشريع للتكاليف
غير المقدورة .
وبهذا يتّضح انَّ مصبَّ الإستحالة
بناء على المعنى الاوّل هو المؤاخذة
والإدانة على ترك التكليف غير المقدور
، ولا تعرض له ، لأصل صدور التكليف
بغير المقدور ، وانّه مستحيل أيضاً أم
لا . وأمّا موضوع الاستحالة بناءً على
المعنى الثاني ، فهو أصل صدور التكليف
بغير المقدور ، حتى مع افتراض عدم
المؤاخذة ، وهذا ما يقتضي توسيع دائرة
الإستحالة ، بحيث نستطيع ان نقول انَّ
كل فعل خارج عن القدرة يستحيل ان يكون
متعلّقاً للتكليف المولوي .
ومن هنا سوف يقع البحث عن المعنى
الثاني ، إذ هو الذي يحتاج إلى بيان
لاستكشاف تماميّته أو عدم تماميّته ،
فنقول : انَّ واقع الحكم التكليفي
يمرُّ بثلاث مراحل ـ كما أوضحنا ذلك
في محلِّه ـ ويكفي في انتفاء التكليف
أن يكون أحد هذه المراحل متعذِّر
الوقوع .
المرحلة الاولى : من مراحل التكليف هو
اشتمال الفعل الذي يُراد جعل الحكم
عليه ـ على المصلحة أو المفسدة ، وهذا
ما يُعبَّر عنه بالملاك ، إذ لا يمكن
أن يكون الفعل مطلوباً فعله أو
مطلوباً تركه دون أن يكون مشتملا على
المصلحة أو المفسدة ، إذ الاحكام
تابعة للمصالح والمفاسد في متعلقاتها
.
ومن هنا نتساءل هل يمكن أن يكون الفعل
مشتملا على الملاك مع افتراض خروجه عن
قدرة المكلَّف .
والجواب بالإيجاب ، إذ انَّ اشتمال
الفعل على المصلحة أو المفسدة غير
منوط بقدرة المكلَّف على تحقيقه
خارجاً بل منوط بواقع الفعل وما
يترتَّب عليه من فوائد ومضار ، وهذا
أمر وجداني لا يحتاج الإذعان به الى
أكثر من تصوره ، فمفسدة شرب الخمر
منحفظة حتّى في موارد إلجاء الغير
المكلّف على شربه ، كما انَّ انقاذ
المؤمن حسَنٌ وذو مصلحة حتى مع عجز
المكلَّف عن إنقاذه . إذن لا إستحالة
بأن يتعلَّق الملاك بغير المقدور .
المرحلة الثانية : من مراحل التكليف
هو تعلُّق الإرادة بالفعل أو
المبغوضيّة ، وهذا أيضاً غير منوط
بقدرة المكلّف على تحقيقه خارجاً ، إذ
انّ الإرادة ليست أكثر من محبوبيّة
الفعل أو الترك ، وهذا لا ارتباط له
بقدرة المكلَّف وعدم قدرته ، وإنَّما
هو منوط بتصوّر الفعل وتصوُّر ما
يترتَّب عليه من فوائد متّصلة
باهتمامات المولى ، ثم الإذعان
والتصديق بترتُّب تلك الفوائد على ذلك
الفعل ، فمع تحقّق مناط الإرادة فإنّ
الفعل عندئذ يكون مُراداً ومحبوباً ،
وإن كان متعذِّر الوقوع خارجاً فضلا
عمّا إذا كان ممكن الوقوع وكان
امتناعه ناشئاً عن موانع عارضة .
فالإتيان بالصلاة يمكن أن يكون
محبوباً للمولى في مورد يكون المكلَّف
فاقداً للإختيار لعارض الإغماء مثلا .
وبهذا يتّضح إمكان تعلُّق الإرادة
بغير المقدور .
المرحلة الثالثة : من مراحل التكليف
هي الإعتبار ، ويمكن تعلُّقه بغير
المقدور لو كان المراد من الإعتبار هو
تكييف النفس بكيفيّة تكون تلك
الكيفيّة مسوّغة ـ ولو اعتباطاً ـ
لجعل شيء لشيء ، إذ انّ الإعتبار كما
قيل سهل المؤنة ، إلاّ انَّه مستحيل
على المولى مع افتراض عبثيَّة
الإعتبار ، أمَّا لو افترضنا انّ تلك
الكيفيّة النفسانيّة نشأت عن مبرِّر ،
وهو الكشف عن الملاك والإرادة ـ
فالمعتَبر لا يُراد منه إلا الكشف عن
أن الفعل متوفِّر على المصلحة
والمحبوبيّة ـ فهنا أيضاً لا إشكال في
امكان تعلُّق الإعتبار ـ بهذا المعنى
ـ بالفعل غير المقدور ، إذ انّه لمّا
كان له مبرِّر عقلائي فوقوعه من
المولى ممكنٌ جدّاً ، فنحن نجد انَّ
المقنّنين يجعلون بعض التكاليف على
انّها تكاليف اقتضائيّة ، ولا يقصدون
من جعلها إلا الكشف عن اشتمال
متعلّقاتها على مبادئ الحكم ، والوقوع
أقوى شاهد على الإمكان .
انّما الكلام في الاعتبار الذي يكون
منشأوه داعي البعث والتحريك نحو
متعلَّق التكليف المعتبر والذي يكون
خارجاً عن قدرة المكلَّف ، فإنَّ هذا
النحو من الإعتبار يستحيل وقوعه من
المولى لانَّه لا يخلو عن أن يكون
المولى حين الإعتبار إمَّا مُلتفتاً
الى عجز المكلَّف عن تحقيق متعلَّق
التكليف وإمَّا أن يكون غير ملتفت ،
وكلاهما مستحيل على المولى ، أما
الثاني فواضح ، وأمَّا الاول فلانّه
يستحيل على العاقل أن يكون ملتفتاً
الى عجز المأمور عن تحقيق المأمور به
، ومع ذلك يكون جادّاً في بعثه
وتحريكه ، إذ انّ افتراض جدّيّة البعث
والتحريك ينافي الإلتفات الى إستحالة
الإنبعاث والتحرُّك .
وبهذا اتَّضح استحالة الإعتبار اذا
كان بداعي البعث والتحريك نحو غير
المقدور . ولمّا كان ظهور حال المولى
حين جعل الأحكام واعتبارها على
المكلّفين هو البعث والتحريك ، فهذا
يقتضي تقيُّدها بالقدرة على متعلّقها
.
وبتعبير آخر : إنَّ الظاهر من الأوامر
والنواهي الصادرة عن الشارع المقدّس
هو انَّ هذه الأوامر والنواهي يُراد
إمتثالها والتحرّك عنها ، واحتمال كون
الغرض من هذه الأوامر هو الكشف عن
اشتمال متعلّقاتها على مبادئ الحكم ،
وإن كان ممكناً إلاّ انّه خلاف الظاهر
، إذ انّ الظاهر من كلِّ مولى حينما
يُصدر أوامر ونواهيَ لعبيده هو إرادة
بعثهم نحو متعلّقات تلك الأوامر ،
وزجرهم عن متعلّقات تلك النواهي ،
وتماميّة هذا الإستظهار تستوجب البناء
على تقيّد كل تلك التكاليف بالقدرة
على متعلَّقاتها .
وهذا لا يختصّ بالتكاليف الإلزاميّة
بل هو شامل للتكاليف غير الإلزاميّة
أيضاً وهي الإستحباب والكراهة ، فكما
يستحيل جعل الوجوب على فعل غير مقدور
أو جعل الحرمة على إرتكاب فعل يتعذَّر
على المكلّف تركه ، فكذلك يستحيل
البعث الإستحبابي نحو فعل خارج عن
القدرة أو الزجر الكراهتي عن فعل يكون
تركه خارجاً عن قدرة المكلّف ، وكذلك
يستحيل التكليف بغير المقدور مطلقاً ،
حتى في موارد كون التكليف مقيداً بقيد
داخل تحت اختيار المكلَّف ، كما لو
قال الآمر إن اشتريت حيواناً فيجب
عليك ان تجعله قارءاً للقرآن ، فإنّ
القيد الذي عُلّق عليه التكليف غير
المقدور وإن كان اختياريّاً ، إلا
انَّ ذلك لا يرفع استحالة التكليف
بغير المقدور ، لعين ماذكرناه في منشأ
الإستحالة .
وبهذا البيان اتَّضح انَّ الإستحالة
لا تختص بالإدانة والمؤاخذة ، بل انّ
أصل التكليف بغير المقدور مستحيل
أيضاً ، وذلك لاستحالة البعث والتحريك
نحو غير المقدور ، وقد قلنا انّه يكفي
في استحالة أصل التكليف هو تعذُّر
وقوع أحد مراحله الثلاث ، وقد ثبت
ممّا تقدّم انَّ المرحلة الثالثة وهي
الإعتبار بداعي البعث متعذِّرة الوقوع
.
ومن هنا قلنا انَّ أصل التكليف بغير
المقدور مستحيل وانَّ كل تكليف فهو
مشروط بالقدرة ، نعم مبادئ الحكم
والتي هـي المـلاك والإرادة لا يلزم
من تعلُّقها بالأفعال كون تلك الأفعال
مقدورة كما اتّضـح ممّا تقدّم .
إلاّ انّه من الممكن أن تكون مبادئ
الحكم مشروطة بالقدرة بحيث تنتـفي
المصلحـة والإرادة عن الفعل حين
افتراض عدم القدرة على
تحقيقه .
ومن هنا يمكن أن يقال انَّ مبادئ
الحكم بلحاظ القدرة لها حالتان :
الحالة الاولى : هو عدم كونها مشروطة
بالقدرة ، فالمصلحة والمحبوبيّة للفعل
ثابتة مطلقاً أي سواء كان ذلك الفعل
داخلا تحت القدرة أو خارجاً عنها .
وكذلك المفسدة والمبغوضيّة للفعل
ثابتة مطلقاً سواءً كان ترك ذلك
مقدوراً للمكلَّف أو انَّ تركه غير
مقدور .
ويمكن أن يُمثَّل لذلك بالصلاة فإنها
متوفّرة على الملاك والإرادة مطلقاً
حتى في ظرف عدم القدرة عليها كما في
حال الإغماء ، وكذلك قتل النفس
المحترمة فإنّه مشتمل على المفسدة
والمبغوضيّة حتى في ظرف كون القتل عن
غير اختيار .
الحالة الثانية : انَّ المصلحة
والمفسدة في الفعل منحصرة بظرف القدرة
بحيث لا يكون الفعل ذا مصلحة أو ذا
مفسدة مالم يكن مقدوراً .
ويمكن التمثيل لذلك بأكل الميتة فإنَّ
مبغوضيّته منوطة بالقدرة على ترك
أكلها . وبهذا يكون إنتفاء الحرمة عن
أكل الميتة ناشئاً عن انتفاء المقتضي
للحرمة وهي المفسدة والمبغوضيّة لا
أنّ المنشأ للحرمة هو المانع والذي هو
استحالة التكليف بغير المقدور وإنّ
التكليف في واقعه متوفِّر على مبادئه
وهي الملاك والمبغوضيّة .
وفي الحالة الاولى ـ والتي لا يكون
الملاك فيها منوطاً بالقدرة ـ يكون
اشتراط التكليف بالقدرة شرطاً عقلياً
، ويُعبَّر عن القدرة التي يكون
التكليف منوطاً بها « بالقدرة
العقليّة » ، إذ لا منشأ لإشتراط
التكليف بالقدرة حينئذ إلاّ ما يُدركه
العقل من استحالة التكليف بغير
المقدور ، إذ اننا افترضنا في هذه
الحالة انَّ الملاك والإرادة مطلقان
وغير منوطين بالقدرة .
وهذا بخلاف الحالة الثانية فإنّ
الملاك والإرادة لا وجود لهما في ظرف
عدم القدرة ، وهذا يعني انَّه مع
افتراض عدم القدرة لا مقتضي للتكليف
لا انَّ مقتضي التكليف موجود إلا انَّ
المانع عنه هو الإستحالة العقليّة كما
في الحالة الاولى ، ولذلك يُعبَّر عن
شرط القدرة ـ في التكاليف التي تكون
مبادؤها مختصة بحال القدرة ـ بالشرط
الشرعي ، ويُعبَّر عن القدرة في هذه
الحالة بالقدرة الشرعية .
إذن التكليف الذي تكون مبادؤه مطلقة
يُعبَّر عن شرط القدرة فيه بالشرط
العقلي ، وعن القدرة التي يكون
التكليف مشروطاً بها بالقدرة العقليّة
.
امّا التكليف الذي تكون مبادؤه مختصة
بحال القدرة يُعبَّر عن شرط القدرة في
مثل هذا التكليف بالشرط الشرعي كما
يُعبَّر عن نفس القدرة « بالقدرة
الشرعيّة » .
الثمرة المترتّبة على المعنيين :
امّا الثمرة بناءً على المعنى الاول ـ
وهو انَّ مصب الإستحالة هو المؤاخذة
والإدانة على ترك التكليف غير المقدور
ـ فظاهرة وهي انّ المكلَّف ليس مسئولا
عن ترك التكليف غير المقدور ولا
يُعدُّ عاصياً ومتعدّياً على مقام
الربوبيّة .
وأما المعنى الثاني والذي يقتضي شمول
الإستحالة لاصل التكليف غير المقدور
فقد يُقال بأنّه لا ثمرة مترتّبة عليه
بعد ان لم يكن المكلَّف مسئولا عن ترك
التكليف غير المقدور فسواءً قلنا انَّ
أصل التكليف بغير المقدور ممكن أو
مستحيل فالمكلَّف غير مؤاخذ على ترك
ذلك التكليف ، فلو افترضنا انّ
التكليف بغير المقدور ممكن فما هو
الأثر المترتِّب على ذلك بعد ان لم
يكن المكلَّف مؤاخذاً على تركه ، الاّ
انه يمكن إبراز ثمرة للمعنى الثاني
وهي عدم القضاء مثلا لو كنّا نبني على
استحالة أصل التكليف بغير المقدور ،
وثبوت القضاء لو كنَّا نبني على عدم
استحالة أصل التكليف بغير المقدور .
وبيان ذلك :
إنّ الملاك لمّا لم يكن معلقاً على
القدرة فقد يكون الفعل متوفِّراً على
الملاك ويكون المانع عن التكليف به هو
عدم قدرة المكلَّف على امتثاله ، وهذا
ما يقتضي القضاء لو افترض زوال العجز
، وهذا بخلاف مالو لم يكن الفعل
واجداً للملاك في ظرف العجز فإنَّ
زوال العجز عن المكلَّف بعد ذلك لا
يستوجب القضاء إذ انّ الملاك لم يكن
حتى يجب تداركه بعد زوال العجز .
ومن هنا تظهر الثمرة بناءً على القول
باستحالة أصل التكليف بغير المقدور ،
إذ بناءً عليها يُستكشف من الخطاب
الشرعي عدم واجدية التكليف غير
المقدور للملاك حتى لو لم يُقيد
التكليف بالقدرة ، إذ انَّ نفس
الإستحالة كاشفة عن أن التكليف مشروط
بالقدرة ، وهذا يعني عدم فعليّة
الملاك في ظرف العجز أو لا أقل عدم
وجود ما يكشف عن انّ الملاك موجود في
ظرف العجز وهذا ما يقتضي عدم وجوب
القضاء لو زال العذر ، إذ لا كاشف عن
فوات الملاك حتى يجب تداركه ، إذ انّ
الملاك كما اتضح من بحوث سابقة مدلول
التزامي للدليل ومع سقوط الدلالة
المطابقيّة للدليل تسقط بتبعها
الدلالة الالتزاميّة . والدليل
المطابقي الكاشف عن المدلول الإلتزامي
في المقام هو الخطاب الشرعي المطلق
والمثبت للتكليف والذي يستلزم ثبوت
الملاك للتكليف ، فإذا قامت القرينة
العقليّة ـ وهي استحالة التكليف بغير
المقدور ـ على سقوط التكليف في ظرف
العجز فالدلالة الالتزامية تسقط أيضاً
بناءً على ما ذهب اليه المصنِّف من
تبعيّة الدلالة الإلتزاميّة للدلالة
المطابقيّة في الثبوت والانتفاء .
وهذا بخلاف مالو بنينا على عدم
إستحالة أصل التكليف بغير المقدور ،
فإنه لو كان الخطاب الشرعي مطلقاً
فإنّه يمكن التمسُّك به لإثبات أنَّ
التكليف شامل للعاجز ، وهذا يقتضي انّ
الفعل واجد للملاك في ظرف العجز ، إذ
ان هذا هو المدلول الإلتزامي ، ولمّا
لم يكن هناك ما يُوجب سقوط المدلول
المطابقي فهذا يقتضي كاشفيّته عن
المدلول الالتزامي وهو وجود الملاك في
ظرف العجز ، إذ انّ فرض الكلام انّه
لا إستحالة في أصل التكليف بغير
المقدور .
ومن هنا يمكن إثبات القضاء بعد زوال
العجز ، وذلك لتدارك ما فات من الملاك
.
ولمزيد من التوضيح نقول :
انّه قد اتّضح ممّا تقدّم انّ مبادئ
الحكم من الملاك والإرادة ليست منوطـة
بالقـدرة فقـد يكون الفعل واجداً
للمصلحة والمحبوبيّة مع انَّه خـارج
عن قدرة المكلَّف وفـي مثل هذه الحالة
يكون المقتضي للتكليف موجوداً .
فهنا نقول انّه لو بنينا عل استحالة
أصل التكليف بغير المقدور فكلُّ
الخطابات الشرعيّة الكاشفة عن
التكاليف تكون مقيّدة بالقدرة حتى مع
عدم النصّ على التقييد ، إذ انّ نفس
قاعدة استحالة التكليف بغير المقدور
كاشفة عن عدم شمول التكليف للعاجز
وانّ الاطلاق ليس مراداً جديّاً من
الخطاب ، وبسقوط التكليف عن العاجز
تسقط الدلالة الإلتزاميّة للخطاب
الشرعي الكاشفة عن ثبوت الملاك للفعل
المكلَّف به مطلقاً ، والذي يسقط من
الدلالة الإلتزاميّة هو مقدار ما سقط
من الدلالة المطابقيّة ، فالدلالة
المطابقيّة التي دلَّت على تكليف
العاجز هي التي تسقط بواسطة القرينة
العقليّة فيكون الساقط من الدلالة
الإلتزاميّة هو ثبوت الملاك للفعل في
ظرف العجز ، ومنشأ سقوط الدلالة
الإلتزاميّة هو قاعدة تبعيّة الدلالة
الالتزاميّة للدلالة المطابقيّة في
الثبوت والانتفاء .
ومن هنا يتعذَّر إثبات واجديّة الفعل
للملاك في ظرف العجز ، إذ الكاشف عنه
هو المدلول المطابقي المثبت للتكليف
في ظرف العجز وقد افترضنا سقوطه
بواسطة القرينة العقلية .
وإذا تمَّ ماذكرناه من عدم وجود
الدليل على ثبوت الملاك في ظرف العجز
فهذا يقتضي عدم وجوب القضاء بعد زوال
العجز ، وذلك لانّ القضاء انّما هو
لتدارك الملاك الفائت ولا دليل على
فواته بعد أن كان المثبت للملاك قد
سقط .
وبهذا تكون الثمرة المترتّبة على
القول باستحالة أصل التكليف بغير
المقدور هو سقوط المدلول الالتزامي
المثبت للملاك في ظرف العجز ، وينتج
عن ذلك عدم وجوب القضاء بعد زوال
العجز .
وأمّا لو بنينا على عدم استحالة أصل
التكليف بغير المقدور فلا موجب لتقييد
الإطلاقات المثبتة للتكاليف ، وبهذا
يكون مقتضى الإطلاق هو ثبوت التكليف
في ظرف العجز ، وهذا يقتضي ثبوت
الملاك في ظرف العجز إذ هو المدلول
الالتزامي لثبوت التكليف ، وهذا اما
يُنتج وجوب القضاء بعد زوال العجز ،
وذلك لتدارك الملاك الفائت بسبب العجز
.

قاعدة إمكان التكليف المشروط
ويقع البحث في المقام عن إمكان أن
يكون الحكم مشروطاً ، إذ قد يقال
باستحالة أن يكون الحكم معلقاً ، وذلك
لانّ الحكم اما ان يُجعل على المكلف
وإمّا أن لا يُجعل ولا واسطة بين
الحالتين ، فافتراض وجود الحكم يعني
افتراض عدم كونه معلَّقاً وذلك لانّ
تعليقه على الشرط يعني عدم وجوده .
وبتعبير آخر : إنَّ جعل الحكم على
المكلّف يعني انَّ المولى قد أعمل
مولويّته وأوجد حكماً وهذا يقتضي عدم
كونه مشروطاً ، إذ انَّ افتراض كونه
مشروطاً يساوق عدم الحكم ، لانّ كل
شيء عُلّق على شرط فهو عدمٌ مالم
يتحقّق شرطه وهذا ينافي افتراض ايجاد
المولى للحكم . ومن هنا يُدَّعى
استحالة التكليف المشروط .
ومن أجل ان يتّضح ماهو الحق في المقام
لابدَّ من بيان مقدّمة :
انّ جعل الأحكام غالباً ما يكون على
نهج القضيّة الحقيقيّة ، والمراد من
القضيّة الحقيقيّة هي ما يكون الموضوع
فيها مقدر الوجود ، وهذا يعني ملاحظة
الموضوع مع كلّ ما يكون دخيلا في
ترتُّب الحكم ثم جعل الحكم معلقاً على
تحقق الموضوع المفترض مع جميع القيود
المأخوذة معه .
فالجائي بالقضيّة الحقيقيّة يكون قد
تصوّر الموضوع وتصوّر معه الحيثيات
الدخيلة في ترتُّب الحكم ثم أناط
الحكم بذلك الموضوع المُتصوَّر هو مع
حيثياته .
مثلا لو قال المولى « اذا كان
للمكلَّف أموال وكانت بقدر النصاب
وحال عليها الحول وهي تحت يده وجبت
عليه الزكاة » فإنَّ المولى هنا قد
تصوّر الموضوع مع تمام الحيثيّات
الدخيلة في ترتُّب الحكم وهو وجوب
الزكاة ثمّ جعل الحكم معلَّقاً على
الموضوع المُفترض مع حيثيّاته
المفترضة والمقدرة ، ومن هنا قالوا
بأن القضايا الحقيقيّة في قوّة
القضايا الشرطيّة حتى وإن كانت
القضيّة الحقيقيّة بهيئة القضيّة
الحمليَّة ، وذلك لان القضايا الشرطية
يكون الحكم فيها معلقاً على شرطه فمتى
ما تحقق الشرط ترتَّب الحكم المعلَّق
عليه .
ومع اتِّضاح هذه المقدمة نقول :
إنَّ فعلية الحكم منوط بتحقّق موضوعه
خارجاً فما لم يتحقّق الموضوع مع تمام
الحيثيّات المأخوذة في ترتُّب الحكم
لا يكون المكلَّف مسئولا عن امتثال
ذلك الحكم ، وذلك لانَّ جعل الحكم
معلقاً على تحقّق موضوعه يعني انَّه
بمثابة المعلول لموضوعه ، وإذا كان
كذلك فلابدَّ من تحقق الموضوع مع
حيثياته وبعد ذلك يُوجد الحكم أي يكون
فعليَّاً ويكون المكلَّف مسئولا عنه .
إلاَّ انَّه قد يُقال اذا كان الحكم
منوطاً بتحقق موضوعه خارجاً فأيُّ حكم
نشأ بواسطة القضية الحقيقيّة ؟ فإمَّا
أن تلتزم أن الحكم ينشأ بواسطة
القضيّة الحقيقيّة وهذا ما يقتضي
وجوده وفعليته بمجرَّد وجود منشأ جعله
وهي القضيّة الحقيقية ، وإمّا أن
تلتزم بإناطة وجود الحكم بوجود موضوعه
وهذا يقتضي أن لا يكون هناك حكم نشأ
عن القضيّة الحقيقيّة ، وهذا ينافي
كون المولى ـ حين أنشأ القضيّة
الحقيقيّة ـ أعمل مولويته وجعل الحكم
على المكلَّف .
والجواب عن هذا الاشكال :
هو انّ الذي نشأ بواسطة القضية
الحقيقيّة هو الجعل والذي ينشأ بواسطة
تحقّق الموضوع خارجاً هو المجعول .
وبيان ذلك :
انّ المولى حينما رتَّب حكماً على
موضوع مقدّر يكون قد أوجد حكماً
بالفعل ، وذلك في مقابل مَن تصوَّرَ
موضوعاً مع مجموعة من الحيثيّات إلاّ
انّه تردّد في إثبات حكم لهذا الموضوع
مع حيثيّاته لو قُدِّر لهذا الموضوع
بحيثيّاته الوجود في هذه الحالة لا
وجود للحكم أصلا ، أمّا في فرض الكلام
وهو جعل حكم على نهج القضيّة
الحقيقيّة فالحكم موجود ، ولذلك يمكن
أن يُقال انّ المولى قد حكم بهذا
الحكم على ذلك الموضوع .
إذ انّ الحكم الناشئ عن القضيّة
الحقيقيّة هو المُعبَّر عنه بالجعل
والحكم فيه يكون موضوعه مقدر الوجود ،
فقوام الحكم الذي هو الجعل هو تصوّر
الموضوع مع تصوّر ماله دخل في ترتب
الحكم ، فالصورة الذهنيّة للموضوع هي
قوام الجعل .
وأمّا ما ينشأ بواسطة تحقّق الموضوع
خارجاً هو فعليّة الحكم أي انّ
المكلَّف يكون مسئولا عن امتثال الحكم
حين تحقق الموضوع خارجاً ، فتحقق
الموضوع علّة لفعليّة الحكم . وهذا هو
المعبَّر عنه بالحكم المجعول .
وبتعبير آخر : انَّ الحكم له مرتبتان
الاولى هي مرتبة الجعل والثانية هي
مرتبة المجعول ، فما ينشأ بواسطة
القضيّة الحقيقيّة هو الحكم بمرتبة
الجعل وما ينشأ بواسطة تحقّق الموضوع
خارجاً هو مرتبة المجعول .
فحينما يقول المولى « إذا كان للمكلّف
أموال وكانت بقدر النصاب وحال عليها
الحول وهي تحت يده وجبت عليه الزكاة »
فإنّ هنا حكم بوجوب الزكاة إلاّ انّه
حكم إنشائي يُعبَّر عنه بالحكم في
مرتبة الجعل ، وذلك لانّ موضوعه
مقدَّر الوجود فإذا تحقّق الموضوع بأن
وُجد مكلَّف له أموال بقدر النصاب وقد
حال عليها الحول وهي تحت يده فإنّ
الحكم الذي كان بمرتبة الجعل يصير
فعلياً على المكلَّف ويكون مسئولا عن
امتثاله ، وهذا هو الحكم بمرتبة
المجعول .
فالحكم بمرتبة الجعل يكون متحقّقاً من
حين إنشاء القضيّة الحقيقيّة إذ انّ
موضوعه مقدر الوجود وهذا متصوَّر حين
جعل الحكم ، وهذا هو مبرِّر استحالة
أن يكون الحكم بمرتبة الجعل مشروطاً ،
إذ أن مشروطيّته تعني عدم وجوده إلاّ
بعد تحقّق شرطه والحال انّه موجود من
حين إنشاء القضيّة الحقيقيّة إذ انّ
المولى حين إنشاء القضيّة الحقيقيّة
متصد لإيجاد الحكم وهذا ما يمنع كونه
معلقاً ومشروطاً .
امّا الحكم بمرتبة المجعول فإنّه
معلَّق ومشروط بتحقّق موضوعه خارجاً
فهو لا يُوجد بوجود القضيّة الحقيقيّة
وإنما يُوجد حين تقرُّر الموضوع
خارجاً .
وبهذا البيان يتّضح امكان الحكم
المشروط ، فالحكم المشروط هو الحكم
بمرتبة المجعول « الفعليّة » بل انّ
الحكم المجعول دائماً يكون مشروطاً
وذلك لتوقفه على تحقّقق موضوعه خارجاً
.
فالمراد من الحكم الذي يمكن أن يكون
مشروطاً هو الحكم المجعول من غير فرق
بين أن يكون الحكم من سنخ الأحكام
التكليفيّة كما في مثال وجوب الزكاة ،
أو من سنخ الأحكام الوضعيّة كما لو
قال المولى « إذا قال الزوج لزوجته في
حال وعيه انت طالق وكانت في طهر لم
يواقعها فيه فقد وقع الطلاق » ،
فالحكم بالطلاق من سنخ الأحكام
الوضعيّة وقد رتّب هذا الحكم على
تحقّق الموضوع بحيثيّاته خارجاً ،
فالطلاق الفعلي « المجعول » منوط
بتحقّق موضوعه خارجاً ، وأمّا الحكم
بالطلاق في مرتبة الجعل فموضوعه ما
لاحظه المولى حين جعل الطلاق على نهج
القضيّة الحقيقيّة .

قاعدة تنوّع القيود وأحكامها
تنوّع القيود :
القيد في كل شيء ما يُوجب تضييق دائرة
المقيّد به ، فلا تكون الطبيعة معه
مرادة على سعتها بل المراد منها حين
تقيِّدها هو الحصة الخاصة والتي هي
الواجدة للقيد .
والقيود تارة ترجع الى الحكم واخرى
الى متعلق الحكم ، وفي الحالتين تكون
القيود موجبة لتضييق دائرة الطبيعة «
الحكم أو متعلق الحكم » التي تقيدت
بها ، غايته انّ قيود الحكم يُنتج عدم
فعلية الحكم مالم تتحقق القيود
المعتبرة في ترتُّبه . فلا يكون
المكلَّف مسئولا عن امتثال الحكم
إلاَّ أنْ تتحقق قيوده وتُوجد ، فقيود
الحكم تكون بمثابة العلل المُوجِدة
للحكم أي لفعليته .
وهذا بخلاف القيود الراجعة لمتعلَّق
الحكم فإنّ فعليّة الحكم لا تكون
منوطة بتحقق تلك القيود ، فسواءً
تحققت او لم تتحقق فعلية الحكم ـ اذا
تحقّقت قيوده الراجعة اليه ـ ثابتة
ويكون المكلَّف مسئولا عن امتثال
الحكم بقطع النظر عن تحقق قيود
المتعلَّق أو عدم تحققها .
ومن هنا تكون قيود المتعلَّق داخلة
فيما يجب امتثاله اذا تحققت فعليّة
الحكم .
ويمكن التمثيل لقيود الحكم وقيود
متعلَّق الحكم بما لو قال المولى «
إذا زالت الشمس صلِّ متطهراً » ، فإنّ
الزوال في المثال من قيود الحكم «
الوجوب » وهذا يقتضي إناطة فعلية
الوجوب بتحقق الزوال فلا يكون
المكلَّف مخاطباً بامتثال الوجوب مالم
تزل الشمس . وأما الكون على طهارة فهو
من قيود متعلق الحكم « الواجب » وهو
الصلاة ولذلك لا تكون فعلية الحكم
متوقفة عليه فسواء تطهر المكلَّف أو
لم يتطهر فهو مخاطب بامتثال الوجوب
والاتيان بالصلاة اذا ما تحقق الزوال
خارجاً وهذا يقتضي دخول قيود متعلق
الحكم « الطهارة » فيما يجب امتثاله ،
إذ انّ معنى تقييد المتعلَّق « الصلاة
» هو انّ طبيعة الصلاة على سعتها ليست
مرادة وانَّما المراد منها خصوص الحصة
المتقيدة بالطهارة .
ومن هنا تكون الحصة الواقعة متعلقاً
للحكم مشتملة على شيء زائد على
الطبيعة وهو الذي أوجب تحصيص الطبيعة
بتلك الحصة أي الواجدة لذلك القيد ،
فالواجب والذي هو متعلَّق الحكم هو
طبيعة الصلاة مع تقيُّدها بالطهارة ،
فالطهارة خارجة عن متعلَّق الحكم أي
أنَّها ليست واجبة إلاَّ أنّ تقيّد
الصلاة بالطهارة داخل في متعلَّق
الحكم أي أن التقيّد بالطهارة داخل في
الواجب .
والمراد من أن القيد « الطهارة » خارج
عن الواجب وأن التقيُّد بالطهارة داخل
في الواجب المراد من ذلك انه ليس
الواجب هو طبيعة الصلاة والطهارة ،
ولذلك لو جيء بكل واحد منهما على حِدة
لما تحقق الامتثال ، فالواجب هو طبيعة
الصلاة المتقيدة بالطهارة ، وهذا يعني
ان الواجب هو الحصة الخاصة من طبيعة
الصلاة وهي الحصة الواجدة للقيد إذ
انّ الطبيعة قد تكون واجدة للقيد وقد
تكون فاقدة له والذي وقع متعلَّقاً
للحكم هو الطبيعة الواجدة للقيد وهذا
هو معنى انّ التقيّد داخل في الواجب .
ومن هنا يتضح انَّ الإتيان بالطهارة
ليس واجباً ، نعم الإتيان بالطهارة
يكون مقدمة وعلّة لحصول التقيُّد
الواجب ، إذ انّه لا يمكن تحقق
التقيّد بالطهارة مالم ياتِ المكلَّف
بالطهارة ، فإذا ما أتى بالطهارة أمكن
الإمتثال وهو الاتيان بالحصة الخاصة
والتي هي الصلاة المتقيدة بالطهارة .
فعلاقة القيد بالتقيُّد علاقة العلة
بالمعلول فالقيد علة والتقيُّد معلول
له ، وذلك لانّ معنى التقيّد هو
اقتران الطبيعة بالقيد ، ومن الواضح
انَّ الإقتران لا يمكن تحققه خارجاً
مالم يُوجد القيد فمالم تتحقّق
الطهارة لا يمكن تحقّق إقتران الصلاة
بالطهارة .
وعلاقة العليّة بين القيد والتقيّد لا
تسري الى نفس الطبيعة فالقيد ليس علّة
للطبيعة ولا هو جزء علة لها .
ويمكن ان نستنتج مما ذكرناه انّ قيود
المتعلَّق « الواجب » تقتضي اموراً
ثلاثة :
الاول : هو تحصيص طبيعة المتعلَّق
بالحصَّة الواجدة للقيد فلا تكون
الحصة الفاقدة للقيد مشمولة للمتعلَّق
فطبيعة الصلاة على سعتها ليست واجبة
وانما الواجب منها هو حصة خاصة وهي
الواجدة للطهارة .
الثاني : انّ تقيّد المتعلَّق يعني
انّ الواجب هو ذات الطبيعة والتقيّد
بالقيد ويكون نفس القيد خارجاً عن
المتعلّق « الواجب » .
الثالث : انَّ العلاقة بين القيد
والتقيّد علاقة العلة والمعلول فالقيد
علَّة والتقيُّد معلول ، إذ انه لا
يمكن أن يتحقق التقيّد مالم يتحقق
القيد ، وهذا بخلاف علاقة نفس الطبيعة
بالقيد فإنَّ القيد ليس علة لها ولا
هو جزء علَّة لها .
القيود الراجعة للحكم ومتعلقه :
اتَّضح مما ذكرناه انّ القيود تارة
ترجع إلى الحكم « الوجوب » واخرى ترجع
الى المتعلَّق « الواجب » ، وقد يتفق
أن القيد يكون راجعاً الى الحكم
وفي نفس الوقت يكون راجعاً الى
المتعلّق.
ومقتضى رجوع القيد للحكم هو توقف
فعلية الحكم على تحقق القيد كما انَّ
مقتضى رجوعه الى المتعلّق هو اختصاص
المتعلَّق بالطبيعة الواجدة للقيد أي
أنَّ الواجب هو الطبيعة مع التقيّد
بالقيد .
ويمكن أن نمثِّل لذلك بالزوال بالنسبة
لصلاة الظهر .
فالزوال قيد لوجوب صلاة الظهر اي قيد
للحكم وفي نفس الوقت هو قيد للواجب «
المتعلّق » وهي الصلاة أي انَّ الواجب
ليس هو الصلاة على اطلاقها بل أن
الواجب هو حصة خاصة من الصلاة وهي
الصلاة المقترنة بالزوال .
ومقتضى كون الزوال قيداً للوجوب هو
انَّ المكلف لا يكون مخاطباً بالوجوب
ولا مسئولا عن الإمتثال مالم يتحقق
الزوال خارجاً .
كما انَّ مقتضى كون الزوال قيداً
للواجب هو انّ الواجب ليس هو طبيعة
الصلاة على سعتها بل هي الحصة الخاصة
وهي المتقيدة بالزوال .
أحكام القيود المتنوعة :
ويقع البحث هنا عن أحكام القيود
واختلافها باختلاف أنحاء القيود ،
وماهو الضابط في اختلاف أحكام القيود
، فنقول :
إنَّ القيود تارة لا يجب تحصيلها ولا
يكون المكلَّف مسئولا عن امتثالها بل
انَّها تُوخذ مفروضة التحقُّق ، فمتى
ما اتفق تحقق هذا النحو من القيود
خارجاً ترتب المقيد بها وأصبح المكلف
مسئولا عن امتثاله . ويمكن التمثيل
لذلك بالإستطاعة للحج ، فالاستطاعة هي
القيد ووجوب الحج هو المقيد بها ،
فهذا القيد قد اُخذ مفروض التحقق فمتى
ما تحقق خارجاً ترتب المقيد وهو وجوب
الحج ، وهذا معناه عدم وجوب تحصيل
القيد « الاستطاعة » على المكلَّف ،
نعم لو اتفق حصول الإستطاعة « القيد »
خارجاً ترتَّب المقيد وهو وجوب الحج ،
وأصبح المكلَّف مسئولا عن امتثاله .
وهناك قيود يجب على المكلَّف تحصيلها
بحيث لو لم يحصِّلها وجاء بذات
المقيَّد فإنَّه لا يكون ممتثلا
للمقيَّد ويبقى مخاطباً بامتثال ذات
المقيَّد مقترناً بقيده .
ومثال هذه القيود الطهارة والإستقبال
والساتر بالنسبة للصلاة ، فإن هذه
القيود من سنخ القيود التي يجب
تحصيلها والصلاة مقيدة بتلك القيود ،
ولا يكون المكلّف ممتثلا لذات المقيد
« الصلاة » مالم يأتِ بالقيود ،
فالواجب على المكلَّف في مثل هذه
الحالة هو امتثال المقيَّد مقترناً
بقيوده .
الضابط لتشخيص حكم القيد :
عرفنا انَّ القيود منها ما يجب تحصيله
ومنها ما لا يجب تحصيله ، والذي
يُميِّز القيود الواجبة التحصيل عن
القيود التي لا يجب تحصيلها هو ذات
المقيَّد ، فحينما تكون القيود راجعة
الى متعلق الحكم « الواجب » فهذه من
القيود الواجبة التحصيل وهي المعبَّر
بمقدّمات الواجب ، ومعنى وجوب تحصيل
هذه المقدمات هو أنَّ الواجب ـ روحاً
ـ ذات المقيد « المتعلق » مقترناً
بالقيد .
وبعبارة اخرى : انَّ الواجب ليس هو
الطبيعة على سعتها بل هو الحصة الخاصة
من الطبيعة وهي ذات الواجب مقترناً
بالقيد ، فالواجب ليس هو الصلاة كيفما
اتفقت وانَّما هو ذات الصلاة المتقيّد
بالطهارة .
فاذن القيود التي يجب تحصيلها ويكون
المكلَّف مخاطباً بامتثالها هي القيود
الراجعة الى الواجب أي متعلّق الحكم ،
ولهذا لا يتحقّق امتثال متعلَّق الحكم
مالم يمتثل المكلف الحصّة الخاصَّة من
المتعلَّق وهي الحصّة المقترنة
بالقيود المأخوذة فيه .
وأمّا القيود التي لا يجب تحصيلها فهي
القيود الراجعة الى الحكم « الوجوب »
وهي المُعبَّر عنها بمقدمات الوجوب ،
فمقدمات الوجوب تُؤخذ مفروضة التحقق
أي متى ما اتفق تحقّقها فإنَّ المكلّف
بعد ذلك يكون مسئولا عن امتثال الحكم
.
ومن هنا لا تكون هذه المقدمات واجبة
التحصيل ، إذ انّ وجوب تحصيلها يقتضي
أن يكون الحكم المقيّد بها فعليّاً
قبل تحقّق قيوده وهذا خُلْف كون هذه
القيود هي الموجبة لتحقق الفعلية
للحكم ، إذ انَّ هذه المقدمات واقعة
في رتبة العلة لفعليَّة الحكم فلا
يُعقل ان يترشح الوجوب من الحكم اليها
إذ انَّ هذا يعني أنَّ الحكم « الوجوب
» فعلي قبل تحقّق مقدّماته خارجاً
وهذا خُلْف الفرض والذي هو توقف فعلية
« المجعول » على وجود مقدّماته خارجاً
.
وهناك حالة ثالثة تكون فيها القيود
راجعة الى الحكم وإلى متعلَّق الحكم
أي انّ هذه القيود في الوقت التي تكون
قيوداً للوجوب هي قيود للواجب . وهنا
أيضاً لا يكون المكلَّف مطالباً
بتحصيل هذه القيود ، وذلك لعدم فعلية
الوجوب قبل تحقّق القيود ، فلا
يترشَّح عن الوجوب ما يقتضي وجوب
مقدماته .
وبعبارة اخرى : لمّا كانت فعليّة
الوجوب منوطة بتحقّق مقدّماته فهذا
يقتضي عدم وجود الفعليّة قبل وجود
المقدّمات ، ولو اتّفق حصول المقدّمات
فإنَّ الوجوب وان أصبح فعليّاً إلاّ
انَّه لا يمكن ان يترشَّح عنه وجوب
للمقدّمات أيضاً ، وذلك لانَّه تحصيل
للحاصل ، نعم في مثل هذا الفرض ـ وهو
تحقّق الفعليّة للوجوب بعد تحقّق
مقدّماته ـ يكون المكلَّف مخاطباً
ومطالباً بالإتيان بالواجب مقترناً
بالقيد أي انّه متى ما تحقق الوجوب
لتحقّق قيده يكون المكلَّف ملزماً
بتحصيل الواجب وهو الحصة الواجدة
للقيد .
وبما ذكرناه يتَّضح انَّ للقيود ثلاثة
أنحاء كل نحو يقتضي حكماً خاصّاً :
النحو الأوّل : هو رجوع القيد للحكم «
الوجوب » وهذا يقتضي عدم مسئولية
المكلّف عن تحصيل القيد .
النحو الثاني : هو رجوع القيد
لمتعلَّق الحكم « الواجب » وهذا يقتضي
مسئوليّة المكلّف عن تحصيل القيد .
النحو الثالث : هو رجوع القيد للحكم
والمتعلَّق وهذا يقتضي عدم مسئوليّة
المكلَّف عن تحصيل القيد إلاّ أنّه
حينما يُصبح الحكم فعليّاً يكون
المكلَّف مسئولا عن تحقيق التقيُّد
بعد افتراض تحقّق القيد أي انّ
المكلَّف لا يكون ممتثلا ـ بعد فعليّة
الحكم بتحقّق قيده ـ إلا أن يأتي
بالواجب مقترناً بالقيد ، فلو نذر
المكلّف أن يصوم الجمعة واتفق حصول
يوم الجمعة فإنَّ وجوب صوم يوم الجمعة
يُصبح فعليّاً وذلك لتحقق قيده وهو
يوم الجمعة وبهذا يكون المكلَّف
مسئولا عن التقيّد أي انّه لا يكون
ممتثلا إلاّ أن يأتي بالصوم مقترناً
بيوم الجمعة ، وهذا بخلاف مالو كان
القيد راجعاً للحكم فحسب فإنَّه
بتحقّق القيد يكون المكلّف مطالباً
بالإتيان بمتعلَّق الحكم كيفما اتّفق
وليس المطلوب منه حصّة خاصّة وهي
المتقيّدة بالقيد .
ومع اتِّضاح ماهو الضابط لتشخيص حكم
القيد يتّضح انَّ قيود الوجوب لا يلزم
أن تكون مقدورة للمكلَّف ، وذلك لعدم
مسئوليّة المكلَّف عن تحصيلها ، إذ
انَّها اُخذت مفروضة التحقّق ، فلا
يلزم من عدم اختياريّة القيود أي
محذور بعد ان لم يكن المكلّف مطالباً
بإيجادها ، ولذلك نلاحظ انّ من قيود
الوجوب ماهو اختياري مثل الإستطاعة
ومنها ماهو خارج عن الإختيار والقدرة
مثل هلال شهر رمضان بالنسبة لوجوب
الصوم والزوال بالنسبة لوجوب الصلاة .
وأمّا قيود الواجب فيلزم أن تكون
مقدورة للمكلَّف ، وذلك لانَّ هذه
القيود واجبة التحصيل ويكون المكلَّف
عاصياً بتفويتها ، فلو كانت خارجة عن
قدرة المكلَّف واختياره لكان التكليف
بها تكليفاً بغير المقدور ، وقد
اتَّضح ممّا سبق استحالة التكليف بغير
المقدور من غير فرق بين أن التكليف
بمعنى المؤاخذة والإدانة أو أن يكون
المراد من التكليف هو أصل التشريع
فإنَّ كلا منهما مستحيل في ظرف عدم
قدرة المكلَّف على الإمتثال .
قد يقال إنَّ الزوال مثلا قد افتُرض
من قيود الواجب وهو خارج عن اختيار
المكلَّف فإذا كانت قيود الواجب واجبة
التحصيل لزم من ذلك التكليف
بغيرالمقدور .
وبالتأمّل فيما ذكرناه سابقاً يتَّضح
جواب هذا الإشكال حيث قلنا انّ الذي
يجب تحصيله هو التقيّد والذي هو
امتثال المتعلَّق مقترناً بالقيد ،
وهذا ليس خارجاً عن اختيار المكلّف
كما هو واضح ، ففي الزوال مثلا لا
يكون مسئولا عن تحصيل الزوال حتى يلزم
من ذلك التكليف بغير المقدور بل انَّ
الذي يجب على المكلّف تحصيله هو
الصلاة المتقيّدة بالزوال أي انّ
الواجب ليس هو طبيعي الصلاة بل الحصة
التي تكون فيها الصلاة مقترنة مع
الزوال .
قيود الواجب على قسمين :
يمكن تصنيف قيود الواجب الى قسمين :
القسم الأوّل : وهو ما يُعبَّر عنه
بالقيود أو المقدّمات الشرعيّة ، وهي
قيود الواجب المستفادة بواسطة الشارع
المقدّس ، وذلك بأن يجعل الشارع
امتثال الواجب معلَّقاً على قيد من
القيود ، وبهذا التعليق يصبح الواجب
هو الحصة المقترنة بذلك القيد .
ويمكن التمثيل لذلك بالطهارة
والإستقبال والساتر للصلاة ، فإنّ هذه
القيود شرعيّة باعتبار انَّها تثبت عن
الشريعة ، وهذا الإعتبار الشرعي أوجب
تحصيص الصلاة الواجبة بالحصة المشتملة
والمقترنة بهذه القيود والمقدّمات .
وهذه المقدّمات لا تكون واجبة التحصيل
إلاّ بعد افتراض تحقق الفعلية للوجوب
إذ انّ أصل الواجب « متعلّق الوجوب »
لا يكون المكلَّف مسئولا عن ايجاده
مالم تتحقّق فعليّة الوجوب ، ومن
الواضح انّ مقدّمات الواجب انّما
يُؤتى بها باعتبار توقف امتثال الواجب
عليها إذ انّ الواجب ليس هو طبيعي
المتعلَّق كيفما اتّفق بل هو الحصّة
المقترنة بالقيود .
وإذا كان كذلك فوجوب تحصيلها انّما
يثبت بعد تقرُّر فعليّة الوجوب للواجب
فما لم تتحقّق فعليّة الوجوب فلا موجب
عقلا لوجوب تحصيل المقدّمات .
وبتعبير آخر : انّ العلّة في وجوب
تحصيل المقدّمات هو فعليّة الوجوب «
المجعول » وهذا يقتضي عقلا تأخّر
المسئوليّة عن تحصيل المقدّمات حتى
تتحقّق الفعليّة للوجوب .
فالطهارة مثلا لا تكون واجبة التحصيل
مالم تتحقّق فعليّة الوجوب للصلاة ،
إذ انّه قبل تحقّق فعليّة الوجوب
للصلاة لا مبرِّر لثبوت المسئوليّة
على المكلَّف تجاه الطهارة ، إذ انّ
وجوب المقدّمة مترشح عن وجوب ذي
المقدّمة .
القسم الثاني : هو ما يُعبَّر عنه
بالقيود العقليّة للواجب ، وهي قيود
الواجب التي يتوقّف عقلا تحقّق الواجب
عليها أي انّها القيود التي لولاها
لما أمكن تكويناً تحقّق الواجب وذلك
مثل السفر للحج بالنسبة للآفقي ،
فإنَّ الآفاقي لا يمكنه تكويناً أداء
فريضة الحجّ مالم يُسافر الى مكّة
المكرّمة .
ومن هنا لو ثبت وجوب الحج في حقّ
مكلَّف فإنّه يكون مسئولا عقلا عن
تحصيل السفر ، وذلك لانّه مطالب
بامتثال الوجوب وهذا غير ممكن مالم
يُسافر ، نعم لا يكون المكلّف مسئولا
عن السفر مالم تثبت فعليّة الوجوب
للحج لعين ماذكرناه في المقدّمات
الشرعيّة حيث قلنا انََّّ وجوب
المقدّمة مترشّح عن وجوب ذي المقدّمة
فافتراض عدم فعليّة وجوب ذي المقدّمة
يُساوق عدم وجوب المقدّمة المترشِّحة
عنها ، أمّا في حالة وجوب ذي المقدّمة
فحيث انَّ امتثال الوجوب متوقّف
تكويناً على تحصيل المقدّمة فالعقل
يحكم بلزوم تحصيل المقدّمة .
نعم لو كانت المقدّمة العقليّة من
قبيل مقدّمات الوجوب أي من قيود الحكم
فلا يكون المكلَّف مطالباً بإيجادها
بعد ان لم يكن هناك موجب لتحصيلها ،
إذ انّ الوجوب انّما هو متأخر عنها .
ويمكن التمثيل لمقدمات الوجوب
العقليّة بالعلم بوقوع المنكر ، فهو
مقدّمة لوجوب النهي عن المنكر ، إذ من
الواضح انّ وجوب النهي عن المنكر
متوقف عقلا على العلم بوقوع المنكر
فمع عدم العلم بوقوع المنكر لا يكون
هناك فعليّة لوجوب النهي عن المنكر ،
ومن هنا لا يجب تحصيل مقدّمة الوجوب
وهي العلم بوقوع المنكر ، وذلك لتأخّر
فعليّة الوجوب عنها وكونها العلّة
لتحقّق الفعليّة .
المسئوليّة قبل الوجوب :
اتّضح ممّا تقدّم انّه لا مسئوليّة
على المكلَّف عن تحصيل مقدّمات الواجب
مالم تتحقّق فعليّة الوجوب إلاّ أنَّه
قد يتفق العلم بعدم التمكّن من تحصيل
المقدّمات بعد تحقّق فعليّة وجوب ذيها
وكان المكلَّف قبل تحقّق الفعليّة
للوجوب قادراً على تحصيل تلك
المقدّمات ، فهل يلزمه في مثل هذا
الفرض أن يأتي بالمقدّمات قبل تحقّق
الفعليّة للوجوب أو انَّه لا يلزمه
ذلك ؟
وبتعبير آخر : إنّ هناك بعض التكاليف
يعلم المكلَّف بتحقّق فعليّتها فيما
يُستقبل من الزمان ، وهذه التكاليف لو
اتّفقت فعليّتها فإنّ امتثالها يكون
متوقفاً على مقدّمات شرعيّة ، فلو علم
المكلَّف انَّ هذه المقدّمات لا يمكن
ايجادها عند تحقّق زمان فعليّة الوجوب
إلاّ انّها متيسِّرة قبل زمان
الفعليّة فهل ان المكلَّف في مثل هذا
الفرض أيضاً لا يكون مسئولا عن تحصيل
المقدّمات أو انّ العقل في مثل هذا
الفرض يحكم بلزوم تحصيل هذه المقدّمات
وذلك لأنَّ عدم الإتيان بها قبل زمان
الفعليّة يقتضي فوات الواجب في حينه ،
ومن هنا سُمِّيت مثل هذه المقدّمات
بالمقدمات المفوتة ، ويمكن التمثيل
للمقدمات الشرعية المفوتة بالطهارة في
فرض عدم القدرة على تحصيلها بعد تحقّق
زمان فعليّة الوجوب للصلاة في حين
انَّها مقدورة قبل زمان الفعليّة .
ومثال المقدّمات العقليّة المفوتة
السفر ، فلو كان البناء على انّ زمان
فعليَّه الوجوب للحج يبدأ بهلال شوال
ـ أول أشهر الحج ـ وعلمنا بعدم امكان
السفر في أشهر الحج إلاّ انّه ممكن
قبل أشهر الحج أي قبل تحقّق فعليّة
الوجوب للحجّ .
فهنا نقول : انّه هل يلزم المكلَّف
الإتيان بالطهارة في المثال الأوّل
والسفر في المثال الثاني قبل تحقّق
زمان الفعليّة للوجوب باعتبار ما يحكم
به العقل من لزوم التحفُّظ على امتثال
الواجب في حينه وعدم تفويته بترك
المقدّمات التي يتوقف امتثال الواجب
في حينه عليها ، أو انّ المكلَّف غير
مطالب بتحصيل المقدّمات مالم تتحقّق
فعليّة الوجوب وإن لزم من عدم تحصيلها
قبل زمان الفعليّة فوات الواجب في
حينه .
والتحقيق انّ ما تقتضيه القاعدة
العقليّة هو عدم وجوب تحصيل مقدّمات
الواجب في مثل هذا الفرض ، وذلك
لأنَّه قبل تحقّق زمان الفعليّة لا
وجوب حتى يترشّح عنه وجوب لتحصيل
المقدّمات ، وبعد تحقّق الزمان الذي
يُفترض أن يكون الوجوب فيه فعليّاً لا
يكون هناك فعليّة للوجوب ، وذلك
لتعذُّر امتثال الواجب في حينه فيكون
التكليف به تكليفاً بغير المقدور وهو
منفيّ عقلا . وبيان ذلك :
إنَّ وجوب تحصيل مقدّمات الواجب
العقليّة والشرعيّة مترشّح عن تحقّق
الفعليّة لوجوب الواجب وقبل تحقّق
زمان الفعليّة لا وجوب حتى يكون
المكلَّف مسئولا عن ايجاد مقدّماته
وبعد تحقّق زمان الفعليَّة يكون
الإمتثال خارجاً عن القدرة ، وذلك
لتعذُّر تحصيل المقدّمات المتوقّف
تحصيل الواجب عليها ـ كما هو مقتضى
الفرض ـ وقد ثبت استحالة التكليف بغير
المقدور فلا تكليف حتى يترتَّب عليه
وجوب المقدّمات .
فالطهارة قبل الزوال والسفر قبل أشهر
الحج ليسا واجبي التحصيل لعدم فعليّة
وجوب الصلاة قبل الزوال والحج قبل
أشهر الحج ، وبعد تحقّق الزوال
وابتداء أشهر الحج لا يكون وجوب
الصلاة والحج فعليّاً أيضاً ، وذلك
لعدم القدرة على امتثال وجوب الصلاة
والحج ، إذ انّ امتثال الوجوب ـ والذي
يقتضي الإتيان بالصلاة والحج ـ يكون
متعذراً بعد تعذُّر المقدّمات
المتوقّف الإمتثال عليها فيكون
التكليف بهما تكليفاً بغير المقدور
وهو مستحيل .
والخلاصة انَّ مقدّمات الواجب المفوتة
غير واجبة التحصيل كما هو الحال في
سائر مقدّمات الواجب قبل تحقّق فعليّة
الوجوب .
إلاّ انَّه تبقى مشكلة تحتاج إلى علاج
وهي انّ بعض مقدّمات الواجب لا تكون
إلاّ من قبيل المقدّمات المفوّتة أي
انَّه يتعذَّر دائماً تحصيلها بعد
زمان فعليّة الوجوب ويلزم دائماً من
تأخير إيجادها الى زمان الفعليّة فوات
الواجب في حينه ، ونجد الفقهاء في مثل
هذه الحالة يُفتون بلزوم تحصيل هذه
المقدّمات المفوّتة .
فمثلا الطهارة من الحدث الأكبر «
الجنابة » من مقدّمات الواجب وهو
الصوم في شهر رمضان ، إذ انَّ من
الثابت فقهيّاً انَّه لا يمكن إمتثال
التكليف بوجوب الصوم إلاّ أن يكون
الصوم الممتَثل مقترناً بالطهارة من
الحدث الأكبر .
ونلاحظ انّ زمان فعليّة الوجوب للصوم
هو الفجر ومقتضى القاعدة انَّ الكون
على الطهارة من الحدث الأكبر انَّما
يجب تحصيله بعد تحقّق زمان فعليّة
الوجوب للصوم « الفجر » إلاّ انّ
تأخير التطهر من الحدث الأكبر الى ما
بعد تحقّق زمان الفعليّة « الفجر »
يقتضي دائماً العجز عن الإتيان
بالواجب « الصوم » مقترناً بالطهارة
من الحدث الأكبر ، إذ انّ الوقت الذي
يُوتى فيه بالطهارة لا يكون الصوم
مقترناً بالطهارة .
ومن هنا تكون الطهارة من الحدث الأكبر
من المقدّمات المفوتة ومع ذلك نجد
الفقهاء يُفتون بلزوم التطهر من الحدث
الأكبر قبل طلوع الفجر أي قبل زمان
فعليّة الوجوب للصوم .
ويمكن التمثيل لمقدّمات الواجب
المفوتة بمثال آخر يناسب مقدّمات
الواجب العقليّة ، وهو السفر لعرفات
فإنَّه مقدّمة للوقوف بعرفات الواجب ،
ومقدار الوقوف الواجب يبدأ من زوال
الشمس ليوم عرفة ، فإذا كانت فعليّة
الوجوب للوقوف متوقّفة أيضاً على
تحقّق الزوال من يوم عرفة فهذا يقتضي
عدم مسئوليّة المكلَّف عن السفر لأرض
عرفات قبل زوال يوم عرفة في حين أنّ
تأخير السفر الى ما بعد تحقّق
الفعليّة يقتضي دائماً عجز المكلَّف
عن الإتيان بالواجب في حينه .
وبهذا اتَّضح أنَّ السفر الى عرفات من
المقدّمات العقليّة المفوّتة ،
والفقهاء مُلتزمون بوجوب تحصيل هذه
المقدّمة قبل تحقّق زمان فعليّة
الوجوب للوقوف .
ومن هنا فقد تصدَّى الاصوليّون لبيان
ماهو المنشأ للحكم بلزوم تحصيل
المقدّمات المفوّتة التي يقتضي
تأخيرها الى زمان فعليّة الوجوب عجز
المكلَّف عن الإتيان بالواجب في حينه
، وقد ذكروا لذلك مجموعة من التوجيهات
أرجأ المصنَّف (رحمه الله) البحث عنها
أو عن بعضها إلى الحلقة الثالثة .
القيود المتأخّرة زماناً عن المقيّد
القيود سواء كانت راجعة الى الوجوب «
الحكم » أو كانت راجعة الى الواجب «
متعلَّقق الحكم » يمكن تصنيفها الى
ثلاثة أقسام :
القسم الاول : القيود المقارنة :
ويُعبَّر عنها بالشرط المقارن ، وهي
القيود المأخوذة على نحو تكون متحدة
زماناً مع المقيد ، فالقيود الراجعة
للوجوب هي القيود الموجب تحقّقها
تحقّق فعليّة الوجوب بحيث لا تكون
هناك فاصلة زمنيّة بين تحقّق القيود
خارجاً وبين ترتُّب الفعليّة للوجوب ،
فمتى ما تحققت القيود تحقّقت معها
الفعليَّة .
ويمكن التمثيل لذلك بالزوال بالنسبة
لفعليَّة الوجوب للصلاة ، إذ انَّ
فعليّة الوجوب للصلاة مقارنة زماناً
لتحقق الزوال خارجاً .
وامّا القيود المقارنة للواجب فهي
القيود المأخوذة على نحو يكون امتثال
الواجب منوطاً بتواجدها في تمام زمان
الإمتثال بحيث لا يكون الواجب حين
امتثاله فاقداً لذلك القيد .
ويمكن التمثيل لذلك بالاستقبال
والساتر والكون على طهارة ، فإنّ كل
هذه الشروط من الشروط المقارنة للصلاة
فلا يكون المكلَّف ممتثلا مالم تكن
هذه القيود مقترنة بالصلاة حين
امتثالها .
القسم الثاني : القيود المتقدّمة :
ويُعبَّر عنها بالشرط المتقدّم ، وهي
القيود التي اُخذت متقدّمة على
المقيّد بها أي يلزم أن يكون وجودها
قبل وجود المقيّد بها .
فالقيود المتقدّمة الراجعة للحكم هي
القيود التي افتُرضت على نحو تكون
فعليّة الوجوب متأخرة عنها وتكون هي
متقدّمة على الفعليّة ، ومثاله
الاستطاعة بناء على انّ الفعليّة
لوجوب الحج انّما تكون بعد تحقّق أشهر
الحج .
وأمَّا القيود المتقدّمة للواجب فهي
القيود التي اُخذت على نحو تكون
متقدّمة على امتثال الواجب بحيث لا
يكون المكلَّف ممتثلا مالم يتحقّق
القيد أولا .
ويمكن التمثيل لذلك بالوضوء والغسل
والتيمّم للصلاة فإنّ هذه القيود
اُخذت على نحو يكون تحصيلها قبل
الإتيان بالواجب « الصلاة » .
القسم الثالث : القيود المتأخّرة :
ويُعبَّر عنها بالشرط المتأخر ، وهي
القيود التي اُخذت على نحو تكون
متأخرة عن زمان المقيّد .
فالقيود المتأخّرة الراجعة للحكم هي
القيود المتأخّرة عن الحكم زماناً
والموجبة لفعليّته من حين وقوع
متعلَّقه .
ويمكن التمثيل لذلك بعقد الفضولي بناء
على الكشف ، وذلك لانَّه بناء على
الكشف تكون إجازة المالك موجبة لنفوذ
العقد من حين وقوعه فتكون الإجازة
المتأخّرة شرطاً في نفوذ ما وقع من
عقد في زمن
متقدّم .
وبيان ذلك :
لو باع شخص ما لا يملك دون إذن المالك
، فإنَّ هذا البيع يكون فضوليّاً ،
ولهذا يتوقّف نفوذه على إجازة المالك
، فلو وقعت الإجازة من المالك بعد
يومين من وقوع العقد الفضولي ، فإنّ
هذه الإجازة ـ بناء على الكشف ـ تكون
موجبة لنفوذ العقد وحصول النقل
والإنتقال من حين وقوع العقد أي قبل
يومين من تحقّق إجازة المالك .
فالاجازة المتأخّرة عن العقد أوجبت
صحّة العقد « الحكم » المتقدّم عليها
زماناً .
وأمّا القيود المتأخّرة الراجعة
لمتعلّق الحكم « الواجب » فهي القيود
التي اُخذت على نحو تكون صحّة ما جاء
به المكلَّف من واجب منوطاً بتحقّق
ذلك القيد المتأخر زماناً عن تحقّق
الواجب .
ويمكن التمثيل لذلك بغسل المستحاضة في
الليل ، فإنّه شرط في صحّة الصوم
الواقع في النهار المتقدّم ، كما لو
صامت المستحاضة في يوم السبت ، فإنَّ
صحّة صومها الواقع في يوم السبت منوط
بشرط متأخّر وهو تحقّق الغسل منها في
ليلة الأحد .
ومع اتِّضاح الأقسام الثلاثة للقيود
نقول : انَّه غالباً ما تكون
القيود من سنخ القيود المقارنة أو
المتقدّمة ، وأمَّا القيود المتأخرة
فقد
يُدَّعى انَّها مستحيلة ، وذلك لأنَّ
القيود دائماً تكون في رتبة العلل
للمقيد
بها ، واذا كان كذلك فيستحيل تأخرها
عن المقيَّد لإستحالة تأخر العلة عن
معلولها .
إلاّ انّه في مقابل دعوى الإستحالة
هناك دعوى بالإمكان وانَّه لا محذور
عقلا في تأخر القيود عن المقيَّد بها
زماناً ، إذ انّ دعوى الإستحالة نشأت
عن توهّم كون القيود في رتبة العلل
للمقيّد بها وهذا غير صحيح ، وذلك
لانّ قيود الواجب الشرعيّة لا تعني
أكثر من أنّ الواجب ليس هو الطبيعة
على سعتها بل هو الحصّة الخاصّة من
الطبيعة وهي الواجدة للقيد ، إذ انَّ
المولى حينما يأخذ قيداً في الواجب
فإنّه يُضيّق من دائرة المطلوب ويجعل
الواجب حصّة خاصّة من الطبيعة وهي
المتقيّدة بالقيد ، وهذا التضييق
لدائرة المطلوب قد يتمّ بواسطة جعل
المطلوب هو الحصّة التي يسبقها القيد
، وقد يتم بواسطة جعل المطلوب هو
الحصّة التي يقترن معها القيد ، وقد
يتمّ بواسطة جعل المطلوب هو الحصّة
التي يتعقَّبها القيد ، وكلُّ هذه
الحالات يكون المولى قد ضيَّق من
دائرة المطلوب وحصَّصه بحصة خاصة ،
وليس في حالة من هذه الحالات يكون
فيها ذات الواجب متوقفاً على قيده بل
انّ هذه القيود لا تعني أكثر من تعيين
ماهو المطلوب للمولى . وبهذا لا تكون
قيود الواجب بمثابة العلل للمقيّد بها
، فلا محذور حينئذ في أن يكون القيد
متقدّماً أو متأخّراً .
ففي مثالنا وهو اشتراط صحّة الصوم
السابق بالغسل في الليلة اللاحقة لا
يعني هذا الشرط أكثر من أنّ المطلوب
للمولى هو الحصّة الخاصة من الصوم وهي
الصوم الذي يتعقّبه غسل الاستحاضة .
وكذلك لا محذور في افتراض تأخر قيود
الحكم عن الحكم وذلك لانَّ الحكم
بمرتبة الجعل يُجعل على نحو القضيّة
الحقيقيّة والتي يكون موضوعها مقدر
الوجود ، وهذا يعني انَّ القيود
المأخوذة في الحكم بمرتبة الجعل هي
قيود افتراضيّة ذهنيّة يلحظها المولى
ثمّ يجعل الحكم عليها معلقاً على
مالاحظه وقدَّره من موضوع وقيود ،
وإذا كان كذلك فالحكم بمرتبة الجعل
يكون موجوداً بمجرَّد إنشاء المولى
للقضيّة الحقيقيّة ، وذلك لأنَّ الحكم
لمّا كان معلقاً على ماهو ملحوظ في
الذهن فحتماً يكون موجوداً حين إنشاء
القضيّة الحقيقيّة ، إذ انّ القضيّة
الحقيقيّة متقوّمة بتقدير الموضوع
وتصوّره في الذهن وهو « الموضوع
المقدَّر » حاصل حين إنشاء الحكم
حتماً ، إذ انّ هذا هو مقتضى جعل
الحكم على نهج القضيّة الحقيقيّة .
وبتعبير آخر : إنّ افتراض جعل الحكم
على نهج القضيّة الحقيقيّة يقتضي كون
الموضوع مقدراً ومتصوراً حال إنشاء
الحكم وجعله ، وإذا كان كذلك فالحكم
بمرتبة الجعل لا يكون معلّقاً على
واقع القيود بل هو معلّق على القيود
المفترضة وهي متحقّقة حين إنشاء وجعل
الحكم على الموضوع أي ان قيود الحكم
بمرتبة الجعل تكون دائماً مقارنة
للحكم ، وإذا كانت قيود الحكم بمرتبة
الجعل مقارنة دائماً للحكم فلا يضرّ
أن تكون متأخرة خارجاً عن الحكم ، إذ
انَّ القيود الخارجيّة ليست قيوداً
للحكم بمرتبة الجعل ، فالقيود التي
تكون خارجاً متأخّرة عن الحكم هي
مقارنة للحكم في مقام التصوّر
والتقدير ، وذلك لانّ موضوع الحكم هي
القيود المقدّرة وهي حاصلة حين ترتيب
الحكم عليها . وهذا هو معنى مقارنة
قيود الحكم بمرتبة الجعل للحكم .
وأمَّا الحكم المجعول ـ والذي يعني
تحقّق الفعليّة ـ فهو محض إعتبار أي
انَّ المولى يعتبر ويفترض الحكم
فعليّاً متى ما تحقّقت قيوده خارجاً ،
فهو إذن ليس من سنخ الوجودات
الحقيقيّة الخارجيّة .
وبهذا يتّضح بأنَّه لا مانع من تعليق
الحكم المجعول على قيد متأخر بعد أن
كان الحكم المجعول وجوداً إعتباريَّاً
تابعاً للمعتبِر فإذا كان المعتبر قد
جعل الفعليّه للحكم معلَّقة على شرط
متأخّر فإنّ هذا لا يعني أكثر من أن
الإعتبار قد كُيِّف بهذه الكيفيّة ،
فأيُ فرق بين اعتبار الفعليّة منوطة
بشرط متقدّم أو بشرط متأخّر بعد ان
كان الإعتبار بيد المعتبر يكيِّفه كيف
يشاء .
فتعليق نفوذ العقد الفضولي على
الإجازة المتأخّرة لا يعني أكثر
من أنّ المولى قد اعتبر العقد الفضولي
نافذاً من حينه إذ تعقبته
الإجازة .
زمان الوجوب والواجب
ويقع البحث هنا عن إمكان الواجب
المعلّق أو استحالته .
وقبل بيان المراد من الواجب المعلَّق
وهل هو ممكن أو مستحيل لابدَّ من
تقديم مقدّمة :
وهي انَّ العلاقة بين الزمن الذي
تتحقّق فيه الفعلية للوجوب « المجعول
» والزمن الذي اُنيط به امتثال الواجب
« متعلّق الحكم » يمكن ان تُتصوّر لها
ثلاث حالات :
الحالة الاولى : وهي أن يتّحد زمان
الوجوب مع زمان الواجب ابتداءً وبقاءً
، وهذه هي الحالة الغالبة .
ويمكن التمثيل لها بالزمان الذي
تتحقّق فيه فعليّة الوجوب لصلاة الظهر
وزمان الواجب « متعلَّق الوجوب » فإنّ
زمانهما متحدٌ ابتداءً وهو زوال الشمس
وبقاءً وهو زوال الحمرة المشرقيّة ،
فإنَّ فعليّة الوجوب لا تتحقّق إلاّ
حين تزول الشمس وكذلك امتثال الواجب
يكون منوطاً بتحقّق الزوال ، وتستمر
الفعليّة الى حين زوال الحمرة
المشرقيّة وكذلك زمان امتثال الواجب .
الحالة الثانية : وهي افتراض تقدُّم
تمام زمان الوجوب على زمان الواجب
بحيث يكون ابتداء زمان الواجب بعد
انتهاء زمان الوجوب .
وهذه الحالة مستحيلة التحقّق وذلك
لانّه بعد انتهاء أمد الفعليّة للوجوب
لا يكون هناك موجب لمسئوليّة المكلَّف
عن الإتيان بالواجب ، إذ انّ
مسئوليّته عن الواجب انّما تنشأ عن
الوجوب ومع افتراض انتهاء أمد الوجوب
لا يكون هناك منشأ يوجب الإتيان
بالواجب .
الحالة الثالثة : أن يكون زمان الوجوب
متقدّماً على زمان الواجب إلاّ انّ
زمان الواجب يبدأ قبل انتهاء زمان
الوجوب ويتحد بعد ذلك زمان الواجب مع
زمان الوجوب ويكون انتهاء زمنيهما في
آن واحد .
ويمكن التمثيل لذلك بوجوب صيام شهر
رمضان ، فإنّ زمان وجوبه يبدأ برؤية
الهلال أما زمان الواجب فيبدأ عند
طلوع الفجر ، فزمان الوجوب تقدّم على
زمان الواجب إلاّ أن زمان الإتيان
بالواجب « الصوم » بدأ قبل انتهاء
فعليّة الوجوب للصوم وبقيا متحدين الى
حين انتهاء أمديهما معاً .
ومع اتِّضاح هذه المقدّمة نقول : إنّ
الحالة الثالثة هي التي يُعبَّر فيها
عن الواجب بالمعلَّق ، فالمراد من
الواجب المعلَّق هو ما يكون زمان
الواجب متأخراً عن زمان تحقّق
الفعليَّة للوجوب بحيث لا يكون
المكلَّف ممتثلا للمأمور به إلاّ في
حال وقوع الواجب في الزمن المحدّد
والذي يكون متأخراً عن زمان الفعليّة
للوجوب .
هل الواجب المعلَّق ممكن أو مستحيل ؟
ذهب المصنِّف (رحمه الله) الى استحالة
أن يكون الواجب معلقاً ، وذلك لأنَّ
معنى أن يكون الواجب معلقاً هو أن
يكون مقيداً بزمن ، والزمن ليس من
القيود الاختياريّة ، وقد ذكرنا انّ
قيود الواجب يستحيل أنْ تكون غير
اختياريّة ، إذ انّ المكلّف مسئول عن
تحصيلها وايجادها ولا يمكن أن يكون
المكلَّف مسئولا عمَّا هو خارج عن
قدرته لاستحالة التكليف بغير المقدور
، نعم يمكن تقييد الوجوب والواجب معاً
بقيد غير اختياري لانه في مثل هذه
الحالة لا يكون المكلَّف مطالباً
بتحصيل القيد ـ كما اتّضح ذلك مما سبق
ـ وأمّا ان نُقيِّد الواجب وحده بقيد
غير اختياري فهذا مستحيل ، ومن هنا
لابدَّ من أن يكون زمان الواجب قيداً
للوجوب أى ان فعليّة الوجوب تبدأ حين
يتحقّق زمان الواجب ، وهذا يعني عدم
تأخر زمان الواجب عن زمان الفعليّة .
وخلاصة الكلام انّ الزمان لمّا كان من
القيود غير الإختياريّة فيستحيل تقييد
الواجب وحده به ، فلابدَّ أن يكون
القيد راجعاً الى الوجوب فإذا كانت
فعليَّة الوجوب مقيَّدة بتحقّق زمان
الواجب فهذا يقتضي عدم تحقّقها الى
حين تحقّق زمان الواجب وهذا يعني عدم
تقدّم زمان الفعليّة على زمان الواجب
وعدم تأخّر زمان الواجب عن زمان
الفعليّة . وبهذا تثبت استحالة الواجب
المعلَّق .
وفي مقابل القول بالإستحالة ذهب جماعة
من الاصوليّين الى إمكان الواجب
المعلَّق ، إذ انّه ايُّ محذور في أن
يكون الوجوب فعليّاً وتكون المسئوليّة
عن الإتيان بالواجب معلّقة على زمن
متأخر .
الثمرة المترتّبة على القولين :
أمّا الثمرة المترتّبة على القول
بإمكان الواجب المعلّق فهو وجوب
المقدّمات المفوتة .
وبيان ذلك : إنّ دعوى استحالة وجوب
المقدّمات المفوتة نشأ عن انّ زمان
الواجب متحد مع زمان فعليّة الوجوب
وأنّ الفعليّة لا تتحقّق إلاّ في زمان
الواجب ، إذ انَّ هذا هو مقتضى اشتراط
الفعليّة بزمان الواجب ، وفي مثل هذه
الحالة لا يكون المكلَّف مسئولا عن
مقدّمات الواجب قبل تحقّق الفعليّة
للوجوب ومع تحقّق الفعليّة للوجوب
يكون المكلّف عاجزاً عن تحصيل مقدّمات
الواجب كما هو مقتضى الفرض .
وبتعبير أوضح : إنّ مقدّمات الواجب لا
يكون المكلَّف مسئولا عن تحصيلها إلاّ
بعد تحقّق الفعليّة للوجوب ، فلو
افترضنا المكلَّف يعلم بعدم قدرته على
تحصيل مقدّمات الواجب في حينه إلا انه
قادر قبل ذلك على تحصيل المقدّمات ،
فإنه في مثل هذه الحالة لا يكون
مسئولا عن تحصيل المقدّمات وإن كان
قادراً على تحصيلها ، وذلك لان وجوب
تحصيل مقدمات الواجب منوط بتحقّق
الفعليّة للوجوب والفعليّة منوطة
بتحقّق زمان الواجب وفي حال تحقّق
زمان الواجب يكون المكلَّف عاجزاً عن
تحصيل المقدّمات ، ومن هنا لا تكون
المقدّمات المفوتة واجبة التحصيل .
امَّا لو افترضنا ان زمان الوجوب يمكن
أن ينفك عن زمان الواجب ويتقدّم عليه
، فإنّه بتحقق الفعليّة للوجوب يكون
المكلَّف مسئولا عن تحصيل المقدّمات
ومنها المقدّمات المفوتة ، إذ ان وجوب
مقدّمات الواجب مترشّح عن فعليّة
الوجوب وهو حاصل بناءً على إمكان
الواجب المعلَّق ، فالمكلّف وإن كان
غير قادر على الإغتسال من الجنابة في
زمان الواجب « الفجر » إلاّ انّه قادر
عليه ليلا ولمّا كان زمان الوجوب يبدأ
من حين رؤية الهلال فهذا يقتضي
مسئوليّة المكلّف عن تحصيل كلّ
المقدّمات التي يتوقف عليها إمتثال
الواجب « الصوم » والتي منها الاغتسال
عن الجنابة .
وأمَّا الثمرة المترتبة على القول
باستحالة الواجب المعلّق فبناءً على
استحالة الشرط المتأخّر تكون فعليّة
الوجوب منوطة بتحقّق زمان الواجب ولا
يمكن أن تتقدّم الفعليّة على تحقّق
زمان الواجب . وبيان ذلك : انّه إذا
بنينا على استحالة تعلّق فعليّة الحكم
« الوجوب » على شرط متأخر فهذا يعني
استحالة كون زمان الواجب شرطاً
متأخراً لفعليّة الوجوب . ومن هنا
لابدَّ أن يكون شرطاً مقارناً للوجوب
فمتى ما تحقّق زمان الواجب تحقّقت
الفعليّة وقبل ذلك لا تكون هناك
فعليَّة للوجوب ، إذ انّ تحقّق
الفعليّة قبل تحقّق زمان الواجب يعني
إمكان أن يكون الحكم « الوجوب »
معلقاً على شرط متأخّر وقد افترضنا
استحالته ، ومن هنا لا يكون هناك ما
يُبرِّر وجوب تحصيل المقدّمات المفوتة
لأنَّه قبل تحقق زمان الواجب لا يكون
الوجوب فعليّاً فلا موجب حينئذ لتحصيل
مقدّمات الواجب وبعد تحقّق زمان
الفعليّة بتحقّق زمان الواجب يكون
المكلّف عاجزاً عن تحصيل المقدّمات .
وأمَّا بناءً على إمكان الشرط المتأخر
فلا محذور في إناطة الحكم بشرط متأخر
وهو زمان الواجب .
وتلاحظون هنا انّ فعليّة الوجوب تبقى
منوطة بتحقّق زمان الواجب ، غاية
مافي الأمر انّ زمان الواجب يكون
شرطاً متأخراً ، وهذا لا يسوّغ إمكان
الواجب المعلّق ، إذ انّ فعليّة الحكم
تبقى معلقة على زمان الواجب ، نعم
المقدّمات المفوتة بناءً على هذا
الفرض واجبة التحصيل لو اتّفق تحقّق
زمان الواجب بعد ذلك أمّا لو لم
يتحقّق زمان الواجب فإنّ ذلك يكشف عن
عدم وجوب المقدّمات المفوتة ، وذلك
لان عدم تحقّق زمان الواجب يعني عدم
تحقّقق الفعليّة للوجوب من أوّل الامر
فلا موجب لتحصيل مقدّمات الواجب ، إذ
انها مترشحة عن فعليّة الوجوب وهي غير
حاصلة لو اتّفق عدم تحقّق زمان الواجب
.
وهذا بخلاف مالو قلنا بإمكان الواجب
المعلَّق ، فإنَّ المقدّمات المفوتة
تكون واجبة التحصيل على أي حال سواءً
تحقّق زمان الواجب بعد ذلك أو لم
يتحقّق ، إذ انّ مقدّمات الواجب التي
منها المفوتة مترشحة عن فعليّة الوجوب
وهي غير منوطة بزمان الواجب فسواءً
اتّفق حصول زمان الواجب أو لم يتّفق
حصوله فالفعليّة للوجوب ثابتة .
وخلاصة الكلام : انّه بناءً على القول
باستحالة الواجب وإمكان الشرط المتأخر
يمكن أن يُناط الوجوب « المجعول »
بتحقّق زمان الواجب فيكون زمان الواجب
من شرائط الوجوب ، ففي المثال الذي
ذكرناه وهو وجوب الصوم في شهر رمضان
يكون منوطاً بشرطين :
الأوّل : هو رؤية الهلال ، وهذا الشرط
يوجب تحقّق فعليّة وجوب الصوم بمجرَّد
تحقّقه فيكون وجوب الصوم مزامناً
لتحقّق الرؤية للهلال .
الثاني : هو طلوع الفجر ، فالمكلّف
الذي رأى هلال شهر رمضان وكان ممّن
سيطلع عليه الفجر وهو قادر على الصيام
فوجوب الصوم يكون عليه فعلياً ، وبهذا
يكون مسئولا عن المقدّمات المفوّتة من
قبيل الغسل عن الجنابة .
أما من رأى الهلال إلا انه في علم
الله لن يُوفق لإدراك الفجر أو يُدركه
وهو عاجز عن الصوم فهذا ممّن لا تجب
عليه المقدّمات المفوّتة واقعاً ، إذ
ان عدم إدراك الفجر يكشف عن عدم تحقّق
فعليّة الوجوب للصوم من أوّل الأمر ،
وهذا يعني عدم وجوب المقدّمات المفوتة
، إذ انّها فرع تحقّقق الفعليَّة
لوجوب الصوم .
متى يجوز عقلا التعجيز
والغرض من عقد هذا البحث هو بيان
الموارد التي يحكم العقل فيها بجواز
تعجيز النفس عن إيجاد الواجب والموارد
التي يحكم العقل فيها بعدم جواز
التعجيز .
والمراد من تعجيز النفس هو ان يُوجِد
المكلَّف ما يُوجب إنسلاب قدرته عن
الإتيان بالمأمور به . والمراد من
القدرة الأعم من القدرة التكوينيّة
كأنْ يؤخر الآفاقي سفره الى مكة
المكرّمة الى حد لا يمكن معه أداء
مناسك الحج في وقتها ، إذ انّ أداء
مناسك الحج في ذي الحجة متوقف تكويناً
بالنسبة للآفاقي على السفر الى مكّة
المكرّمة قبل وقت أداء المناسك .
أو القدرة الشرعيّة والتي تعني القدرة
على الإتيان بالواجب مقترناً بالقيد
الشرعي ، ويمكن التمثيل له بمن يشرب
عمداً ما يُوجب التقيّء في نهار شهر
رمضان . أو يفعل ما يوجب فقدان الوعي
في تمام وقت الصلاة .
وباتّضاح ماذكرناه نقول : إنّ تعجيز
المكلَّف نفسه عن ايجاد الواجب يمكن
تصويره في موردين :
المورد الأوّل : أن يُوجِد المكلَّف
ما يُوجب تعجيز نفسه عن إيجاد الواجب
بعد تحقّق الفعليّة للوجوب ، وفي مثل
هذه الحالة لا إشكال في عدم جواز
تعجيز النفس عقلا ، وذلك لأنَّ
المكلَّف لمَّا كان مسئولا عن الإتيان
بالواجب فإن تعجيز النفس يساوق ترك
الواجب اختياراً ، وهذا هو معنى
المعصية والتي يحكم العقل بقبح صدورها
من العبد .
ومثال ذلك أن يشرب المكلَّف مايوجب
انسلاب وعيه في حالة يكون فيها وجوب
الصلاة فعليّاً كأن يشربه بعد الزوال
ويكون مفعوله مستمراً الى حين زوال
الحمرة المشرقيّة . أو أن يؤخر
الآفاقي المستطيع سفره الى مكّة
المكرّمة الى أن يتضيّق وقت أداء
فريضة الحج بحيث لا يتمكن تكويناً من
أداء فريضة الحج .
المورد الثاني : ان يُعجِّز المكلَّف
نفسه عن أداء الواجب ولكن قبل تحقّق
فعليّة الوجوب ، كما لو أحدث بالجنابة
اختياراً قبل طلوع الفجر وهو يعلم
بعدم قدرته على الاغتسال الى حين طلوع
الشمس .
وفي هذا المورد ذهب المصنِّف (رحمه
الله) الى جواز تعجيز النفس وذلك لعدم
وجود ما يُوجب التحفُّظ على القدرة
بعد افتراض عدم فعليّة الوجوب ، وأمّا
بعد تحقّق زمان الفعليّة للوجوب يكون
المكلَّف عاجزاً عن إيجاد الواجب ومع
عجزه يستحيل تكليفه لاستلزامه التكليف
بغير المقدور .
وتطبيق ماذكرناه على المثال انَّ
المكلَّف حينما أحدث بالجنابة لم يكن
هناك تكليف بالصلاة عن طهارة مائية ،
وذلك لانه أحدث بالجنابة قبل طلوع
الفجر أي قبل مخاطبته بالصلاة وبعد أن
طلع الفجر لم يكن قادراً على الإتيان
بالصلاة عن طهارة مائية ، وهذا ما
يستوجب عدم إمكان تكليفه بالصلاة عن
طهارة مائية لاستحالة تكليف العاجز ،
فالمكلَّف وإن كان هو الذي منع عن
تحقّق الفعليّة للوجوب إلاّ انّ ذلك
غير ضائر بعد ان كانت الفعليَّة منوطة
بزمان لم يكن متحقّقاً حين التعجيز
فلم تصدر من المكلَّف معصية ، إذ انّ
المعصية هي مخالفة التكليف ولم يكن
تكليف حينما عجّز نفسه .
وبهذا اتَّضح جواز تعجيز النفس عن
ايجاد الواجب إذا لم تكن الفعليّة قد
تحقّقت ، إلاّ انه يمكن ان يُقال في
مثل هذا المورد بالتفصيل بين التكليف
الذي تكون مبادؤه مختصّة بظرف القدرة
أي انّ القدرة شرط شرعي له وبين
التكليف الذي لا تكون مبادؤه مختصة
بظرف القدرة أي انّ القدرة شرط عقلي
له فإنه في الاول يجوز تعجيز النفس عن
ايجاد الواجب قبل تحقّق الفعليّة وفي
الثاني لا يجوز . وبيان ذلك :
اننا ذكرنا في بحث استحالة التكليف
بغير المقدور ان مبادئ التكليف لا
تكون دائماً منوطة بالقدرة فقد تكون
المصلحة والمحبوبيّة ثابتة للفعل في
ظرف عدم القدرة كما في إنقاذ المؤمن
من الغرق فإنّه واجد للمصلحة
والمحبوبيّة حتى وإن كان المكلَّف
عاجزاً عن إنقاذه ، وفي مثل هذه
الحالة تكون القدرّة ـ المعتبرة في
تحقّق الفعليّة للتكليف ـ عقليّة ، إذ
انّ المقتضي لتحقّق الفعليّة للتكليف
موجود « الملاك والإرادة » إلاّ ان
الذي سبَّب المنع عن تحقّق الفعليّة
هو عجز المكلّف والذي هو موضوع لحكم
العقل باستحالة التكليف .
وفي الحالة الثانية تكون فيها المصلحة
والمحبوبيّة منوطة بالقدرة فلا مصلحة
ولا محبوبيّة للفعل في ظرف عدم القدرة
، وفي مثل هذه الحالة تكون القدرة ـ
المعتبرة في تحقّق الفعليّة للتكليف ـ
شرعيّة ، وذلك لأنَّ المقتضي للتكليف
في ظرف عدم القدرة منتف ، وهذا ما
أوجب التعبير عن القدرة المعتبرة في
فعليّة التكليف بالقدرة الشرعيّة
لتتميّز عن القدرة المُعبّر عنها
بالعقليّة . ومع إتضاح هذه المقدّمة
نقول :
انّه يجوز للمكلَّف أن يعجِّز نفسه عن
إيجاد الواجب قبل تحقّق الفعليّة
للوجوب إذا كان الوجوب منوطاً بالقدرة
الشرعيّة ، إذ انّه في مثل هذه الحالة
لا تكون هناك مصلحة فائتة ، وذلك
لأنَّ المصلحة في هذا الفرض
منوطة بالقدرة ، وبتعجيز المكلَّف
نفسه تكون المصلحة منتفية عن الفعل
فلا يلزم من منع المكلّف عن تحقّق
الفعليّة للتكليف تفويت المصلحة
على المولى.
وهذا بخلاف ما إذا كان الوجوب منوطاً
بالقدرة العقليّة فإنّه لا يجوز
للمكلَّف تعجيز نفسه عن إيجاد الواجب
، إذ انّ المصلحة تبقى منحفظة في ظرف
عدم القدرة ، وهذا يعني انّ المصلحة
تفوت بتعجيز المكلَّف لنفسه ، والعقل
يحكم بقبح تفويت ملاكات المولى .
وبتعبير آخر : انّ مبادئ الحكم إذا
كانت ثابتة في حال عدم القدرة فإنَّ
ذلك يقتضي فواتها بسبب استحالة
التكليف بغير المقدور ، فإذا كان
العجز ناشئاً عن ظروف قاهرة فالمكلّف
معذور في عدم تحصيل مبادئ الحكم
والمحافظة على ملاكات المولى ، أمَّا
إذا كان منشأ العجز هو المكلّف نفسه
فهذا يعني انّه سبَّبب في فوات ملاكات
المولى وهو قبيح عقلا .
وبهذا يثبت عدم جواز تعجيز النفس عن
ايجاد الواجب قبل تحقّق الفعليَّة
للوجوب إذا كان الوجوب مشروطاً
بالقدرة العقليَّة أي اذا كانت
المصلحة ثابتة حتى في ظرف عدم القدرّة
، ويترتَّب على هذا التفصيل وجوب
المقدّمات المفوتة إذا كان التكليف
الموجب لها من قبيل التكاليف المشروطة
بالقدرة العقليّة بخلاف مالو كان
التكليف من قبيل التكاليف المشروطة
بالقدرة الشرعيّة .
وذلك لان التكاليف المشروطة بالقدرة
العقليّة تكون المبادئ فيها محفوظة
حتى في ظرف عدم القدرة ، فعدم تحصيل
المقدّمات المفوتة يعني التسبيب في
فوات تلك المبادئ والذي هو قبيح عقلا
، أمّا التكاليف المشروطة بالقدرة
الشرعيّة فلمّا لم تكن مبادؤها ثابتة
في ظرف العجز ، فعدم تحصيل المقدّمات
المفوّتة لا يلزم منه تفويت ملاكات
المولى لعدمها في ظرف العجز .
أخذ العلم بالحكم في موضوع الحكم
استحالة اختصاص الحكم بالعالم به :
ذكرنا في بحث القطع الطريقي والقطع
الموضوعي انّ موضوع كلّ حكم يقع
دائماً في رتبة متقدّمة على ترتُّب
الحكم ، فما لم يتنقح الموضوع
ويتقرَّر يكون ترتُّب الحكم مستحيلا ،
وبهذا يكون الموضوع مولِّداً للحكم .
وذكرنا أيضاً انَّ الموضوع ليس له دور
الكشف عن الحكم وانَّما الكاشف عن
الحكم هو الأدلّة الإثباتيّة فهي التي
تكشف عن ثبوت الحكم لموضوعه وبهذا
تكون الأدلّة الإثباتيّة متأخرة عن
ثبوت الحكم لموضوعه في نفس الأمر
والواقع فما لم يكن هناك منكشف فأيُّ
شيء تكشف عنه الأدلّة الإثباتية .
وباتّضاح هذه المقدّمة نقول : انَّه
وقع البحث عن إمكان أو استحالة أخذ
العلم بالحكم في موضوع نفس ذلك الحكم
أي جعل العلم بالحكم جزءً لموضوع نفس
ذلك الحكم ، وذلك بأن يجعل المولى
حكماً على نهج القضيّة الحقيقيّة
ويكون موضوع تلك القضيّة المقدّر
مشتملا على العلم بنفس الحكم المُنشأ
في القضيّة نفسها ، مثلا لو قال
المولى « الخمر حين العلم بحرمته حرام
» فالحكم المُنشأ بواسطة هذه القضيّة
هو « الحرمة » وموضوع هذا الحكم مركّب
من جزءين الاول هو الخمر والثاني هو
العلم بحرمته أي العلم بحكم الخمر ،
وبهذا يكون العلم بالحرمة المأخوذ في
موضوع القضيّة قيداً من قيود الحكم «
الحرمة » ومن هنا اُدعي استحالة أخذ
العلم بالحكم في موضوع نفس ذلك الحكم
، وذلك لاستلزامه الدور المحال ، إذ
انّ الحكم في هذه القضيّة قد توقف على
نفسه .
وبيان ذلك :
اننا قد ذكرنا فيما سبق انَّ فعليّة
الحكم « المجعول » منوطة بتحقّق قيوده
خارجاً ، فقيود الحكم تقع في رتبة
العلّة لفعليَّة الحكم ، وإذا كان
كذلك فلابدَّ من تقدمها على الحكم
ويكون الحكم متأخراً عنها تأخر
المعلول عن علّته .
فإذا افترضنا ان العلم بالحكم هو من
قيود الحكم فهذا يقتضي توقّف الحكم
على تحقّق العلم بالحكم خارجاً كما هو
الحال في سائر قيود الحكم .
ومن الواضح انّ العلم بالحكم مستحيل
مالم يكن الحكم ثابتاً في مرتبة سابقة
، وذلك لأنَّ العلم كاشف فهو متفرع عن
وجود المنكَشف « الحكم » ، فالعلم
بالحكم في الوقت الذي يكون فيه قيداً
وعلة لثبوت الحكم يكون معلولا لثبوت
الحكم .
إذن فالحكم علّة العلم بالحكم ـ إذ
لولاه لتعذَّر العلم ـ والعلم بالحكم
علَّة لتحقّق الحكم ، وبهذا يكون
الحكم علّة لثبوت نفسه ومعلولا لنفسه
.
أمَّا انَّه علَّةٌ لثبوت نفسه فلانه
علَّة للعلم الذي هو علة لثبوت
الحكم ، وأمّا انه معلول لنفسه
فلانَّه معلول للعلم بالحكم وإذا كان
معلولا للعلم بالحكم فهو معلول للحكم
، إذ انَّ العلم بالحكم « الكاشف »
معلول للحكم « المُنكَشف » .
ولمزيد من التوضيح نطبِّق ماذكرناه
على المثال السابق : إنَّ أخذ العلم
بحرمة الخمر في موضوع حرمة الخمر يعني
انّ العلم بحرمة الخمر قيد لحرمة
الخمر وإذا كان كذلك فتحقّق فعليّة
الحرمة للخمر منوط بتحقّق العلم بحرمة
الخمر ، إذ انَّ هذا هو مقتضى قيديّة
العلم بالحرمة للحكم « الحرمة » ،
فثبوت الفعليّة لحرمة الخمر إذن
متوقفة على تحقّقق العلم بحرمة الخمر
ولمّا كان العلم بالحرمة متوقفاً على
تقرُّر الحرمة وثبوتها في مرحلة سابقة
فهذا يقتضي انّ ثبوت الحرمة متوقف على
العلم بالحرمة والعلم بالحرمة متوقف
على ثبوت الحرمة ، وهذا يعني توقّف
حرمة الخمر على حرمة الخمر .
إذ انّ الحرمة للخمر متوقفة على العلم
بالحرمة لانها اُخذت قيداً للحرمة
ولمّا كان العلم بالحرمة منوطاً بثبوت
الحرمة فهذا يعني توقف العلم بالحرمة
على الحرمة المتوقّفة على العلم بها .
وبهذا يثبت انّ أخذ العلم بالحكم في
موضوع نفس ذلك الحكم يلزم منه الدور
المحال .
الجواب على دعوى الدور :
ذكر المصنِّف (رحمه الله) جوابين على
دعوى الدور :
الجواب الأوّل :
انّه وان كنَّا نسلِّم بتوقف فعلية
الحكم على تحقّق قيوده خارجاً
وبالتالي تكون فعليّة الحكم متوقفة
على العلم بالحكم إلاّ انّه لا نسلِّم
بتوقف العلم بالحكم على الحكم ، وذلك
لانّ العلم بالحكم ليس معلولا للحكم
بل انّه معلول لما يحضر من
صورة المعلوم في ذهن العالم به .
وبتعبير آخر : انَّ علّة العلم ليس هو
الثابت في نفس الأمر والواقع وإلاّ
لكان كلُّ علم مطابقاً للواقع ، إذ
انّه إذا كان علة العلم هو الثابت في
الواقع فهذا يقتضي أن لا علم ظرف عدم
الثبوت في الواقع ، وذلك لأنَّ انتفاء
الثبوت يعني انتفاء علة العلم ، وكيف
يكون هناك معلول « العلم » مع انتفاء
علّته ؟!
وهذا خلاف ما نجده من أن العلم قد
يكون موجوداً ولا يكون معلومه ثابتاً
في الواقع ممّا يُعبِّر عن انّ العلم
ليس معلولا لما هو الثابت واقعاً
والاّ لزم أن ينشأ المعلول عن غير
علته أو من غير علّة وهو محال كما هو
واضح .
وبهذا يثبت عدم توقف العلم بالحكم على
الحكم نفسه ، وانّما هو متوقّف على
الصورة الحاضرة في الذهن وهي المعلوم
بالذات ، ومنشأ كون المُدرَك الذهني
هو المعلوم بالذات أن العلم هو الرؤية
، والمرئي للعالم حقيقة هو الصورة
الذهنيّة .
والمقصود من كون المُدرَك الذهني هو
المعلوم بالذات يتّضح من هذا البيان :
وهو انّ العلم عبارة ثانية عن رؤية
المعلوم ، فالمرئي للعالم حقيقة هو
الصورة الذهنيّة الحاضرة في نفس
العالم بها ، فحينما نُدرك معنى النار
لا يكون واقع النار هو الحاضر في
الذهن وانَّما الذي يحضر في الذهن هو
صورة النار فهي المعلوم أولا وبالذات
لأنَّها هي عين المُدرك في الذهن ،
فتكون النار الخارجيّة معلومة لنا
بالتبع أي بواسطة الصورة الذهنيّة
والتي هي عين المعلوم .
ويمكن تنظير ذلك بالمرآة إذ انّ
المرئي بواسطة المرآة هي الصورة وليس
هو الوجود الخارجي ، نعم الصورة
المرئيّة بواسطة المرآة تكون كاشفة عن
الوجود الخارجي ، فصورة وجه زيد هي
المرئية بواسطة المرآة أولا وبالذات
ووجه زيد الخارجي انّما انكشف لنا
بواسطة الصورة ، وهذا يعني انّ المرآة
كشفت عن وجه زيد الخارجي بالتبع
وبالعرض .
وبهذا يتّضح انّ العلم بالحكم معلول
للصورة الذهنيّة للحكم وليس هو معلولا
لواقع الحكم ، فقد لا يكون هناك حكم
في الواقع فكيف يكون علَّة وهو عدم ،
وهذا بخلاف الصورة الذهنيّة فإنّها
تكون ثابتة في ظرف العلم ، وبهذا تسقط
دعوى الدور لبطلان دعوى توقف العلم
بالحكم على نفس الحكم أي واقع الحكم .
والإشكال على هذا الجواب : هو انَّه
وان كانت كبراه مسلَّمة إلاّ انّه لا
ينفع في دفع غائلة الدور ، وذلك
لأنَّه لا ريب في انّ العلم ليس له
إلاّ دور الكاشفيّة عن متعلقه «
المعلوم » وأخذ العلم بالحكم في موضوع
نفس ذلك الحكم يعني انّ العلم صار له
دور توليد الحكم ، إذ انّ الموضوع ـ
كما قلنا ـ يولِّد الحكم .
وبعبارة اخرى : انّه لمّا كان العلم
بالحكم جزءً لموضوع نفس الحكم فهذا
يعني انّ العلم بالحكم ساهم في ايجاد
الحكم ، والحال انّ العلم ليس له إلاّ
دور الكشف عن الحكم وهذا ما يقتضي
تأخّره عن الحكم الذي يكشف عنه ، فما
ينبغي أن يكون متأخراً صار متقدّماً
ومولِّداً وهذا غير معقول ، إذ كيف
يكون الكاشف مولِّداً لمنكَشَفه الذي
من المفترض أن يكون متقدماً في وجوده
عليه ، فهل من المعقول انَّ المرآة
تُوجد ما تكشف عنه والحال انّ
كاشفيّتها عنه تقتضي تقرُّر
المُنكَشَف في رتبة سابقة على
الكاشفيّة .
الجواب الثاني :
انّ استحالة أخذ العلم بالحكم في
موضوع نفس ذلك الحكم انّما هي في حالة
كون الحكم في رتبة الموضوع هو عين
الحكم في رتبة المحمول أمّا لو كان
الحكم في الموضوع مغايراً للحكم في
رتبة المحمول فلا استحالة ، إذ لا دور
. وبيان ذلك :
إنّ الحكم المأخوذ في الموضوع هو
الحكم الإنشائي « الجعل » والحكم
المنوط بالعلم بالحكم هو الحكم
المجعول ، والذي يعني الفعليَّة للحكم
، ولا يلزم من ذلك الدور ، إذ انَّ
الذي توقف عليه الحكم المجعول هو
الحكم الإنشائي والذي هو الجعل
فالمتوقّف غير المتوقّف عليه .
وبتعبير آخر : انّه يمكن التفصِّي عن
إشكال الدور بدعوى انّ الذي وقع قيداً
لفعليّة الحكم هو الحكم الإنشائي ،
فالقيد هو العلم بالحكم الإنشائي
والمقيَّد هو الحكم الفعلي « المجعول
» ، ومن الواضح انّ العلم بالحكم
الإنشائي « الجعل » لا يتوقف على
تحقّق الفعليّة للحكم ، فكأنّما
المولى قال « إذا علمت انّ الخمر قد
جُعلت له الحرمة فإنّه الحرمة تكون
بذلك فعليّة » فكما ان تحقّق الزوال
والإستطاعة موجب لتحقّق فعليّة الوجوب
للصلاة والحجّ فكذلك عندما يتحقّق
العلم بجعل الحرمة على الخمر فإنّ ذلك
موجب لتحقّق الفعليّة للحرمة . وليس
في ذلك دور ، إذ انّ المقيد وهو الحكم
المجعول غير القيد « الجعل » .
الثمرة المترتّبة على القول
بالإستحالة :
والثمرة المترتّبة على القول باستحالة
أخذ العلم بالحكم في موضوع نفس العلم
مرتبطة بما هو المبنى في نحو العلاقة
بين الإطلاق والتقييد ، فبناءً على
القول بأن العلاقة بينهما ـ في نفس
الامر والواقع ـ هي علاقة التناقض وأن
التقييد هو لحاظ القيد والإطلاق هو
عدم لحاظ القيد . فالاطلاق في حالة
يكون التقييد متسحيلا هو المتعيّن ،
فحيث أنَّ أخذ العلم بالحكم قيداً
للحكم مستحيل فهذا يقتضي إطلاق الحكم
وعدم تقيَّده بهذا القيد الذي يستحيل
اعتباره .
وأمَّا بناءً على القول بأن نحو
العلاقة بين الإطلاق والتقييد هي
علاقة العدم والملكة ـ فالاطلاق هو
عدم التقييد في مورد يمكن فيه التقييد
والملكة هي التقييد ـ فإنَّ تحقّق
الإطلاق في حالة يكون التقييد مستحيلا
متعذِّر .
وبعبارة اُخرى : انّه لمّا كان البناء
على انَّ الإطلاق هو عدم التقييد في
حالة يمكن فيها التقييد فهذا يقتضي
استحالة الإطلاق في موارد استحالة
التقييد كما هو شأن كل مفهومين بينهما
علاقة العدم والملكة .
وبهذا اتّضح انّ الإطلاق ـ من جهة أخذ
العلم بالحكم قيداً لنفس الحكم ـ
مستحيل كما هو التقييد ، فتكون
الأحكام من هذه الجهة مهملة أي ساكتة
عن افادة الإطلاق كما هي كذلك من جهة
التقييد ، فهي في قوّة الجزئيّة والتي
تعني ثبوت الحكم لبعض أفراد الطبيعة
الواقعة موضوعاً للحكم . وبهذا يمكن
إجراء الاصول العمليّة في غير الأفراد
المتيقّنة .
أخذ العلم بالحكم في موضوع حكم آخر :
ويقع البحث في المقام عن إمكان اعتبار
العلم بحكم موضوعاً أو جزء موضوع لحكم
آخر ، كأن يُؤخذ العلم بحرمة شيء
موضوعاً لوجوب شيء آخر .
وهنا ثلاث حالات متصوّرة لأخذ العلم
بحكم في موضوع حكم آخر :
الحالة الاولى : هي أخذ العلم بحكم
موضوعاً لحكم آخر مغاير للحكم المأخوذ
في الموضوع .
ومثال ذلك « اذا علمت بنجاسة الفقّاع
فلا تشربه » فهنا اُخذ العلم بنجاسة
الفقّاع موضوعاً لحرمة الشرب ، فالعلم
بنجاسة الفقاع قطع موضوعي لحرمة الشرب
، وذلك لوقوعه في رتبة الموضوع للحرمة
فهو المولِّد للحرمة كما هو شأن سائر
الموضوعات بالنسبة للاحكام المترتّبة
عليها .
كما انّ العلم بنجاسة الفقّاع قطع
طريقي بالنسبة لثبوت الحكم بالنجاسة
للفقاع ، وطريقيته باعتبار انّ دوره
بالنسبة لهذه القضيّة « الفقّاع نجس »
دور الكاشف عنها .
إذن هو طريقي بالنسبة للحكم الاول
وموضوعي بالنسبة للحكم الثاني . ومع
اتّضاح هذه الحالة يتّضح إمكانها ، إذ
لا محذور عقلا في جعل العلم ببعض
الأحكام موضوعاً لأحكام اخرى .
الحالة الثانية : أخذ العلم بحكم
موضوعاً لحكم آخر مضاد للحكم المأخوذ
في الموضوع ، بمعنى انّ الحكم المنكشف
بالعلم الواقع في رتبة الموضوع مناف
للحكم المجعول في رتبة المحمول ،
ومنشأ المنافاة هو اتّحاد موضوع
الحكمين المتنافيين الحكم المعلوم «
الموضوع » والحكم المترتّب على العلم
بالحكم الاول .
ومثال ذلك ان يقول « اذا علمت بنجاسة
الفقّاع فهو لك طاهر » فمنشأ المنافاة
هنا هو انّ موضوع الحكم بالطهارة
وموضوع الحكم بالنجاسة واحد وهو
الفقّاع ، غاية مافي الامر ان العلم
قد اُخذ في موضوع الحكم بالطهارة إلاّ
انّ ذلك لا يرفع التنافي بين الحكمين
، وذلك لأنّ العلم بالحكم بالنجاسة
لمّا كان من قيود الحكم بالطهارة فهذا
يقتضي انّ الطهارة ثابتة للفقّاع في
ظرف ثبوت النجاسة للفقاع إذ انّ القطع
طريق لثبوت النجاسة للفقاع فتثبت
النجاسة للفقّاع بواسطة القطع وبه
يتولَّد ثبوت الطهارة للفقّاع .
فالفقّاع طاهر في حال نجاسته ، وهل
شيء أوضح من هذا التنافي ؟!
ومع اتضاح هذه الحالة تتضح استحالتها
، وذلك لاننا ذكرنا انّ الأحكام
التكليفيّة متضادة فيما بينها وإذا
كان كذلك فيستحيل اجتماعها .
وبتعبير آخر : إنّ أخذ العلم بالحكم
موضوعاً لحكم آخر مضاد للحكم المأخوذ
في الموضوع يلزم منه اجتماع الضدّين
ولو في اعتقاد القاطع بالحكم الاول ،
إذ انّ المكلَّف إذا كان قاطعاً بثبوت
حكم لموضوع فهذا يقتضي أن يقطع بعدم
صوابيّة أي حكم آخر لنفس ذلك الموضوع
وإلاّ لزم تبدُّل قطعه وهو خُلْف
الفرض .
الحالة الثالثة : أخذ العلم بحكم
موضوعاً لحكم آخر مماثل للحكم المأخوذ
في الموضوع أي أن يُجعل العلم بحكم
قيداً لحكم آخر إلاّ انّه مسانخ
ومماثل للحكم الاول الواقع في رتبة
الموضوع ، وبهذا يكون موضوع الحكمين
واحد روحاً كما بينا ذلك في الحالة
الثانية .
ومثال ذلك « إذا علمت بحرمة الخمر حرم
عليك » فالعلم بحرمة الخمر ترتبت عليه
حرمة اخرى للخمر فيكون للخمر حكمان
شخصيان من سنخ واحد .
وهذه الحالة ادُّعي استحالتها ، وذلك
لاستلزامها اجتماع حكمين متماثلين على
موضوع واحد ، وهو مستحيل كما ثبت ممّا
سبق .
ودعوى انّ موضوع الحكمين مختلف غير
مسموعة ، وذلك لانّ القطع في نظر
القاطع ليس أكثر من طريق لثبوت الحرمة
الاولى للخمر ، ومع ثبوت الحرمة
الاولى للخمر تثبت الحرمة الثانية
باعتبار انّ ثبوت الحرمة الاولى وقع
قيداً للحرمة الثانية ، وهذا يقتضي أن
تجتمع الحرمتان في آن واحد على موضوع
واحد في نظر القاطع .
أخذ قصد امتثال الأمر في متعلّقه
ويقع البحث في المقام عن إمكان تقييد
متعلق الأمر « الواجب » بقصد امتثال
الامر ، وقبل بيان ذلك لابدَّ من ذكر
مقدّمة :
وهي انَّ الواجب تارة يكون توصليّاً
واخرى يكون تعبديّاً .
أمّا الواجب التوصلي : فهو ما كان
المطلوب فيه ايجاد الفعل الواجب من
المكلّف دون أن يكون للمولى غرض في أن
يؤتى بالفعل الواجب على وجه قربي .
فالمكلَّف يكون ممتثلا متى ما أوجد
الفعل الواجب .
ومثال ذلك : دفن الميت وإنقاذ النفس
المحترمة من الموت والنفقة على الزوجة
وهكذا . فإنّ المكلَّف في مثل هذه
الواجبات لا يكون مطالباً بأكثر من
ايجاد الفعل الواجب .
وأمّا الواجب التعبدي : فهو ما كان
المطلوب فيه ايجاد الفعل الواجب بقصد
الإمتثال بحيث يكون غرض المولى قد
تعلّق بايجاد حصَّة خاصّة من الطبيعة
وهي الحصّة المقترنة بقصد امتثال
الامر ، فلذلك لو جاء المكلَّف بالفعل
الواجب دون أن يقصد حينذاك امتثال
الأمر لا يُعدُّ ممتثلا ومحقّقاً
للغرض المولوي .
ومثال ذلك الصلاة والصوم والحج فإنّ
المكلَّف في مثل هذه الواجبات يكون
مطالباً بايجادها عن أمر المولى أي
بقصد امتثال أمر المولى .
باتضاح هذه المقدمة يقع الكلام في
إمكان أخذ قصد الامر في الواجب بحيث
يكون قصد الأمر من قيود الواجب .
وبتعبير آخر : انَّ المولى حينما يجعل
الوجوب على فعل قد يجعله على مطلق
الفعل وقد يجعله على حصّة خاصّة من
الفعل وذلك بواسطة تقييد الفعل «
متعلّق الوجوب » بقيد من قبيل تقييد
الصلاة بالطهارة والاستقبال ، وهذا لا
كلام فيه انَّما الكلام في إمكان أن
يجعل المولى قيد الواجب هو قصد امتثال
الامر بالصلاة مثلا ، كأن يقول « صلِّ
بقصد امتثال الامر « صل » » فهل انّ
هذا القيد المأخوذ في متعلَّق الأمر
ممكن أو مستحيل ؟
قد يُقال بالاستحالة ، وذلك لأنّ قصد
الأمر لمّا كان من قيود الواجب ـ بسبب
أخذه في متعلَّق الوجوب ـ فهذا يقتضي
أن الأمر أيضاً من قيود الواجب ، إذ
القصد قد اضيف الى الامر فيكون المضاف
وهو القصد والمضاف اليه وهو الامر من
قيود الواجب ، والقصد في حدِّ ذاته
وإن كان من الامور الاختياريّة إلاّ
انّ الامر « التكليف » ليس كذلك ، إذ
هو من فعل المولى فهو الذي يأمر أو لا
يأمر وهذا يعني انّ الامر خارج عن
اختيار وقدرة المكلَّف ، واذا كان
كذلك فيستحيل أخذه في قيود الواجب
فحسب ، وذلك لأنَّنا ذكرنا انَّ قيود
الواجب إذا لم تكن قيوداً للوجوب
أيضاً فيستحيل أن تكون غير اختياريّة
أي يستحيل ان تكون خارجة عن قدرة
المكلَّف ، وذلك لأنّ قيود الواجب
واجبة التحصيل ، وهذا يقتضي
اختياريتها وإلاّ لزم التكليف بغير
المقدور .
وبهذا يثبت انّ قصد الأمر حال أخذه في
متعلق الامر « الواجب » لابدَّ أن
يكون قيداً أيضاً في الوجوب فيكون من
قيود الواجب والوجوب . وكون الأمر من
قيود الوجوب مستحيل وذلك لانّه يُفضي
الى تقييد الامر بالامر فيكون الامر
قيداً للامر كما يكون مقيداً بالامر
وهذا هو الدور المحال ، وذلك لأنّ
إفتراض الأمر قيداً للأمر يعني
افتراضه علَّة للأمر وافتراضه مقيداً
بالأمر يعني إفتراض الأمر معلولا
للأمر .
وبتعبير آخر : لمّا كان الوجوب «
الأمر » متوقفاً على تحقّق قيوده
خارجاً فهذا يعني انّ القيود بمثابة
علّة الوجوب « الأمر » فيكون الأمر
ـ والذي افترضناه قيداً للوجوب ـ علة
للوجوب ومتقدماً على الوجوب « الامر
» فيكون الوجوب ناشئاً عن الوجوب كما
يكون الوجوب مُنشِئاً ومحقِّقاً
للوجوب .
أمَّا انّه ناشئاً عن الوجوب فلأنَّ
الوجوب مقيّد به ، وأمَّا انّه
مُنشِئاً ومحقِّقاً للوجوب فلأنَّه
قيد الوجوب ، فالامر « الوجوب » في
رتبة المعلول لا يتحقّق إلاّ بتحقّق
الأمر في رتبة العلَّة « القيد » كما
انّ الامر في رتبة العلَّة « القيد »
لا يتحقّق إلاّ بتحقّق الأمر في رتبة
المعلول « المقيّد » . وبهذا تثبت
استحالة أخذ الأمر في متعلَّق نفس
الأمر .
الثمرة المترتِّبة على القول
بالإستحالة :
والثمرة المترتّبة على استحالة أخذ
قصد الأمر في متعلَّق الأمر هي عدم
امكان التمسُّك بالإطلاق لنفي قيد قصد
الأمر في حال الشك في أخذه قيداً أو
عدم أخذه قيداً في الواجب ، وبهذا لا
يمكن إثبات التوصلية في الواجبات في
ظرف الشك في تعبديتها أو توصليتها .
وبيان ذلك : إذا أمر المولى بايجاد
فعل ما وشككنا في أن الفعل الواجب
ايجاده هل هو مشروط بقيد خاص أو هو
مطلق من جهة هذا القيد ، مثلا إذا قال
المولى « صلِّ » وشككنا في اعتبار
الجماعة في الصلاة المأمور بها أو عدم
اعتبارها فإنّ بالإمكان التمسُّك
بإطلاق قول المولى « صلِّ » لنفي
اعتبار هذا القيد « الجماعة » وبهذا
يكون الواجب مطلقاً من هذه الجهة ،
وبنفي القيد عن الواجب بواسطة
التمسُّك بالإطلاق يمكن إثبات نفي
تعلُّق غرض المولى بهذا القيد ، إذ
انّ غرض المولى لو كان متعلقاً بايجاد
هذا القيد لكان قد كشف عن هذا الغرض
بواسطة التقييد ، إذ لا محذور في
التقييد بحسب الفرض ، إلاّ انَّ
التمسُّك بالإطلاق لنفي اعتبار قيد
قصد الأمر غير ممكن بعد ان كان
التقييد بقصد الأمر مستحيلا .
فعدم أخذ قصد الأمر قيداً في الواجب
وإن كان محرزاً ـ حيث انّ المولى لم
يذكره ـ إلاّ اننا وبواسطة علمنا
باستحالة التقييد بهذا القيد نعلم
بعدم أخذه قيداً للواجب من أول الأمر
وقبل مراجعة كلام المولى ، ومع انَّنا
نحرز بعدم أخذه في الواجب إلا انّه لا
يمكن إستكشاف عدم إرادته ، وذلك لعدم
إمكان أخذه قيداً في الواجب ، فيمكن
أن يكون غرض المولى متعلقاً بأخذ قصد
الامر قيداً في الواجب ويمكن أن لا
يكون غرضه متعلقاً بذلك ، ولا سبيل
لنا للتعرُّف على ماهو الغرض الواقعي
للمولى تجاه هذا القيد .
وبهذا لا يمكن التمسُّك بالإطلاق
لإثبات عدم إرادة القيد أي لا يمكن
إثبات توصليّة ذلك الواجب ونفي كونه
تعبديّاً .
وبنفس هذا البيان يمكن ان نثبت عدم
إمكان التمسُّك بالإطلاق في مورد الشك
في إعتبار قيد العلم بالحكم لنفس ذلك
الحكم . حيث انّه لمّا كان أخذ العلم
بالحكم في موضوع نفس ذلك الحكم
مستحيلا فلا يمكن استكشاف عدم إرادته
بواسطة عدم ذكر المولى له في كلامه ،
إذ لعلَّة كان مريداً وكان المانع من
عدم ذكره هو استحالة أخذه قيداً .
وبهذا لا يمكن إثبات اشتراك الأحكام
بين العالم والجاهل بواسطة التمسّك
بالإطلاق وعدم ذكر تقيّد الحكم بالعلم
بنفس الحكم . فلعلَّ هذا القيد وهو
اختصاص الاحكام بالعالم داخل في غرض
المولى إلاّ انّه لم يذكره لاستحالة
ذكره .
اشتراط التكليف بالقدرة بمعنىً آخر
كنّا قد ذكرنا في بحث استحالة التكليف
بغير المقدور ان كلّ تكليف فهو مشروط
بالقدرة على ايجاد متعلَّقه . وكان
المقصود من القدرة هناك هو تمكُّن
المكلَّف تكويناً من امتثال التكليف
لو خلّي ونفسه بقطع النظر عن عجزه
بسبب إمتثال تكليف آخر .
والقدرة المقصودة في المقام هي عدم
العجز عن امتثال التكليف بسبب
الاشتغال بامتثال تكليف آخر ،
فالمكلَّف قد لا يكون عاجزاً عن
الإتيان بأصل الفعل الواجب إلاّ انّه
بسبب اشتغاله بامتثال تكليف يصبح من
المتعذّر عليه امتثال التكليف الآخر .
مثلا لو أمر المولى المكلَّف بالكون
في عرفات يوم التاسع من ذي الحجّة
فإنَّ امتثال هذا الأمر يُوجب عجز
المكلَّف عن امتثال التكليف بالكون في
كربلاء يوم التاسع من ذي الحجّة
فالتكليفان وإن كانا مقدورين للمكلَّف
بالمعنى الاول إلا انَّ القدرة
بالمعنى الثاني غير متحقّقة ، وذلك
لعجز المكلَّف عن الجمع بين
الامتثالين .
ومن هنا يكون التكليف مشروطاً بشرط
آخر غير القدرة بالمعنى الأول ، وهو
عدم الإشتغال بتكليف آخر يناظره في
الاهميَّة أو يزيد في الاهميّة عليه .
ويمكن ان يُصطلح على اشتراط القدرة في
التكليف بالمعنى الاول القدرة بالمعنى
الأخص ، ويُصطلح على القدرة بالمعنى
الثاني القدرة بالمعنى الأعم ، ومنشأ
التعبير عنها بالمعنى الاعم هو انّ
كلَّ تكليف مشروط بالقدرة بالمعنى
الثاني يكون مشروطاً بالقدرة بالمعنى
الاول بخلاف اشتراط التكليف بالقدرة
بالمعنى الأوّل فقد لا يكون مشروطاً
بالقدرة بالمعنى الثاني ، فمثلا حينما
يكون أحد التكليفين أكثر أهميّة من
الآخر فإنّه لا يكون مشروطاً بعدم
امتثال التكليف الاقل أهميّة لان
التكليف الأقل أهميّة لا يزاحم الاكثر
أهميّة فلا يكون امتثال الأهم مشروطاً
بعدم امتثال المهم بخلاف العكس فإنّ
امتثال التكليف الاقل أهميّة مشروط
بعدم امتثال التكليف الأهم .
الدليل على اشتراط التكليف بالقدرة
بالمعنى الأعم :
وحاصل هذا الدليل : انّ التكليف إذا
كان مطلقاً من جهة القدرة بالمعنى
الاعم ـ أي انه لا يُشترط في التكليف
عدم الاشتغال بتكليف آخر مضاد له ـ
فإنّ ذلك يلزم منه أحد لا زمين باطلين
على سبيل مانعة الخلو .
الاول : هو انَّ المكلَّف مسئول عن
امتثال كلا التكليفين المتضادين فهو
في الوقت الذي يكون مسئولا عن الكون
في عرفات يوم التاسع من ذي الحجة هو
مسئول أيضاً عن الكون في كربلاء يوم
التاسع من ذي الحجة . وهذا هو مقتضى
الإطلاق للتكليف من جهة اشتراط القدرة
بالمعنى الأعم ، إذ انّ معنى إطلاق
التكليف من هذه الجهة هو انَّ الكون
في عرفات في يوم عرفة واجب سواء كان
المكلّف غير مشتغل بامتثال التكليف
بالكون في كربلاء أو كان مشتغلا بذلك
. وكذلك الكلام في مقتضى اطلاق
التكليف بالكون في كربلاء .
وهذا اللازم وهو مسئوليّة المكلَّف عن
تكليفين متضادّين في آن واحد لا يمكن
الالتزام به لاستلزامه التكليف بغير
المقدور .
الثاني : انّ التكليف المطلق يُراد
منه بعث المكلَّف نحو امتثاله وصرفه
عن امتثال التكليف الآخر المضاد له ،
وهذا اللازم لا يمكن الالتزام به
أيضاً ، وذلك لاستلزامه اما الترجيح
بلا مرجِّح أو ترجيح المرجوح ، لانَّه
إن كان التكليف الذي يراد صرف
المكلَّف عن امتثاله يناظر التكليف
الآخر في الاهميّة فهذا ترجيح بلا
مرجِّح ، وإن كان يفوقه أهميّة فهذا
من ترجيح المرجوح .
ومع عدم امكان الإلتزام بأحد هذين
اللازمين يتعيّن تقييد كل تكليف بعدم
الإشتغال بامتثال تكليف آخر مضاد له
ومناظر له في الأهميّة أو يفوقه
أهميّة .
حالات التزاحم :
والمراد من التزاحم هو تنافي
التكليفين أو التكاليف في مقام
الإمتثال بحيث يكون المكلَّف عاجزاً
عن الجمع بينها في مقام الامتثال كما
لو توجَّه أمر للمكلف بانقاذ غريق
ونهي عن دخول الارض المغصوبة ، وكان
إنقاذ الغريق لا يتمّ إلاّ بواسطة
العبور في الأرض المغصوبة ، فهنا
يتزاحم التكليفان أي انّ المكلّف عاجز
عن امتثالهما معاً ، فإمّا أن يمتثل
وجوب الإنقاذ وهذا يستوجب عدم امتثال
حرمة دخول الارض المغصوبة وأمَّا أن
يمتثل الحرمة فيجتنب عبور الأرض
المغصوبة ، وهذا يستوجب عدم امتثال
وجوب الإنقاذ .
وفي حالات من هذا القبيل يستحيل أن
يكون المكلَّف مسئولا عن امتثال كلا
التكليفين إذ انّه تكليف بغير المقدور
، كما يستحيل أن يكون المكلَّف مسئولا
عن امتثال أحدهما دون الآخر بنحو مطلق
لانّه ترجيح بلا مرجِّح لو افتُرض
تساويهما في الأهميّة ، نعم لو كان
أحدهما أهم ملاكاً من الآخر لكان هو
المتعيّن ولا يكون هذا التكليف الأهم
مشروطاً بعدم امتثال المهم على العكس
من التكليف الأقل أهميّة فإنّه مشروط
بعدم امتثال الأهمّ ملاكاً .
ومن هنا يتّضح انّ التزاحم يقتضي نفي
امتثال أحد التكليفين لموضوع التكليف
الآخر ، إذ انَّ امتثال أحد التكليفين
المتساويين موجب لعدم تحقّق شرط الآخر
، وذلك لأنّ كلَّ تكليف فهو مشروط
بعدم الاشتغال بالتكليف الآخر المضاد
ومادام المكلَّف قد اشتغل بأحد
التكليفين فهذا يعني انَّ التكليف
الآخر لم يتحقّق شرطه وهو عدم
الاشتغال بالتكليف المضاد ، وبهذا
تنتفي فعليّة التكليف الآخر ومحركيته
. وهذا الكلام لو كان أحد التكليفين
أهم من الآخر فإنّ امتثال الأهم ناف
لموضوع المهم ، اذ انّ المهم مشروط
بعدم امتثال الأهم .
وبما ذكرناه يتّضح معنى قول الاصوليين
« ان الامر بالضدين لا يكون إلاّ على
وجه الترتّب » أي انّ الامر بتكليفين
متضادّين ومتنافيين في مقام الامتثال
لا يكون إلاّ على وجه يكون كلّ منهما
مشروطاً بعدم امتثال الآخر أو يكون
التكليف المهم مشروطاً بعدم امتثال
التكليف الأهم .
والمصحِّح للترتب بين التكليفين
المتضادين هو ماذكرناه من حكم العقل
باستحالة تكليف العاجز أو استحاله
الترجيح بلا مرجِّح واستحالة ترجيح
المرجوح .
إذا عرفت ماذكرناه فحالات التزاحم
الموجبة للترتُّب يمكن اجمالها في هذا
البيان ، وهو انّه لو افترضنا وجود
تكليفين مقدورين للمكلّف بالمعنى
الأخص أي انّ المكلَّف قادر تكويناً
على ايجاد كلّ واحد منهما لو خلِّي
ونفسه إلاّ انه عاجز عن امتثالهما
معاً ، فهنا تارة يُفترض تساوي
التكليفين في الاهميه وتارة يُفترض
انّ أحد التكليفين أكثر أهميّة من
التكليف الآخر ، وقد اتّضح ممّا سبق
انّ الحالة الاولى يكون كلُّ واحد من
التكليفين مشروطاً بعدم امتثال الآخر
، وأنّ الحالة الثانية يكون التكليف
الأهم مطلقاً ويكون التكليف الأقل
أهميّة مشروطاً بعدم امتثال التكليف
الأهم .
الإشكال على الترتُّب :
انَّ دعوى الترتُّب بين التكليفين
المتضادين ـ وانَّ كل واحد مشروط بعدم
امتثال الآخر ـ تؤول الى التكليف بغير
المقدور وهو محال .
وبيان ذلك :
انَّ التكليف إذا كان مشروطاً بعدم
امتثال الآخر فهذا يعني تحقّق فعليّة
التكليف في حال عدم امتثال التكليف
الآخر ، فلو افترضنا انَّ المكلَّف لم
يمتثل التكليفين معاً فهذا يقتضي
تحقّق الفعليَّة لكلا التكلفين ، لأنّ
كل واحد منهما يصبح واجداً لشرطه وهو
عدم امتثال الآخر ، وهذا يعني
مسئوليّة المكلّف عن كلا التكليفين
المتضادين فهو مسئول عن الأوّل لتحقّق
شرطه وهو عدم امتثال الثاني ومسئول عن
الثاني لتحقق شرطه وهو عدم امتثال
الاول فيكون المكلّف في مثل هذه
الحالة مخاطباً بامتثال كلا التكليفين
وهو محال لانّه تكليف بغير المقدور .
والجواب عن هذا الإشكال :
إنّ فعليّة كلا التكليفين لا محذور
فيه بعد ان كان امتثال أحدهما يُوجب
سقوط الآخر عن الفعليّة حيث قلنا انَّ
مؤدى الترتُّب هو نفي أحد التكليفين
عند إمتثاله لموضوع الآخر ، وذلك لعدم
تحقّق شرطه .
ومن هنا لا تكون فعليّة كلا التكليفين
في الحالة المفترضة موجبة للتكليف
بغير المقدور ، إذ انّه بمجرَّد أن
يحرِّكه التكليفان للامتثال فإنّه
سيبدأ بأحدهما لا محالة وبامتثال
أحدهما تسقط فعليّة الآخر لانتفاء
شرطه فلا تكون فعليّة التكليفين إذن
موجبة لمسئوليّة المكلَّف عن الجمع
بين التكليفين المتضادّين ، فالفعليّة
في مثل المقام لا تعني انّ كلا
التكليفين مطلوبان للمولى ، ولهذا لو
اتّفق محالا انَّ المكلّف أتى بكلا
التكليفين المتضادّين لما كان ذلك
يعني انّ كلاهما كان مطلوباً للمولى
إذ انّ غير المقدور يستحيل أن يكون
مطلوباً للمولى .
وبهذا اتّضح عدم وجود محذور في
الالتزام بامكان الأمر بالضدّين ولكن
بنحو يكون كلٌّ منهما مقيّداً بعدم
امتثال الآخر أي يكون الأمر بالضدّين
بنحو الترتُّب .
التخيير والكفائيّة في الواجب
إنَّ استفادة التخيير من الخطاب
الشرعي يتم بواسطة أحد أمرين :
الامر الاول : القرينة العقليّة ،
وذلك بأن يجعل المولى الوجوب على
الطبيعة دون أن يُقيّدها بحصّة خاصّة
، وفي حالة من هذا القبيل يمكن
التمسُّك بالإطلاق بواسطة قرينة
الحكمة وأن عدم تقييد الطبيعة كاشف عن
عدم إرادته .
وهذا الإطلاق يُنتج التخيير بين أفراد
الطبيعة على نحو البدل بحيث يكون
المكلَّف في سعة من جهة اختيار أي فرد
من أفراد الطبيعة في مقام امتثاله
للتكليف .
وهذا النحو من التخيير يُسمَّى
بالتخيير العقلي ، وذلك لان القاضي به
هو العقل حيث يُدرك انّ المولى لمّا
جاء بالطبيعة القابلة للتقييد ولم
يذكر القيد رغم انّه في مقام البيان ،
فلو كان مريداً للقيد ومع ذلك لم
يذكره لكان ناقضاً لغرضه والحكيم لا
ينقض غرضه ، وبهذه القرينة العقليّة
يفهم العرف إرادة المولى للإطلاق
البدلي والذي هو عبارة ثانية عن
التخيير بين أفراد الطبيعة وأن
للمكلّف أن يختار في مقام الامتثال
أحد أفراد الطبيعة ليجعله واسطة في
سقوط التكليف عنه .
مثلا لو قال المولى « أكرم فقيراً »
فإنَّ الواجب هنا طبيعي الإكرام كما
انّ الموضوع هو طبيعي الفقير ، وبهذا
يمكن إجراء قرينة الحكمة العقليَّة
لإثبات الإطلاق البدلي في المتعلّق «
الإكرام » وفي الموضوع « الفقير » وبه
يثبت التخيير العقلي فيكون المكلَّف
في سعة من جهة اختيار أي فرد من أفراد
طبيعة المتعلّق « الإكرام » فله أن
يعطي الفقير هدية كما له أن يدعوه على
طعام ، وهكذا يكون للمكلَّف الخيار في
تطبيق طبيعة الموضوع على أيِّ فرد من
أفراد الفقير .
الامر الثاني : تصريح الشارع في مقام
جعل التكليف بالتخيير وأنّ الواجب أحد
شيئين أو أشياء .
مثلا قوله تعالى : ] فكفّارته إطعام
عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم
أو كسوتهم أو تحرير رقبة .. [() فإنّ
استفادة التخيير هنا بين خصال الكفارة
تمّ بواسطة بيان الشارع لذلك .
وهذا النحو من التخيير يُعبَّر عنه
بالتخيير الشرعي باعتبار انّ استفادته
تمَّت بواسطة الخطاب الشرعي .
التخيير الشرعي في الواجب :
اتّضح ممّا تقدّم انّ التخيير الشرعي
هو ما كانت استفادته بواسطة الشارع
ابتداءً ودون توسط قرينة عقليّة وهذا
لا كلام فيه كما لا كلام في وقوع
الوجوبات التخييريّة في الشرع وعند
العقلاء ، وبهذا لا يُصغى الى دعوى
استحالة الوجوب التخييري بزعم انَّ
الوجوب التخييري يستلزم اجتماع
النقيضين بتقريب انّ الواجب هو ما
يكون المكلَّف مسئولا عن ايجاده
ويُعدُّ عاصياً بتركه ، فإذا جاز ترك
الفعل الواجب فهذا يقتضي إمّا انتفاء
كونه واجباً وهذا يعني إنسلاخ الفعل
عن عنوان الواجب وإمّا أن يكون الواجب
غير واجب التحصيل أي لا يلزم المكلّف
ايجاده ولا يُعدُّ عاصياً بتركه .
أمّا الشقُّ الاول فهو خُلْف الفرض ،
إذ الكلام عن الفعل الواجب الذي يجوز
تركه مع احتفاظه بعنوان الواجب ،
وأمّا الشقُّ الثاني فهو المتعيّن ولا
يمكن الإلتزام به لاستلزامه الجمع بين
النقيضين ، وذلك لأنَّ جواز ترك الفعل
الواجب يناقض لزوم تحصيل الفعل الواجب
، فالفعل الواجب واجب التحصيل ـ
بمقتضى كونه واجباً ـ وغير واجب
التحصيل ـ كما هو مقتضى الفرض ـ ،
وهذا من الجمع بين النقيضين وهو ما
يؤول اليه الوجوب التخييري ، وذلك
لأنّ الواجب في الوجوب التخييري يجوز
تركه الى بدل .
وقد قلنا انّ هذه الدعوى لا يُصغى
اليها لعدم الإشكال في وقوع الوجوب
التخييري في الشرع وعند العقلاء ،
والوقوع أقوى شاهد على الإمكان إلاّ
انّه مع ذلك لابدَّ من بيان حقيقة
الوجوب التخييري ليتّضح عدم تأتّي هذا
الإشكال وأن الوجوب التخييري ممكن .
فنقول انّه ذكر للوجوب التخييري عدّة
تفسيرات ذكر المصنّف منها تفسيرين :
التفسير الأول : ويمكن تقريره بهذا
البيان وهو انّه قد يكون هناك ملاك
يمكن استيفاؤه بواسطة أحد شيئين أو
أكثر على نحو البدل ، ويمكن التمثيل
لذلك بما لو تعلَّق غرض المولى بإكرام
زيد فيقول لعبده « اُكسُ زيداً حُلَّة
أو أعطه دابّةً أو التمس له جارية »
فإنّ واحداً من هذه البدائل يفي
بالملاك ، ومن هنا فهذه الوجوبات
المتعدّدة ترجع روحاً الى وجوب واحد
متعلقه هو الجامع بين هذه البدائل
التي يفي كلّ واحد منها بملاك الوجوب
غايته انّ المولى بدل أن يجعل الوجوب
على المتعلّق الكلّي « الجامع » جعله
على أفراد الجامع ابتداءً .
ثمّ انّ الجامع ـ الذي هو متعلَّق
الوجوب روحاً ـ قد يكون من قبيل
العناوين المتأصّلة التي لها تقرُّر
وثبات في الواقع ولا تكون مخترعة ،
وذلك مثل عنوان الفقير والإنسان وهكذا
. وقد يكون الجامع من قبيل العناوين
الإنتزاعية والتي ينتزعها الذهن
بواسطة نسبة شيء الى آخر كعنوان
أحدهما أو عنوان الاصغر أو الاكبر أو
الكثير أو القليل وهكذا فإنّ هذه
العناوين ليس لها تقرُّر في الواقع
وانما هي عناوين يُدركها الذهن بواسطة
إضافة عنوان أصيل مثلا الى عنوان أصيل
آخر . كما لو نسبنا حجم الشمس الى حجم
القمر فإنّ الذهن ينتزع من هذه النسبة
والإضافة عنوان الاكبر للشمس وعنوان
الأصغر للقمر ، وهكذا الحال في المقام
فلو كان هناك شيئان بينهما تمام
التباين إلاّ انّ كلَّ واحد منهما
قابل لأنْ يفي بغرض المولى فإنّ الذهن
وبواسطة ملاحظتهما من جهة اشتركهما في
الوفاء بالغرض ينتزع عنوان « أحدهما »
.
وبهذا تمّ بيان التفسير الاول للوجوب
التخييري الشرعي وهو يرجع روحاً الى
التخيير العقلي ، وذلك لأنَّنا ذكرنا
أنّ التخيير العقلي هو عبارة عن وجوب
واحد متعلّق بالجامع الكلي ويكون
المكلّف في سعة من جهة اختيار أي فرد
من أفراد الجامع في مقام امتثال
التكليف ، غاية مافي الأمر ان الوجوب
التخييري العقلي لا يتصدّى فيه المولى
لبيان أفراد الجامع وإنَّما يكتفى
ببيان الجامع والعقل هو الذي يُدرك
التخيير بين أفراد الجامع . وأمّا
الوجوب التخييري الشرعي فهو وإن كان
متعلّقه الجامع أيضاً إلاّ انَّ
الشارع هو الذي يتصدّى لبيان أفراد
الجامع .
فالتخيير العقلي والتخيير الشرعي
يشتركان في انّه ليس لأيِّ واحد من
أفراد الجامع فيهما خصوصيّة موجبة
لأنْ يكون هو متعلَّق الوجوب بل انّ
متعلّق الوجوب هو الجامع وهو محطُّ
غرض المولى .
التفسير الثاني : ويمكن تقريره بهذا
البيان : وهو انَّه قد يكون هناك
ملاكان مختلفان كلُّ واحد منهما كاف
لأن يُوجب تكليفاً مستقلا إلاّ انّه
وبسبب علم المولى بعدم قدرة المكلَّف
على تحصيل كل من الملاكين يجعل
للمكلّف الخيار في تحصيل واحد منهما
غير المعين ولا يأذن في تفويت كلا
الملاكين ، ولهذا يجعل على المكلَّف
وجوبين كلُّ واحد منهما يفي بأحد
الملاكين إلاّ انّه يقيِّد كلَّ وجوب
بعدم امتثال الآخر ، فترك أحد
الوجوبين يحقّق الفعلية للوجوب الآخر
ويكون المكلّف عند ذلك مسئولا عن
تحصيل الوجوب الآخر .
وبهذا يكون الوجوب التخييري منحلا
روحاً الى وجوبين كلُّ واحد منهما
مقيَّد بعدم امتثال الآخر .
والسبب لجعل المولى وجوبين هو وجود
ملاكين للمولى يكفي كلُّ واحد من
الملاكين لجعل وجوب مستقل ، وأمَّا
سبب تقييد كلِّ وجوب بعدم امتثال
الآخر فهو عجز المكلَّف عن امتثال كلا
الوجوبين أي عجزه عن تحصيل كلا
الملاكين .
ويمكن توضيح هذا التفسير للوجوب
التخييري بهذا المثال ، وهو انّه لو
كان المولى جائعاً وعطشاناً ، فإنّ
كلَّ واحد من هذين الملاكين كاف في
إلزام العبد بتحصيله ، ولمّا كان
تحصيل الملاك الأول لا يفي بالملاك
الثاني ولا الثاني يفي بالملاك الأول
، إذ انَّ الطعام لا يرفع الظمأ كما
انَّ الماء لا يسدُّ الجوع ، فإنَّ
المولى في هذه الحالة يُلزم العبد
بإلزامين الاول يفي بالملاك الاول
والثاني يفي بالملاك الثاني ، فإذا
كان المولى يعلم بعدم قدرة العبد على
تحصيلهما معاً فإنه يجعل كلّ واحد من
الإلزامين مقيداً بعدم الإلتزام
بالآخر ، فيقول « اسقني ماءً أو
التمس لي طعاماً » أي انّك إن إلتزمت
بالأوّل سقط الثاني عن الفعليّة وهكذا
العكس .
الاشكال على التفسير الثاني :
وقد اُورد على هذا التفسير بإيرادين :
الإيراد الأوّل : لمّا كان كل وجوب
تستلزم مخالفته العقوبة فالمكلّف
حينما لا يمتثل كلا شقي الوجوب
التخييري يكون مستحقاً لعقوبتين ،
وذلك لأنَّ الوجوب التخييري بناء على
هذا التفسير ينحلُّ الى وجوبين
مستقلَّين وباعتبار ان فعليَّة كلّ
واحد منهما منوطة بعدم امتثال الآخر
فحينما لا يمتثل كلا الوجوبين تكون
فعليّة كلِّ وجوب متحقّقة لتحقّق
شرطها . وهذا الإشكال قد ذكرناه في
حالات التزاحم بين الواجبين لو افترض
عدم امتثال المكلَّف لكلا الوجوبين
المتزاحمين .
والجواب :
انّ المنشأ في عدم ايجاب التكليفين
بنحو مطلق وأنَّ أحدهما مقيَّد بالآخر
هو عجز المكلّف عن الجمع بينهما ،
وهذا يعني انّ ترك أحدهما ضروري على
أيِّ حال ، واذا كان كذلك فلا يصحّ أن
ينسب تفويت كلا الملاكين الى المكلَّف
لأنّ أحدهما متعذّر الوقوع لا محالة .
ولهذا لا يكون المكلَّف مرتكباً
لمعصيتين حتى يكون مستحقّاً لعقوبتين
.
وبعبارة اخرى انّ استحقاق المكلَّف
لعقوبة المولى ينشأ عن تفويته لغرض
المولى بواسطة تركه للتكليف المحقّق
للغرض المولوي فإذا فوّت المكلّف غرض
للمولى بمحض اختياره فهو مستحق
للعقوبة ، أمّا إذا كان فوات الغرض
خارجاً عن قدرة المكلَّف فيستحيل
مؤاخذته على ذلك لاستحالة التكليف
بغير المقدور .
ودعوى استحقاق المكلّف للعقوبة
الثانية عند تركه لكلا شقي الوجوب
التخييري تعني مؤاخذة المكلّف على
ماهو خارج عن قدرته ، وذلك لأنّ أحد
الوجوبين متعذِّر الوقوع فلا يمكن ان
يُنسب تفويت الملاك الثاني غير المعين
الى المكلّف لإستحالة وقوعه على أيِّ
حال .
الإيراد الثاني : هو انّه لمّا كانت
فعليّة كلّ واحد من شقي الوجوب
التخييري منوطة بعدم امتثال الآخر
فهذا يقتضي عدم فعليتهما لو اتّفق
إيجاد المكلَّف لهما معاً ، وهذا يعني
عدم تحقّق الامتثال من المكلّف في ظرف
إيجاد المكلّف لكلا شقّي الوجوب
التخييري ، إذ انّ كلَّ واحد منهما
ليس مأموراً به لعدم تحقّق شرط
الفعليّة والمسئوليّة ، ومن الواضح
انّ الاتيان بالتكليف قبل تحقّق شرط
الفعليّة لا يُعدُّ امتثالا ، ولهذا
لو تحقّقت الفعليّه بعد ذلك يكون
المكلَّف مطالباً بامتثال التكليف فلو
حجَّ المكلَّف قبل الاستطاعة لا يكون
ذلك مجزياً بل انّه يكون مسئولا عن
امتثال وجوب الحج لو حصلت له
الاستطاعة بعد ذلك . وهكذا الكلام في
المقام فلو توجَّه للمكلَّف وجوب بعتق
رقبة أو الاطعام إلاّ انّ أحدهما منوط
بعدم امتثال الآخر ، فلو أعتق
المكلَّف رقبة فهذا يعني عدم فعليّة
وجوب الإطعام ، وذلك لعدم تحقّق شرط
الفعليّة له ، وهي عدم إعتاق الرقبة ،
وكذلك لو امتثل وجوب الإطعام فإنّ
فعليّة وجوب الإعتاق لا تكون متحقّقة
لإنتفاء شرط الفعليَّة لوجوب الإعتاق
.
والجواب عن هذا الإيراد :
إنّ الإتيان بكلا شقي الوجوب التخييري
له صورتان :
الصورة الاولى : أن يأتي بأحد
التكليفين ثمّ يأتي بالتكليف الآخر ،
وهنا لا إشكال في فعليّة الوجوب
الأوّل لتحقّق شرطه وهو عدم الإتيان
بالثاني ، ويكون الاتيان بالثاني بعد
ذلك لاغياً لإستحالة تحقّق شرط
الفعليّة له إلاّ انَّ هذا مبني على
أنّ شرط الفعليّة هو عدم الإتيان
بالتكليف الثاني مثلا حين الإشتغال
بالتكليف الأوّل أمّا إذا كان الشرط
هو عدم الإتيان بالثاني في عمود
الزمان والى الأبد فهذا الجواب غير
نافع .
الصورة الثانية : أن يأتي بكلا شقي
الوجوب التخييري في عرض واحد ، وهذه
الصورة منافية لما هو مقتضى الفرض من
عجز المكلَّف عن الجمع بين التكليفين
أو عجزه عن تحصيل كلا الملاكين ومع
ذلك لو اتّفقت هذه الصورة لكان كلا
التكليفين فعلياً لو كان شرط الفعليّة
هو عدم الإتيان بالتكليف الآخر لا عدم
مقارنته بالتكليف الآخر .
وهذا الجواب يحتاج الى تعميق لا يسعه
هذا الكتاب .
وباتّضاح ماذكرناه يتّضح انّ هناك
مجموعة من النتائج مترتّبة على الوجوب
التخييري بكلا تفسيريه .
الاولى : انّ امتثال الوجوب التخييري
يتحقّق عند إيجاد أحد شقّي الوجوب
التخييري غير المعيّن .
الثانية : انَّ معصية الوجوب التخييري
لا تكون إلاّ حين يترك المكلّف كلا
شقي الوجوب التخييري .
الثالثة : انّ العقوبة المترتّبة على
ترك الوجوب التخييري بتمام شقوقه هي
عقوبة واحدة .
الرابعة : إنّ إيجال كلّ شقوق الوجوب
التخييري يُعدُّ امتثالا للوجوب
التخييري .
الثمرة المترتّبة على تفسيري الوجوب
التخييري
انّه لمّا كان متعلّق الوجوب التخييري
ـ بناءً على التفسير الاول ـ هو
الجامع فهذا يقتضي أنَّ التقرُّب يكون
بالجامع ، فلذلك لو تقرَّب المكلَّف
بأحد شقي الوجوب التخييري يكون قد
تقرَّب للمولى بغير المأمور به ، إذ
انّ كلا شقي الوجوب التخييري ليس
مأموراً بهما لأنّهما ليسا متعلقاً
للوجوب ، نعم الوجوب التخييري يسقط
بالاتيان بأحدهما إلاّ انّ ذلك بسبب
انّ كلّ واحد من شقي الوجوب مشتمل على
الجامع الذي هو متعلّق التكليف روحاً
وواقعاً .
وبعبارة ثانية : إنَّ التفسير الاول
للوجوب التخييري لمّا كان مرجعه الى
التخيير العقلي فهذا يقتضي أن يكون
المأمور به هو الجامع ، والتقرُّب
للمولى انّما يكون بالمأمور به وغير
الجامع ليس مأموراً به .
وأمَّا بناءً على التفسير الثاني
فكلُّ واحد من شقي الوجوب التخييري
يكون متعلَّقاً للتكليف ، وهذا يقتضي
صحّة التقرُّب بأي واحد منهما عند
الإتيان به ، وإنَّ كلا منهما يكون
مأموراً به .
الوجوب التخييري بين الأقلّ والأكثر :
إنّ ماذكرناه من إمكان الوجوب
التخييري بل وقوعه في الشرع وعند
العقلاء انَّما هو التخيير بين
المتباينين أي بين العنوانين اللذين
لا تكون بينهما علاقة العموم والخصوص
المطلق كالإطعام والصيام والفقير
والهاشمي .
والكلام في المقام عن إمكان التخيير
بين الأقل والأكثر بحيث يكون أحّد
طرفي الوجوب مستوعباً للطرف الآخر
وزيادة ، كأنْ يأمر المولى عبده بأن
يُطعم عشرة مساكين أو تسعة تدريجاً .
ولكي يتحرَّر محل النزاع نذكر للاقل
والأكثر ثلاث صور :
الصورة الاولى : ما إذا كان وجود
الاقل مبايناً لوجود الأكثر بمعنى عدم
التداخل بينهما فلا يكون الأقل مشمولا
للأكثر كالخطين المستقيمين اللذين
يكون أحدهما طويلا والآخر قصيراً فإن
الخط القصير له وجود مستقل عن وجود
الخط الطويل ، وذلك لأن الخط القصير
له وحدة اتّصالية تقتضي ان يكون للخط
القصير حدود عدمية مانعة عن أن يدخل
وجوده في اطار الوجودات الاخرى والتي
منها الخط الطويل ، وكذلك الحال في
الخط الطويل فإنَّ له وحدة اتصالية
تقتضي حدوداً عدميّه مانعة من دخول
وجوده في الوجودات الاخرى ، ولهذالا
يقال ان الخطّ الطويل هو المشتمل على
خطين قصيرين بل انّه وجود واحد ذو
ماهيّة واحدة .
وهذه الصورة خارجة عن محلِّ النزاع
بلا ريب ، وذلك لانّ التخيير بين
الاقل والأكثر فيها تخيير بين
المتباينين ، فيمكن تطبيق كلا تفسيري
الوجوب التخييري عليها ، فيقال انّ
الوجوب التخييري متعلقه الجامع بين
الأقل والأكثر وهو في المثال الخط
المستقيم ، كما يمكن أن يُقال انّ
الوجوب التخييري منحلٌّ الى وجوبين
يكون متعلّق كلّ واحد من الوجوبين أحد
طرفي الوجوب التخييري ، إذ من الممكن
جداً أن يتعلَّق غرض بإيجاد خطّين
مستقيمين أحدهما قصير والآخر طويل
إلاّ انّه وبسبب علمه بعدم قدرة
المكلَّف على تحصيل كلا الغرضين
والملاكين يأمر بهما على نحو يكون كلّ
واحد منوطاً بعدم الإتيان بالآخر .
الصورة الثانية : ما إذا كان وجود
الأقلّ قابلا لأنْ يكون مشمولا للاكثر
أي قابلا للدخول في إطار الأكثر إلاّ
انّه قد اُخذ في الأقل عدم الزيادة ،
وبهذا القيد يمتنع التداخل ويكون
التخيير بين الأقل والأكثر تخييراً
بين المتياينين .
وبهذا تخرج هذه الصورة أيضاً عن محلِّ
النزاع ، إذ انّ التخيير بين
المتباينين لا إشكال في إمكانه بل في
وقوعه كما تقدّم .
ومثال هذه الصورة التخيير في المواطن
الأربعة بين القصر والتمام فإن القصر
قد اُخذ فيه عدم الزيادة ، ولهذا لو
أضاف المكلَّف على الركعتين ركعة لما
عُدَّ ممتثلا رغم أن الركعتين قد جيء
بهما في ضمن الثلاث إلاّ انَّ
الركعتين لمّا ان كان قد اُخذ فيهما
عدم الزيادة فهذا يقتضي أن لا يكون
المكلَّف ممتثلا حينما يأتي بالثلاث ،
وذلك لأنَّ الركعتين في إطار الثلاث
ليست متوفِّرة على القيد المطلوب
تحصيله وهو عدم الزيادة ، فعدم
الزيادة هو الذي أوجب بينونة الأقل عن
الأكثر .
ومن هنا يمكن تطبيق كلا تفسيري الوجوب
التخييري على هذه الصورة بنفس التقريب
السابق .
الصورة الثالثة : هي عين الصورة
الثانية إلاّ انّه لم يؤخذ في الأقل
شرط عدم الزيادة ، فالأقل لا بشرط من
جهة الزيادة وعدمها .
وهذه الصورة هي محلُّ النزاع حيث ذهب
البعض الى إمكان التخيير فيها بين
الأقل والأكثر وذهب البعض الى
استحالتها ومنهم المصنِّف (رحمه الله)
.
ومنشأ دعوى الإستحالة انّ المكلّف إذا
جاء بالأقل فقد جاء بالمأمور به ولا
يُوجد حالة يؤتى فيها بالأكثر إلاّ
وقد جيء قبله بالأقلّ فيكون الإتيان
بالأكثر عندئذ بلا مبرِّر بعد أن سقط
الأمر بامتثال الأقلّ ، ومن هنا لا
يمكن أن تكون هناك حالة يكون فيها
الأكثر مصداقاً للواجب .
وبتعبير آخر : انّه لمّا كان الأقل لا
بشرط من جهة الزيادة وعدمها فهذا يعني
انّه بمجرَّد أن يُؤتى بالأقل يكون
المكلَّف قد امتثل الوجوب ، ولمّا كان
تحقّق الأكثر متقوّم بتحقّق الأقل
فهذا يعني انّ الأكثر لا يُوتى به
إلاّ بعد سقوط التكليف ، ومن هنا جاز
تركه دون بديل وكل فعل يجوز تركه دون
بديل فهو غير واجب والاّ للزم الاتيان
به او ببديله .
وبهذا اتّضح استحالة جعل الأكثر عدلا
للاقل ، إذ انّ عدل الواجب ينبغي أن
يكون مبايناً للواجب حتى يصدق انَّه
ترك الأول وأتى بالثاني ، أمّا إذا
كان الإتيان بالثاني لا يكون إلاّ
عبْر الإتيان بالأول فهذا لا يصلح أن
يكون عِدلا للاول .
الوجوب الكفائي :
ويتّضح المراد من الوجوب الكفائي بهذا
البيان :
انّ بعض الأفعال التي تتعلّق إرادة
المولى بصدورها من المكلّف قد لا يكون
لشخص المكلَّف وهويته أي دخالة في
إرادة المولى بل انّ إرادته قد
تعلَّقت بأن يصدر الفعل عن طبيعي
المكلّف بنحو صرف الوجود بمعنى عدم
ملاحظة خصوصيّات المكلَّف الذي يصدر
عنه الفعل المراد فمتى ما تحقّق الفعل
من أيِّ مكلَّف كان فإنّ إرادة المولى
بذلك تكون قد تحقّقت وبذلك يسقط
التكليف .
ومنشأ سقوط التكليف هو صدور الفعل
المأمور به من أهله وهو أحد أفراد
طبيعي المكلّف الذي وقع موضوعاً
للتكليف .
وبهذا البيان يتّضح انَّ غرض المولى
كما يمكن أن يتعلّق بطبيعي الفعل بنحو
صرف الوجود يمكن أن يتعلّق بطبيعي
المكلَّف بنحو صرف الوجود .
مثلا حينما يقول المولى للمكلّف «
صلِّ » فإنّ غرضه قد تعلَّق بطبيعي
الصلاة دون الاعتناء بمشخّصات
وخصوصيّات أفراد الطبيعة فكلُّ فرد من
الطبيعة مهما كانت هويّته فإنّه محقّق
لغرض المولى . وهذا ما يقتضي التخيير
بين أفراد الطبيعة .
فحينما يقول المولى « انّ مكلفاً
مسئول عن دفن الميّت » فإنّ غرضه قد
تعلّق بصدور الفعل وهو « الدفن » من
طبيعي المكلّف بنحو صرف الوجود بمعنى
انَّه أراد من واحد من طبيعي المكلّف
ـ دون ملاحظة من هو ذلك المكلّف ـ أن
يقوم بذلك الفعل فأيُّ مكلّف مهما
كانت هويّته يأتي بالفعل المطلوب فإنّ
غرض المولى يكون بذلك متحقّقاً وهذا
هو الوجوب الكفائي المناسب للوجوب
التخييري العقلي .
وفي مقابل الوجوب الكفائي يكون الوجوب
العيني ، وهو الذي يكون فيه الغرض
المولوي متعلقاً بصدور الفعل من كلّ
فرد من أفراد المكلّفين على نحو مطلق
الوجود بمعنى أن شخص المكلّف دخيلا في
غرض المولى ، وبهذا لا يكون غرض
المولى متحقّقاً حينما يقوم مكلّف ما
بالفعل المطلوب من جهة المكلّف الآخر
بل يبقى غرض المولى متعلَّقاً بأن
يصدر الفعل المطلوب من المكلَّف الآخر
.
وبتعبير آخر : انّ التكليف بنحو مطلق
الوجود من جهة المكلَّف يعني انّ هناك
تكاليف متعدّدة بعدد أفراد المكلّفين
، فكلُّ مكلَّف يكون قد تعلّق الغرض
المولوي بأن يصدر عنه الفعل المطلوب ،
فيكون لخصوصيّة الفرد دخل في غرض
المولى وبالتالي دخل في سقوط التكليف
.
وبهذا البيان اتَّضح المراد من الوجوب
الكفائي واتّضحت الجهة التي يشابه
فيها الوجوب التخييري إلاّ انَّ هذا
البيان انّما يُوضح الوجوب الكفائي
المناسب للوجوب التخييري بنحو التفسير
الأوّل وهو الوجوب التخييري العقلي .
ونحتاج الى بيان ثان للوجوب الكفائي
يناسب الوجوب التخييري بنحو التفسير
الثاني والذي يعني رجوع الوجوب
التخييري الى وجوبات مشروط كلّ منها
بعدم امتثال الآخر . فنقول :
انّه قد يتعلّق غرض المولى بأن يصدر
الفعل من كلّ مكلَّف إلاّ انّ ذلك
الغرض متحيّث بحيثية تُوجب سقوط
التكليف عندما يصدر الفعل المطلوب من
مكلف ما .
مثلا : الامر بالمعروف والنهي عن
المنكر ممّا تعلّق غرض المولى بأن
يصدر عن كلّ مكلّف بحيث يكون كلّ
مكلَّف بخصوصياته قد تعلّق الغرض
المولوي بأن يصدر الأمر بالمعروف عنه
إلاّ انّ هذا الغرض يرتفع في حال صدور
الأمر بالمعروف عن أحد المكلَّفين
فيكون ما صدر عن هذا المكلَّف المعيّن
قد صدر عن المكلّف الذي تعلَّق الغرض
بأن يصدر عنه الفعل بخصوصه إلاّ انّه
وببركة صدور الفعل عن المكلَّف
المطلوب منه بخصوصه أن يصدر عنه الفعل
تسقط سائر الأغراض المتعلّقة بكل
مكلّف بخصوصه ، وذلك لتحيُّثه من أوّل
الأمر بذلك ، وهذا ما برَّر تقييد
فعليَّة كلِّ تكليف ـ من التكاليف
المتعدّدة بتعدّد المكلّفين ـ بعدم
امتثال المكلَّف الآخر له .
وهذا النحو من التكليف له ما يُناظره
في حياة العقلاء فقد يتعلَّق غرض
المولى العرفي بأن يُهئ له عبيده
الطعام بحيث يكون كلّ واحد منهم
بخصوصه مسئولا عن تهيئة الطعام إلاّ
انّ طبع هذا الغرض يقتضي إرتفاعه
حينما يقوم أحد العبيد بايجاده .
ومن هنا يتّضح الفرق بين هذا التقريب
للوجوب الكفائي وبين التقريب الاول ،
فإنّ موضوع التكليف بناء على التقريب
الأول هو جامع المكلّفين ويكون الفرد
الذي يصدر عنه التكليف هو منطبق
الموضوع « الجامع » لا أنَّه موضوع
التكليف . وأمَّا بناءً على التقريب
الثاني فإن موضوع التكليف فيه هو كلّ
مكلّف بخصوصيّاته .
وبما ذكرناه يتّضح انّ الوجوب الكفائي
يقتضي ـ وبناءً على التفسيرين ـ أن
يكون الثواب لمن يصدر عنه التكلف ،
وذلك لانَّ الثواب مترتّب على من
يحقّق غرض المولى فعلا ، ومن الواضح
انّ الذي لم يصدر عنه التكليف لم يكن
قد حقَّق غرض المولى وإن كان ذلك
ناشئاً عن عدم قدرته لتحقيق غرض
المولى بسبب إرتفاع الغرض ، نعم لا
يكون المكلَّف مثاباً على صدور
التكليف عنه إلاّ في حاله يكون ذلك
المكلَّف ممّن يشمله التكليف ، وهذا
حاصل في الوجوب الكفائي ـ على
التفسيرين ـ فبناءً على التفسير الاول
يكون المكلَّف الذي صدر عنه التكليف
منطبق الجامع ـ الذي هو موضوع التكليف
ـ فيكون التكليف قد صدر عن الجامع
بواسطته .
وأمَّا بناءً على التفسير الثاني
فالامر أوضح ، إذ انّ المكلّف الذي
صدر عنه التكليف هو موضوع التكليف .
وكذلك يقتضي الوجوب الكفائي ـ وبناء
على التفسيرين ـ استحقاق جميع
المكلّفين للعقوبة لو اتّفق عدم صدور
التكليف عن واحد منهم ، وذلك لان
العقوبة مترتّبة على تضييع الغرض
المولوي اختياراً ولكن بحيث يكون
تضييع الغرض ممّن تعلّق بأن يصدر
الفعل المراد عنه ، وهذا حاصل في
الوجوب الكفائي على التفسيرين ، إذ
انَّه بناءً على التفسير الاول يكون
الغرض والتكليف واقعاً على جامع
المكلّف فيكون كلّ فرد من أفراد
الجامع مشمولا للغرض والتكليف .
وبناءً على التفسير الثاني يكون أوضح
لانّ كلّ مكلَّف بخصوصه يكون موضوعاً
للتكليف . وبهذا تكون المسئوليّة عن
تحقيق الغرض ثابتة على عهدة كلّ مكلّف
، فيكون تفويت الغرض منهم جميعاً
موجباً لمعاقبتهم جميعاً .
ويمكن إجمال ماذكرناه في الوجوب
الكفائي في نقاط :
الاولى : إنّ الوجوب الكفائي يشابه
الى حد ما الوجوب التخييري فكما يمكن
تصوير الوجوب التخييري على أساس انّه
متعلق بالجامع بنحو صرف الوجود فكذلك
الوجوب الكفائي ، وكما يمكن تصوير
الوجوب الوجوب التخييري على أساس انّه
مجموعة من الوجوبات مشروطٌ كلُّ واحد
منها بعدم امتثال الآخر فكذلك الوجوب
الكفائي .
الثانية : إنَّ الوجوب الكفائي يفترق
عن الوجوب التخييري في انّ التخيير
فيه بلحاظ الموضوع « المكلّف »
والوجوب التخييري يكون التخيير فيه
بلحاظ المتعلّق ، فحينما نقول :
الوجوب الكفائي متعلّق بالجامع فإنّنا
نقصد انّ موضوع الوجوب الكفائي هو
الجامع أي طبيعي المكلَّف ، وهذا
بخلاف الوجوب التخييري فإنّ تعلّقه
بالجامع بمعنى ان متعلّقه هو الجامع
والذي هو طبيعي الفعل الواجب كالصلاة
والصوم .
وحينما نقول : انّ الوجوب الكفائي
يرجع الى وجوبات مشروطة فإنّ معناه
انّ الوجوبات متعدّدة بتعدّد
المكلّفين أي بتعدّد الموضوعات ،
فكلُّ مكلّف يكون موضوعاً لتكليف ،
أمّا الوجوب التخييري فإن تعدّد
الوجوبات فيه تكون بلحاظ أفراد
المتعلَّق أي الفعل الواجب ، فتكون
هناك وجوبات مشروطة بعدد أفراد
المتعلّق « الواجب » .
الثالثة : إنّ الوجوب الكفائي
بتفسيريه يقتضي أن تكون المثوبة لمن
يصدر عنه الفعل الواجب كما يقتضي عدم
ترتُّب العقوبة على ترك التكليف إذا
صدر التكليف عن واحد من المكلّفين .
ويقتضي أيضاً استحقاق جميع المكلّفين
للعقوبة لو اتّفق عدم صدور الفعل
الواجب منهم جميعاً .
أمّا الوجوب التخييري فيقتضي استحقاق
المكلَّف للثواب إذا أتى بالواجب على
التفسير الثاني أو جاء بفرد من أفراد
طبيعي الواجب بناء على التفسير الاول
. كما يقتضي عدم استحقاق المكلَّف
للعقوبة على ترك الوجوبات الاخرى بناء
على التفسير الثاني أو ترك بقيّة
أفراد طبيعي الواجب بناء على التفسير
الاول . إلاّ انَّ المكلّف لا يكون
معاقباً إلاّ عقاباً واحداً لو اتّفق
تركه لطبيعي الواجب بتمام أفراده بناء
على التفسير الاول أو ترك امتثال جميع
الوجوبات بناءً على التفسير الثاني ،
وقد ذكرنا منشأ ذلك فيما سبق .
التخيير العقلي في الواجب :
عرفنا انّ الوجوب التخييري العقلي هو
ما كان متعلّقه الجامع وأنَّ التخيير
والإطلاق البدلي فيه انّما يكون
مستفاداً بواسطة القرينة العقليّة ،
إذ انّ المولى حينما يجعل التكليف على
صرف الوجود للفعل فإنَّ ذلك يعني عدم
وجود خصوصيّة لأحّد أفراد طبيعي
المتعلَّق وإلاّ كان على المولى أن
ينبِّه على ذلك وإلاّ كان ناقضاً
لغرضه ، إذ أنّ إرادة شيء مع إهمال
بيانه يكون نقضاً للغرض كما هو واضح ،
ولمّا كان الحكيم لا ينقض غرضه عرفنا
انّ المولى ليس له اعتناء بخصوصيّة
الفرد ، وهذا ما يُبرِّر الإطلاق
البدلي وأنّ المكلَّف له اختيار تطبيق
الجامع على أي فرد من أفراده .
إذن جعل التكليف على صرف الوجود
للمتعلّق « الفعل الواجب » يقتضي
الإطلاق البدلي ، والمراد من صرف
الوجود للمتعلّق هو وجود المتعلّق
بقطع النظر عن تمام الحيثيّات
المشخّصة لأفراده ، فوجود المتعلّق
بما هو يكون هو متعلَّق الغرض
ومتعلَّق التكليف ، وهذا في مقابل جعل
الوجوب على مطلق الوجود إذ انّ هذا
يعني السريان والإطلاق الشمولي ،
فكلُّ فرد يكون متعلّقاً للتكليف وهذا
ما يقتضي انحلال التكليف الى تكاليف
متعدّد بعدد الأفراد . وجعل الطبيعة
هي متعلّق التكليف انّما هو لغرض
الإشارة الى أفرادها لا أنّها متعلّق
التكليف ، ففرق بين أن يقول المولى «
أكرم زيداً » وبين أن يقول « أكرم
زيداً بكلّ أنحاء الإكرام » ، إذ انّ
متعلّق التكليف الاول هو صرف الوجود ،
وهذا ما يقتضي الإطلاق البدلي
ومتعلَّق الثاني هو مطلق الوجود وهذا
ما يقتضي الإطلاق الشمولي .
فالأوّل يكون المكلَّف فيه مخيّراً
بين أفراد طبيعة المتعلّق أمّا الثاني
فالمكلَّف فيه مسئول عن جميع أفراد
الطبيعة ويكون كلّ فرد من أفرادها
متعلّقاً لتكليف مستقل فلذلك يكون
معاقباً على ترك كلّ فرد من أفراد
الطبيعة ومثاباً على فعل كلّ فرد من
أفراد الطبيعة ، فيمكن أن يكون مثاباً
ومعاقباً في آن واحد ، فهو مثاب على
امتثال الأوّل ومعاقب على عصيان
الثاني .
والمتحصّل انّ التخيير العقلي لمّا
كان متعلّقه الجامع ـ وهو طبيعي الفعل
المأمور به بنحو صرف الوجود ـ فهذا
يقتضي عدم سريان الوجوب من الجامع الى
أفراده ، وذلك لأنّ الوجوب انّما جُعل
على الجامع فلا مبرِّر للتحوّل منه
الى أفراده .
ومن هنا لو اختار المكلَّف أحد أفراد
الجامع فلا يعني ذلك انّ الفرد
المختار أصبح هو متعلّق الوجوب بل
يبقى الجامع هو متعلّق الوجوب ، غايته
انّ الفرد المختار هو منطبق الجامع
ومصداقه . والذي ينبِّه على ذلك انّ
المكلَّف لو اختار فرداً آخر للجامع
غير الذي اختاره لكان الفرد الآخر هو
منطبق الجامع ولتمَّ امتثال الجامع
بواسطته وهكذا الحال في سائر أفراد
الجامع .
وبهذا يتّضح انّ الإتيان بأحد أفراد
الجامع لا يكون امتثالا للمأمور به ،
وذلك لانّ المأمور به هو طبيعي الفعل
ـ والذي هو الجامع بنحو صرف الوجود ـ
وقد قلنا انّ الوجوب لا ينتقل من
الجامع الى أفراده ، نعم يكون الفرد
المأتي به مصداقاً للجامع وموجباً
لسقوط التكليف بالجامع أو قل انّ
الاتيان بالفرد يكون واسطة لامتثال
التكليف بالجامع لا انَّه امتثال
للتكليف بنحو مباشر ، إذ لا يعقل أن
يتمّ الإمتثال بغير المأمور به .
ثمّ انّ ما ذكرناه من انّ الوجوب
التخييري يكون متعلّقه الجامع ـ فلا
يسري الحكم من الجامع الى أفراده ـ
انّما يناسب المبنى القائل ان الاوامر
متعلّقة بالطبايع لا بالأفراد ، وفي
مقابل هذا المبنى يوجد مبنىً آخر يرى
انّ الاوامر متعلّقة بالأفراد لا
بالطبايع وهذا المبنى هو المناسب
للتفسير الثاني للوجوب التخييري
وحاصله :
انّ الوجوب الذي يكون متعلّقه طبيعي
الفعل الواجب يؤول روحاً الى وجوبات
بعدد أفراد طبيعي الفعل « الجامع »
فيكون كلّ فرد من أفراد طبيعي الفعل
الواجب متعلّق لوجوب مستقل ، غايته
انّ فعليّة كل وجوب مقيّدة بعدم
امتثال الوجوبات الاخرى وبناءً على
هذا المبنى يكون الإتيان بأحد أفراد
طبيعي الفعل امتثالا للمأمور به
وتنتفي به سائر الوجوبات المتعلّقة
بالأفراد الاخرى .
امتناع اجتماع الأمر والنهي
ذكرنا ـ فيما سبق ـ انّ الاحكام
التكليفيّة متنافية ذاتاً فيما بينها
أي انّ الوجوب مثلا في حدِّ ذاته
وبماله من مبادئ ينافي الحرمة
والإستحباب وهكذا ، ولهذا يستحيل
الإجتماع بين حكمين تكليفيّين
لاستحالة اجتماع الضدّين ، نعم
استحالة اجتماع الحكمين المتضادّين
انّما يكون في ظرف اتّحادهما في
المتعلّق فما لم يكن متعلّق الحكمين
واحداً فإنّ الاستحالة لا تكون ثابتة
فلا محذور في أن يكون عمل الصور
حراماً ويكون اقتناؤها مباحاً ولهذا
لو اجتمع ضرب اليتيم تشفياً مع الصوم
الواجب أو مع الطواف الواجب لما كان
في ذلك محذور ، وذلك لانّ متعلَّق
الحرمة وهو ضرب اليتيم مغاير لمتعلّق
الوجوب وهو الصوم أو الطواف . وهذا
بخلاف مالو كان متعلّق الوجوب هو عين
متعلَّق الحرمة كما لو كان متعلّق
الوجوب هو صلاة الجمعة ومتعلّق الحرمة
هو صلاة الجمعة أيضاً فإنّه لا إشكال
في استحالة ذلك لاستلزامه اجتماع
الحكمين المتضادّين على متعلّق واحد .
إذن الاستحالة في ظرف اتّحاد المتعلّق
والإمكان في ظرف التعدّد لا إشكال فيه
كبروياً .
وانّما الإشكال في بعض الموارد وهل هي
من قبيل اتّحاد المتعلّق حتى يكون
اجتماع الحكمين المتنافيين في موردها
مستحيلا أو انّها من قبيل تعدّد
المتعلّق فيكون الاجتماع ممكناً ،
وهذا ما يقتضي كون البحث عن امتناع أو
إمكان اجتماع الامر والنهي بحثاً
صغروياً .
والبحث فيه عادة ما يقع في موردين :
المورد الأوّل :
وهو افتراض أن يكون المتعلّق في
الوجوب هو طبيعي الفعل بنحو صرف
الوجود ويكون متعلّق الحرمة فرداً من
أفراد ذلك الطبيعي ، فقد يقال في مثل
هذه الحالة باتّحاد المتعلّق في
الحكمين « الوجوب والحرمة » وذلك لانّ
وجود الفرد وجود للطبيعي ، إذ انّ
الطبيعي انّما يوجد بفرده ولا يُتعقل
أن يكون هناك وجودان أحدهما للطبيعي
والآخر لفرده ، إذ الوجود مالم يتشخّص
لا يوجد ، فالطبيعي مالم يكن في فرده
فيستحيل وجوده خارجاً . فالفرد هو
الطبيعي ذاته إلاّ انّه متلبّس ببعض
المشخّصات الموجبة لتميُّزه عن سائر
أفراد الطبيعي .
وقد يُقال بتعدّد المتعلَّق في
الحكمين « الوجوب والحرمة » ، وذلك
لافتراض انّ متعلّق الوجوب مطلق
ومتعلّق الحرمة مقيّد ، وهذا المقدار
كاف في التغاير بين متعلقي الوجوب
والحرمة حيث افتراض كون متعلّق الوجوب
مطلقاً يعني انّ الطبيعي بسعته هو
متعلّق الوجوب ، وهذا بخلاف افتراض
المتعلّق مقيداً فإنّه يعني انّ
المتعلّق مُتحصِّص بما يُوجب المنع عن
دخول سائر أفراد الطبيعي في المتعلّق
.
ويمكن التمثيل لهذا المورد بايجاب
الصلاة بنحو صرف الوجود ـ أي بنحو
التخيير العقلي ـ والمنع عن حصّة من
طبيعي الصلاة وهي الصلاة في الحمام
مثلا ، فإنّه قد يُقال باستحالة ذلك
لاتّحاد متعلّقي الوجوب والحرمة
بالتقريب السابق .
وقد يقال بإمكان ذلك لتعدد متعلقي
الوجوب والحرمة بالتقريب السابق .
والصحيح انّ المسألة تختلف نتيجتها
باختلاف المبنى في التخيير العقلي
وهما مبنيان والمبنى الثاني ينقسم على
نفسه الى قسمين :
فالمباني في التخيير العقلي ثلاثة :
المبنى الاول : انَّ الوجوب اذا كان
متعلّقه طبيعي الفعل فهذا يعني انحلال
الوجوب الى وجوبات متعدّدة بعدد أفراد
الطبيعي غير انَّ كلّ واحد منها مقيّد
بعدم امتثال الآخر ، فالوجوب الاول
متعلَّقه الفرد الاول والوجوب الثاني
متعلّقه الفرد الثاني وهكذا ، غايته
انّ فعليّة الوجوب الاول ـ والذي
متعلَّقه الفرد الاول ـ يكون منوطاً
بترك سائر الوجوبات الاخرى الواقعة
على الأفراد الاخرى للطبيعي .
وبناءً على هذا المبنى يكون متعلَّق
الوجوب والحرمة واحداً فتثبت
الاستحالة في موردهما ، وذلك لانَّ
الفرد الذي وقع متعلقاً للحرمة هو
متعلّق لوجوب من الوجوبات المنحلَّة
عن الوجوب التخييري العقلي .
فالصلاة في الحمام والذي هو متعلّق
الحرمة هو متعلّق الوجوب أيضاً ، وذلك
لأنَّه فرد من أفراد الطبيعي وقد قلنا
انه بناء على هذا المبنى يكون كلُّ
فرد متعلَّقاً لوجوب مستقل مشروط ،
فالوجوب والحرمة عرضا على متعلَّق
واحد وهو الصلاة في الحمَّام وهذا ما
يقتضي الإستحالة لاستلزام ذلك اجتماع
حكمين متضادّين على متعلّق واحد حقيقة
.
المبنى الثاني : انّ الوجوب إذا كان
متعلَّقه طبيعي الفعل فهذا لا يعني
أكثر من انّ هناك وجوباً واحداً
واقعاً على متعلّق واحد وهو الجامع ،
نعم لو اختار المكلّف فرداً من أفراد
الجامع وطبَّقه على الجامع بحيث جعله
مصداق المتعلّق للوجوب فإنّ ذلك يقتضي
سراية الوجوب من الجامع الى ذلك الفرد
، فإنَّ الوجوب وإن كان متعلّقه
الجامع إلاّ انّه لا يبقى الى الابد
كذلك بل انّه يتحوّل الى الفرد الذي
يأتي به المكلَّف امتثالا للوجوب
ويجعله منطبق الجامع ، أو نفترض انّ
الوجوب لا يسري من الجامع الى الفرد
المختار إلاّ انّ الإرادة والمحبوبيّة
المتعلّقة بالجامع تسري الى الفرد
المختار فيكون الفرد المختار مراداً
ومحبوباً للمولى تبعاً لإرادة الجامع
ومحبوبيّته .
وبناءً على هذا المبنى يلزم اتحاد
متعلَّق الوجوب والحرمة لو اختار
المكلّف الفرد الذي وقع متعلَّقاً
للحرمة ، وذلك لأنَّ اختياره لذلك
الفرد أوجب سراية الوجوب من الجامع
الى ذلك الفرد فإذا كان هذا الفرد
متعلَّقاً للحرمة لزم اجتماع الحكمين
المتضادّين على متعلّق واحد ، وكذلك
اذا افترضنا انّ السراية انّما تكون
من مبادئ الحكم « الإرادة » ـ
المتعلَّقة بالجامع ـ الى الفرد فإنّ
ذلك يلزم ان يكون الفرد المختار
محبوباً وذلك لسراية المحبوبيَّة من
الجامع اليه ومبغوضاً لكونه متعلقاً
للحرمة .
المبنى الثالث : انّ الوجوب اذا كان
متعلّقه طبيعي الفعل فإنّ الوجوب يبقى
واحداً ولا ينحلُّ الى وجوبات بعدد
أفراد الطبيعي كما انّ الوجوب لا يسري
من طبيعي المتعلّق « الجامع » الى
الفرد المختار ولا مبادئ الوجوب تسري
من الطبيعي الى الفرد المختار ، غايته
ان الفرد المختار يكون منطبق الجامع
ومصداقه الموجب لسقوط التكليف بالجامع
، فاختيار الصلاة في الحمَّام لا يكون
واجباً أي متعلَّقاً للوجوب ولا يكون
محبوباً بل تبقى طبيعة الصلاة هي
الواجبة وهي المحبوبة .
وبناءً على هذا المبنى لا يكون متعلّق
الوجوب والحرمة متحداً بل يكون الفرد
المختار متعلّق الحرمة فحسب ، نعم هو
مصداق متعلّق الوجوب إلاّ انّ ذلك لا
يقتضي اتّحاد متعلّق الوجوب والحرمة
بل يبقى متعلّق الوجوب هو الطبيعي ولا
يسري الوجوب والمحبوبيّة منه إلى
الفرد المختار الواقع متعلّقاً للحرمة
.
والنتيجة انّ المورد الاول يكون
مستحيلا بناءً على المبنى الاول
والثاني وممكناً بناءً على المبنى
الثالث .
المورد الثاني :
افتراض متعلّق الوجوب هو الطبيعي
أيضاً بنحو صرف الوجود وافتراض
متعلَّق الحرمة هو الطبيعي ولكن بنحو
مطلق الوجود ـ وهذا ما يقتضي انحلال
الحرمة الى حُرمات بعدد أفراد طبيعي
المتعلّق ـ ويكون عنوان متعلّق الوجوب
مغايراً لعنوان متعلَّق الحرمة إلاّ
انّ العنوانين يتصادقان خارجاً على
فرد واحد .
وهذا المورد لا إشكال في استحالته
بناءً على المبنى الاول والمبنى
الثاني ، وأمّا بناءً على المبنى
الثالث فهو ممكن كما هو الحال في
المورد الأوّل ، وذلك لان الفرد الذي
أصبح مجمعاً للعنوانين ليس متعلَّق
الوجوب ولا يسري الوجوب أو مبادؤه من
طبيعي المتعلّق اليه ، إلاّ انّه لو
تنزلنا وقلنا بالاستحالة حتى بناءً
على المبنى الثالث فهل انّ تعدّد
العنوان ـ والذي هو مفترض هذا المورد
ـ يصلح لرفع الاستحالة .
وبعبارة اخرى : انّ المورد الاول لا
يختلف عن المورد الثاني إلاّ من حيث
انّ متعلّقي الوجوب والحرمة متغايرين
عنواناً في المورد الثاني ، فلو
افترضنا انّ المورد الأوّل مستحيلا
على جميع المباني فهل انّ تعدّد
العنوان في متعلّقي الوجوب والحرمة
مسوّغاً لإمكان الإجتماع أو لا ؟
مثلا لو كان متعلّق الوجوب هو الصلاة
بنحو صرف الوجود ـ المقتضي للتخيير
العقلي ـ وكان متعلّق الحرمة هو الغصب
بنحو مطلق الوجود ـ والمقتضي للإطلاق
الشمولي وكون كلّ فرد من أفراد الحرمة
متعلَّقاً لحرمة مستقلّة ـ فلو صلّى
المكلَّف في الأرض المغصوبة فإنّ هذا
الفعل صار مجمعاً لعنوانين أحدهما
متعلّق الوجوب والآخر متعلّق الحرمة ،
فهو متعلّق الوجوب بلحاظ كونه صلاة
ومتعلّق الحرمة بلحاظ كونه غصباً .
فهنا نقول : إنّ تعدّد العنوانين هل
يصلح لرفع الإستحالة وأنّ الوجوب
والحرمة لم يقعا على متعلّق واحد ؟
والجواب انّ في المقام ثلاثة مبان
اثنان منها يقتضيان ارتفاع الإستحالة
والثالث يقتضي الإستحالة .
المبنى الأوّل : انّ متعلَّق الأحكام
دائماً هي العناوين ، وهذا ما يقتضي
تعدّد متعلّق الوجوب والحرمة في مفترض
هذا المورد ،إذ أنَّ متعلَّق الوجوب
هو عنوان الصلاة ومتعلَّق الحرمة هو
عنوان الغصب فالإجتماع في عالم
العناوين ليس متحقّقاً ، نعم هما
متصادقان خارجاً إلاّ انّ ذلك لا
يضرُّ بعد انْ لم يكن الخارج هو
متعلّق الوجوب ولا متعلّق الحرمة ،
فنحن وإن كنا نسلِّم باتحاد العنوانين
حقيقة في الخارج إلاّ انّ الخارج لمّا
لم يكن هو متعلّق الوجوب ولا هو
متعلّق الحرمة فهذا يعني انّ التعدّد
في متعلّق الوجوب والحرمة يبقى ثابتاً
، وبه يخرج هذا المورد موضوعاً عن
اجتماع الأمر والنهي .
المبنى الثاني : وهو يفترض أيضاً انّ
متعلّق الأحكام هي العناوين إلاّّ
انّه يبني على انَّ تعدّد العنوان
يكشف عن تعدّد المعنون ، فحينما يكون
متعلَّق الوجوب هو الصلاة ومتعلّق
الحرمة هي الغصب فهذا يعني عدم
تصادقهما حتى خارجاً وما يترآى من
اتّحاد العنوانين خارجاً فهو ليس
اتحاداً حقيقيّاً بل هو اتّحاد
إنضمامي أمّا واقعاً فهما شيئان
متغايران ، أحدهما مصداق لعنوان
الصلاة والآخر مصداق لعنوان الغصب .
وبناءً على هذا المبنى يكون خروج هذا
المورد عن موضوع اجتماع الأمر والنهي
أوضح ، وذلك لتعدّد العنوانين وتعدّد
المعنونين .
المبنى الثالث : انّ الأحكام متعلّقة
روحاً بالمعنونات أي بالوجودات
الخارجيّة ، والعناوين انَّما تكون
طريقاً وواسطة في الكشف عمَّا هو
متعلَّق الأحكام واقعاً ، وذلك لأنّ
العناوين ليست أكثر من مفاهيم ذهنيّة
مرتسمة عن الخارج ، كما انّ تعدّد
العنوان لا يكشف عن تعدّد المعنون ،
وذلك لأنّ الشيء الواحد قد تنتزع منه
مجموعة من العناوين باعتبار اختلاف
اللحاظ فزيد مثلا بلحاظ علاقته
الزوجيّة بهذه المرأة يكون زوجاً
وبلحاظ انّه ولد لعمرو يكون ابناً
وباعتباره انّ عمره جاوز الأربعين
يكون كهلا وهكذا .
فهذا المبنى إذن يُنكر تعلّق الاحكام
بالعناوين ويبني على أنّها متعلّقة
بالمعنونات كما يُنكر كاشفيّة تعدّد
العنوان عن تعدّد المعنون .
وعلى هذا المبنى تثبت الإستحالة لهذا
المورد ، وذلك لأنّ متعلّق الوجوب هي
الصلاة الخارجيّة كما انّ متعلّق
الحرمة هو الحرمة خارجاً ، فإذا
افترضنا انّ المكلَّف صلَّى في الأرض
المغصوبة فهذا يعني انّ فعلا واحداً
صار متعلّقاً لحكمين متنافيين وهو
مستحيل .
الثمرة المترتّبة على استحالة
الاجتماع وإمكانه :
أما بناءً على استحالة اجتماع الأمر
والنهي فإنّه لا إشكال في تحقّق
التعارض المستحكم بين دليل الوجوب
ودليل الحرمة في مورد الإجتماع ، إذ
لا يمكن العمل بإطلاق دليل الوجوب
ودليل الحرمة ، وذلك لأنّ مقتضى إطلاق
دليل الوجوب هو وجوب الصلاة الواقعة
في الأرض المغصوبة ونفي الحرمة عنها ،
كما انّ اطلاق دليل الحرمة هو حرمة
الصلاة في الأرض المغصوبة ونفي الوجوب
عنها ، فتكون الصلاة واجبة بحكم
الدليل الأوّل وحراماً بحكم الدليل
الثاني ، وهذا يعني التناقض والتكاذب
بين الدليلين وهو معنى التعارض .
ومن هنا يجب معالجة هذه المسألة طبقاً
للضوابط المذكورة في باب التعارض .
وأمَّا بناءً على إمكان اجتماع الامر
والنهي يمكن العمل بمقتضى اطلاق دليل
الوجوب والحرمة دون أن يلزم من ذلك
اجتماع حكمين متنافيين على متعلَّق
واحد إمّا لتغاير العنوانين أو لتغاير
العنوانين والمعنونين معاً .
الوجوب الغيري لمقدّمات الواجب
ذكرنا ـ فيما سبق ـ انّ المقدّمات على
نحوين فتارة تكون مقدّمات للحكم واخرى
تكون مقدّمات لمتعلّق الحكم .
والاولى : يُعبَّر عنها بمقدّمات
الوجوب ، ولا إشكال في عدم وجوبها ،
لأنّها أخذت مقدرة الوجود ، فإذا
اتّفق تحقّقها خارجاً أصبح الحكم
فعليّاً ، وهذا يقتضي وقوعها في رتبة
العلّة للحكم ومن هنا يستحيل ترشح
الوجوب من الحكم عليها . ومثال
المقدّمات الوجوبيَّة هو الإستطاعة
بالنسبة لوجوب الحج والزوال بالنسبة
لوجوب صلاة الظهر .
والثانية : يُعبّر عنها بمقدّمات
الواجب أو بالمقدّمات الوجوديّة ، إذ
انّ وجود الواجب متوقّف على تحقّقها .
وهي محلُّ البحث في المقام حيث يُبحث
عن وجوب المقدّمات الوجوديّة شرعاً
بعد الفراغ عن لزوم تحصيلها عقلا ،
وذلك لأنَّ المتعلَّق « الواجب » لمّا
كان لازم التحصيل فإنّ كلَّ ما يتوقّف
تحصيل الواجب « المتعلّق » عليه يحكم
العقل بلزوم تحصيله وإلاّ لو لم
يُحصِّل المكلَّف مقدمات الواجب لما
كان متمكناً من تحصيل الواجب ، وذلك
لافتراض انّ الواجب منوط تحصيله
بتوفير تلك المقدّمات ، ومثال ذلك
السفر للحج بعد تحقّق فعليّة الوجوب
للحج والوضوء للصلاة بعد افتراض
تحقُّق فعليّة الوجوب للصلاة بتحقّق
الزوال ، فإنّ المولى حينما قيَّد
الواجب « الصلاة » بالوضوء فإنَّ
الواجب يُصبح متحصصاً بخصوص هذه الحصة
، وهذا يقتضي توقّف امتثال هذه الحصّه
على الاتيان بالوضوء .
إذن فلزوم تحصيل مقدّمات الواجب عقلا
ليست محلاًّ للنزاع ، وانَّما النزاع
وقع في وجوب هذه المقدّمات شرعاً .
وإذا ثبت انّ هذه المقدّمات واجبة
شرعاً فهي واجبة بالوجوب الغيري أي
انّ الوجوب انَّما ثبت لها بواسطة
وجوب ذيها وهو الواجب النفسي مثل
الصلاة ، فوجوبها إذن تابع لوجوب ذي
المقدّمة فهي ليست مصباً للحكم وليست
متعلقاً للغرض أصلا بل تبعاً ، ولهذا
تكون إرادتها مترشّحة عن إرادة الواجب
ووجوبها معلول لوجوب الواجب .
وكيف كان فهناك ثلاثة أقوال في
مقدّمات الواجب من حيث وجوبها وعدم
وجوبها شرعاً :
القول الأوّل : هو وجوب مقدّمات
الواجب شرعاً ، وذلك للملازمة بين
وجوب الشيء ووجوب ما يتوقّف ايجاد ذلك
الشيء الواجب عليه ، ولمّا كانت
مقدّمات الواجب كالسفر والوضوء ممّا
يتوقّف الواجب النفسي « الحج والصلاة
» عليها فهذا يقتضي أن يترشّح وجوب من
الواجب النفسي « ذي المقدّمة » الى
مقدماته ، وكذلك تكون إرادة شيء
مقتضيه لإرادة مقدماته المتوقّف إيجاد
ذلك الشيء عليها .
وهذه الملازمة ـ المُدركة بالعقل ـ
بين وجوب الشيء ووجوب مقدّماته وبين
إرادة الشيء وإرادة مقدّماته هي
الموجبة لثبوت الإيجاب الشرعي
لمقدّمات الواجب .
إذن فوجوب مقدّمات الواجب تكون معلولة
للوجوب النفسي للواجب فما لم يتحقّق
وجوب الواجب النفسي فلا تكون مقدّمات
الواجب واجبة بالوجوب الغيري ،
والوجوب النفسي كما عرفت سابقاً يكون
منوطاً بمقدّمات الوجوب ، وهذا ما
يعني تأخّر الوجوب الغيري عن مقدّمات
الوجوب أيضاً ، إذ انّ الوجوب الغيري
معلول للوجوب النفسي ولمّا كان الوجوب
النفسي والذي هو علّة الوجوب الغيري
متأخراً عن مقدّمات الوجوب فمن
الطبيعي أن يكون الوجوب الغيري
متأخراً عن مقدّمات الوجوب .
وبتعبير آخر : انّ مقدّمات الوجوب
علّة الوجوب النفسي والوجوب النفسي
علَّة لإيجاب مقدّمات الواجب .
القول الثاني : هو عدم وجوب مقدّمات
الواجب شرعاً وعدم إرادتها شرعاً
أيضاً فلا يكون توقّف إيجاد الواجب
النفسي على مقدّمات موجباً لوجوب
المقدّمات شرعاً ولا تكون الإرادة
الشرعيّة لإيجاد الواجب مستلزمة
لإرادة شرعية متعلقة بتحصيل المقدّمات
الوجودية للواجب .
القول الثالث : هو إنكار الملازمة بين
وجوب الشيء ووجوب مقدّماته شرعاً مع
التسليم بالملازمة بين إرادة شيء
وإرادة مقدّماته بمعنى انّ المحبوبيّة
الثابتة لذِي المقدّمة تثبت بالتبع
للمقدّمات التي يتوقّف ايجاد ذي
المقدّمة عليها .
والصحيح من هذه الأقوال بنظر المصنِّف
(رحمه الله) هو القول الثالث . أمَّا
بالنسبة لإنكار الملازمة بين إيجاب
شيء وايجاب مقدّماته فلأنَّ الملازمة
تعني ضرورة ثبوت الوجوب للمقدّمات حين
إيجاب ذي المقدّمة ، وهذا لا يُناسب
كون الإيجاب من الأفعال الإختياريّة
الخاضعة لإرادة الجاعل للوجوب .
وبتعبير آخر : إنَّ افتراض الملازمة
بين إيجاب شيء وإيجاب مقدّماته يعني
لابدِّيَّة إيجاب مقدّمات الواجب وهذا
خُلْف كونها إرادية للمولى فقد يكون
الفعل واجداً للملاك والإرادة ومع ذلك
يكون للمولى الاختيار في أن يجعل
الوجوب على ذلك الفعل وله أن لا يجعل
عليه الوجوب . فجعل الوجوب دائماً
يكون تابعاً لاختيار المولى ومن أين
لنا العلم انّ المولى قد اختار الوجوب
بعد ان لم تكن إرادته للفعل هي
العلَّة التامة لجعل الوجوب على الفعل
.
وأمَّا بالنسبة لثبوت الملازمة بين
إرادة ذي المقدّمة وإرادة مقدّماتها
المتوقف ايجاد ذي المقدّمة عليها
فالحاكم بهذه الملازمة هو الوجدان إذ
انّنا نجد انَّ محبوبيّة شيء تقتضي
محبوبيّة ما يتوقّف تحقّق المحبوب
أصالة عليه ، فحينما تكون لنا إرادة
لشرب الماء فإنّنا نجد انّ هذه
الإرادة يترشّح عنها إرادة اخرى
لتحصيل الماء .
إذن الوجدان هو الحاكم بثبوت الملازمة
بين إرادة شيء وإرادة مقدّماته
الوجوديّة ، وليس في المقام برهان
يمكن الإستدلال به على ثبوت أو نفي
الملازمة بين إرادة شيء وإرادة
مقدّماته .
خصائص الوجوب الغيري :
انَّه بناءً على القول بوجوب مقدّمات
الواجب شرعاً فإنّه ـ كما قلنا ـ يكون
وجوباً غيرياً ، والوجوب الغيري له
مجموعة من الخصائص يتميّز بها عن
الوجوب النفسي ، وقد ذكر المصنِّف
خصوصيّتين منها :
الأولى : هو عدم ترتّب المؤاخذة على
تركه بصورة منفصلة عمّا يترتَّب من
مؤاخذة على ترك أصل الواجب فلا تكون
هناك مؤاخذتان وعقوبتان وإلاّ لكان
على المكلَّف مجموعة من المؤاخذات
والعقوبات لو كان للواجب عدّة مقدّمات
، وهذا واضح الفساد .
الثانية : انّ الوجوب الغيري لمّا كان
تابعاً للوجوب النفسي فهذا يقتضي عدم
إمكان التحرّك والانبعاث نحو امتثاله
مالم يكن الباعث على التحرّك
والإنبعاث هو الوجوب النفسي ، إذْ لا
يمكن أن يكون المكلَّف قاصداً لإمتثال
الوجوب الغيري ومع ذلك لا يكون عازماً
على امتثال الوجوب النفسي ، إذ انّ
التحرُّك عن الوجوب الغيري يعني انّه
في طريق الإنقياد لإرادة المولى ولمّا
كانت إرادة المولى للوجوب الغيري
انّما هي باعتبار إرادته للوجوب
النفسي فهذا يقتضي قصد الوجوب النفسي
والعزم على امتثاله حتى يكون التحرُّك
عن الوجوب الغيري مطابقاً لإرادة
المولى .
وبتعبير آخر : انّه يستحيل أن يتحقّق
العزم على إطاعة المولى بامتثال
الوجوب الغيري إذا كان المكلَّف
عازماً على ترك الوجوب النفسي أو لم
يكن عازماً على امتثاله ، وذلك لأنّ
قصد امتثال الوجوب الغيري يعني انّ
المكلّف انّما هو بصدد تحقيق إرادة
المولى ، ومن الواضح انّ إرادة المولى
للوجوب الغيري انّما هو تبع لإرادته
للوجوب النفسي فهو لا يُريد الوجوب
الغيري حينما لا يُمتثل الوجوب النفسي
، إذ انّ إرادته للوجوب الغيري هي
إرادة تكوينيّة أي انَّها ناشئة عن
إدراك عدم إمكان تحقيق الإرادة
التشريعيّة المتمثّلة في إيجاد الواجب
النفسي إلاّ بواسطة امتثال الوجوب
الغيري ، فحينما يُريد المكلَّف ان
يُحقّق إرادة المولى فلابدَّ أن يكون
قصده من الإتيان بالوجوب الغيري هو
العبور به الى امتثال الوجوب النفسي
وإلاّ لا يكون قاصداً لتحقيق إرادة
المولى ، مثلا حينما يأتي المكلّف
بسفر الحج فإنّه لا يمكن أن يكون
قاصداً لإمتثال الوجوب الغيري مالم
يكن عازماً على امتثال وجوب الحج .
ثمّ انّه وبناءً على القول بالملازمة
أيضاً وقع البحث فيما هو الواجب من
المقدّمات هل هو خصوص المقدّمات
الموصلة أو الاعم ؟
والمراد من المقدّمات الموصلة هي ما
يتّفق ترتُّب الواجب النفسي عليها
خارجاً ، فحينما يأتي المكلّف بالسفر
أو بالوضوء ثمّ يأتي بالحج أو بالصلاة
فالسفر حينئذ يكون مقدّمة موصلة وكذلك
الوضوء .
أمَّا لو افترض عدم تحقق ذي المقدّمة
« الواجب » بعد الإتيان بالمقدّمة
سواء كان ذلك عن اختيار المكلّف أو عن
غير اختياره فإنَّ المقدّمة التي جاء
بها لا تكون مقدّمة موصلة وبهذا لا
تكون واجبة بالوجوب الغيري بناءً على
اختصاص الوجوب بالمقدمات الموصلة ،
نعم بناءً على انَّ الوجوب الغيري
ثابت لمطلق المقدّمة ـ سواء كانت
موصلة أو غير موصلة ـ يتحقّق بما جاء
به امتثال الوجوب الغيري .
الثمرة المترتّبة على القول بوجوب
مقدّمة الواجب شرعاً :
قد يُقال بعدم ترتُّب أي ثمرة على
القول بوجوب المقدّمة شرعاً ، وذلك
لانّ الوجوب الغيري للمقدّمة لا
يستتبع مؤاخذة وعقاباً وانَّما العقاب
والمؤاخذة تأتي من جهة ترك الواجب
النفسي ، وعلى هذا لا يتميَّز القول
بوجوب المقدّمات شرعاً إذ انّ
التميُّز المنتظر من القول بوجوب
المقدّمات شرعاً هو ترتُّب العقاب على
مخالفته فإذا كان ذلك منتفياً فلا فرق
بين القول به والقول بعدمه من هذه
الجهة .
وأمّا تحريك المكلّف نحو الإتيان
بالمقدّمات فهو لا ينشأ عن الوجوب
الشرعي لها وانَّما يكون ناشئاً عن
وجوب ذي المقدّمة ، فوجوب ذي المقدّمة
هو المنقّح لإدراك العقل لثبوت
المسئوليّة تجاه تحصيل المقدّمات التي
يتوقّف امتثال وجوب الواجب النفسي
عليها .
إلاّ انّه مع ذلك يمكن أن تكون هناك
ثمرات مترتّبة على القول بوجوب
المقدّمات شرعاً .
منها ما يُقال في المقدّمة المحرّمة
لو اُفترض كون ذي المقدّمة أهمّ
ملاكاً منها فإنّ الثمرة تظهر في مثل
هذا الفرض لو اتّفق عدم ترتُّب ذي
المقدّمة على المقدّمة أي انّه بعد ما
جاء بالمقدّمة المحرمة لم يأتِ بذي
المقدّمة فإنّه بناء على وجوب
المقدّمة شرعاً وانّ الواجب هو الأعم
من الموصلة والغير الموصلة تكون
الحرمة منتفية عن هذه المقدّمة بل
وتتعنون بعنوان الواجب ، إذ انّ
افتراض أهميّة ذي المقدّمة وتوقفها
على المقدّمة المحرّمة أوجب سقوط
فعليّة الحرمة عن المقدّمة لاستحالة
أن تكون الحرمة باقية وثابتة للمقدّمة
ومع ذلك يعرض الوجوب عليها .
أمّا لو كان البناء هو عدم وجوب
المقدّمة شرعاً أو كنّا نبني على
الوجوب ولكن في خصوص المقدّمات
الموصلة فإنّ الحرمة تظلَّ ثابتة
للمقدّمة ولا يكون هناك ما يقتضي
سقوطها ، لانَّ المقتضي لسقوط الحرمة
هو مزاحمة الواجب الاهم لها وهو مفروض
العدم لافتراض عدم تحقّق الواجب
خارجاً وهذا يقتضي عدم مزاحمته
لفعليّة الحرمة ، نعم لو اتّفق تحقّق
الواجب لكانت الحرمة ساقطة بناءً على
وجوب لمقدّمات الموصلة شرعاً .
ويمكن التمثيل لذلك بما لو توقف إنقاذ
الغريق الواجب على عبور الأرض
المغصوبة فإنّ عبور الأرض المغصوبة
يكون مقدّمة لإنقاذ الغريق الواجب فلو
اتّفق ان عبَر المكلّف الأرض المغصوبة
إلاّ انّه لم يُنقذ الغريق فإنّ هذا
العبور يكون واجباً ومقتضياً لسقوط
الحرمة بناء على القول بوجوب مقدّمة
الواجب شرعاً لو كنّا نبني على انّ
الوجوب لا يختص بالمقدّمة الموصلة ،
وبعكس ذلك لو كنّا نبني على عدم وجوب
المقدّمة شرعاً أو انّ الوجوب مختص
بالمقدّمة الموصلة فإنّ فعليّة الحرمة
لعبور الأرض المغصوبة تظلُّ ثابتة في
هذا الفرض ، نعم لو ترتَّب على العبور
إنقاذ الغريق لكان ذلك مقتضياً لسقوط
الفعليّة عن حرمة العبور من أوّل
الأمر .
اقتضاء وجوب الشيء لحرمة ضده
والمراد من العنوان انّه لو ثبت لفعل
الوجوب فهل انّ ثبوت الوجوب له يقتضي
ـ بنحو من أنحاء الإقتضاء ـ تحريم ما
يضاده ويُعانده ، مثلا لو ثبت انّ
إنقاذ الغريق واجب فهل انّ ذلك يستوجب
حرمة ترك الانقاذ ويستوجب أيضاً حرمة
النوم أو السفر الذي يزاحم الانقاذ
ويمنع تكويناً من إمتثاله .
فالضد المذكور في العنوان يُراد منه
الأعم من الضدّ المنطقي وذلك لشموله
للنقيض ، ويُعبَّر عن الضد الذي بمعنى
النقيض بالضد العام وعن الضدّ المنطقي
بالضدّ الخاص .
أمَّا الضدّ العام : فهو عبارة عن عدم
الفعل الذي ثبت له الوجوب . والبحث
فيه يقع عن انّ عدم الفعل الذي ثبت له
الوجوب هل هو حرام أو لا ؟
مثلا حينما يثبت الوجوب للصلاة فهل
انّ ثبوت الوجوب لها يقتضي ثبوت
الحرمة لعدمها والذي هو نقيض الصلاة .
وأمَّا الضدّ الخاص : فهو عبارة عن
الفعل الوجودي الذي يعاند وجودُه وجود
الفعل الواجب ويُزاحمه بحيث يستحيل
اجتماعهما أي يستحيل صدورهما عن
المكلَّف ، فحينما يأتي المكلَّف
بالفعل الوجودي المضاد فإن ذلك يستوجب
العجز عن الإتيان بالفعل الواجب .
مثلا حينما يكون إنقاذ الغريق واجباً
فإنّ الاشتغال عنه بالنوم أو السفر
يستوجب فوات القدرة على الإنقاذ ،
وذلك لسقوط موضوع التكليف بالإنقاذ
حيث يموت الغريق ، فهل انَّ ذلك يقتضي
حرمة الفعل الوجودي المضاد ، وهو
السفر والنوم أو لا ؟ .
وكذلك لو كانت إزالة النجاسة عن
المسجد واجبة فوراً فإنّ الاشتغال
عنها بالصلاة يستوجب فوات القدرة على
تحصيل شرط الفوريّة ، فهل انّ ذلك
يقتضي حرمة الصلاة أو لا ؟
فالبحث إذن يقع في مقامين :
المقام الأول : في إقتضاء وجوب الشيء
لحرمة ضدِّه العام :
ولم يقع خلاف يُذكر بين الأعلام «
رضوان الله عليهم » في اقتضاء وجوب
الشيء لحرمة ضدّه العام ، نعم وقع
البحث عن نحو هذا الإقتضاء أي عن منشأ
استفادة حرمة الضد العام من وجوب
الشيء . فهل انّ منشأ ذلك هو عينيّة
ايجاب الشيء لتحريم ضدّه العام أو انّ
ايجاب الشيء يتضمّن النهي عن ضدّه
العام أو يلازمه .
وبيان ذلك : انّ الأقوال في نحو
الإقتضاء ثلاثة :
الأوّل : انّ اقتضاء وجوب الشيء لحرمة
ضدّه العام باعتبار انّ وجوب الشيء هو
عين النهي عن ضدّه العام ، بمعنى
انَّهما تعبيران يصبَّان في معنىً
واحد فلا فرق بين ان يُقال تجب عليك
الصلاة أو يحرم عليك ترك الصلاة .
أو يكون المراد من العينيّة هو انّه
لمّا كان وجوب شيء يعني طلب ترك نقيض
الشيء فهذا يعني اتّحاده مع حرمة ترك
الشيء لانّه يعني طلب نقيض ترك الشيء
.
مثلا : وجوب الصلاة معناه طلب ترك
نقيض الصلاة وترك نقيض الصلاة هي
الصلاة ، إذ انّ نفي النفي إثبات ،
وحرمة ترك الصلاة يعني طلب نقيض ترك
الصلاة ، ونقيض ترك الصلاة هي الصلاة
.
أو يكون المراد من العينيّة هو انّ
وجوب الشيء يعني انّ فعله ذو مصلحة
وتركه ذو مفسدة وأن فعله مراد وتركه
مبغوض ، وكذلك حرمة ترك الشيء فإنَّ
ترك فعل الشيء ذو مفسدة ومبغوض وفعله
ذو مصلحة ومحبوب ، فالعينيّة إذن
بناءً على هذا المعنى تكون في مرحلة
المبادئ ويمكن تصوير العينيَّة بشكل
آخر وهو انّ وجوب الشيء والنهي عن
تركه يُنتجان نتيجة واحدة وهي لزوم
الإتيان بالفعل الواجب فعله والمنهي
عن تركه .
الثاني : انّ اقتضاء وجوب الشيء لحرمة
ضدّه العام باعتبار انّ وجوب الشيء
يتضمّن النهي عن ضدّه ، وذلك لانّ
مفهوم الوجوب هو طلب الفعل مع النهي
عن الترك ، فالنهي عن الترك ـ والذي
هو حرمة الضدّ ـ مأخوذ في مفهوم
الوجوب ، فالوجوب يدلُّ على حرمة
الضدّ العام بالدلالة التضمنيّة ،
فحينما يُقال انّ مفهوم الإنسان هو
الحيوان الناطق فإنّ مفهوم الإنسان
يدلُ بالدلالة التضمنيّة على
الناطقيّة ، وهذا هو مبرِّر أنَّ وجوب
الشيء يقتضي النهي عن ضدّه العام أي
انَّ النهي عن الضدّ العام مدلول
تضمني لوجوب الشيء .
الثالث : انّ اقتضاء وجوب الشيء لحرمة
ضدّه العام باعتبار انّ وجوب الشيء
يلازم النهي عن ضدّه العام ، والمراد
من اللازم هو المحمول الخارج عن
الموضوع اللازم له إمَّا بنحو اللازم
بالمعنى الأخصّ أو اللازم بالمعنى
الأعم ـ وقد بينّا ذلك في مباحث القطع
ـ ، فحرمة الضدّ العام غير وجوب الشيء
إلاّ انّه لازم له كما انّ الزوجيّة
غير الأربعة إلاّ انّها لازمة للاربعة
. فالمبرِّر لاقتضاء وجوب الشيء للنهي
عن ضدّه هو التلازم بين وجوب الشيء
والنهي عن ضدّه العام .
وكيف كان فوجوب الشيء يقتضي النهي عن
ضدّه العام سواء كان منشأ الإقتضاء هو
العينيَّة أو التضمنيّة أو التلازم .
المقام الثاني : في اقتضاء وجوب الشيء
لحرمة ضدّه الخاص :
وقد ذهب البعض لإقتضاء الوجوب لذلك
خلافاً لآخرين ، وقد استُدلّ لصالح
القائلين باقتضاء وجوب الشيء للنهي عن
ضدّه الخاص بما حاصله :
انّ أحد الضدّين يكون تركه مقدّمة
لفعل الضدّ الآخر ، وذلك لاستحالة أن
يجتمع الضدّان فلابدَّ أن ينعدم
أحّّدهما حتى يوجد الآخر ، وإذا كان
كذلك فعدم الضدّ الأوّل ـ مثلا ـ يكون
مقدمة لتحصيل الضدّ الآخر ، وذلك
لتوقف تحصيل الضدّ الآخر على انعدام
الضدّ الأوّل فيكون عدم الضدّ الأوّل
من مقدّمات الضدّ الواجب « الضدّ
الآخر » وبهذا يكون واجباً بالوجوب
الغيري وإذا كان عدم الضدّ واجباً
ففعله حرام ، لأنّ وجوب الشيء يقتضي
حرمة نقيضه « الضدّ العام » ، وبهذا
تتّضح حرمة الضدّ الأوّل مثلا .
وهذا هو مبرِّر انَّ وجوب الشيء «
الضدّ الآخر » يقتضي حرمة ضدّه الخاص
« الأوّل » .
ولمزيد من التوضيح نطبق ماذكرناه على
مثال :
إنّ انقاذ الغريق والصلاة أمران
وجوديان متضادّان ، إذ انّ وجود
أحدهما يُعاند وجود الآخر ويجعل
المكلَّف عاجزاً عن تحصيله ، فمتى ما
صلَّى المكلَّف فإنّه عاجز عن الإنقاذ
وإذا ما أنقذ الغريق فإنّه يتعذّر
عليه الإتيان بالصلاة حين الإنقاذ ،
ومن هنا يكون عدم أحدهما مقدّمة لفعل
الآخر ، فعدم الصلاة مقدّمة لإنقاذ
الغريق ، وإذا كان كذلك فعدم الصلاة
يكون من مقدّمات الواجب « الإنقاذ »
حيث يتوقّف تحصيل الإنقاذ عليه ـ أي
على عدم الصلاة ـ وبهذا يثبت انَّ عدم
الصلاة واجب بالوجوب الغيري ، فإذا
كان عدم الصلاة واجباً ففعله حرام ،
لانّ وجوب الشيء يقتضي حرمة نقيضه ،
ولمّا كان عدم الصلاة واجباً فنقيضه
حرام وهي الصلاة كما ثبت ذلك في
المقام الاول .
والجواب عن هذا الدليل :
وقد أجاب المصنّف (رحمه الله) على هذا
الدليل بجوابين أحّدهما حلّي والآخر
نقضي .
أمّا الجواب الحلّي :
فحاصله : هو إنكار المقدمية بين ترك
أحد الضدّين لفعل الضدّ الآخر ، وذلك
لأنَّ المقدّمة قد افتُرضت علَّة أو
جزء علَّة لفعل الضد الآخر والحال
انَّ علَّة فعل الضدّ هو اختيار
المكلَّف ، فقد يترك أحد الضدّين ومع
ذلك لا يتحقّق الضد الآخر ، وذلك لعدم
اختيار المكلَّف لفعل ذلك الضد ،
فوجود الضدّ وعدم وجوده منوط باختيار
المكلَّف كما هو أوضح من أن يخفى ،
فلا فعل الضدّ معلول لترك الضدّ الآخر
ولا ترك الضدّ الآخر معلول لفعل الضدّ
الأوّل بل انّ الفعل والترك معلولان
معاً لاختيار المكلَّف .
مثلا حينما يُنقذ المكلَّفُ الغريقَ
لا يكون هذا الانقاذ معلولا لترك
الصلاة كما لا يكون ترك الصلاة معلولا
للإنقاذ بل انّهما معلولان معاً
لإختيار المكلَّف ، فمتى ما تحقّقت
الإرادة التامَّة للمكلَّف حرك عضلاته
تجاه الإنقاذ مثلا .
وأمَّا الجواب النقضي :
إنّ دعوى مقدمية ترك أحّد الضدّين
لفعل الضدّ الآخر يلزم منه الدور
المحال ، وذلك لأنَّ افتراض ترك أحّد
الضدّين مقدّمة يعني كما تقدّم انّه
علّة أو جزء علّة لفعل الضدّ الآخر «
المعلول » ، وهذا يعني انَّ نقيض عدم
الضدّ الأوّل علّة لنقيض الضدّ الآخر
« المعلول » ، وذلك لأنّ نقيض كلّ
علَّة يكون علّة لنقيض المعلول ، فإذا
افترضنا انّ عدم الليل علَّة لوجود
النهار فهذا يعني انَّ نقيض العلَّة
وهو الليل علَّة لنقيض المعلول « عدم
النهار » . فعدم الليل علَّة لوجود
النهار والليل علَّة لعدم النهار .
فإذا ثبت انّ عدم الضدّ علَّة لفعل
الضدّ الآخر فهذا يعني انّ فعل الضدّ
الأوّل علَّة لعدم الضد الآخر ، واذا
كان عدم الضدّ الآخر علَّة أيضاً لفعل
الضد الأول فهذا يعني انّ فعل الضد
الآخر علّة لعدم الضدّ الأول ، فيكون
عدم الضدّ الأوّل علّة ومعلولا لشيء
واحد وهو فعل الضدّ الآخر .
أمّا انَّه علّة فلانَّنا افترضناه
مقدّمة وعلّة لفعل الضدّ الآخر .
وأمّا انّه معلول فلانَّنا قلنا انّ
فعل الضدّ الآخر علّة لعدم الضدّ
الأوّل، فيكون عدم الضدّ الأوّل
معلولا لفعل الضدّ الآخر ، إذ انّ عدم
الضدّ الآخر علَّة لفعل الضدّ الأوّل
فيكون نقيض عدم الضدّ الآخر علَّة
لنقيض الضدّ الأول وهذا يعني انّ عدم
الضدّ الأول معلول لفعل الضدّ الآخر ،
وقد افترضناه علّة لفعل الضدّ الآخر ،
وهذا هو معنى انّ عدم الضدّ علّة
ومعلول لشيء واحد ، وهو الدور المحال
.
ولمزيد من التوضيح نطبِّق ماذكرناه
على مثال إنقاذ الغريق والصلاة فنقول
:
إنّ دعوى مقدميّة ترك الصلاة للإنقاذ
تعني انَّ ترك الصلاة علّة لفعل
الإنقاذ ، وإذا كان ترك الصلاة علّة
لفعل الإنقاذ فهذا يعني انّ فعل
الصلاة علّة لعدم الإنقاذ .
وإذا افترضنا أيضاً انّ ترك الإنقاذ
مقدّمة وعلَّة لفعل الصلاة فهذا يقتضي
انّ الإنقاذ علّة لترك الصلاة ، وبهذا
يكون ترك الصلاة علّة ومعلولا لشيء
واحد وهو الإنقاذ .
أما انَّه علَّة لفعل الإنقاذ فهو
مقتضى كون ترك الصلاة مقدمة للإنقاذ .
وأمَّا انّ ترك الصلاة معلول للإنقاذ
فلانَّنا قلنا انّ الإنقاذ علّة لترك
الصلاة فيكون ترك الصلاة معلولا
للإنقاذ ، وذلك لأنّ نقيض الإنقااذ
لمّا كان علّة للصلاة فيكون فعل
الإنقاذ علّة لنقيض الصلاة ، ونقيض
الصلاة هو ترك الصلاة ، فترك الصلاة
في الوقت الذي هو علّة لفعل الإنقاذ
هو معلول لفعل الإنقاذ ، وهذا هو
الدور المحال .
محاولة اخرى لإثبات مقدمية أحد
الضدّين لفعل الضدّ الآخر :
وايضاحها يحتاج الى تقديم مقدمة :
وهي انّ العلّة التامّة المنتجة
للمعلول تتقوّم بثلاثة أركان كلّ واحد
منها يُعبَّر عنه بجزء العلّة :
الأوّل : المقتضي : وهو الركن الأساسي
في العلَّة التامّة ، والمراد منه
المؤثر والسبب في ترتُّب الأثر
والمعلول عنه بحيث تكون مؤثريّته
وسببيّته في ترتُّب المعلول عنه
ذاتيّة أي ناشئة عن مقام ذاته أي انّ
ذات المقتضي بنفسها موجبة للتأثير في
المعلول .
ومثال ذلك النار فإنها بذاتها مقتضية
للإحراق .
الثاني : الشرط : وهو الذي ينقل
المقتضي من مرحلة الشأنيّة الى مرحلة
الفعليّة فما لم يكن الشرط متحقّقاً
فإنّ المقتضي لا يمكن أن يؤثّر فعلا
بمعنى انّ المقتضي تبقى له شأنيّة
التأثير الى ان يتحقّق شرط التأثير
فإذا ما تحقّق أثر المقتضي أثره وهو
انتاج المعلول . فالنار وإن كانت
مقتضية للإحراق إلاّ انّ ذلك لا يعني
أكثر من قابليتها لأنْ تحرق ، أمَّا
فعليّة الإحراق فيتوقّف على تقريب جسم
لها يقبل الاحتراق .
الثالث : عدم المانع : وهو عدم وجود
ما يمنع من أن يؤثر المقتضي الفاعل
أثره ، إذ انّ المقتضي قد يكون
موجوداً وشرط فعليّته متحقّق إلاّ انّ
وجود ما يمنع من تأثير المقتضي لأثره
يجعل وجود المعلول مستحيلا .
ومن هنا لابدَّ من إعدام ذلك المانع
حتى يُنتج المقتضي معلوله ، فالنار
المقتضية للإحراق لو قُرِّب لها الجسم
القابل للإحتراق فإنّ من المستحيل
احتراقه لو افتُرض وجود رطوبة على
الجسم . فلابدَّ من عدم الرطوبة لكي
يتحقّق الإحتراق عن النار .
وباتّضاح هذه المقدّمة يتّضح انَّ عدم
المانع من أجزاء العلَّة وإذا كان
كذلك فترك أحّد الضدّين من أجزاء
علَّة الضدّ الآخر ، إذ انّه يستحيل
وجود الضدّ الآخر لو كان الضدّ الأوّل
موجوداً فالضدّ الأوّل إذن مانع عن
وجود الضدّ الآخر فيثبت كون عدمه جزء
علَّة للضدّ الآخر .
وبهذا يثبت مقدميّته للضدّ الآخر
فيكون واجباً بالوجوب الغيري وإذا وجب
عدم الضدّ الاول فنقيضه وهو نفس الضدّ
الأول حرام ، لأنَّ وجوب الشيء يقتضي
النهي عن ضدّه العام .
والجواب عن هذه المحاولة :
إنّ المانع الذي يكون عدمه جزء
العلَّة هو المانع الذي يمكن أن يجامع
المقتضي ـ كما اتضح ممّا سبق ـ
فالرطوبة التي افترضناها مانعاً عن أن
يؤثر المقتضي أثره يمكن افتراضها
متحقّقة في وقت تحقّق المقتضي ،
فالنار موجودة والرطوبة أيضاً موجودة
معها .
وهذا النحو من المانع لا يمكن افتراضه
في المقام ، وذلك لأنَّ المانع من
الضدّ الآخر هو الضدّ الأول ومن
المستحيل ان يجتمع الضدّان الأول
والآخر ، فالضدّ الأوّل بالنسبة للضدّ
الآخر ليس كالرطوبة التي يمكن أن
تجتمع مع النار ، إذ انّ الضدّ الأوّل
افترضناه معانداً ومنافياً للضد
الثاني فكيف يجتمع معه .
إذن الصلاة وان كانت مانعة عن الإنقاذ
إلاّ انّ عدمها ليس من أجزاء علَّة
الإنقاذ ، وذلك لانَّ المانع الذي
يكون عدمه من أجزاء العلَّة هو المانع
الذي يمكن اجتماعه مع المقتضي والصلاة
بالنسبة للانقاذ ليس من هذا القبيل ،
إذ انّ من المستحيل ان يجتمع الإنقاذ
والصلاة كما هو مقتضى الفرض .
ثمرة الخلاف في الضدّ الخاص :
وتظهر الثمرة لو كان أحّد الضدّين
واجباً وكان أهمَّ ملاكاً من الضدّ
الآخر فإنَّه بناءً على انّ وجوب
الشيء يقتضي النهي عن ضدّه الخاص فإنّ
الضدّ الآخر يكون حراماً ، وبهذا
يستحيل ان يثبت له وجوب لاستحالة
اجتماع حكمين متضادّين على متعلَّق
واحد ، فالضدّ الآخر لمّا كان حراماً
فيستحيل أن يكون واجباً .
أمَّا لو بنينا على انَّ وجوب الشيء
لا يقتضي النهي عن ضدّه الخاصّ فوجوب
الضدّ الأوّل مثلا لا يكون مانعاً عن
وجوب الضدّ الآخر ، ولمّا كان من
المستحيل امتثالهما معاً فهذا يقتضي
انّ وجوب الضدّ الآخر يكون مقيّداً
بترك الضدّ الأوّل فتكون فعلية الوجوب
الثاني منوطة بترك الضد الاول ، وبهذا
يكون الضدّ الآخر واجباً ولكن بنحو
الترتُّب ، فلو عصى المكلَّف الضدّ
الاول فإنّه ملزم بالاتيان بالضد
الآخر ، فيكون بذلك ممتثلا لإتيانه
بالضدّ الثاني وعاصياً لتركه الضدّ
الأوّل الأهمّ ملاكاً والذي تكون
فعليّة الضدّ الآخر منوطة بترك الضدّ
الأوّل .
وإذا أردنا ان نطبِّق ماذكرناه على
مثال الإنقاذ والصلاة نقول : انّه لو
افترضنا انّ الإنقاذ واجب وانَّه أهمّ
ملاكاً من الصلاة فإنّه بناءً على انّ
وجوب الشيء يقتضي النهي عن ضدّه الخاص
فإنَّ الصلاة تكون محرمة لأنّها الضدّ
الخاص لفعل الإنقاذ ومع كونها محرمة
فلا تكون واجبة لإستحالة اجتماع حكمين
متضادّين على متعلّق واحد ، فلو انَّ
المكلَّف عصى ولم ياتِ بالإنقاذ وجاء
بالصلاة فإنَّ هذه الحصّة من الصلاة ـ
وباعتبارها محرمة لمانعيّة وجودها من
وجود الضدّ الواجب ـ لا تكون مجزية عن
الأمر بطبيعي الصلاة لأنّ الحصّة
المحرّمة لا تكون مصداقاً للواجب .
وأمَّا بناء على انَّ الامر بالشيء لا
يقتضي النهي عن ضدّه الخاص فوجوب
الإنقاذ لا يكون مانعاً عن شمول وجوب
الصلاة للحصّة المضادّة للإنقاذ ،
ولمّا كان من المستحيل امتثالهما معاً
لعجز المكلَّف عن الجمع بينهما ، فهذا
يقتضي تقيّد شمول وجوب الصلاة للحصّة
المضادة للإنقاذ بعدم الإتيان
بالإنقاذ فيكون ثبوت الوجوب لهما على
نحو الترتُّب ، فلو لم يمتثل المكلَّف
وجوب الإنقاذ تكون الحصّة من الصلاة
المضادة للإنقاذ مشمولة لوجوب الصلاة
، وبهذا يكون الإتيان بها مجزياً عن
المأمور به .
اقتضاء الحرمة للبطلان
ذكرنا فيما سبق انَّ الاحكام على
قسمين أحكام تكليفيّة وأحكام وضعيّة ،
وقلنا انَّ الاحكام التكليفيَّة هي ما
يكون لها اتّصال مباشر بأفعال
المكلَّفين فهي إمّا أن تبعث المكلَّف
نحو الفعل وإمَّا أن تكون زاجرة له عن
القيام بفعل وإمَّا أن تكون مؤمِّنة
للمكلَّف بحيث لا يكون المكلَّف معها
محجوراً وممنوع من فعلها أو من تركها
بل هو في سعة من جهة فعلها أو تركها ،
وهذه الأحكام كما تلاحظون متّصلة بفعل
المكلَّف مباشرة .
وأمّا الأحكام الوضعيّة فهي ما سوى
ذلك ، فهي مجعولات
شرعيّة تكشف عن رأي الشارع فيما يتّفق
صدوره من المكلَّف أو غير المكلَّف
كالبـطلان والضمان والملكيّة
والزوجيّة والشرطيّة . وعادة ما
تكون هذه الأحكام موضوعات لأحكام
تكيفيّة ، فالملكيَّة تكون موضوعاً
لجواز تصرُّف المالك في المملوك وحرمة
التصرُّف في المملوك دون إذن المالك .
ومع اتّضاح هذه المقدّمة يقع البحث في
مقامين :
المقام الاول : في اقتضاء الحرمة في
العبادات للفساد :
ولأجل أن يتّضح العنوان نقول :
إنّ الحرمة وباعتبار كونها من سنخ
الأحكام التي لها اتّصال مباشر بأفعال
المكلّفين فهي إذن من الأحكام
التكليفيّة والمقتضية لحجر المكلّف
ومنعه عن متعلَّقها .
والمراد من العبادات هنا الأعم من
الواجبات والمستحبات التي اعتبر فيها
قصد القربة وقصد امتثال الأمر ، فكلُّ
فعل وقع متعلَّقاً للأمر الأعم من
الأمر اللزومي أو الأمر الاستحبابي
إذا كان عبادياً فهو داخل في محلِّ
البحث .
وأمَّا المراد من الفساد المرادف
للبطلان فهو حكم وضعي باعتباره لا
يتّصل بفعل المكلَّف واختياره ، نعم
يكون مختاراً للمكلَّف باعتبار القدرة
على إيجاد سببه .
والبطلان في مقابل الصحّة والتي تعني
التماميّة ، فالبطلان يعني دائماً عدم
التماميَّة ، غايته انّ ما يقتضيه
البطلان يختلف باختلاف متعلّقه فإن
كان متعلّقه فعلا عبادياً فبطلانه
يقتضي عدم كفايته وعدم اجزائه عن
المأمور به ، وهذا ما يستوجب الإعادة
أو القضاء لو كان الفعل العبادي ممّا
تجب فيه الإعادة أو القضاء فيكون
الحكم بالبطلان منقحاً لموضوع وجوب
الإعادة أو القضاء .
وأمَّا إذا كان متعلّق الحكم بالبطلان
من سنخ المعاملات فالبطلان فيها يقتضي
عدم ترتُّب الأثر على المعاملة أي انّ
البطلان يكشف عن انّ الشارع يعتبر هذه
المعاملة كالعدم . فحينما يحكم الشارع
ببطلان بيع الغرر فهذا يعني أنّ البيع
الغرري لا يترتَّب عليه أثر البيع ـ
والذي هو النقل والإنتقال ـ فكأن
البيع لم يكن .
إذا اتّضح ما ذكرناه فالبحث يقع عن
انَّ ثبوت الحرمة للفعل العبادي هل
يكون موجباً للبطلان ؟
والجواب بالإيجاب أي انّ الحرمة
مقتضية لفساد العبادة ، ويمكن
الاستدلال على ذلك بدليلين :
الدليل الأوّل : وهذا الدليل ـ لو تمّ
ـ فإنَّه لا يختص بالعبادات بل يشمل
مطلق الأوامر حتى التوصليَّة منها .
فكلّ حصّة من المأمور به إذا كانت
محرّمة فهي مقتضية للبطلان أي لا يصحّ
الاكتفاء والإجتزاء بها في مقام
امتثال المأمور به .
وحاصل هذا الدليل : انّ افتراض حرمة
حصّة من طبيعي المأمور به يقتضي عدم
كونها مشمولة للأمر الواقع على
الطبيعة إذ انّ افتراض شمول الأمر
لهذه الحصّة ـ رغم تحريمها ـ يُفضي
للقول بجواز اجتماع الأمر والنهي ،
وقد قلنا بامتناع اجتماع الأمر والنهي
على متعلَّق واحد .
وبيان ذلك : انّ الصلاة في الارض
المغصوبة لمّا كان محرَّماً فهذا
يقتضي عدم مشموليّة هذه الحصّة للأمر
بطبيعي الصلاة وإلاّ للزم أن تكون هذه
الحصّة في الوقت التي تكون منهيّاً
عنها تكون مأموراً بها ، وهذا مستحيل
لاستحالة اجتماع الأمر والنهي . فإذا
ثبت عدم شمول الأمر لهذه الحصّة فلا
تكون مجزية عن المأمور إذ انَّ غير
المأمور به لا يكون مجزياً عن المأمور
به فيكون المكلَّف مسئولا عن ايجاد
حصّة اخرى من الصلاة ، لأنّ ما جاء به
ليس مأموراً به وماهو مأمور به لم
يأتِ به .
ودعوى انّ سقوط الأمر عن الحصّة لا
يقتضي سقوط الملاك عنها فقد يكون
الملاك موجوداً ، وإذا كانت الحصّة
متوفّرة على ملاك الأمر فهذا كاف في
صلاحيتها لانْ تكون مصداقاً للمأمور
به وهذا ما يقتضي إجزائها عن المأمور
به .
فنقول انّ هذه الدعوى غير مسموعة ،
وذلك لأنّ الكاشف عن ثبوت الملاك في
فعل هو وقوعه متعلقاً للأمر ولا طريق
آخر للتعرُّف على ثبوت الملاك وبسقوط
الأمر عن الفعل أو بعدم شمول الأمر له
لا وسيلة لنا لاستكشاف توفُّر الفعل
على الملاك .
الدليل الثاني : وهذا الدليل ـ لو تمّ
ـ فإنَّه لا يشمل التوصليَّات .
وحاصلة : انّه لا يمكن التقرُّب بما
هو محرَّم ، لأنّ كلّ محرَّم فهو
مبغوض للمولى ، والتقرُّب للمولى يعني
ايجاد مايُوجب القرب له جلّ وعلا ،
وما يُوجب القرب هو ايجاد ماهو محبوب
لا ما هو مبغوض ومكروه ، وعليه حتى لو
كان الفعل واجداً لملاك الأمر فيستحيل
قصد القربة بإتيانه ،
والفعل العبادي إذا لم يكن مقصوداً من
فعله القربة لا يكون مجزياً عن
المأمور به .
وبهذا اتّضح انّ النهي في العبادات
يقتضي الفساد والبطلان .
المقام الثاني : في اقتضاء الحرمة في
المعاملات للفساد :
والبحث عنه يقع في جهتين :
الجهة الاولى : أن يكون مصبُّ الحرمة
في المعاملة هو السبب أي ما يُسبِّب
ويقتضي بحدّ ذاته ـ وبقطع النظر عن
الموانع ـ ترتُّب الأثر ، كالإيجاب
والقبول بالنسبة للعقود وكالايقاع في
مثل الطلاق والظهار والعتق ، وهذا
الفرض معقول جداً ، إذ انَّ الايجاب
والقبول وكذلك الإيقاع لمّا كان من
أفعال المكلَّفين فلابدَّ من أن يقع
متعلَّقاً لحكم من الاحكام الشرعيّة ،
إذ لا تخلو واقعة من حكم .
وكيف كان فعروض التحريم على السبب لا
يستوجب فساد المعاملة وصيرورتها
كالعدم من حيث عدم ترتُّب الأثر عليها
، نعم التحريم لا يستوجب الصحّة أيضاً
كما توهَّم البعض ، فالعقل يُدرك
إمكان التفكيك بين تحريم إجراء
المعاملة وبين ترتيب الأثر عليها إذا
اتّفق وقوعها خارجاً ، فمبغوضيّة
المولى للمعاملة لا تُعبِّر دائماً عن
إلغاء المولى لأثر المعاملة واعتبارها
كالعدم .
ونقرِّب هذه الدعوى بمثال وهو انّه قد
يكره الأب استقلال ابنه في التزويج
إلاّ انّه لو عصى واستقلَّ في تزويج
نفسه فإنّ الأب قد يقبل بذلك الزواج
رغم كراهيته لإستقلال ابنه في تزويج
نفسه ، إذ انّ كراهيّته لذلك قد تكون
ناشئة عن عدم ثقة الأب بنضوج ابنه
وأهليّته للإختيار المناسب فإذا ما
اطّلع على اتّفاق حسن اختياره فإنّه
يقبل بذلك أو انّه يقبل لاعتبارات
اخرى يراها أهم ملاكاً من الرفض .
وكذلك الحال في المقام ، إذ من
المحتمل أن يكون هناك ملاك أهمّ
بنظر الشارع المقدّس يقتضي إمضاء
المعاملة التي حكم بحرمة اجرائها ،
وما دام الاحتمال موجوداً فالملازمة
بين تحريم اجراء المعاملة وبطلانها
منتفية .
ويمثَّل عادة ـ لغرض رفع الإستيحاش ـ
على ترتيب الأثر شرعاً على المعاملة
رغم تحريم إجرائها بإيقاع الظهار ،
فإنّه لا إشكال في حرمته ، قال الله
تعالى ] وانّهم ليقولون منكراً من
القول وزوراً [() ومع ذلك فقد رتَّب
الشارع أثراً على ذلك وهو مذكور في
كتب الفقه .
ويمكن ان يُمثَّل لذلك أيضاً بحرمة
البيع وقت النداء قال الله تعالى
] إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة
فاسعوا الى ذكر الله وذروا البيع [()
ومع ذلك فإنّ البيع يقع صحيحاً
ويترتَّب عليه النقل والإنتقال .
والمتحصَّل ممّا ذكرناه انّه لا
ملازمة بين حرمة إجراء المعاملة وبين
بطلانها .
الجهة الثانية : أن يكون التحريم
واقعاً على أثر المعاملة والذي
هو المسبّب عن إجراء المعاملة ، فقد
لا يكون إجراء المعاملة « السبب »
في حدِّ نفسه مبغوضاً إلاّ انّ ما
يترتّب عليه من آثار تكون مبغوضة
للمولى .
ويمكن أن يُمثل لذلك بقوله تعالى ]
ولا تُمسكوا بعصم الكوافر [()فإن
المستظهر من الآية الكريمة هو
مبغوضيّة نفس الزوجيّة الواقعة بين
المسلم والكافرة ، وليس لها تصد من
جهة إجراء صيغة العقد ، فقد لا يكون
إجراء الصيغة في حدِّ ذاته مبغوضاً
للمولى .
ويمكن التمثيل لذلك أيضاً بقوله (عليه
السلام) « ثمن العذرة من السحت »()
فإنّ الرواية الشريفة متصدّية لبيان
حكم أثر البيع وهو انتقال الثمن
للبائع وساكته عن حكم إجراء المعاملة
على العذرة .
وهنا يمكن أن يُقال بأن التحريم كاشف
عن إمضاء الشارع لمضمون المعاملة ،
وذلك لأنَّ مضمون المعاملة لو لم يكن
صحيحاً فإن توجيه الخطاب بالنهي عن
أثر المعاملة لا معنى له ، إذ انّ
المكلَّف غير قادر على ايجاد مضمون
المعاملة لو لم تكن المعاملة صحيحة ،
فبأي وسيلة يتوسَّل لتحقيق مضمون
المعاملة ؟ بعد ان كان تحقّق مضمون
المعاملة ـ وهو النقل والإنتقال مثلا
ـ منوطاً بإمضاء الشارع ، ومن الواضح
انّ إمضاء الشارع ليس اختيارياً
للمكلَّف بل هو بيد الشارع فإن شاء
أمضى المعاملة وان شاء لم يمضها . ومن
هنا لا يمكن ان يُتعقّل النهي عن
مضمون المعاملة إلاّ أن تكون صحيحة ،
وحينئذ يكون المكلَّف قادراً على
ايجاد مضمون المعاملة بواسطة ايجاد
السبب ، فحينما يكون الزواج من
المخالفة صحيحاً بنظر الشارع فإنّه
يمكن للشارع أن ينهى عن ايجاده إذ انّ
ايجاده مقدور للمكلَّف لقدرته على
سببه وهو الايجاب والقبول ، وأمَّا لو
كان الزواج من المخالفة باطلا بنظر
الشارع فالمكلَّف غير قادر على ايجاد
النكاح الصحيح .
والمتحصَّل ممّا ذكرناه في هذه الجهة
انّ التحريم الواقع على المسبّب ـ
والذي هو أثر المعاملة ـ يستوجب
الصحّة وإلاّ كان التحريم تكليفاً
بغير المقدور ، وذلك لانّ إمضاء أثر
المعاملة من شئون الشارع ، فإذا لم
تكن ممضاة فإنّ المكلَّف لا يكون
قادراً على تحصيلها فلا يُتعقّل النهي
عن ايجادها لانّه طلب لإعدام المعدوم
.
والقول بقدرته على إيجاد السبب
فيتعقّل النهي حينئذ خروج عن الفرض ،
إذ الكلام انّما هو في النهي عن
المسبّب ، نعم لو كان المسبّب
ممضى من قبل الشارع فإنّ المكلَّف
قادر على ايجاده بواسطة السبب
فيتعقّل النهي عن ايجاده ، فيقال يحرم
عليك نكاح المخالفة فإنّ نكاح
المخالفة يكون صحيحاً ، غايته أن يكون
مبغوضاً للمولى ويكون المكلَّف عاصياً
بايجاده .
النهي الإرشادي :
كان الكلام عن انّ النهي المولوي في
العبادات أو في المعاملات هل يقتضي
الفساد . والبحث في المقام عن أنّ
النهي الإرشادي في العبادات أو
المعاملات هل يقتضي الفساد أو لا ؟
وهو بحث مختلف تماماً عن البحث الأوّل
لأنّ النهي الارشادي ليس من سنخ
الأحكام التكليفيّة والتي يترتّب على
مخالفتها ـ لو كانت إلزاميّة ـ
استحقاق الإدانة والعقوبة وانّما هو
نهي يكون الغرض منه الكشف عن حكم وضعي
وهو مثلا مانعية متعلَّق النهي
للمركّب العبادي أو المعاملي أو الكشف
عن جزئية أو شرطيّة نقيض متعلّق النهي
.
ومثال النهي الكاشف عن مانعيّة
متعلّقه للمركب العبادي هو قوله تعالى
] ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى [()
فإنّ متعلَّق النهي في الآية الكريمة
هو الإتيان بالصلاة حال السكر وقد كشف
النهي عن مانعيّة ذلك لصحّة المركَّب
العبادي « الصلاة » .
ومثال النهي الكاشف عن مانعيّة
متعلّقه للمركب المعاملي ماورد أنّ
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) «
نهى عن بيع الغرر »() فإنَّ متعلَّق
النهي الإرشادي هو بيع الغرر وقد كشف
هذا النهي عن مانعيّة الغرر لصحّة
البيع والذي هو من المركّبات
المعاملاتيّة .
ومثال ما يكون النهي الارشادي كاشفاً
عن جزئيّة نقيض متعلَّقه « لا تصلِّ
بغير فاتحة الكتاب » فإنّ متعلّق
النهي هنا هو الصلاة بغير فاتحة
الكتاب ، وقد كشف النهي عن أنّ نقيض
متعلّقه جزء في المركب العبادي حيث
انّ نقيض الصلاة بغير فاتحة الكتاب هو
الصلاة بفاتحة الكتاب .
ومثال ما يكون النهي الإرشادي كاشفاً
عن شرطيّة نقيض متعلّقه ماورد عن
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) « لا
تبع ماليس عندك »() فإنَّ متعلّق
النهي هو بيع غير المملوك وهذا يكشف
عن إشتراط الملكيّة في المبيع ، كما
هو مقتضى فهم البعض من الرواية
الشريفة .
اذا اتّضح ماذكرناه يتّضح أنَّ النهي
الإرشادي في المركّبات يكشف دائماً عن
البطلان ، وذلك لانَّ عدم الإلتزام
بما هو مقتضى النهي الإرشادي يعني
انَّ المركَّب مشتملا على المانع أو
فاقداً للشرط أو الجزء ، وهذا ما
يقتضي فساد المركَّب ، فإن كان من سنخ
المركّبات العباديّة فيكون المركّب
الفاقد للجزء أو الشرط أو الواجد
للمانع غير مأور به ، وغير المأمور به
لا يجزي عن المأمور به . وأمّا إذا
كان من سنخ المركّبات المعاملاتيّه
فالفاقد للشرط أو الجزء أو المشتمل
على المانع لم يقع متعلقاً للإمضاء
الشرعي ، فحينما يقول النبي (صلى الله
عليه وآله وسلم) « لا تبع ماليس عندك
» فهذا يعني عدم إمضاء الشارع لبيع ما
لا يُملك .
وبتعبير آخر : إنَّ عدم الإلتزام
بالأجزاء والشروط المأخوذة في
المركَّب وعدم الالتزام باعدام
الموانع يعني انّ المركّب المأتي به
إمّا أن يكون غير مأمور به أو يكون
غير ممضى من الشارع ، وهذا هو معنى
فساد المركَّب عند عدم الالتزام
بمقتضى النهي الإرشادي .
مسقطات الحكم
إنّ سقوط الحكم على أنحاء فتارة يسقط
الحكم بسبب استيفاء غرضه ، وهذا يتمّ
بواسطة الإتيان بمتعلّق الحكم وأمّا
عن طريق ايجاد ما يُعادل متعلّق الحكم
في الوفاء بالغرض وقد يتمّ بواسطة شيء
آخر . وأمَّا بواسطة ايجاد ما يفي
بالجزء الأكبر من الغرض ويكون الباقي
بعد ذلك متعذِّر الإستيفاء ، وقد يسقط
الحكم بسبب سقوط موضوعه وهذا قد يجتمع
مع عصيان المكلَّف وقد لا يجتمع مع
العصيان .
وبيان ذلك :
إنَّ الحكم الذي هو الجعل الشرعي إذا
بلغ مرحلة الفعليّة فإنّ سقوطه يتمّ
بأحد امور :
منها : الإتيان بمتعلَّق الحكم ،
فحينما يكون الحكم هو وجوب الصلاة
مثلا فإنّ الاتيان بمتعلَّق الوجوب
يكون موجباً لسقوط الحكم بالوجوب ،
وكذلك لو كان الحكم هو استحباب الصلاة
فإنّ الإتيان بالصلاة يكون موجباً
لسقوط الحكم بالإستحباب ، وهكذا لو
كان الحكم هو حرمة شرب الخمر فإن ترك
متعلَّق الحرمة وهو شرب السائل الخمري
موجب لسقوط شخص هذه الحرمة .
ومنها : الإتيان بما يُعادل متعلَّق
الحكم في الوفاء بملاك الحكم .
والتعرُّف على ما يُعادل متعلَّق
الحكم لا يكون إلاّ بواسطة الشارع
المقدّس . ويمكن التمثيل لذلك بخصال
الكفّارة التخييريّة بناءً على انّ
الوجوب التخييري ينحلُّ الى وجوبات
مشروطة ، فإنَّ وجوب العتق يكون
متعلّقه إعتاق الرقبة إلاّ انّ العتق
له ما يُعادله في الوفاء بملاك الحكم
بوجوب الإعتاق وهو الإطعام وبالاتيان
بالإطعام يسقط الحكم بوجوب العتق .
وهكذا الحال لو ثبت انّ التصدّق على
الفقير يُجزي عن صلاة الليل أي يقوم
مقام صلاة الليل ـ والتي هي متعلّق
الاستحباب ـ من جهة استيفاء التصدّق
بملاك الحكم باستحباب صلاة الليل .
وبتعبير آخر : إنّ من موجبات سقوط
الحكم هو الإتيان بفعل جعله الشارع
قيداً في سقوط فعليّة الحكم في ظرف
عدم الإتيان بمتعلَّق الحكم أو
الإتيان بالفعل الذي قيَّد الشارع
بقاء فعليّة الحكم بعدم ايجاده في ظرف
عدم الإتيان بمتعلَّق الحكم . فسقوط
وجوب العتق في مثالنا مقيَّد بالاتيان
بالاطعام في ظرف عدم الإتيان بالعتق ،
أو انّ الشارع جعل عدم الاتيان
بالإطعام ـ في ظرف عدم الاتيان بالعتق
ـ قيداً في بقاء فعليّة وجوب العتق .
ومن الواضح انّ المكلَّف اذا أتى
بالإطعام فقد حقّق قيد سقوط فعليَّة
الوجوب ، وهذا ما يقتضي سقوط الوجوب
للعتق ، وكذلك حينما يأتي بالإطعام
فإنَّه نفى قيد بقاء الفعليّة لوجوب
العتق حيث انّ قيد بقاء الفعليّة هو
عدم الإطعام وباتيانه للإطعام ينتفي
بقاء الفعليّة للوجوب لانتفاء قيده .
ومنها : ايجاد مايفي بالجزء الأكبر من
ملاك الحكم ، وذلك لتعذُّر استيفاء
تمام الملاك للحكم ، ومثاله الإتيان
بالمأمور به بالأمر الإضطراري عن
الامر الأولي . وهذا ما سيأتي الحديث
عنه .
والجامع بين هذه الانحاء الثلاثة من
مسقطات الحكم هو انَّ منشأ السقوط
فيها استيفاءُ ملاك الحكم .
ومنها : عصيان التكليف الى حين سقوط
موضوعه ، فإنّ ترك الصلاة اختياراً
الى حين انتهاء وقتها يُوجب سقوط
الوجوب لأداء الصلاة لأنّ الوقت اُخذ
في موضوع فعليّة الوجوب فإذا ما انتهى
الوقت انتهت معه الفعليّة ، فالإتيان
بالصلاة في خارج الوقت إتيان بغير
المأمور به . وكذلك الحال في ترك
المكلَّف الصيام في شهر رمضان فإنَّه
يوجب سقوط فعليّة الوجوب لصيام شهر
رمضان ، وهكذا لو شرب المكلَّف الخمر
فإنّ التكليف بشخص الحرمة المتعلّقة
بالسائل الخمري الذي شربه لا معنى له
لعدم قدرته على الامتثال بعد ان كان
متعلّقه ضروري الوقوع ، ولهذا يسقط
شخص الحكم بالحرمة المتعلَّقة بشرب
الخمر الذي وقع من المكلَّف .
والمراد من سقوط الحكم هنا ـ وكذلك
الاتيان بمتعلَّق الوجوب ـ هو انتهاء
محركيّة الحكم ، وذلك لعدم صلوحه
للتحريك بعد العصيان وسقوط الموضوع
وبعد الإتيان بالمتعلَّق .
أمَّا بعد العصيان فقد اتّضح وجهه .
وأمَّا بالإتيان فلإستيفاء الغرض من
الحكم ولأنّ التكليف بالجامع بعد ان
أتى المكلَّف بمنطبق الجامع تحصيل
للحاصل إلاّ أن يأمر المولى بايجاد
فرد آخر للجامع وهذا خروج عن الفرض ،
لأنَّ الإتيان بالفرد الآخر يكون بأمر
وحكم جديد غير الحكم الذي سقط بواسطة
الإمتثال الاول .
إذن المراد من سقوط التكليف هو سقوط
فاعليّته ومحركيّته لا سقوط أصل الحكم
، فإنّ وجوب الصلاة واستحباب التصدُّق
وحرمة شرب الخمر تبقى ثابتة حتى بعد
الامتثال أو العصيان .
إجزاء المأمور به بالامر الإضطراري عن
المأمور به بالأمر الاولي :
لا إشكال في إجزاء المأمور به بالأمر
الاضطراري عن المأمور به بالأمر
الأولي في الجملة .
وبيان ذلك :
إنّ قيام المأمور به بالأمر الاضطراري
مقام المأمور به بالأمر الاولي يكون
تابعاً للسان دليل الأمر الاضطراري ،
وسنذكر احتمالين ثبوتيين لما يمكن أن
يدل عليه دليل الأمر الاضطراري :
الاحتمال الاول : أن يكون الأمر
الاضطراري دالا على صحّة العمل
بمقتضاه في ظرف استمرار الاضطرار الى
حين انتهاء الوقت ، كأن يكون مفاد
الدليل هكذا « إذا عجز المكلَّف عن
الطهارة المائية وكان عجزه مستوعباً
للوقت صحّ له الإنتقال الى الطهارة
الترابيّة » .
فهنا يكون العجز عن الطهارة المائية ـ
والتي هي الحكم الاولي ـ مصححاً
للإنتقال الى الطهارة الترابية ـ
والتي هي الحكم الاضطراري ـ إلاّ انّ
صحّة الانتقال الى الطهارة الترابية
انّما هو في ظرف استمرار العجز
واستيعابه لتمام الوقت ، وهذا يعني
عدم شمول دليل الأمر الاضطراري لحالة
إرتفاع العجز في أثناء الوقت .
فإذا كان هذا هو مفاد دليل الأمر
الاضطراري فإنّ الاتيان بالطهارة
الترابية يكون في حالة موجباً لسقوط
الأمر الأولي وفي حالة لا يكون موجباً
للسقوط .
أمَّا الحالة الاولى فهي مالو كان عجز
المكلّف عن الطهارة المائيّة مستوعباً
لتمام الوقت ، إذ انّ هذا هو مقتضى
مفاد دليل الأمر الاضطراري ـ كما هو
الفرض ـ وعليه لا يكون المكلَّف
مسئولا عن القضاء لو كان المأمور به
بالأمر الاولي مما يُوجب فواته القضاء
، وذلك لإجزاء المأمور به بالأمر
الاضطراري عنه .
وأمّا الحالة الثانية فهي مالو كان
عجز المكلَّف غير مستوعب للوقت بل
انّه يزول في أثناء الوقت وعدم السقوط
ناشئ عن ان مفاد الدليل هو اختصاص
الإجزاء بحالة استمرار العجز فلا يكون
شاملا لمثل هذه الحالة ، وعليه لو جاء
المكلّف بالطهارة الترابية ثم ارتفع
عجزه قبل انتهاء الوقت فإنّه ملزم
بالطهارة المائيّة ويكون إتيانه
بالطهارة الترابيّة كالعدم ، إذ لا
مبرِّر لسقوط الأمر الأولي بعد عدم
شمول الأمر الإضطراري لهذه الحالة
وبعد ان كان دليل الأمر الاولي شاملا
لمثل هذه الحالة .
الإحتمال الثاني : أن يكون الامر
الاضطراري دالا على صحة العمل بمقتضاه
في ظرف العجز مطلقاً أي سواء كان
العجز مستوعباً للوقت أو لم يكن
مستوعباً للوقت ، وذلك كأن يكون مفاد
دليل الأمر الاضطراري هكذا « إذا عجز
المكلَّف عن الطهارة المائيّة صحَّ له
الانتقال الى الطهارة الترابيّة » .
وهنا يمكن تصنيف حالة المكلَّف الى
حالتين :
الحالة الاولى : ان يُفترض استيعاب
عجزه للوقت ، وهنا لا إشكال في
الاجزاء وسقوط الأمر الاولي بالاتيان
بالمأمور به بالأمر الاضطراري ، وذلك
لانّه القدر المتيقّن من اطلاق دليل
إجزاء المأمور بالأمر الاضطراري عن
الامر الاولي .
الحالة الثانية : ان يُفترض عدم
استيعاب العجز للوقت ، وهنا نقول :
انّ المكلَّف لو جاء بالطهارة
الترابيّة ثم ارتفع عجزه وصار قادراً
على الإتيان بالطهارة المائيّة فهل
يكون ملزماً بها أو انَّ إتيانه
بالطهارة الترابيّة قد أسقط وجوب
الطهارة المائيّة « الحكم الاولي » ؟
والجواب هو الإجزاء وسقوط الامر
الاولي ، وذلك لأنّ الاتيان بالطهارة
الترابية كان مأموراً به ـ كما هو
مقتضى الفرض ـ إذ قلنا بأن دليل الأمر
الاضطراري شامل لحالتي استيعاب العجز
وعدم استيعابه للوقت ، ولهذا كان
الإتيان بالطهارة الترابيّة في هذه
الحالة مشمولا لما هو المأمور به وهذا
ما برَّر الإجزاء وسقوط الأمر الاولي
.
وهنا لابدَّ من التنبُّه لامر وهو انّ
الإتيان بالطهارة الترابيّة حال العجز
ـ وقبل ارتفاعه ـ ليس متعيناً على
المكلَّف بل له أن ينتظر الى حين
إرتفاع العجز ويأتي بعد ذلك بالطهارة
المائيّة . فالإتيان بالطهارة
الترابيّة إذن واجب تخييري لا تعييني
، وطرفا التخيير هما الطهارة
الترابيّة حين العجز أو الطهارة
المائيّة حين ارتفاع العجز في الوقت .
وهذا الوجوب التخييري استفدناه من
الجمع بين دليل الامر الاضطراري ودليل
الأمر الاولي ، إذ انّ مقتضى دليل
الامر الإضطراري هو كفاية الإتيان
بالطهارة الترابيّة حين العجز ومقتضى
إطلاق دليل الأمر الاولي هو لزوم
الإتيان بالطهارة المائيّة حين إرتفاع
العجز فينتج عن ذلك انّ المكلَّف
مخيَّر بين الطهارة الترابيّة ـ ولكن
في ظرف العجز ـ وبين الطهارة المائيّة
حين إرتفاع العجز .
أمّا لو قلنا بعدم كفاية المأمور به
بالأمر الاضطراري في ظرف العجز ، وان
المكلَّف ملزم بالإتيان بالطهارة
المائيّة بعد إرتفاع العجز لكان ذلك
موجباً للتخيير بين الإتيان بالطهارة
الترابيّة في ظرف العجز والإتيان
بالطهارة المائيّة حين إرتفاع العجز
وبين الإتيان بالطهارة المائيّة حين
إرتفاع العجز أي انَّ المكلَّف مخيَّر
بين ان يُبادر حين العجز ويأتي
بالطهارة الترابيّة ثمّ يأتي بالطهارة
المائيّة حين ارتفاع العجز ـ لعدم
كفاية الطهارة الترابيَّة وحدها ـ ،
وإمّا ان يأتي بالطهارة المائيّة
وحدها حين إرتفاع العجز .
وهذا من التخيير بين الأقلِّ والأكثر
والذي قلنا باستحالته .
ومنشأ الملازمة بين القول بإعادة
الطهارة وعدم كفاية الطهارة الترابيّة
وبين الوجوب التخييري بين الأقل
والأكثر هو انّ مقتضى دليل الأمر
الاضطراري في الإحتمال الثاني هو
تصحيح الإتيان بالمأمور به بالامر
الاضراري في ظرف العجز فإذا لم يكن
المأمور به بالأمر الاضطراري مجزياً
عن المأمور به بالامر الاولي ويلزم
الاتيان به بعد إرتفاع العجز مع انّ
له أن ينتظر حتى يرتفع العجز ويأتي
بالمأمور به بالأمر الاولي وحده ،
فهذا يعني انّه مخيّر بين الجمع بين
المأمور به بالأمر الاضطراري والمأمور
به بالأمر الاولي وبين انتظار إرتفاع
العجز والإتيان بالمأمور به بالامر
الاولي وحده ، ولمّا كان التخيير بين
الأقلّ والأكثر مستحيلا فهذا يكشف عن
انّ المأمور به بالأمر الاضطراري
كافياً في سقوط الأمر الاولي ومجزياً
عنه ، إذ انّ دليل الأمر الاضطراري
لمّا كان مصححاً للإتيان بالطهارة
فهذا يستلزم إمّا الإجزاء وسقوط الأمر
الاولي وامّا الجمع بينه وبين امتثال
الأمر الأولي وهذا يقتضي التخيير بين
الأقل والأكثر ـ إذ لا إشكال في كفاية
الإقتصار على إمتثال الأمر الاولي حين
إرتفاع العجز ـ .
والثاني مستحيل لإستحالة التخيير بين
الأقل والأكثر فيتعيّن الأول وهو سقوط
الأمر الاولي بامتثال الامر الاضطراري
.
وبهذا تظهر ثمرة القول باستحالة
التخيير بين الأقلّ والأكثر ، إذ انّ
القول باستحالة التخيير بين الأقل
والأكثر أوجب تعيُّن الإجزاء وسقوط
الأمر الاولي بامتثال الأمر الاضطراري
.
إمكان النسخ وتصويره
والبحث عن إمكان النسخ يقع في مقامين
:
المقام الأوّل : إمكان النسخ في مرحلة
مبادئ الحكم .
المقام الثاني : إمكان النسخ في مرحلة
الجعل والإعتبار .
أمّا المقام الأوّل : انّه لمّا كانت
الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد في
متعلّقاتها فهذا يقتضي أن يدور الحكم
مدار المصلحة والمفسدة وجوداً وعدماً
، فمتى ما كانت المصلحة دائمة كان
الحكم معها دائمياً ومتى ما كانت
مؤقتة كان الحكم مؤقتاً ، واذا افترض
انّ المصلحة معلّقة على قيد كان الحكم
كذلك .
وهذا هو سرُّ دائميّة بعض الأحكام
وتوقيت بعض آخر منها ، إذ انّ المولى
ولإحاطته بأوجه المصالح والمفاسد يعلم
انّ هذا الفعل مثلا يظلُّ واجداً
للمصلحة التامَّة الى الأبد فلذلك
يجعل الحكم عليه دائمياً ، وفي حالات
اخرى يعلم انّ هذا الفعل وإن كان
واجداً للمصلحة فعلا إلاّ انّها تزول
بعد زمن محدّد فلذلك يجعل الحكم على
الفعل مغيَّى بانتهاء ذلك الزمن
المحدّد .
ويستحيل في حقّه تعالى أن يرى للفعل
مصلحة تامَّة ودائمة فيجعل على الفعل
ذي المصلحة حكماً دائمياً ثمّ ينكشف
له بعد ذلك انَّ المصلحة مؤقّتة أو
انَّ المصلحة ليست تامَّة بل مُزاحمة
بما هو أقوى منها ملاكاً أو انّه لا
مصلحة في الفعل أصلا وانَّما هي وهم
ليس له واقع .
واستحالة ذلك ناشئ عن استحالة الجهل
على الله جلَّ وعلا كما هو مقتضى
البراهين العقليّة القطعيَّة ، فهو
جلّ وعلا محيط بكلِّ شيء ولا تخفى
عليه خافية في الارض ولا في السماء
ولا يحدُّه زمان ولا يُحيط به مكان .
ومن هنا ينشأ سؤال وهو ماهو إذن
مبرِّر النسخ في الشرايع السماويّة
والشريعة الإسلاميّة والذي لا يمكن
انكار وقوعه فيها .
والجواب انَّ النسخ إذا كان بمعنى
انكشاف منافاة ما كان يرى المولى جلَّ
وعلا واقعيّته للواقع وانّه لم يكن
أكثر من وهم فهذا مستحيل على الله
سبحانه وتعالى فلو كان يرى انَّ
المصلحة أو المفسدة في فعل أنَّها
دائميّة وعليه كانت له إرادة أو
مبغوضيّة لهذا الفعل دائميّة فمن
المستحيل أن يكون علمه منافياً للواقع
وأنّ المصلحة أو المفسدة في الفعل
ليست دائميّة بل هي مؤقتة واقعاً .
وهذا النحو من النسخ ليست مقبولا عند
أحد من المسلمين .
نعم هو ممكن في حقّ سائر المشرعين
والمقنِّنين والذين ليست لهم إحاطة
باوجه المصالح والمفاسد ، فيرون لفعل
مصلحة تامَّة وفي الواقع ليس له أي
مصلحة بل لعلّه مشتمل على مفسدة
تامَّة ، أو يرون لفعل مصلحة دائميّة
وفي الواقع انّها مؤقتة ، فتكون
إرادتهم لايجاد الفعل ناشئة عن أوهام
ليس لها حظ من الواقع ثمّ بعد ذلك
ينكشف لهم الواقع وانّهم كانوا مخطئين
فتنقلب إرادتهم الى ما يُناسب الواقع
المنكشف . فإذا كان هذا هو معنى النسخ
الحقيقي في عالم المبادئ فهو مستحيل
على الله سبحانه وتعالى .
وواقع النسخ في الشريعة الإسلاميّة
وسائر الشرايع السماويّة هي انّ
المولى جلَّ وعلا حينما لاحظ الفعل
ولاحظ اشتماله على المصلحة وانَّها
ليست دائميّة بل انَّها مؤقّتة ، أو
انَّ المصلحة مرتبطة بحيثيّات خاصّة
فتعلّقت له إرادة متناسبة من أول
الأمر مع حدود المصلحة المتعلّقة
بالفعل فهي إرادة مؤقّتة ومحدّدة
بحدود المصلحة المتعلّقة بالفعل ،
وهذا ما يقتضي زوال الإرادة بزوال
مصلحة الفعل وإنتفاء الإرادة بانتفاء
الحيثيّات الدخيلة في اشتمال الفعل
على المصلحة ، فالنسخ بهذا المعنى
ممكن على الله سبحانه وتعالى ، إذ
انّه لا يتنافى مع علمه وإحاطته بأوجه
المصالح والمفاسد .
فالنسخ إذن في عالم المبادئ هو انتهاء
أمد الحكم ـ المعلوم من حين تشريعه ـ
بانتهاء المصلحة عن الفعل الواقع
متعلقاً للحكم ، وليكن هذا المعنى
للنسخ معنىً مجازياً ، واستعمال
القرآن الكريم والسنّة الشريفة للنسخ
بهذا المعنى ليس فيه محذور ، إذ انّه
استعمال مجازي قرينته البرهان العقلي
.
المقام الثاني : في إمكان النسخ في
مرحلة الجعل والاعتبار :
بعد ان اتّضح عدم إمكان النسخ الحقيقي
على الله جلَّ وعلا في عالم المبادئ
والملاكات وانّما الممكن في حقّه
تعالى هو النسخ بالمعنى المجازي والذي
لا يتنافى مع علمه وإحاطته بكلّ شيء .
بعد ان اتّضح ذلك نصل للبحث عن إمكان
تصوير النسخ في مرحلة الجعل والإعتبار
والتي هي مرحلة إبراز الحكم وجعله .
ومرادنا من الحكم الأعم من الحكم
التكليفي والحكم الوضعي فنقول : انّ
النسخ بالمعنى الحقيقي في مرحلة الجعل
والإعتبار يعني انّ الحكم المجعول
يكون مطلقاً من حيث الزمان فلا يختص
بزمان دون زمان ثمّ يرفع ذلك الحكم .
والنسخ بهذا المعنى ممكن في الشريعة ،
وذلك بأن يجعل المولى حكماً ولا
يُقيِّده بزمن خاص رغم علمه بأن مبادئ
هذا الحكم مؤقّته بزمن خاص ، ورغم
انَّ إرادته لإيجاد متعلَّق الحكم
مؤقّتة ومحدّدة بحدود المصلحة
الموجودة في متعلَّق الحكم إلاّ انّ
المولى ترك ذكر القيد الزماني لحكمة
اقتضت ذلك أو لعدم وجود فائدة من ذكر
القيد حين تشريع الحكم ، فإنّ
المكلَّف لمّا كان مسئولا فعلا عن
إيجاد متعلَّق الحكم فإنّ اللازم هو
بيان تشريع الحكم والحدود الدخيلة
فعلا في تشريع وفعليّة الحكم ومتعلّقه
وموضوعه ، وأمّا القيود التي ليست لها
دخل فعلي في ذلك فلا يلزم بيانها .
وأمّا النسخ بالمعنى المجازي فهو يعني
انتهاء أمد الحكم بانتهاء وقته
المبيَّن في لسان دليله . فإنّ النسخ
بهذا المعنى ممكن جدّاً ، والمبرِّر
لارتفاع الحكم هو إرتفاع موضوعه إذ
انّ الاحكام تابعة لموضوعاتها وجوداً
وعدماً ، ولمّا كان قد اُخذ في موضوع
الحكم وقتاً خاصاً فهذا يعني انّ
الوقت جزء الموضوع للحكم ، ومن الواضح
انَّ انتفاء موضوع أو جزء موضوع الحكم
يقتضي انتفاء الحكم .
ومثال ذلك ان يجعل المولى حكماً
ويُصرِّح في لسان الدليل انَّ أمد هذا
الحكم ينتهي بعد شهر فإنّه بعد انتهاء
الشهر ينتهي أمد الحكم .
والمعنى الأوّل هو المتداول استعماله
إذ انّه غالباً لا يطلق النسخ على
الحكم المقيّد بزمان مذكور في لسان
دليل الحكم .
الملازمة بين الحسن والقبح والأمر
والنهي
ويقع البحث في المقام عن ثبوت
الملازمة بين ما يحكم به العقل من
ثبوت الحسن لفعل أو القبح لآخر وبين
الوجوب للأوّل والحرمة للثاني ، فهل
انّ إدراك العقل لحسن فعل يلازم حكم
الشارع بوجوبه وانّ إدراكه لقبح فعل
يلازم حكم الشارع بحرمته أو انَّه لا
ملازمة بين ما يدركه العقل وبين الحكم
الشرعي ؟
وقبل البحث عن ثبوت الملازمة وعدم
ثبوتها لابدَّ من بيان المراد من معنى
الحسن والقبح العقليّين ، فنقول :
إنَّ الحسن والقبح من المدركات
العقليَّة الواقعيَّة ، فإدراك العقل
لهما كإدراكه لاستحالة اجتماع
النقيضين واستحالة وجود المعلول عن
غير علَّة ، فالحسن والقبح إذن من
الصفات الواقعيّة وثبوت الحسن والقبح
لمتعلَّقاتهما ذاتي ، فالفعل الحسن هو
الذي يقتضي بذاته الحسن أي أنَّ الحسن
ناشئ عن مقام ذاته وكذلك الفعل القبيح
، فكما انّ إتِّصاف كلّ فعل باستحالة
إجتماعه مع نقيضه ذاتي فكذلك إتّصاف
الفعل بالحسن أو القبح ، فإن اتّصاف
الفعل بالحسن أو القبح ليس ناشئاً عن
المصالح أو المفاسد أو عن ملائمة
الفعل للطبع أو عدم ملائمته ، فإنّنا
بالوجدان نجد انّ بعض الافعال متّصفة
بالحسن ولا يكون إتِّصافها بالحسن عن
مصلحة فيها ونجد انّ بعض الأفعال
مشتملة على مصلحة ومع ذلك لا يحكم
العقل بحسنها بل قد يحكم بقبحها .
ودعوى انّ الحسن ناشئ عن ملائمة الفعل
للطبع منقوض ببعض الأفعال التي لا
تكون منسجمة مع الطبع ومع ذلك تكون
متّصفة بالحسن وببعض الأفعال التي
تكون منسجمة مع الطبع ومع ذلك تكون
مستقبحة .
كلُّ ذلك يُعبِّر عن أنَّ إتِّصاف
الأفعال بالحسن أو القبح ذاتي ،
والذاتي لا يُعلّل ، كما انَّ الذاتي
لا ينقلب عمَّا هو عليه ، فالفعل
الحسن لا ينقلب الى القبح وكذلك العكس
.
والمتحصَّل ممّا ذكرناه انّ الحسن من
الصفات الواقعيّة وأنّ إتِّصاف
الأفعال بهما ذاتي وأنّهما من
المدركات العقليَّة الأوليَّة فهما لا
يختلفان عن ما يُدركه العقل من
استحالة اجتماع النقيضين فكلا الحكمين
من مدركات العقل الاوليَّة ، غايته
انَّ الحسن والقبح من مدركات العقل
العملي أي انّهما بذاتيهما يستتبعان
أثراً عمليّاً أي يستوجبان التحرّك
والإنبعاث نحو متعلَّقيهما ، فالفعل
الحسن يُدرك العقل انّه ينبغي فعله
والفعل القبيح يُدرك العقل انَّه لا
ينبغي فعله .
وهذا الأثر لصفتي الحسن والقبح لازم
ذاتي لهما أي انّه ناشئ عن مقام الذات
لصفتي الحسن والقبح ، ووظيفة العقل
ليست أكثر من إدراك هذا اللازم إلاّ
انّه قد يُطلق على هذا المُدرك العقلي
عنوان الحكم العقلي تجوّزاً .
ومع ثبوت إدراك العقل انّ الحسن ينبغي
فعله وأنّ القبيح لا ينبغي فعله يصل
بنا البحث عن ثبوت الملازمة بين ما
يحكم به العقل وبين الحكم الشرعي ،
فقد ذهب مشهور الاصوليّين الى ثبوت
الملازمة بينهما وانّه إذا حكم العقل
بحسن شيء وانبغاء فعله حكم الشرع
بوجوب ذلك الشيء ومتى ما حكم العقل
بقبح شيء وانبغاء تركه حكم الشرع
بحرمة ذلك الشيء .
ومدرك هذه الدعوى انّ الشارع سيّد
العقلاء ومن غير الممكن ان يتطابق
العقلاء بما هم عقلاء على حكم ولا
يكون ذلك الحكم موافقاً لما عليه
الشرع .
وقد نفى بعض المحقّقين استحالة ثبوت
الملازمة بشكل مطلق ، وبيان ذلك :
انّ الحسن والقبح تارة يقع في مرتبة
المعلول للحكم الشرعي وتارة يكون
إدراك الحسن والقبح لا يتّصل بالحكم
الشرعي أي انّه لا يقع في رتبة
المعلول للحكم الشرعي كحسن العدل وقبح
الظلم فإنَّ إدراكه لا يكون متأخّراً
ولا مترتِّباً على ثبوت حكم شرعي بل
انّ إدراكه يكون مستقلا عن الحكم
الشرعي .
والنحو الأوّل من إدراك العقل للحسن
والقبح يستحيل ثبوت الملازمة في مورده
، وذلك لاستلزامه التسلسل المحال ، إذ
انَّ معنى وقوع المدرك العقلي للحسن
والقبح في رتبة المعلول للحكم الشرعي
هو ما يُدركه العقل من حسن طاعة الأمر
المولوي وقبح عصيان الامر المولوي ،
ومن الواضح انّه لا يحكم العقل بحسن
طاعة أمر المولى إلاّ أن يكون هناك
أمر مولوي كما لا يحكم بقبح معصية
المولى إلاّ أن يكون هناك أمر مولوي ،
فموضوع إدراك العقل لحسن الطاعة وقبح
المعصية هو الأمر المولوي الشرعي ،
أما لو لم يكن أمر فعلى أي شيء تقع
الطاعة والمعصية حتى يُدرك العقل حسن
الاول وقبح الثاني .
ومن هنا صار الحكم الشرعي في رتبة
العلّة للحكم العقلي بالحسن والقبح ،
فمتى ما حكم الشارع بوجوب الصلاة حكم
العقل بحسن طاعة أمر المولى بالصلاة ،
ومتى ما حكم العقل بحرمة شرب الخمر
حكم العقل بقبح معصية نهي المولى .
فلو كان يلزم من إدراك العقل لحسن
الطاعة وقبح المعصية حكم شرعي بوجوب
الطاعة وحرمة المعصية لكان هذا الحكم
الشرعي الذي استفدناه بواسطة الملازمة
مولِّداً لحكم عقلي بحسن الطاعة وقبح
المعصية ، وهذا الحكم العقلي يلازم
حكماً شرعياً آخر بوجوب الطاعة وحرمة
المعصية ، ويكون هذا الحكم الشرعي
مولِّداً لحكم عقلي وهكذا الى ما لا
نهاية .
وأمّا النحو الثاني من إدراك العقل
للحسن والقبح والذي لا يكون في مرتبة
المعلول للحكم الشرعي كحسن العدل وقبح
الظلم فدعوى الملازمة بينه وبين الحكم
الشرعي تامّة .
الإستقراء والقياس
إنّ التعرُّف على الأحكام الشرعيّة
بواسطة الإستقراء والقياس لا يكون
ممكناً إلاّ بعد الإيمان بمقدّمة
مطوية وهي انّ أحكام الله جلَّ وعلا
ليست جزافية واعتباطيّة وانّما هي
ناشئة عن ملاكات في متعلَّقاتها ،
فالوجوب لا يكون إلاّ عن مصلحة تامَّة
في متعلَّقه والحرمة لا تكون إلاّ عن
مفسدة تامَّة في متعلّقها وهكذا سائر
الأحكام والجعولات الشرعيّة فإنّها
لابدَّ أن تكون ناشئة عن علل موجبة
لجعلها .
فإذا ما سلَّمنا بهذه المقدمة امكنت
الإستفادة من القياس أو الاستقراء في
مقام التعرُّف على الحكم الشرعي ، إذ
انّ الحكم الشرعي بلحاظ جعله واعتباره
لا يمكن استكشافه بواسطة القياس أو
الاستقراء وانّما الذي يمكن استفادته
بواسطة القياس أو الاستقراء انّما هي
علل الاحكام ، وحينما نتعرَّف على
علَّة الحكم نتمكّن من الوصول الى
الحكم عن طريق هذه المقدّمة وهي
تبعيّة الأحكام لعللها وملاكاتها .
وبعد اتّضاح هذه المقدّمة يصل بناء
الحديث الى البحث عن كيفيّة التعرُّف
على ملاكات الأحكام بواسطة الإستقراء
والقياس .
أمّا الاستقراء :
فهو يعني متابعة مجموعة من القضايا
الجزئية المعلومة الحكم لغرض الوصول
الى مجهول تصديقي تتحد فيه جميع
موضوعات تلك القضايا الجزئيّة تحت حكم
واحد بحيث يمكن انتزاع موضوع كلّي من
مجموع موضوعات تلك القضايا الجزئيّة
فيكون الحكم كلِّي لكليِّة موضوعه .
ومثاله ان يلاحظ المتتبّع والمستقرء
انّ الأسد ذا المخلب يفترس ، وانّ
الثعلب ذا المخلب يفترس ، وانّ الذئب
ذا المخلب يفترس ، وهكذا فيستنتج من
هذا التتبع لهذه القضايا الجزئية
قضيّة كليَّة لم تكن معلومة ، وهي انّ
كلّ ذي مخلب فهو مفترس ، وهذه
القضيَّة الكليّة المستنتجة متّحدة
الحكم مع القضايا الجزئيّة الملاحظة
حين التتبّع وانّما الإختلاف بين
النتيجة ومقدماتها هو انّ موضوع
النتيجة كلّي ، أمّا موضوعات القضايا
الملاحظة حين الإستقراء فهي جزئيّة ،
والذي أفاده الإستقراء هو انتزاع
عنوان كلِّي جامع لموضوعات القضايا
الجزئيّة ، وهذا هو منشأ كليَّة وعموم
الحكم في نتيجة الإستقراء ، إذ انّ
عموم الحكم أو جزئيّته تابع لعموم
موضوعه أو جزئيّته ، ولمّا كان موضوع
الحكم في نتيجة الإستقراء عاماً
فالحكم بتبعه يكون عاماً ، وبهذا يكون
الإستقراء منتجاً لمعلوم تصديقي كان
مجهولا قبل الإستقراء ، إذ انَّ
المعلوم قبل الإستقراء هو مجموعة من
القضايا الجزئيّة ، أمّا بعد
الإستقراء فهناك قضيّة كليّة استفيدت
بواسطته ، ويمكن الإستفادة من هذه
القضيّة ـ لو كان الإستقراء ناقصاً ـ
في معرفة حكم الموضوعات التي لم تدخل
تحت الملاحظة حين الإستقراء إذا كانت
تلك الموضوعات داخلة تحت عموم موضوع
النتيجة للإستقراء .
ومع اتّضاح معنى الإستقراء تتّضح
كيفيّة استنباط ملاكات الأحكام عن
طريق الإستقراء ، فإنّ الفقيه حينما
يُلاحظ انَّ الشارع لم يجعل العدَّة
على المطلّقة الصغيرة ويلاحظ انَّ
المطلّقة اليائسة ـ التي ليس لها
قابليَّة للحمل ـ ليس عليها عدَّة
وانّ غير المدخول بها ـ والتي لا يمكن
أن تحبل عن زوجها ـ ليس عليها عدَّة
، فإنّه يُستنتج من هذا الإستقراء
والتتبّع انّ كلَّ من ليس لها قابليّة
لأنْ تحبل من زوجها فليس عليها عدَّة
، فالتي استُئصل رحمها ليس عليها
عدَّة باعتبارها غير قابلة لأن تحبل .
فالإستقراء هنا قد كشف لنا عن علَّة
وجوب العدَّة على المطلَّقة وبواسطته
عرفنا انّ الشارع حكم بانتفاء العدَّة
عن كلّ من ليس لها قابليّة لأنْ تحبل
.
والغالب في نتيجة الإستقراء انَّها
ظنيَّة ، وذلك لأنَّ الإستقراء غالباً
ما يكون ناقصاً ، والإستقراء الناقص
لا يُنتج اليقين . ومن هنا نحتاج الى
ما يُثبت حجيّة الظنّ الناشئ عن
الإستقراء ، إذ انّ حجيّة الظنّ ليست
ذاتيَّة فلابدَّ من دليل قطعي يُثبت
له الحجيّة ، إذ انّ كلّ ما بالعرض
لابدَّ وان يرجع الى ما بالذات ،
ولمّا كانت الحجيّة عرضيَّة بالنسبة
للظنّ فهي محتاجة الى دليل قطعي ،
وذلك لكون الحجيّة للقطع ذاتيّة .
وأمّا القياس :
وقد ذكرت للقياس باصطلاح الاصوليّين
مجموعة من الطرق ذكر المصنِّف (رحمه
الله) منها واحداً ، وسوف نقتصر على
بيان الطريقة التي تعرّض لها المصنِّف
(رحمه الله) وهي قياس السبر والتقسيم
والمشابه في اصطلاح المناطقة للتمثيل
.
والغرض من هذا النحو من القياس هو
التعدِّي من حكم موضوع جزئي معلوم الى
موضوع جزئي آخر مجهول الحكم لإثبات
نفس ذلك الحكم ـ الثابت للموضوع
الجزئي الأوّل ـ للموضوع الجزئي الآخر
المجهول الحكم .
والمراد من قياس السبر والتقسيم هو
البحث عن الجهة المشتركة بين
الموضوعين ـ الموضوع المعلوم الحكم
والموضوع المجهول الحكم ـ والتي يحتمل
أو يُطمئن أن تكون هي علَّة ثبوت
الحكم للموضوع الأوّل ، والغرض من
البحث عن العلّة هو تعدية الحكم
المعلّل بها لكلّ موضوع مشتمل على تلك
العلَّة المشتركة والمستنبطة بواسطة
العقل أو الاستحسان أو معرفة ذوق
الشريعة أو ما الى ذلك .
وعُبِّر عنه بقياس السبر باعتبار انّ
السبر يعني الفحص والتنقيب والمجتهد
في المقام يفحص ويُنقّب عن العلَّة
بواسطة الوسائل المعتمدة عنده
كالاستحسان أو معرفة ذوق الشريعة .
وعُبِّر عنه بقياس التقسيم باعتبار
انّ المجتهد في مقام الفحص عن العلَّة
يتناول الموضوع المعلوم الحكم
بالتصنيف ، فيلاحظه تارة من جهة هذه
الصفة المشتمل عليها وتارة يلاحظه من
جهة صفة اخرى هو مشتمل عليها حتى
يُحصي تمام صفاته التي يمكن أن تكون
هي منشأ ثبوت الحكم للموضوع .
وبهذا البيان اتّضح انّ قياس السبر
والتقسيم يتقوّم بامور ثلاثة :
الأوّل : الأصل وهو الموضوع المعلوم
الحكم ، ويُعبَّر عنه بالمقيس عليه .
الثاني : الفرع وهو الموضوع المجهول
الحكم والذي يُراد تعدية الحكم الثابت
للموضوع الاول له ، ويُعبَّر عنه
بالمقيس .
الثالث : العلّة المستنبطة والتي تكون
واسطة في تعدية الحكم من الموضوع
الاول الى الموضوع المجهول الحكم
باعتبار انّ الموضوع الثاني إذا كان
واجداً لنفس علَّة ثبوت الحكم للموضوع
الأوّل فهذا يقتضي اشتراكهما في الحكم
.
ولكي يتّضح المطلب أكثر نذكر هذا
المثال :
لو أردنا أن نبحث عن مطهريّة مادة
الكحول « السبرتو » للخبث فإنّه
بالامكان التعرُّف على مطهريتها أو
عدم المطهريّة بواسطة قياس السبر
والتقسيم ، إذ انّه سيكشف عن علَّة
مطهريّة الماء للخبث ، فإذا ما وجدنا
انّ مادة الكحول مشتملة على علَّة
المطهريَّة فإنّه يمكن حينئذن تعدية
حكم التطهير من الماء الى مادة الكحول
.
ونبدأ بتناول الماء ـ والذي هو
الموضوع المعلوم الحكم ـ بالتصنيف
لصفاته التي يحتمل أن تكون هي المنشأ
في ثبوت حكم المطهريّة له فنقول :
أولا : انّ الماء سائل : فيُحتمل أن
يكون منشأ مطهريَّته هو سيولته . وهذا
الإحتمال بعيد ، لسيولة كثير من
المواد رغم عدم مطهريّتها ، فهذا
الإحتمال ساقط إذن .
ثانياً : انَّ الماء بارد بالطبع ،
فيحتمل انَّه العلَّة في ثبوت
المطهريّة له ، إلاّ انّ هذا الإحتمال
بعيد أيضاً ، وذلك لانّ الإعتبار
العقلائي لا يستسيغ أن تكون البرودة
مطهّرة للخبث خصوصاً وانّ البرودة
بنفسها لا تزيل عين النجاسة ومن
البعيد انّ الشارع اعتبر البرودة
مطهّرة تعبداً ، لانّ التعبديّات
لابدَّ وان تكون مناسبة للاعتبارات
العقلائيّة .
ثالثاً : انّ الماء لا لون له ،
واحتمال أن يكون هذا هو علّة
المطهريّة للماء بعيداً جدّاً .
وهكذا نستعرض صفات الماء التي من
المحتمل أن تكون هي العلَّة في ثبوت
المطهريّة له الى أن نظفر بما يصحُّ
لأنْ يكون علَّة ومناطاً في ثبوت
المطهريّة للماء ، فإن كانت تلك
العلَّة موجودة في الموضوع المجهول
الحكم أثبتنا له الحكم وإلاّ نفيناه .
وفي مثالنا هناك احتمال قريب إذا
تمكنّا من تشييده بالوسائل المعتمدة
فإنَّه يكون علَّة الحكم لمطهرية
الماء .
وهو انّ الماء مزيل للأوساخ
والقاذورات ، وهذه الصفة هي التي
تُميِّزه عن سائر السوائل والمواد
الاخرى ، والاعتبار العقلائي يساعد
على انَّ هذه الصفة هي العلّة
للمطهريَّة ، إذ انَّ الاعراف
العقلائيّة على اختلاف مشاربهم يرون
للماء هذه الصلاحية ومن البعيد أن
يكون منشأ إثبات الشارع المطهريّة
للماء غير المنشأ عندهم كما انّ
استبعاد أن تكون الصفات الاخرى هي
مناط ثبوت المطهريّة يُساهم في نشوء
وترسُّخ الإطمئنان بكون المناط لثبوت
المطهريَّة للماء هو إزالته للاوساخ
والقاذورات .
فإذا ثبت انّ هذا هو المناط فحينئذ
نعرض هذه الصفة على مادة الكحول ،
فإنْ وجدنا انّ هذه المادة متوفِّرة
على هذه الصفة فإنَّنا نعدِّي الحكم
الثابت للماء الى هذه المادّة .
وبنظرة فاحصة الى مادة الكحول نجد انّ
هذه الصفة من أبرز سماتها .
وبهذا تثبت المطهريّة الشرعيّة لمادّة
الكحول « السبرتو » ، هكذا يُعرف دين
الله جلّ وعلا !!!
وتلاحظون انّ هذا النحو من القياس
يقوم على أساس الحدس والإستحسان ، وهو
لا يُنتج إلاّ الظن ، فلا تثبت له
الحجيّة إلاّ مع قيام دليل قطعي على
حجيّته ، « ودونه خرط القتاد » .
حجيَّة الدليل العقلي
كان الكلام ـ فيما سبق ـ حول إثبات
صغرى الدليل العقلي أي كنّا نبحث عن
إثبات وجود المدركات العقليّة التي
يمكن أن تقع في طريق استنباط كثير من
الأحكام الشرعيّة من مختلف الأبواب
الفقهيَّة .
وثبوت صغريات الدليل العقلي لا يُنهي
البحث كما هو واضح ، إذ لابدَّ من
إثبات حجيَّة هذه المدركات وانَّها
صالحة للدليليَّة على الحكم الشرعي ،
وهذا ما يُعبَّر عنه بكبرى الدليل
العقلي ، فلو تمَّ إثبات الحجيَّة
للدليل العقلي فإنّه يمكن حينئذ تشكيل
قياس منطقي ، صغراه تكون احدى القضايا
العقليّة التي تمَّ إثبات صحتها
وكبراه هي حجيَّة ما يُدركه العقل .
وبهذا تكون النتيجة هي صلاحيّة الدليل
العقلي للكشف عن الحكم الشرعي .
ويمكن تقسيم البحث عن حجيَّة الدليل
العقلي الى قسمين :
الأوّل : هو البحث عن حجيَّة الدليل
العقلي القطعي .
الثاني : هو البحث عن حجيَّة الدليل
العقلي الظنّي .
أمَّا ما يتّصل بحجيَّة الدليل العقلي
القطعي فباعتبار انّ الدليل العقلي
القطعي منتج لليقين بالحكم الشرعي
فالدليل العقلي بهذا يكون حجّة ، وذلك
لحجيَّة القطع بذاته من غير فرق بين
أن يكون منشاؤه الشرع أو العقل أو
مناشئ اخرى ، وهذا ما تمَّ إثباته في
مباحث القطع .
إلاَّ انّه يُنسب الى بعض الإخباريّين
التفصيل في حجيّة القطع ، فما يكون
منه ناشئاً عن الشرع فهو حجّة وما
يكون منه ناشئاً عن العقل فهو ليس
بحجّة .
وقد وُجِّه هذا التفصيل بما يتناسب مع
حجيّة القطع مطلقاً ، وذلك عن طريق
تحويل القطع بالحكم الشرعي المستفاد
من الدليل العقلي الى قطع موضوعي ،
وهذا ممكن كما ذكرنا ذلك في مباحث
القطع ، وذلك بأن يُؤخذ عدم القطع
بالحكم الشرعي ـ الناشئ عن الدليل
العقلي ـ قيداً في فعليّة الحكم
الشرعي .
وبهذا يكون كلّ حكم شرعي فهو مقيّد
بعدم نشوئه عن القطع العقلي بالحكم
الشرعي ، وهذا ما يجعل عدم القطع
العقلي موضوعاً لفعليّة الحكم الشرعي
.
ومثال ذلك ان يُقال انَّ وجوب
المقدّمة مقيّد بعدم ثبوته بواسطة
العقل ، وهذا يعني انَّ وجوب المقدّمة
لا تكون معه واجبة ، نعم لو ثبت وجوب
المقدّمة بواسطة الدليل الشرعي فإنَّ
المقدّمة حينئذ تكون واجبة ، وذلك
لتحقّق قيدها وهو عدم الثبوت بواسطة
الدليل العقلي .
وبتعبير آخر : انَّ وجوب المقدّمة
يمكن أن يكون ثابتاً شرعاً بنحو مطلق
ويمكن أن يكون مقيّداً وحينئذ يكون
الوجوب منوطاً بتحقّق القيد ، فلو قام
الدليل على انّ الوجوب الشرعي
للمقدّمة مقيّد بعدم القطع بالوجوب
للمقدّمة بواسطة العقل فهذا يقتضي انّ
الوجوب لا يثبت في حالات القطع به عن
طريق العقل ، وهذا لا محذور فيه بعد
ان كان منشأ عدم الثبوت هو انتفاء قيد
الوجوب الشرعي والذي هو عدم القطع
العقلي بالوجوب ، فالقطع العقلي لمّا
اُخذ عدمه موضوعاً في ثبوت الفعليّة
للوجوب فهذا يعني انقلابه من قطع
طريقي كاشف عن متعلّقه الى قطع موضوعي
، والقطع الموضوعي كسائر القيود
والموضوعات تابعة لإعتبار المعتبر ،
فأي قيد أو موضوع ـ مهما كانت هويته ـ
إذا اعتبره المعتبر دخيلا في ترتّب
الحكم فإنَّ الحكم عندئذ يكون منوطاً
به ويكون منتفياً حين لا يكون
متوفّراً ، وبهذا لو قطع المكلّف عقلا
بوجوب المقدّمة ولم يكن دليل شرعي على
وجوب المقدّمة فانّ الوجوب للمقدّمة
يكون منتفياً لإنتفاء قيد الفعليّة
للوجوب .
وبهذا البيان يندفع ماقد يُقال من انّ
هذا يؤول الى المنع عن حجيّة القطع
الطريقي ، وذلك لانَّه إذا كان
المكلَّف قاطعاً بالحكم الشرعي ولو
بواسطة العقل ، فإنّه من المستحيل أن
يكون قطعه بالحكم الشرعي نافياً للحكم
الشرعي ، فإنّ قطعه بالحكم الشرعي
يُورثه القطع بعدم صحّة هذا القيد ،
كما انّه قد ذكرنا في مباحث القطع انّ
المنع عن حجيّة مستحيل حتى بغضّ النظر
عن اعتقاد القاطع أيضاً .
إلاّ انّ هذا الإشكال غير وارد ـ كما
اتَّضح ممّا ذكرناه ـ إذ انَّ المقيّد
بعدم القطع العقلي ليس هو الحكم
الشرعي بمرتبة الجعل وانّما المقيّد
هو فعليّة الحكم الشرعي أي الحكم
بمرتبة المجعول .
فإذا قطع المكلَّف بالجعل الشرعي
بواسطة العقل فإنّ الحكم الشرعي لا
يكون فعلياً ، وذلك لأنَّ الذي اُخذ
عدم القطع العقلي به في فعليَّة الحكم
الشرعي هو الجعل الشرعي ، فمتى لم
يقطع المكلَّف بالجعل الشرعي بواسطة
العقل وانَّما قطع به بواسطة الشرع
فإنّ قيد الفعليّة للحكم الشرعي يكون
متحقّقاً ، ومتى ما تحقّق القطع
بواسطة العقل فإنّ فعليّة الحكم تكون
منتفية لإنتفاء قيدها .
وبهذا يثبت امكان تحويل القطع الطريقي
بالحكم الشرعي بواسطة العقل الى قطع
موضوعي بواسطة اعتبار عدمه قيداً في
فعليّة الوجوب .
إلاّ انّ هذا المقدار لا يُثبت الدعوى
بالتفصيل إذ انّ الإمكان ثبوتاً لا
يستلزم التقييد إثباتاً أي انّ هذه
الدعوى وهي تقييد الأحكام الشرعيّة
بعدم القطع العقلي بالحكم الشرعي
تحتاج الى دليل إثباتي وهو مفقود .
حجيّة الدليل العقلي الظنّي :
والمراد من الدليل العقلي الظنّي هو
كلّ قضيّة يمكن أن تكون عقليّة ـ لو
تمّت ـ إلاّ انّه لم يقم البرهان على
ثبوتها أي لم يثبت صحّة إدراك العقل
لها ، فيكون كشفها عن متعلّقها ليس
قطعيّاً . وبهذا لا تكون مثل هذه
القضايا من المُدركات العقليّة ، إذ
انّ المُدركات العقليَّة لا تكون إلاّ
قطعيّة ، فهي عقليَّة استعداداً أو قل
توهماً .
وذلك مثل قياس السبر والتقسيم الذي
يقوم على أساس استنباط العلَّة بواسطة
الحدس .
والجزم بالنتيجة من مثل هذا القياس
يكون من قطع القطاع .
وكذلك الإستقراء الناقص الذي تبتني
نتيجته على أساس تتبّع بعض القضايا
الجزئيّة المعلومة الحكم ، فإنّ نشؤ
القطع بالحكم الشرعي عن هذا الطريق
يكون من القطع الناشئ عن مقدّمات
شخصيّة ، إذ انّ نوع العقلاء لا يكون
مثل الإستقراء الناقص مورثاً لهم
القطع .
وكيف كان فإن حصل القطع بواسطة هذه
الوسائل فإنَّه يكون حجَّة على القاطع
به ، وامَّا إذا لم يُورث إلاّ الظنّ
فهو ليس بحجّة لعدم قيام الدليل
القطعي على حجيَّة مثل هذه الظنون .
والظن ّ بنفسه ليس بحجّة فحينئذ لا
يكون إلاّ الشكّ في الحجيَّة وهو
يساوق القطع بعدمها ـ كما اتّضح ممّا
تقدّم ـ على انّه قد قام الدليل
القطعي على عدم حجيّة مثل هذه الظنون
، فإن الروايات المانعة عن الإعتماد
على مثل هذه الظنون بالغة حدَّ
التواتر .
الاُصول العمليَّة
وهي الادلّة المقرِّرة لوظيفة
المكلَّف في ظرف الشكّ في الحكم
الشرعي ، فإنّ المكلَّف إذا فقد
الدليل الكاشف عن الحكم الشرعي
الواقعي ، فإنّ ذلك لا يعني انتفاء
مسئوليّته عن البحث عمَّا يلزمه تجاه
مولاه ، إذ انَّ المكلَّف وبحكم
عبوديّته ملزم بأن تكون كلّ أفعاله
جارية على وفق الضوابط الشرعيّة .
ومن هنا تصدى الفقهاء « رضوان الله
عليهم » للبحث عمَّا هي الوظيفة
المقرَّرة للمكلَّف في حال فقدان
الدليل المحرز الكاشف عن الحكم الشرعي
. ومن الطبيعي ان تكون للشارع احكاماً
خاصة بمثل هذه الحالة لما ثبت بالدليل
القطعي من انَّه لا تخلو واقعة من حكم
ولا تخلو حالة ـ من حالات المكلَّف ـ
من حكم شرعي .
والذي يُحدِّد الحكم الشرعي للمكلَّف
في مثل هذه الحالة هو ما يُعبَّر عنه
بالاصل العملي أو بالدليل العملي ،
وهذا ما سيتمّ بحثه في هذا الباب إن
شاء الله تعالى .
القاعدة العمليَّة الاوليَّة في حالة
الشك
ذكرنا فيما سبق انّ الاصول العمليّة
لا يُلجأ اليها إلاّ حين افتقاد
الدليل المحرز أو إجماله ، إذ انَّ
موضوع الاصول العمليّة هو الشك في
الحكم الشرعي الواقعي ، وهذا الموضوع
لا يتنقَّح إلا حين فقدان الدليل
المحرز أو عدم امكان الإستفادة منه
بسبب إجماله .
وذكرنا أيضاً انّ الاصول العمليَّة
مترتّبة في المرجعيّة فالاصول التي
موضوعها الشكّ مع إضافة قيد زائد تكون
متقدّمة في مقام المرجعيّة على الاصول
الفاقدة لذلك القيد ، فالمبرِّر
لتقدُّم الإستصحاب مثلا على البراءة
العقليّة والاحتياط العقلي هو اشتمال
موضوعه على قيد زائد وهو اليقين
السابق .
ومن هنا يتّضح المراد من الاصل العملي
الاولي ، إذ المراد منه المرجع العام
حين فقدان الأدلّة المحرزة والاصول
العمليَّة ذات القيد الإضافي .
وبعبارة اخرى : الاصل العملي الأولي
هو الذي يكون موضوعه الشكّ أو قل عدم
العلم فحسب دون إضافة قيد زائد، وبهذا
يخرج الإستصحاب مثلا لأنَّ موضوعه
الشك المسبوق باليقين ، وتخرج أيضاً
قاعدة منجزيَّة العلم الاجمالي لانَّ
موضوعها الشكّ المقرون بالعلم
الإجمالي وهكذا .
والبحث في المقام يقع عن الاصل العملي
الاولي ، وهل انّه البراءة العقليَّة
أو هو الإحتياط العقلي ؟
فهنا اتّجاهان ، اتّجاه يبني على انَّ
الاصل العملي الاولي هو البراءة
العقليَّة والتي تعني انّ المكلَّف في
سعة من جهة التكاليف الإلزاميَّة
الواقعيَّة في حال عدم العلم بها .
ومبرِّر هذه الدعوى هو ما يحكم به
العقل من قبح العقاب بلا بيان ، وهذا
يقتضي انَّ حقَّ الطاعة للمولى جلَّ
وعلا مختص بحال العلم بالتكليف
الإلزامي ، فما لم يكن المكلَّف
عالماً بالتكليف فإنَّه ليس للمولى أن
يطالبه بامتثال ذلك التكليف ،
فالمكلّف في سعة من جهة ذلك التكليف
أي انّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان
تؤمن المكلّف من العقاب لو اتّفق
مخالفته للحكم الواقعي الإلزامي
المجهول ، وذلك لعدم اتِّساع دائرة
حقّ الطاعة للمولى لحالات الجهل
المجامع للظنّ أو الاحتمال .
الإتّجاه الثاني :
وهو الذي يبني على انّ الأصل العملي
الاولي هو الاحتياط والإشتغال العقلي
أي انّ المكلَّف ملزم عقلا بالاحتياط
في حالات الظنّ والإحتمال بالتكليف
الإلزامي وانّه لا يُعذر في ترك
التكليف الواقعي وإن كان ذلك التكليف
مجهولا ، إذ يكفي في منجِّزية التكليف
الواقعي احتماله أو الظنّ بوجوده ،
فالظنّ والاحتمال منجِّزان للتكليف
الواقعي عقلا ، نعم لا يكون المكلَّف
مسئولا عن التكليف الواقعي لو كان
يقطع بعدم وجود التكليف ، لأنَّ القطع
معذِّر بذاته ـ كما تقدّم ـ .
وهذا الإتّجاه هو المعبَّر عنه بمسلك
حقّ الطاعة ، وهو يعني اتِّساع دائرة
حقّ الطاعة لحالات الظنّ والاحتمال ،
فالمكلَّف لا يكون مسئولا عن التكاليف
المعلومة فحسب بل عنها وعن التكاليف
المحتملة والمظنونة ، نعم لو أذن
المولى في ترك التكاليف المظنونة
والمحتملة فإنّ المكلَّف حينئذ يكون
في سعة من جهتها ، إلاّ انَّ هذا لا
يعني عدم استحقاقه بل يعني التنازل عن
حقّه جلَّ وعلا .
وقد ذكرنا فيما سبق انّ منجزيَّة
التكاليف المظنونة والمحتملة معلّقة
على عدم الترخيص ، وهذا بخلاف
التكاليف المعلومة فإنّ الترخيص في
تركها يعني المنع عن حجيَّة القطع وقد
قلنا باستحالته .
وكيف كان فقد استدلَّ المحقّق
النائيني (رحمه الله) ـ كما يستفاد من
كلماته ـ على صحّة الإتّجاه الأوّل «
البراءة العقليَّة » بدليلين :
الدليل الأوّل : إنَّ التكليف
الإلزامي مادام مجهولا فلا مقتضي
للإنبعاث نحو امتثاله ، إذ الباعث نحو
امتثال التكليف انّما هو العلم بوجوده
، أمَّا وجوده في نفس الأمر والواقع
فلا يستوجب البعث والتحريك عيناً
كسائر الأخطار فإنَّها انََّّما توجب
الفرار والتجنّب عنها إذا كانت معلومة
، أمَّا اذا كان الخطر موجوداً إلاّ
انَّه غير معلوم فإنّه لا يكون حينئذ
دافع للإنسان نحو الفرار منه بل قد
يقع في الخطر عن محض اختيار بتوهُّم
صلاحه وفائدته ، وهذا ما يكشف عن انَّ
الوجود الواقعي للخطر ليس موجباً
للتحرُّك نحو الفرار عنه وانَّما
الموجب لذلك هو العلم به ، فلذلك ترى
الطفل يداعب الثعبان لعدم إدراكه
بخطورته وقد يفرُّ من الإنسان الوديع
ذو الوجه القبيح لتوهّمه بخطورته ،
وقد تجد الإنسان واقفاً لا يُحرِّك
ساكناً والذئب من ورائه وماذلك إلاّ
لعدم علمه بوجوده . كلُّ ذلك يُعبِّر
عن انّ الباعث والمحرِّك انّما هو
العلم وليس الوجود الواقعي ، واذا كان
كذلك فالتكليف لمّا كان مجهولا فلا
شيء يقتضي التحرُّك والإنبعاث نحو
امتثاله ، وإدانة المكلَّف بعد ذلك
على عدم الإنبعاث نحو امتثال التكليف
يكون قبيحاً بعد ان لم يكن هناك موجب
للتحرُّك والانبعاث .
فكما لا يلوم العقلاء من وقع ضحيّة
للذئب لغفلته أو جهله بوجوده ويرون
معاتبته والسخريّة منه قبحية فكذلك
المقام ، إذ لو اتّفق وقوعه في مخالفة
التكليف الواقعي فإنّه لا يكون مسئولا
عن ذلك التكليف لانّ جعل المسئوليّة
عليه رغم جهله قبيح بنظر العقلاء .
والجواب عن هذا الدليل :
انَّه لا نسلِّم انّ الباعث للمكلَّف
نحو امتثال التكليف هو العلم بوجود
تكليف مولوي إلزامي بل انّ ذلك مرتبط
بحدود حقّ الطاعة للمولى جلَّ وعلا ،
فلو كان حقّ الطاعة شاملا للتكاليف
المحتملة لكان الإحتمال وحده كافياً
في البعث نحو امتثال التكاليف
المحتملة .
وبعبارة اخرى : إنَّ الموجب للإنبعاث
نحو تحصيل مرادات المولى جلَّ وعلا
يتحدّد بتحديد دائرة حقّ الطاعة
للمولى فإذا ثبت انَّ دائرة حقّ
الطاعة للمولى تتّسع لتشمل التكاليف
المحتملة والمظنونة فإن مجرَّد الظن
والإحتمال بوجود التكليف يكون موجباً
للتحرُّك نحو الإمتثال والخروج عن
عهدة الحقّ المفروض عليه بحكم
عبوديّته للمولى جلَّ وعلا . إذن
لابدَّ أولا من تحديد دائرة حقّ
الطاعة للمولى جلَّ وعلا ، فادعاء
انَّ المكلَّف لا يكون مسئولا عن غير
التكاليف المعلومة يكون مصادرة على
الدعوى ، إذ انَّ ذلك هو محلُّ النزاع
والذي نطالب بالبرهان عليه ، فنحن
نبحث عن حدود حقّ الطاعة فإذا قلت انّ
المكلَّف مسئول عن التكاليف المعلومة
فحسب وانّه غير مسئول في حالات الظنّ
والإحتمال بالتكليف فهذا هو عين ما
نبحث عن دليله أي انّ هذا الدليل هو
عين الدعوى التي نبحث عن صحّتها أو
فسادها .
نعم لو قلت انَّنا قبل هذا الدليل
كنّا نبحث عن حدود حقّ الطاعة وبهذا
الدليل ثبت انّ حدودها مختصّ بحالات
العلم بالتكاليف ، إذ انّ العلم هو
الموجب الوحيد للإنبعاث نحو امتثال
تكاليف المولى جلَّ وعلا .
كان الجواب انّ ذلك ليس هو الموجب
الوحيد للتحرُّك والانبعاث ،
فالإحتمال والظنّ بالتكليف أيضاً
باعثان ومحرّكان للطاعة وإمتثال
التكاليف المولويّة ، وذلك لانّنا
ندّعي اتّساع حقّ الطاعة لحالات الظنّ
والاحتمال ، ومع التوجُّه لسعة حدود
حقّ الطاعة يكون ذلك موجباً لأنْ
يتحرَّك المكلَّف لغرض الخروج عن عهدة
الحقّ المفروض عليه .
والعقلاء لا يأبون ذلك ، فلو انّ
المولى العرفي قال لعبيده متى ما
احتملتم تعلُّق إرادتي بايجاد فعل
فإنّه يلزمكم الإتيان به فإنّه لو
عاقب المولى بعد ذلك عبيده في حال عدم
التحرُّك عن الاحتمال فإنَّه لا يكون
ملاماً من العقلاء ، وذلك لإدراكهم
بأنَّ الاحتمال صار موضوعاً لتنجُّز
الحق للمولى على عبيده .
الدليل الثاني : ـ على الاتجاه الاول
ـ هو انّ المتبانى العقلائي قاض بقبح
معاقبة السيّد عبيدة على مخالفة
أوامره في حال جهلهم بها ، فالعقلاء
لا يرون لهذا السيّد حقّاً في ان
تُمتثل أوامره ولا يرون له الحقّ في
معاقبة عبيده على ترك امتثال تلك
الاوامر . فلذلك تجد انّ السيرة
العقلائيّة جارية على عدم محاسبة
الجاهل للقوانين لو اتّفق مخالفته لها
ويستبشعون معاقبته على المخالفة .
والجواب عن هذا الدليل :
انّ السيرة العقلائيّة الجارية على
اختصاص حقّ الطاعة للمولى العرفي
بالأوامر المعلومة مسلَّم ولا إشكال
فيه إلاّ انّ هذا التحديد لحقّ
الطاعة للمولى العرفي انّما نشأ عن
الإعتبار العقلائي ، ولذلك تكون حدود
هذا الحقّ تابعة لحدود الإعتبار ، فلو
كان المُعتبر أوسع من هذه الدائرة
لكان ذلك يقتضي اتّساع حدود الحقّ ولو
كان أضيق لاقتضى ذلك ضيق دائرة الحقّ
. فضيق أوسعة دائرة حقّ الطاعة للمولى
العرفي تابع لاعتبار من له حقّ
الإعتبار وهم العقلاء مثلا أو من
يحترم العقلاء اعتباره ، فتبانيهم إذن
على انَّ الحقّ الثابت للمولى العرفي
مختصّ بحالات العلم نشأ عن ضيق دائرة
الاعتبار العقلائي .
والمقام ليس من هذا القبيل ، وذلك
لانّ حقّ الطاعة لله جلّ وعلا ليس
تابعاً للجعل والاعتبار العقلائي حتّى
تتحدّد بحدود الاعتبار العقلائي
وانّما هو مُدرك عقلي قطعي وليس
خاضعاً للجعل والاعتبار ، فالعقل
يُدرك انّ حقّ الطاعة للمولى من
اللوازم الذاتيّة لمولويَّة المولى
جلَّ وعلا ، فكما انّ النار تستلزم
بذاتها الحرارة فكذلك مولويَّة المولى
الحقيقي تستلزم استحقاقه للطاعة ، إذن
فباعتبار انَّ حقّ الطاعة من مدركات
العقل فلابدَّ أن يكون تحديد حقّ
الطاعة ـ وأنّها خاصّة بالتكاليف
المعلومة أو انّها تشمل التكاليف
المظنونة والمحتملة ـ من شئون المُدرك
العقلي . وإذا رجعنا الى عقولنا نجد
انَّ حدود حقّ الطاعة للمولى جلَّ
وعلا شاملة لحالات الظنّ والإحتمال
بالتكليف .
والمتحصّل ان مدركات العقل العملي
قاضية باتّساع حقّ الطاعة لمطلق
التكاليف الواصلة ولو بنحو الإحتمال ،
والشاهد على ذلك هو الوجدان .
وبهذا يثبت انّ الأصل العملي الأولي
هو الإحتياط العقلي أي تنجُّز
التكاليف الواصلة ولو بنحو الإحتمال
إلاّ انّ يتنازل المولى عن حقّه
فيرخِّص في ترك التكاليف المظنونة
والمحتملة .
القاعدة العمليّة الثانويّة في حال
الشكّ
قلنا فيما سبق انّ العقل يحكم بلزوم
الاحتياط في موارد الظنّ والاحتمال
بالتكليف وانّ ذلك هو الاصل العملي
الاولي .
وذكرنا أيضاً انَّ هذا الاصل وان كان
من مقتضيات حقّ الطاعة للمولى إلاّ
أنّ للمولى أن يتنازل عن هذا الحقّ
فيرخص في ترك التكاليف المنكشفة بنحو
الظنّ أو الاحتمال ، فعليهِ يكون
الاحتياط العقلي معلَّقاً على عدم
الترخيص الشرعي في حالات الظنّ
والإحتمال ، فلو جاء ما يدلُّ على
ترخيص المولى في ترك التكاليف
المظنونة والمحتملة فإنّ ذلك يكون
نافياً لموضوع الاحتياط العقلي ، إذ
انّ موضوعه هو الشكّ مع عدم الترخيص
فمع تحقّق الترخيص ينتفي لزوم
الاحتياط لإنتفاء موضوعه ـ وهو عدم
الترخيص ـ .
وبتعبير آخر : انّ لزوم الاحتياط
العقلي لمَّا كان مقيّداً بعدم
الترخيص الشرعي فهذا يقتضي انتفاء قيد
الاحتياط العقلي ، إذ انّ قيده هو عدم
الترخيص وفرض الكلام هو تحقّق الترخيص
.
وبهذا البيان يتّضح انّه لا مانع
ثبوتاً من الترخيص الشرعي في ترك
الاحتياط العقلي ، وانّما الكلام في
إثبات وجود ترخيص شرعي لترك الاحتياط
العقلي وانّ المولى قد وسَّع على
عباده تفضلا وأمَّنهم عقوبة المخالفة
لما يقتضيه الاحتياط العقلي .
ولهذا تصدَّى علماء الاصول للبحث عن
الأدلّة الاثباتيّة على الترخيص
الشرعي والمعبَّر عنه بالبراءة
الشرعية .
ويمكن تصنيف الأدلّة التي استُدلَّ
بها على البراءة الشرعيّة الى قسمين :
الأوّل : هو القرآن الكريم .
الثاني : هو السنّة الشريفة .
أمَّا الاستدلال بالقرآن الكريم :
فقد استُدلّ بمجموعة من الآيات :
منها : قوله سبحانه وتعالى : ] لا
يكلّف الله نفساً إلاّ ما آتاها
[()ولكي يتَّضح تقريب الإستدلال نذكر
تمام الآية الكريمة ] ليُنفق ذو سعة
من سعته ومن قُدر عليه رزقه فليُنفق
ممّا آتاه الله لا يكلّف الله نفساً
إلاّ ما آتاها سيجعل الله بعد عسر
يُسراً [() .
وتقريب الاستدلال بهذه الآية الكريمة
:
انّ الاسم الموصول في الآية الكريمة «
ما » له أربعة احتمالات والاحتمال
الثالث أو الرابع هو المطلوب إثباته
حتّى تكون الآية صالحة للإستدلال .
الاحتمال الأوّل : ان يكون المراد من
الاسم الموصول هو المال ، فيكون معنى
الآية بناءً على هذا الإحتمال انّه لا
يُكلِّف الله أحداً مالا « اي إنفاق
مال » إلاّ بالمقدار الذي يملكه امَّا
إذا لم يكن مالكاً للمال فلا تجب عليه
النفقة .
الاحتمال الثاني : ان يكون المراد من
الاسم الموصول هو الفعل ، فيكون معنى
الآية بناء على هذا الاحتمال هو انَّ
الله تعالى لا يكلِّف أحداً فعلا من
الافعال إلاّ أن يكون قد أقدره على
ذلك الفعل أي انَّ المكلَّف لا يسأل
عن امتثال فعل لا يُطيقه .
الإحتمال الثالث : أن يكون المراد من
الاسم الموصول هو التكليف فيكون معنى
الآية الكريمة ـ بناء على هذا
الاحتمال ـ هو انّ الله عزّ وجل لا
يسأل عن تكليف إلاّ أن يكون قد أوصله
الى المكلَّف أي : إلاّ أن يكون ذلك
التكليف معلوماً للمكلَّف ، وهذا يعني
عدم التكليف في ظرف عدم العلم ، ولو
كان هذا الإحتمال هو المتعيّن من
الآية الكريمة لكانت دالّة على
المطلوب ، إذ به تثبت عدم مسئوليّة
المكلَّف عن التكاليف غير المعلومة
وهو معنى البراءة الشرعيّة .
الإحتمال الرابع : هو أن يكون المراد
من الإسم الموصول هو الجامع بين هذه
الأمور الثلاثة ، فيكون التكليف بكلِّ
واحد من هذه الثلاثة بحسبه أي بما
يتناسب معه .
أمّا الإحتمال الاول فهو القدر
المتيقّن من الآية الكريمة ، وذلك
لأنَّ مساق الآية الكريمة هو النفقة
على الزوجة المطلَّقة مادامت في
العدّة ، وهذا ما يناسب أن يكون الإسم
الموصول « ما » هو المال ، وذلك
لاستبعاد أن يكون المورد غير مراد
ويكون غيره هو المراد .
وأمَّا الإحتمال الثاني والثالث فلا
يمكن أن يكون أحدهما أو كلاهما مراداً
بعينه بحيث لا يكون الإحتمال الأول
مراداً معهما ، وذلك لأنَّ الاحتمال
الأوّل هو مورد الآية الكريمة بقرينة
السياق ، كما انَّه لا قرينة على
تعيُّن أحد الاحتمالين الثاني والثالث
أو تعينهما معاً .
وأمّا الاحتمال الرابع ـ وهو أن يكون
المراد من الإسم الموصول هو الجامع
الشامل للمعاني الثلاثة ـ فهو
المستظهر من الآية الكريمة ، ومبرِّر
هذا الاستظهار هو الإطلاق وقرينة
الحكمة ، وذلك لانّ الظاهر من الآية
هو انّها في مقام تأسيس كبرى كليّة
مفادها انّ الله جلَّ وعلا لا يكلِّف
بتكليف إلاّ أن يكون ذلك التكليف قد
هيئ مبرِّرات امتثاله ، إذ مع عدم
وجود المال لا يتهيء للمكلَّف الإنفاق
ومع عدم القدرة لا يتهيء للمكلَّف
الإتيان بالمأمور به ومع عدم وصول
التكليف لا يكون هناك دافع للتحرُّك
نحو امتثاله .
فالآية الكريمة وان كان موردها النفقة
إلاّ ذلك لا يعني عدم إنعقاد الإطلاق
لها ، وذلك لعدم صلاحيّة المورد
للقرينيّة على الاختصاص ، إذ انّنا لا
نقول انَّ القدر المتيقّن في مقام
التخاطب صالحٌ لهدم الإطلاق أو عدم
إنعقاده .
فلو كان المولى مريداً لخصوص المال
لكان عليه أن يُبرز قرينة على ذلك ،
فعدم ذكر القرينة على إرادة خصوص
المال رغم انَّه في مقام البيان كاشف
عن عدم إرادة المال بالخصوص . وهذا ما
يُنتج الإطلاق ، وبهذا يثبت ـ وبمقتضى
الإطلاق انّ التكليف غير المعلوم لا
يسأل الله المكلَّف عنه وهذا هو معنى
البراءة الشرعيّة .
الإشكال على الإستدلال بالآية الكريمة
:
وقد أورد الشيخ الأنصاري (رحمه الله)
على هذا التقريب للإستدلال بما حاصله
:
إنّ إرادة المال من الاسم الموصول
تعني انّ الاسم الموصول « ما » مفعول
به للفعل المضارع « يكلّف » وهذا ما
يقتضي مغايرة الفعل « يكلّف » لمفعوله
« ما » ، وذلك لأنّ الفعل دائماً
يغاير ـ من حيث المادة ـ مفعوله ،
والتغاير في المادّة يقتضي التغاير في
المفهوم أي انّ مفهوم مادّة الفعل
تختلف دائماً عن مفهوم مادة المفعول
به ، وبهذا تكون نسبة الفعل لمفعوله
نسبة المغاير لمغايره ، فالنسبة بين «
الضرب » و « عمرو » في قولنا « ضرب
زيد عمرواً » هي نسبة المفهومين
المتباينين ، إذ انّ معنى الضرب من
« ضربَ » مباين لمعنى « عمرو » والذي
هو المفعول به .
وكذلك الكلام في المقام لو بنينا على
انّ الاسم الموصول هو « المال » ، إذ
العلاقة حينئذ تكون علاقة المفهومين
المتغايرين ، وذلك لانَّ « المال » في
الآية موقعه موقع المفعول به للفعل
المضارع « يكلِّف » .
ولو كان المراد من الاسم الموصول هو
التكليف لكان الاسم الموصول في موقع
المفعول المطلق للفعل « يكلِّف » هكذا
« لا يكلِّف الله إلاّ تكليفاً » وهذا
يقتضي أن تكون العلاقة بين الفعل
والاسم الموصول علاقة الحدث بحالة من
حالاته ، وذلك لانّ المفعول المطلق
دائماً يكون مسانخاً لفعله ، غايته
انّه يُضفي عليه توضيحاً قد لا ينفهم
من الفعل بمجرده ، فالمفعول المطلق
إمّا أن يؤكّد فعله أو يُبيِّن نوعه
أو يُحدِّد عدده ، ومن الواضح ان
تأكيد الفعل لا يُعبِّر إلاّ عن
اشتداد الحدث ، والاشتداد لا يُغاير
الحدث وانّما يكشف عن انَّ مرتبة
الحدث كانت شديدة ، فالاشتداد والضعف
في لحدث هما من سنخ الحدث وليسا شيئاً
عارضاً على الحدث ، فالحدث إمّا أن
يكون شديداً أو ضعيفاً ، ويمكن توضيح
ذلك بالمفاهيم المشكّكة فإنّ صدق
النور على الشمس كصدقه على المصباح
وإن كانا يتفاوتان شدّة وضعفاً .
« فالضرب » في قولنا « ضرب زيد عمرواً
» هو عينه « الضرب » في قولنا « ضربه
ضرباً » ، غايته انّ المفعول المطلق
في المثال الثاني كشف عن انّ مرتبة
الضرب كانت شديدة .
ولو كان المفعول المطلق مبيناً للنوع
فهذا أيضاً لا يُعبِّر عن التغاير بين
الفعل ومفعوله المطلق ، وذلك لأنَّ
بيان النوع بيان لواقع الحدث ، إذ انّ
صدق الحدث على أنواعه يكون بمستوىً
واحد . فالحدث بمثابة الجنس والذي هو
الحقيقة المشتركة الجامعة لتمام
أنواعها ، ولا يتفاوت صدق الجنس على
أنواعه ، فلا يكون النوع معنىً
مبايناً لجنسه بل هو مسانخ له تمام
التسانخ ، غايته انَّ لكلِّ نوع ما
يُميِّزه عن سائر الأنواع التي يشترك
معها في الانضواء تحت الجنس .
والمفعول المطلق يُبين أحد هذه
الأنواع والتي تعبِّر عن حالة من
حالات الجنس « الحدث » ، فحينما يُقال
« جلست جلسة زيد » فإنَّ المفعول
المطلق « جلسة » هو عين الحدث « جلستُ
» غايته انّ المفعول المطلق قد أضفى
على الحدث توضيحاً ـ وهو بيان نوعه ـ
وإلاّ فالحدث في واقعه لابدَّ أن يكون
متنوعاً بأحد أنواعه إذ لا يمكن أن
يُوجد الحدث إلاّ في إطار أحد أنواعه
، وعليه فيكون دور المفعول المطلق دور
الكاشف عن ذلك النوع الذي وقع الحدث
في إطاره .
وبهذا اتَّضح ان المفعول المطلق
المبين لنوع الحدث ليس شيئاً مغايراً
للحدث وانّما هو حالة من حالاته
فالجنس والذي هو الحدث يتحوَّل من حال
الى حال تبعاً لوقوعه في إطار أنواعه
.
ولو كان المفعول المطلق محدداً للعدد
فهذا أيضاً لا يقتضي التغاير بين
الفعل ومفعوله المطلق ، إذ انّ
المفعول المطلق حينئذ لا يقتضي أكثر
من ترامي الحدث واستمراره بمقدار
العدد ، فحينما يُقال « خطوت خطوتين »
فهذا يعني استمرار الحدث بمقدار
خطوتين ، فالمفعول المطلق هنا يُعبِّر
أيضاً عن حالة من حالات الحدث .
وبهذا البيان اتَّضح انَّ العلاقة بين
الفعل والمفعول به تختلف عن العلاقة
بين الفعل والمفعول المطلق ، وهذا
يعني عدم وجود جامع بينهما ، فإمَّا
أن يكون الاسم الموصول مفعولا به
للفعل « يكلِّف » وإمَّا أن يكون
مفعولا مطلقاً ويستحيل أن يكون المراد
هو الجامع بينهما لتباين علاقة كلّ
واحد بالفعل ، وإذا كانا متباينين فلا
يمكن أن يكون بينهما جامع ، وذلك لأنّ
مقتضى انّ المراد من الإسم الموصول
الجامع هو إرادة معنيين متباينين في
عرض واحد ، وذلك لانّ العلاقة بين
الفعل ومفعوله تباين العلاقة بين
الفعل ومفعوله المطلق ففي الوقت الذي
يكون المراد هو العلاقة الاولى يكون
المراد هو العلاقة الثانية ـ المباينة
للاولى ـ وهو مستحيل لاستحالة استعمال
اللفظ في معنيين متباينين في عرض واحد
، لأنّه يؤول الى وجود لحاظين
متباينين على ملحوظ واحد وهو مستحيل .
فمثلا لفظ العين يمكن استعماله وإرادة
العين الباصرة ويمكن استعماله
استعمالا آخر وإرادة العين الجارية ،
امّا أن نستعمله استعمالا واحداً
ونريد منه الباصرة والجارية فهذا
مستحيل ، لأنّ ذلك يقتضي أن تُلحظ
العين بلحاظين متباينين في عرض واحد ،
وذلك لانّه حينما يُستعمل لفظ في معنى
فإنَّه لابدَّ من تصوُّر المعنى أولا
وتصوُّر اللفظ الذي يُراد استعماله
لإفادة المعنى ، وحينما يكون الإنسان
متصوراً لذلك المعنى فإنَّ ذهنه لا
يمكن أن يكون مشتغلا بمعنىً آخر ، إذ
انّ صفحة الذهن تكون مشغولة بالمعنى
الاول ومن الواضح انّ المشغول لا
يُشغل إلاّ أن تخلو صفحة الذهن عن
المعنى الأوّل فإنّه بالامكان حينئذ
أن يحلَّ المعنى الثاني محلَّ المعنى
الاول ، وهذا يقتضي الترتُّب بينهما
وبهذا تثبت استحالة اجتماع معنيين في
صفحة الذهن في عرض واحد .
وإذا كان ذلك مستحيلا فإنّ إرادة
الجامع من الاسم الموصول يكون مستحيلا
، لانّه يؤول الى استعمال لفظ واحد
وإرادة معنيين متباينين .
ومنها : قوله تعالى ] وما كنَّا
معذّبين حتى نبعث رسولا [() .
تقريب الإستدلال بالآية الكريمة :
إنَّ الرسول في الآية الكريمة جيء به
للتعبير عن البيان ، إذ انَّ الرسول
مصداق لوسيلة الكشف عن الأحكام
الشرعيّة . وبهذا تكون الآية الكريمة
دالّة على نفي العقاب والإدانة في
حالة عدم البيان ، فمعنى انّ الله لا
يُعذِّب إلاّ في حالة بعث الرسول هو
انََّّ الله عزّ وجل لا يُعاقب على
ترك التكاليف الواقعيّة مالم يُبينها
، ومن الواضح انّه مع الجهل بالتكليف
الواقعي يكون ذلك التكليف غير
مُبيََّّن فيكون تركة حينئذ غير
مستتبع للعقاب ، وهذا هو معنى البراءة
الشرعيّة ، إذ انّها تؤمن من العقاب
على مخالفة التكليف الواقعي في ظرف
الجهل وعدم البيان .
والجواب على الإستدلال بالآية الكريمة
:
إنَّ صلاحيّة الآية الكريمة للدلالة
على البراءة الشرعيّة ينشأ عن كون
الرسول مثالا للبيان ، فيكون معنى
الآية ـ كما ذكرنا انّ الله لا
يُعذِّب على مخالفة تكليف غير مبيَّن
أما لو لم نسلِّم بأن عنوان الرسول
مثال للبيان وانَّما هو مثال لصدور
البيان فهنا لا تكون الآية دالّة على
البراءة الشرعيّة ، وذلك لانّ معنى
الآية بناءً على هذا الاحتمال هو انّ
الله لا يعذِّب أحداً إلاّ بعد صدور
البيان عنه جلَّ وعلا ، ومن الواضح
انّ صدور البيان لا يلازم وصوله وهذا
يعني سكوت الآية عن نفي العقاب في حال
عدم وصوله ، لانّها لمّا كانت متصدّية
لخصوص نفي العقاب في حال عدم صدور
البيان وقلنا بعدم الملازمة بين
الصدور والوصول ، فقد يصدر البيان ولا
يصل في هذه الحالة لا تكون الآية
مؤمنة عن العقاب ، إذ انَّها أمنت من
العقاب في حال عدم الصدور ، وهنا
الصدور متحقّق ـ كما هو المفترض ـ وإن
كان وصول البيان غير متحقّق .
والاحتمال الثاني هو المستظهر من
الآية الكريمة ، وذلك لانّ المناسب
لعنوان الرسول هو صدور البيان لا
وصوله ، إذ انَّ بعث الرسول لا يساوق
وصول الأحكام الإلهيَّة لكلّ أحد إلاّ
أنّه يساوق صدور الأحكام عن الله جلَّ
وعلا بواسطة الرسول .
وإذا كان المستظهر من الآية هو المعنى
الثاني فلا تكون صالحة لأنْ يُستدل
بها على البراءة الشرعية .
ومنها : قوله تعالى ] قل لا جد فيما
اوحي اليَّ محرماً على طاعم يطعمه
إلاّ أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو
لحم خنزير فإنّه رجس أو فسقاً أهل
لغير الله به فمن اضطُر غير باغ ولا
عاد فإنّ ربّك غفور رحيم [() .
وتقريب الإستدلال بالآية الكريمة :
انَّ الآية في مقام بيان ما يُحتج به
على اللذين يلتزمون بالتزامات يزعمون
انّها عن الله جلَّ وعلا ، فالآية
الكريمة تُرشد الى انّ الإحتجاج يكون
بهذا البيان وهو انَّ ما تزعمون انَّه
حرام شرعي لا نجد عليه دليلا من الوحي
الالهي . وهذا النحو من الاحتجاج
يُعبِّر عن أنَّ عدم وجدان ما يدلُّ
على الحرمة من الوحي الالهي يقتضي عدم
لزوم الإلتزام بالحرمة أي جواز إرتكاب
ما يُحتمل حرمته إذا لم يكن دليل من
الوحي الالهي .
وهذا هو معنى البراءة الشرعيّة التي
يكون موضوعها عدم وجدان الدليل على
التكليف الإلزامي .
والجواب عن الاستدلال بالآية الكريمة
:
انّ الآية الكريمة وإن كانت بصدد بيان
ما يُحتج به على من يلتزم بالتزامات
يزعم انّها عن الله جلَّ وعلا إلاّ
انَّ من الواضح انَّ هذا النحو من
الإحتجاج لا يصلح لأن يحتج به كلّ أحد
، لأنّه متقوم بالاطلاع التام على
الوحي الالهي ، وهذا لا يكون إلاّ
لمثل الرسول الكريم (صلى الله عليه
وآله وسلم) فهو الذي يتسطيع أن يقول
لم أجد فيما اوحي اليَّ ، وعدم وجدانه
لحرمة ما يزعمون انّه حرام يلازم عدم
وجود الحرمة .
ومن هنا يتّضح عدم صلاحيّة الآية
الكريمة للاستدلال بها على البراءة
الشرعيّة ، وذلك لانّ دلالتها على
البراءة متوقف على استظهار الملازمة
بين عدم وجدان ما يدلُّ على الحرمة
وعدم وجود الحرمة واقعاً أي عدم لزوم
الالتزام بحرمة لم يجد عليها دليل .
وهذا الاستظهار غير تام لعدم الملازمة
واقعاً بين عدم الوجدان وعدم الوجود ،
إذ لعلَّ الحرمة تكون موجودة ومع ذلك
لم يطّلع عليها المكلَّف .
وإذا لم تكن الملازمة تامة فلا سبيل
لإستظهار عدم لزوم الإلتزام بالحرمة
في حال عدم وجدان دليل على الحرمة .
ومنها : قوله تعالى ] وما كان الله
ليُضلّ قوماً بعد إذ هداهم حتى
يُبيِّن لهم ما يتّقون إن الله بكلِّ
شيء عليم [() .
وتقريب الإستدلال بالآية الكريمة :
انّه لا إشكال ولا ريب انّ نسبة
الإضلال الى الله جلَّ وعلا يستبطن
معنى العقوبة ، وإذا كان كذلك فنفيها
في حال عدم البيان يساوق نفي العقوبة
في حال عدم البيان ، ولمَّا كان
البيان في الآية الكريمة قد اضيف الى
المكلفين « يُبين لهم » فهذا يُعبِّر
عن انّ مساق الآية انّما هو البيان
الواصل .
وبتماميّة هذه المقدّمات الثلاث يتمّ
الاستدلال بالآية الكريمة على البراءة
الشرعيّة ، إذ يكون معنى الآية حينئذ
هو انَّ الله جلَّ وعلا لا يعاقب في
حال عدم إيصال البيان للمكلّفين ، وهو
معنى البراءة الشرعية .
وأمَّا الإستدلال بالسنّة الشريفة :
فقد استُدلّ بمجموعة من الروايات :
منها : ما روي عن الإمام الصادق (عليه
السلام) « كلُّ شيء مطلق حتى يرد فيه
نهي »() ، والذي يرتكز عليه الإستدلال
بالرواية الشريفة هو استظهار معنى
السعة وإطلاق العنان من قوله « كلُّ
شيء مطلق » ، واستظهار معنى الوصول من
قوله « حتى يرد » ، فلو كان المراد ـ
من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) «
كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه نهي » هو
انّ كلّ تكليف فهو غير ملزم مالم يصل
بيان من الشارع ينهى عن تركه أو ينهى
عن فعله ـ لكان الإستدلال بالرواية
الشريفة على البراءة الشرعيّة تامّ .
ويمكن دعوى ان هذا الإستظهار هو
المتعيّن من الرواية الشريفة ، وذلك
لانّه لا ريب انَّ معنى الإطلاق يقابل
التقييد والتضييق ، فدابَّة مطلقة أي
انّ لها حرية الحركة ولا يعوقها عن
الحركة عائق وذلك في مقابل الدابة
المقيّدة حيث لا يكون لها حريّة
التحرّك ، إذ انَّ القيد يمنعها عن
الحركة الاختيارية ، فكذلك المكلَّف
مطلق العنان فإنَّ له أن يفعل وله أن
لا يفعل ، وهذا يعني انَّه في سعة من
جهة القيام بالفعل أو عدم القيام
بالفعل .
وكذلك معنى الورود فإنّ المتفاهم
عرفاً من معنى الورود هو الوصول ،
فحينما يُقال وردت الإبل الماء أي
وصلت للماء . وبهذا تكون الرواية
دالّة على المطلوب .
والجواب عن الإستدلال بالرواية
الشريفة :
انَّه وان كنَّا نسلِّم بأن الإطلاق
يعني السعة وإطلاق العنان إلاّ انّنا
لا نسلِّم بكون المتعيّن من معنى
الورود هو الوصول ، إذ قد يُطلق
الورود ويُراد منه الصدور ، وبناء على
هذا الاحتمال لا تكون الرواية دالّة
على المطلوب ، وذلك لأنَّ الصدور أعمّ
من الوصول فقد يصدر التكليف من الشارع
إلاّ انّه لا يصل الى المكلَّف ،
والإطلاق انَّما عُلِّق ـ بناءً على
هذا الاحتمال ـ على الصدور فيكون مفاد
الرواية انّ المكلَّف مطلق العنان حال
عدم صدور التكليف ، ومن أين للمكلَّف
احراز عدم الصدور في حال عدم الوصول
بعد إن لم تكن هناك ملازمة بينهما .
فلو كان المتعيّن من الرواية هو
الاحتمال الثاني فهي ساقطة عن
الإستدلال بلا إشكال ، أما لو لم يكن
المعنى الثاني متعيّناً فلا أقلّ من
احتماله واحتمال المعنى الأول ، وبذلك
تكون الرواية مجملة ، فلا تصلح
للإستدلال .
ودعوى انّ المعنى الأوّل هو المتعين
وهو المستظهر من الرواية الشريفة ـ
وذلك لأنَّ الورود يستلزم معنى الوفود
والوصول ولا يأتي بمعنى الصدور الغير
المتحيِّث بحيثيّة الوصول ـ لا يُثبت
المطلوب ، وذلك لأنَّه لو سلّمنا بذلك
فهو لا يعني أكثر من وصول ووفود النهي
على شيء ، وهذا الشيء إمّا المكلَّف
وامَّا المنهي عنه .
ووصول النهي للمكلَّف هو الذي يُثبت
المطلوب « البراءة » إلاّ انّه غير
متعيّن لاحتمال إرادة الثاني وهو وصول
ووفود النهي على المنهي عنه والذي لا
يستلزم الوصول للمكلَّف .
ولمزيد من التوضيح نقول :
حينما يُقال « ورد النهي » فهنا وارد
ومورود ، فلو سلّمنا انّ الوارد بمعنى
الوافد والواصل إلاّ انّ ذلك وحده لا
يُثبت المطلوب ، والذي يُثبت المطلوب
هو كون المورود ـ أي الذي ورد ووصل
ووفد عليه النهي ـ هو المكلَّف ، إذ
به يكون معنى الرواية « كلّ فعل لم
يصل للمكلَّف فيه نهي فهو مطلق ،
أمَّا لو كان الورود هو متعلَّق النهي
ـ أي المنهي عنه ـ فإنّ الرواية حينئذ
لا تكون دالة على المطلوب ، إذ يكون
معنى الرواية على هذا الإحتمال هو «
كلّ فعل لم يصل له نهي ولم يفد عليه
نهي فهو مطلق . فشرب الماء لم يفد ولم
يصل له نهي ـ أي لم يجعل عليه نهي ـ
فهو إذن مطلق .
وهناك ما يوجب استظهار تعيُّن المعنى
الثاني من الرواية ، وذلك بقرينة عود
الضمير في الظرف « فيه » الى الشيء ،
وهذا ما يُناسب كون المورود عليه هو
المنهي عنه أي متعلَّق النهي .
فحينما يُقال وردت الحرمة في شرب
الخمر فهذا يعني انّ المورود عليه
الحرمة والنهي هو شرب الخمر ، فالورود
وإن كان بمعنى الوصول والوفود ولكنَّ
الواصل له والوافد عليه النهي هو
المنهي عنه أي مادة النهي في قولنا «
لا تشرب الخمر » .
فمادة النهي هنا هي شرب الخمر ،
والمورود عنه النهي هو الشارع المقدّس
، والوارد هو النهي نفسه .
وخلاصة الكلام انَّ المورود عليه هو
المنهي عنه أي مادة النهي والوارد هو
النهي والمورود عنه أي الذي ورد عنه
النهي هو الشارع المقدّس .
ومن الواضح انّه بناء على هذا
الإحتمال لا يكون للورود دلالة على
وصول النهي للمكلَّف ، إذ يكون معنى
الرواية هو انَّ كلّ شيء فهو مطلق
مالم يجعل الشارع عليه النهي ، أي
مالم يصدر عن الشارع فيه نهي ، وهذا
لا صلة له بوصول النهي للمكلَّف ،
ولمّا كان المستظهر من الرواية هو هذا
المعنى فلا يكون للرواية حينئذ دلالة
على المطلوب ، إذ المطلوب إثباته من
الرواية الشريفة هو ثبوت السعة وإطلاق
العنان حينما لا يصل النهي للمكلَّف ،
وهذا غير ظاهر من الرواية .
ومنها : حديث الرفع المروي عن النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم) « رفع عن
امّتي تسعة الخطأ ، والنسيان ، وما
اُكرهوا عليه ، وما لا يعلمون ، وما
لا يُطيقون ، وما اضطرّوا إليه ،
والحسد ، والطيرة ، والتفكُّر في
الوسوسة في الخلق مالم ينطق بشفة »()
.
وفقرة الإستدلال بالرواية الشريفة هي
قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) «
رُفع عن امتي ... ما لا يعلمون » .
وتماميّة الاستدلال بهذه الرواية
الشريفة على البراءة الشرعيّة يستوجب
استظهار انَّ الرفع في الرواية رفع
ظاهري وأنّ المرفوع هو مطلق ما لا
يعلمون ، إذ انّه لو كان الرفع
واقعياً لأنتج ذلك تقييد الأحكام
الشرعيّة بالعالم بها وهذا يعني
اختصاص الاحكام الشرعيّة بالعالمين
بها وهو شيء آخر غير البراءة الشرعيّة
.
ولو كان المرفوع هو الشبهات
الموضوعيّة فحسب أو الشبهات الحكميّة
فحسب فهذا يقتضي أن تكون الرواية أخصّ
من المدعى ، إذ انّ المدَّعى هو ثبوت
البراءة الشرعيّة في مطلق الشبهات
الأعمّ من الموضوعيّة والحكميّة .
ومن هنا سوف يكون البحث عن دلالة
الرواية الشريفة على البراءة الشرعيّة
في جهتين :
الجهة الاولى : في إثبات انَّ الرفع
في الرواية ظاهري :
إنّ الرفع في قوله (صلى الله عليه
وآله وسلم) « رفع ما لا يعلمون »
يحتمل أحد معنيين :
المعنى الأوّل : هو انّ الرفع جيء به
لغرض تقييد الأحكام الواقعيّة بالعلم
بها أي انّ كلّ الأحكام الصادرة
واقعاً عن الشارع مقيّدة بعلم
المكلَّف بها ، فما لم يكن المكلَّف
عالماً بالحكم الشرعي الواقعي فإنّه
ليس مكلفاً واقعاً بذلك الحكم لا أنّه
مكلَّف واقعاً بذلك الحكم إلاّ انّه
يكون معذوراً باعتبار جهله ، فحرمة
شرب الخمر مثلا ليست ثابتة لكلّ أحّد
ـ بناء على هذا الاحتمال ـ بل هي
مختصّة بمن يعلم بحرمة شرب الخمر امّا
من لا يعلم بالحرمة فإنَّ شرب الخمر
لا يكون عليه حرام ، فلو شربه لم يكن
مرتكباً للحرمة واقعاً لا انَّه ارتكب
الحرمة إلاّ انَّه معذور .
وبناء على هذا الإحتمال لا تكون
الرواية صالحة للدلالة على البراءة
الشرعيّة ، وذلك لانّ البراءة
الشرعيّة تعني نفي المسئوليّة عن
التكليف الواقعي في ظرف الشكّ وعدم
العلم بالحكم الواقعي فهي تفترض ثبوت
الحكم الواقعي على الجاهل إلاّ انّها
تنفي مسئوليّته عن ذلك الحكم أي تثبت
المعذوريّة للمكلَّف لو اتفق مخالفته
للحكم الواقعي الإلزامي . وهذا يعني
انَّ البراءة من الأحكام الظاهريّة
التي اُخذ في موضوعها الشك في الحكم
الواقعي في حين انَّ الرفع بناء على
هذا ليس حكماً ظاهرياً بل وهو تقييد
لإحكام الله الواقعيّة ، فهذا المعنى
وان كان يشترك مع البراءة الشرعيّة في
كون المكلَّف مطلق العنان في ظرف
الجهل بالحكم الشرعي الواقعي إلاّ
انّه يختلف عن البراءة الشرعيّة التي
يُراد إثباتها .
والجواب عن استظهار هذا المعنى من
الرواية :
هو انّه يلزم منه أخذ العلم بالحكم في
موضوع نفس ذلك الحكم أي يلزم منه
تقييد الحكم بالعلم به وهو مستحيل
للزومه الدور المحال كما بينا ذلك في
محلِّه .
فإن قلت : انَّ تقييد الحكم المجعول
بالعلم بالجعل ليس مستحيلا لعدم لزومه
الدور كما تقدّم بيان ذلك .
كان الجواب : انَّ تقييد الحكم
المجعول بالعلم بالجعل وان كان ممكناً
إلاّ أنّه غير ظاهر من الرواية ، وذلك
لأنَّ الظاهر من الرواية هو اتّحاد
المرفوع والمعلوم أي انّ المرفوع
بقوله « رفع » هو نفس غير المعلوم لا
انَّ المرفوع شيء وغير المعلوم شيء
آخر فقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)
« رفع ما لا يعلمون » ـ بناء على هذا
المعنى ـ معناه مثلا انَّ فعليّة
الحرمة غير المعلومة مرفوعة ،
فالمرفوع هو نفس فعليّة الحرمة الغير
المعلومة لا انّ المرفوع هو فعليّة
الحرمة في ظرف عدم العلم بجعل الحرمة
حتى يكون مئآل ذلك الى أخذ العلم
بالجعل في الحكم المجعول ، لأنّه إذا
كان عدم العلم بالجعل قيداً في رفع
الحكم المجعول فالعلم بالجعل يكون
قيداً لثبوت الحكم المجعول .
وببيان آخر : إنّ معنى قوله (صلى الله
عليه وآله وسلم) « رفع ما لا يعلمون »
معناه انّ الحكم غير المعلوم قد رفع
عن هذه الامّة ، وهذا يقتضي انَّ الذي
رفع هو نفس الحكم غير المعلوم ، فإذا
كان الحكم غير المعلوم هو فعليّة
الحرمة فالمرفوع هو فعليّة الحرمة في
حين انّ دعوى كون المرفوع هو الحكم
المجعول وغير المعلوم هو الجعل يقتضي
أن يكون المرفوع ليس هو عين الغير
المعلوم حيث انّ الجعل يعني الحكم
الإنشائي والمجعول يعني وصول الحكم
لمرحلة الفعليّة والأوّل غير الآخر
كما بينا ذلك في محلّه .
ومع استظهار اتّحاد الحكم المرفوع مع
الحكم غير المعلوم يسقط المعنى الأوّل
لاستلزامه للدور المحال ، إذ انّه
يقتضي أخذ العلم بالمجعول في موضوع
الحكم المجعول أي انّ فعليّة الحكم
منوطة بالعلم بالفعليّة ، وذلك لانّه
إذا كان عدم العلم بالحكم المجعول
قيداً في رفع الحكم المجعول فهذا يؤول
الى انّ العلم بالحكم المجعول اُخذ
قيداً في ثبوت الحكم المجعول .
وانَّما قلنا باستلزامه لأخذ العلم
بالحكم المجعول قيداً في الحكم
المجعول ولم نقل أخذ العلم بالجعل
قيداً في الجعل لأنَّ المناسب للرفع
هو الفعليّة والتي تقتضي التنجيز ،
أمَّا الحكم بمرتبة الجعل فلا يقتضي
التنجيز ، فلا يكون رفعه امتناناً على
الامّة .
المعنى الثاني : انَّ المراد من الرفع
هو نفي المسئوليّة عن المكلَّف تجاه
التكاليف الواقعيّة في ظرف الجهل بها
، فيكون الرفع بهذا المعنى رفعاً
ظاهرياً ، وتكون الرواية ـ بناء على
هذا المعنى ـ مثبتة للترخيص الظاهري
أي كلّ حكم واقعي إلزامي افتُرض جهل
المكلَّف به فهو في سعة من جهة ذلك
الحكم فلا يلزمه الاحتياط لغرض
التحفّظ على التكليف الواقعي المحتمل
، إذ انّ المولى ـ بناء على هذا
المعنى ـ قد رفع الاحتياط عن المكلَّف
وأمَّنه من العقاب لو اتّفق وقوعه في
مخالفة التكليف الواقعي ، وهذا بخلاف
مالو وضع عليه التكليف في ظرف الشك ،
فإنّ ذلك يقتضي الاحتياط الشرعي والذي
يعني ثبوت المسئوليّة على المكلَّف
تجاه التكاليف المشكوكة . وإذا كان
مسئولا عن التكاليف المشكوكة فإنّه لا
يخرج عن عهدة هذه التكاليف إلاّ
بواسطة الاحتياط ، لانَّه هو الذي
يُوجب العلم بالخروج عن عهدة التكليف
المشكوك .
وعلى أي حال فهذا المعنى للرفع هو
المتعيِّن من الرواية ، وذلك لاستحالة
المعنى الاول ، وبهذا تثبت الجهة
الاولى وهي استظهار الرفع الظاهري من
قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) « رفع
ما لا يعلمون » .
الجهة الثانية : إثبات انّ المرفوع هو
مطلق ما لا يعلمون .
وقبل البحث عن ذلك نقدم مقدّمة نُبيّن
فيها الفرق بين الشبهة الموضوعيّة
والشبهة الحكمية :
أمَّا الشبهة الموضوعيّة :
فهي عبارة عن الشكّ في الموضوع
الخارجي وانّه هو الموضوع للحكم
المعلوم أو لا ؟
فالشبهة الموضوعيّة يُفترض فيها العلم
بالحكم والعلم بالموضوع المجعول عليه
الحكم إلاّ انَّ الشك يقع في انّ هذا
الشيء الخارجي هل هو مصداق موضوع
الحكم المعلوم أو لا ؟
ونذكر لذلك مثالين مثالا للشبهة
الموضوعيّة التحريميّة ومثالا للشبهة
الموضوعيّة الوجوبيّة .
أمَّا مثال الشبهة الموضوعيّة
التحريميّة فهو مالو علم المكلَّف
بحرمة شرب الخمر ، فالحكم هنا معلوم
وهو الحرمة وعنوان الموضوع أيضاً
معلوم وهو « الخمر » .
وانّما الشك في المصداق الخارجي
لموضوع الحرمة فلو شكّ المكلَّف في
خمريّة سائل فهذا الشك هو المعبَّر
عنه بالشبهة الموضوعيّة التحريميّة ،
حيث انّ متعلّق الشك فيها هو مصداقيّة
هذا السائل لموضوع الحرمة .
وأمَّا مثال الشبهة الموضوعيّة
الوجوبيّة ، فهو مالو علم المكلَّف
بوجوب إكرام كل عالم وشكّ في مصداقيّة
زيد لموضوع الوجوب .
كما انَّ الجدير بالإشاره في المقام
هو انَّ الشبهات الموضوعيّة لا تختص
بموضوعات الحرمة والوجوب بل هي متصورة
في موضوعات سائر الأحكام ، كما لو علم
المكلَّف باستحباب التصدّق على الفقير
وشكّ في مصداقيّة زيد لعنوان الفقير ،
وكذلك لو علم المكلَّف بنجاسة الدم
المسفوح وشك في أنَّ الدم الواقع على
ثوبه هل هو من الدم المسفوح أو لا ؟
وهكذا .
وأمّا الشبهة الحكميّة :
وهي مالو كان متعلَّق الشك هو الحكم
كالوجوب والحرمة وكذلك سائر الأحكام .
فالمشكوك هو ثبوت حكم لموضوع أو عدم
ثبوته .
ونذكر لذلك مثالين مثالا للشبهة
الحكميّة الوجوبيّة ومثالا للشبهة
الحكميّة التحريميّة :
أمَّا مثال الشبهة الحكميّة الوجوبيّة
فهو مالو وقع الشك في وجوب صلاة
الجمعة أو عدم وجوبها ، فإنّ متعلَّق
الشك في المثال هو الحكم والذي هو
الوجوب .
وأمَّا مثال الشبهة الحكميّة
التحريميّة فهو مالو وقع الشك في حرمة
العصير العنبي أو عدم حرمته ، فإنّ
متعلَّق الشكّ هو الحكم والذي هو
الحرمة ، ومن هنا تكون الشبهة حكميّة
تحريميّة .
ومع اتّضاح الفرق بين الشبهات
الموضوعيّة والشبهات الحكميّة يقع
الكلام فيما هو المستظهر من قوله (صلى
الله عليه وآله وسلم) « رفع ما لا
يعلمون » وهل انَّ الرفع خاصّ
بالشبهات الموضوعيّة أو هو خاص
بالشبهات الحكميّة أو هو شامل لكلا
الشبهتين .
وبعبارة اخرى : هل انَّ مجرى البراءة
الشرعيّة بمقتضى هذا الرفع الظاهري
خاص بحالات الشك في الموضوع أو هو خاص
بحالات الشك في الحكم أو هو شامل لهما
معاً ؟
فالمحتملات في المقام ثلاثة :
الإحتمال الاول : وهو اختصاص الرفع
بموارد الشك في الموضوع أي بالشبهات
الموضوعيّة ، ويمكن استظهار هذا
الإحتمال من الرواية بقرينة وحدة
السياق .
وبيان ذلك : انّ قوله (صلى الله عليه
وآله وسلم) « ما لا يعلمون » وقع في
إطار فقرات متحدة من حيث التعبير عن
المرفوع فيها بالاسم الموصول « ما »
وهذا يُعبِّر عن اتّحاد معنى الاسم
الموصول في تمام الفقرات والتي منها
الاسم الموصول في قوله « ما لا يعلمون
» ، ولمَّا كان المعنى من الاسم
الموصول في سائر الفقرات هو الموضوع
الخارجي ناسب أن يكون المعنى من الاسم
الموصول في فقرة الإستدلال هو الموضوع
الخارجي أيضاً وإلاّ لاختلت وحدة
السياق بين الفقرات وهو خلاف الظاهر .
وبتعبير آخر : انّ المرفوع في سائر
الفقرات لا يمكن أن يكون إلاّ الموضوع
الخارجي ، وهذا بخلاف « ما لا يعلمون
» فإنَّه يمكن أن يكون المرفوع فيها
الحكم غير المعلوم إلاّ انّه لو كان
المرفوع هو الحكم لأوجب ذلك اختلال
السياق ، ومن هنا يتعيّن كون المراد
من المرفوع في فقرة الاستدلال هو
الموضوع الخارجي ، إذ به تكون وحدة
السياق منحفظة .
وأمَّا انّه كيف تعيَّن كون المرفوع
في سائر الفقرات هو الموضوع الخارجي
فهذا ما يتّضح بالتأمّل ، إذ انَّ رفع
ما اُكرهو عليه لا يمكن أن يكون الحكم
فلا يكون المراد من « رفع ما اكرهوا
عليه » هو الحكم الذي اكرهوا عليه أو
يكون المراد من رفع ما اضطرّوا اليه
هو رفع الحكم الذي اضطروا اليه ، إذ
لا معنى لاضطرار المكلَّف للحرمة أو
اضطراره للوجوب ، إذ الوجوب والحرمة
ليسا من شئون المكلَّف حتى يكون
مضطراً اليهما في بعض الحالات
ومختاراً لهما في حالات اخرى ، نعم هو
يضطرّ الى الأفعال التي ثبت لها
الحرمة فهو يضطرّ لأكل الميتة ، وكذلك
الكلام فيما « اكرهوا عليه » فهو
انّما يُكره على الفعل الخارجي كالزنا
مثلا أو شرب الخمر وهكذا الكلام فيما
لا يُطيقون فهو لا يُطيق الصوم أو لا
يُطيق النفقة على الزوجة لا انّه لا
يُطيق وجوب الصوم أو وجوب النفقة ، إذ
انَّ ذلك ليس من شئونه كما هو واضح .
ومن هنا يتّضح تعيُّن الاسم الموصول
في سائر فقرات الرواية في الموضوع
الخارجي وبوحدة السياق يُستظهر إرادة
الموضوع الخارجي في فقرة « ما لا
يعلمون » فيكون المرفوع هو موضوع
الحرمة غير المعلوم فالسائل الخمري
المجهولة خمريّته قد رفعت عنه الحرمة
.
وبهذا لا يكون الرفع شاملا لموارد
الشبهات الحكميّة والتي يكون متعلَّق
الشكّ فيها هو أصل الحكم .
والجواب عن استظهار هذا الإحتمال :
إنّ إرادة الشبهات الحكميّة من الاسم
الموصول في فقرة « ما لا يعلمون » أو
إرادة الأعم منها ومن الشبهات
الموضوعيّة لا يُوجب اختلال وحدة
السياق لو كانت الإرادة الاستعماليّة
للاسم الموصول هو المعنى المبهم كمعنى
الشيء ، فلو كان المراد من الاسم
الموصول في قوله (صلى الله عليه وآله
وسلم) « رفع ما اكرهوا عليه ورفع ما
لا يعلمون » هو الشيء لكان وزان هاتين
الفقرتين هو « رفع الشيء المكره عليه
ورفع الشيء الغير المعلوم » فتكون
وحدة السياق منحفظة ، إذ انّ المعنى
من الاسم الموصول في كلا الفقرتين
واحد وهو « الشيء » ، غايته انّ مصداق
معنى الشيء أو قل مصداق الاسم الموصول
يتفاوت باعتبار ما يتعلَّق به ،
فحينما يقال رأيت شيئاً فإنّ المناسب
لمعنى الشيء ـ باعتبار تعلُّقه
بالرؤية هو أن يكون مصداقه من الأمور
المرئيّة إلاّ أنّ ذلك لا يعني أن
الشيء الذي استعمل في هذه الجملة
يختلف عن معنى الشيء في جملة « حدث لي
شيء » ، نعم مصداق الشيء في الجملة
الاولى يختلف عن مصداق الشيء في
الجملة الثانية ، وهذا لا يوجب
تفاوتاً في معنى الشيء في الجملتين .
وبهذا يتّضح انّ معنى الاسم الموصول
في تمام الفقرات واحد والتفاوت انَّما
هو في المصاديق وهذا لا يوجب اختلالا
في وحدة السياق لأنّ الذي يوجب
الاختلال هو أن يكون المراد
الاستعمالي للاسم الموصول في أحّد
الفقرات مختلفاً عن المراد الاستعمالي
في سائر الفقرات .
وقلنا الإرادة الاستعماليّة ولم نقل
الإرادة الجديّة لأنّ الموجب لكون
الاستعمال حقيقيّاً أو مجازياً هو
الإرادة الاستعمالية والتي هي الدلالة
التصديقيّة الاولى ، فإذا كان المدلول
التصديقي الاول للاسم الموصول واحداً
في تمام الفقرات فهذا يكفي لتحقّق
وحدة السياق حتى وإن كان المراد
الجدِّي من الاسم الموصول في أحّد
الفقرات مغايراً لما هو المراد
الجدِّي في سائر الفقرات ، فإنّ ذلك
لا يوجب اختلال وحدة السياق بعد إن
كان الاسم الموصول قد استعمل في تمام
الفقرات في معنى واحد .
الاحتمال الثاني : هو اختصاص الرفع
بموارد الشك في الحكم أي بالشبهات
الحكميّة ، ويمكن استظهار ذلك بهذا
البيان :
وهو انّ لمرفوع في قوله (صلى الله
عليه وآله وسلم) « رفع ما لا يعلمون »
هو الاسم الموصول المتّصف بعدم العلم
، فلو كان الاسم الموصول هو الموضوع
لما كان متّصفاً بعدم العلم لانّ
الموضوع الخارجي يكون معلوماً فالسائل
الخارجي يكون معلوماً ومشخصاً ، غايته
انّنا نشك في اتّصافه بالخمرية أو عدم
اتّصافه ، وبهذا لا يكون الاسم
الموصول ـ لو كان هو الموضوع الخارجي
ـ مجهولا وغير معلوم بنفسه ، وعليه لا
يمكن وصف الموضوع الخارجي بعدم العلم
، فلابدَّ إذن من أن يكون الاسم
الموصول مجهولا بنفسه حتى يمكن
اتّصافه بعدم العلم ، وهذا انَّما
يُناسب الحكم ، إذ انّه يمكن أن يكون
مجهولا فلا تكون هويّة الحكم معلومة ،
وبهذا يتعيّن كون المراد من الاسم
الموصول هو الحكم الغير المعلوم
فيختصّ الرفع بالشبهات الحكميّة .
وبعبارة اخرى : انّ المعنى الذي
استعمل لفظ الاسم الموصول لغرض
الدلالة عليه هو معنى متّصف بعدم
العلم أي انّ مدلول الاسم الموصول هو
الشيء غير المعلوم ، وهذا يقتضي أنْ
لا يكون الموضوع الخارجي مدلولا للاسم
الموصول ، إذ الشك في الموضوع الخارجي
لا يكون إلاّ من جهة مصداقيّته
للموضوع المجعول عليه الحكم فهو بنفسه
مشخص ولا شكّ فيه ، ومن هنا يكون وصف
الموضوع الخارجي بأنّه غير معلوم لا
يكون إلاّ بنحو العناية والتجوُّز .
فلو كنا مثلا نعرف زيداً وانّه ابن
بكر إلاّ انّنا نشك في عدالته ، فإنّ
وصفه في مثل هذه الحالة بأنّه غير
معلوم ليس صحيحاً ، وذلك لكون زيد
معلوماً ومشخصاً عندنا ، غايته انّنا
لا نعلم بكونه مصداقاً لعنوان العدالة
إلاّ انّ هذا لا يُصحّح وصفه بغير
المعلوم إلاّ بنحو التجوُّز وهو محتاج
الى قرينة .
وبهذا يتّضح انّ وصف الموضوع الخارجي
بغير المعلوم لا يكون مدلولا للاسم
الموصول وانَّما هو مدلول للقرينة
المفقودة في المقام ومدلول الاسم
الموصول هو غير المعلوم حقيقة ،
فعليهِ لو كان المراد منه الموضوع
الخارجي لكان ذلك خلاف الظاهر . وذلك
لانّ الظاهر من الاسم الموصول في
الرواية هو الشيء المتّصف بغير
المعلوم حقيقة وواقعاً وهذا ما يُناسب
الحكم المجهول في نفسه .
وبهذا يثبت اختصاص الرفع بالشبهات
الحكميّة .
والجواب عن استظهار هذا الاحتمال :
أولا : أنّه لو جعلنا مدلول الاسم
الموصول هو عنوان الخمريّة للمائع
مثلا أو عنوان العدالة لزيد لكان
اتّصاف هذا العنوان بغير المعلوم
حقيقيّاً وليس فيه أيُ عناية وتجوُّز
فلا فرق بين عنوان الخمر في المثال
وبين الحكم في انّ كلا منهما غير
معلوم حقيقة ، فتكون دلالة الاسم
الموصول عليهما بنحو واحد ، إذ انّ
مدلول الاسم الموصول هو الشيء غير
المعلوم وعنوان الخمريّه لهذا المائع
شيء غير معلوم واقعاً وبهذا يكون
مستفاداً من حاق لفظ الاسم الموصول .
وأمَّا كيف انّ عنوان الخمريَّة غير
معلوم حقيقة فذلك إذا ما جعلنا
متعلَّق الشك هو خمريّة المائع ،
فالمشكوك هو الخمريّة وليس المائع حتى
يكون اتّصافه بالشك وعدم العلم
مجازياً .
وبتعبير أوضح : تارة نصف المائع
الخارجي بأنّه غير معلوم ، وهذا
الإتّصاف لا إشكال في مجازيته ، إذ
انَّ المائع الخارجي معلوم في نفسه
والشك انَّما هو في مصداقيته لعنوان
الخمر ، ولذلك لا يمكن أن يكون المائع
الخارجي مدلولا للاسم الموصول ، إذ
انّ مدلول الاسم الموصول هو غير
المعلوم حقيقة ، فلو كان المراد منه
هو المائع الخارجي لما امكن التعرُّف
على المراد بواسطة لفظ الاسم الموصول
بل لابدَّ من نصب قرينة على ذلك
المراد .
وتارة نصف خمريّة المائع بغير المعلوم
فيكون الوصف حقيقياً ، إذ الموصوف
بغير المعلوم هو الخمريّة ، والخمريّة
للمائع غير معلومة ، نعم المائع معلوم
إلاّ انّ المائع ليس هو الموصوف في
هذا الفرض .
وكذلك الكلام في عنوان العدالة لزيد ،
فإنّ وصف عدالة زيد بأنها غير معلومة
ليس فيه تجوُّز بل هو اسناد حقيقي ،
فحينما نقول عدالة زيد غير معلومة لا
يكون في هذا الاسناد أيُّ تسامح ، نعم
لو قلنا زيد غير معلوم لكان هذا
الاسناد مجازيَّاً .
وبهذا تندفع دعوى تعيُّن الاسم
الموصول في الحكم باعتباره هو غير
المعلوم حقيقة ، إذ ان اسناد ووصف
عنوان الموضوع الخارجي بغير المعلوم
حقيقي ، وبهذا يصلح أن يكون مدلولا
للاسم الموصول .
ثانياً : يمكن تحويل الشك في الموضوع
الى الشك في الحكم ، وذلك لأنّ
المكلَّف حينما يشك في الموضوع فإنّه
يشكّ واقعاً في فعليّة الحكم ، إذ انّ
فعليّة الأحكام تابعة لتنقُّح
موضوعاتها ، فإذا كان موضوع الحكم
محرز العدم فإنَّه لا شك في فعليّة
الحكم بل هناك قطع بعدم الفعليّة
للحكم ، أمَّا لو وقع الشك في أنَّ
الموضوع الخارجي هل هو موضوع الحكم أو
لا ؟ فإنَّ ذلك يُساوق الشك في فعليّة
الحكم .
فلو وقع الشكّ في انَّ هذا المائع
الخارجي خمر أو لا فإنَّ ذلك يعني
الشك في فعليّة الحرمة للخمر .
ومن هنا لو ادُّعي اختصاص الإسم
الموصول بالشك في الحكم فإنّ ذلك يكون
شاملا للشبهات الموضوعيّة إذ انَّ
الشك سواء كان في الشبهات الحكميّة أو
الموضوعيّة انّما هو شك في فعليّة
الحكم على المكلَّف .
الإحتمال الثالث : شمول الرفع لموارد
الشك في الحكم والشك في الموضوع أي
انّ المرفوع بحديث الرفع هو الأعم من
الشبهات الحكميّة والشبهات الموضوعيّة
.
واستظهار هذا الإحتمال يستوجب تصوير
جامع بين الشبهة في الموضوع والشبهة
في الحكم ويكون ذلك الجامع صالحاً
لأنْ يكون مدلولا للاسم الموصول .
ومن هنا فقد ذكر للجامع تصويران :
التصوير الأوّل للجامع : هو دعوى انَّ
مدلول الاسم الموصول هو معنى الشيء ،
فيكون الاسم الموصول ـ بناء على هذا
التصوير صادقاً على التكليف المشكوك
والموضوع المشكوك ، إذ انّ كلا منهما
مصداق لمعنى الشيء .
الإشكال على هذا التصوير :
هو انَّه يلزم منه الجمع بين اسنادين
متباينين في استعمال واحد ، وهو في
الإستحالة كاستعمال لفظ واحد في
معنيين متباينين ، فكما أنّ الثاني
يلزم منه اجتماع لحاظين متباينين على
ملحوظ واحد كذلك الأوّل .
وبيان ذلك :
انَّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)
« رفع ما لا يعلمون » اسند الرفع فيه
للاسم الموصول ، فهنا مسند ومسند اليه
، فالمسند هو الفعل المبني للمفعول
« المجهول » والمسند اليه هو الاسم
الموصول وأمَّا الإسناد فهي نسبة
الرفع الى ما لا يعلمون .
والإسناد تارة يكون حقيقياً واخرى
يكون مجازياً :
امَّا الإسناد الحقيقي : فهو ما كان
المسند فيه منتسباً الى المسند اليه
حقيقة أي بلا واسطة مصححة للإسناد
والانتساب ، كإسناد الفعل المبني
للفاعل الى من صدر عنه الفعل حقيقة أو
اسناد الفعل المبني للمفعول الى من
وقع عليه الفعل حقيقة .
فالاول : كقوله تعالى ] الله يتوفى
الأنفس حين موتها [() فالفعل « يتوفّى
» قد اسند الى فاعله الحقيقي وهو الله
جلَّ وعلا ، إذ هو سبحانه الذي صدر
عنه التوفي حقيقة .
والثاني : كقوله تعالى ] واذا قُرئ
القرآن فاستمعوا له [() فالفعل المبني
للمفعول قد اُسند الى من وقع عليه
الفعل حقيقة وهو القرآن ، إذ انَّ
انتساب المقروئيّة الى القرآن حقيقي .
وأمّا الاسناد المجازي : فهو ما يكون
فيه المسند منتسباً الى المسند اليه
بواسطة مصحّحة للإسناد وإلاّ فهو
بنفسه لا يصلح لأن ينتسب الى المسند
اليه بهذا النحو من الإنتساب .
ومثاله قول ابي الطيّب المتنبِّي :
ربما تُحسنُ الصنيع لياليه***ولكن
تكدِّرُ الإحسانا
فهنا أسند الشاعر الفعل « تحسن » الى
الليالي « المسند اليه » ، والمصحّح
لهذا الإسناد هو علاقة الظرفيّة أي
باعتبار انّ الليالي وقعت ظرفاً
لإحسان المحسن الحقيقي صحّح ذلك إسناد
الفعل اليها .
وبهذا يتّضح انَّ الإسناد الحقيقي
مباين للإسناد المجازي ، وإذا كان
كذلك فلابدَّ أن يكون اسناد الرفع الى
ما لا يعلمون إمَّا اسناد حقيقي أو
اسناد مجازي ، ودعوى انَّ الرفع مسند
الى الحكم والى الموضوع يقتضي أن يكون
الإسناد حقيقياً ومجازياً فهو حقيقي
بالنسبة الى الحكم ومجازي بالنسبة الى
الموضوع .
وبيان ذلك : انَّه حينما يُدعى انَّ
المراد من الاسم الموصول ـ والذي هو
المسند اليه في الرواية ـ هو معنى
الشيء القابل للصدق على الحكم
والموضوع فهذا يقتضي أن يكون المراد
من الاسم الموصول هو الحكم وهو
الموضوع وهذا لا محذور فيه لو كان
إسناد الرفع للحكم كإسناد الرفع
للموضوع أي بحيث يكون كلا الإسنادين
حقيقيّاً أو مجازياً ، كما لو قلنا
جاء القوم أي جاء زيد وبكر وخالد ،
فإنَّ إسناد المجيء الى الجامع «
القوم » لا إشكال فيه باعتبار انّ
إسناد المجيء الى جميع أفراد الجامع
حقيقي .
أمَّا لو كان إسناد الفعل مثلا الى
بعض أفراد الجامع حقيقيّاً والإسناد
الى البعض الآخر مجازي فهو غير ممكن ،
كما لو قيل « سافر الصحب » وكان
المراد من اسناد السفر الى بعض
الأصحاب حقيقياً بأن كانوا قد سافروا
حقيقة إلاّ انَّ إسناد السفر الى
البعض الآخر مجازي كأنْ كان المقصود
من سفرهم موتهم . فهذا مستحيل
لاستلزامه اجتماع لحاظين متباينين في
آن واحد ـ وهما لحاظ إسناد الفعل مثلا
الى ما هو له ولحاظ اسناد الفعل الى
غير ماهو له ـ على ملحوظ واحد وهي
الجملة المستعملة لغرض إفادة الإسناد
.
والمقام من هذا القبيل ، إذ انّ دعوى
كون المدلول للاسم الموصول هو « الشيء
» الجامع بين الحكم والموضوع يؤول الى
اسناد الرفع الى الحكم والى الموضوع
في عرض واحد وهو غير ممكن لأنَّ اسناد
الرفع الى الحكم حقيقي لقابليّته لأنْ
يُرفع حقيقة أي انّ اسناد الرفع اليه
لا يحتاج الى مصحِّح وواسطة .
وباعتبار انّ الحكم شرعي فإنَّ للمولى
أن يرفعه كما له أن يضعه .
وأمَّا اسناد الرفع الى الموضوع
فمجازي ، وذلك لانّ صحّة إسناد الرفع
الى الموضوع لا يكون إلاّ بواسطة
الحكم .
فحينما يقال رفع السائل المشكوك
الخمريّة فإنَّ هذا الإسناد يكون
مجازياً باعتبار انَّ الرفع فيه قد
اُسند الى غير ماهو له أي انَّ الرفع
لم يُسند الى السائل حقيقة كما هو
واضح ، نعم المصحّح لإسناد الرفع الى
السائل هو الحرمة مثلا ، فكأنّه قال «
رُفعت الحرمة عن السائل المشكوك
الخمريّة » .
وبهذا لا يصلح أن يكون معنى الشيء هو
الجامع المدلول للاسم الموصول .
الجواب عن هذا الإيراد :
والجواب انَّ اسناد الرفع لكلٍّ من
الحكم والموضوع مجازي ، وذلك لأنَّ
الحكم المرفوع انَّما هو الحكم
الظاهري وليس الحكم الواقعي كا اتّضح
ذلك من بحث الجهة الاولى .
وإذا كان المرفوع هو الحكم الظاهري
فإسناد الرفع الى الحكم مجازي ، وذلك
لانّ الحكم يظلُّ ثابتاً على المكلّف
في ظرف الجهل وعدم العلم ، إذ انَّ
احكام الله مشتركة بين العالم والجاهل
، فالمرفوع عن المكلَّف انَّما هو
المسئوليّة تجاه ذلك الحكم وليس الحكم
نفسه .
وبهذا يكون إسناد الرفع الى الحكم
مجازي ، وإذا كان كذلك فلا يلزم من
اسناد الرفع الى الجامع الجمع بين
إسنادين متباينين في استعمال واحد .
التصوير الثاني للجامع : هو دعوى انّ
مدلول الإسم الموصول هو الحكم المجعول
أي انّ المرفوع هو فعليّة الحكم من
غير فرق بين أن يكون الشك في فعليّة
الحكم ناشئاً عن الشك في أصل الجعل أي
في وجود
حكم أو عدم وجوده أو يكون ناشئاً عن
الشكّ في مصداقيّة الموضوع الخارجي
لموضوع الحكم المعلوم جعله .
وببيان آخر : انَّ الشك في الحرمة
للعصير العنبي مثلا قد يكون ناشئاً عن
عدم العلم بثبوت حرمة شرعيّة للعصير
العنبي وهذه شبهة حكمية ، وقد يكون
الشك في فعليّة الحرمة للعصير العنبي
ناشئاً عن الشك في كون هذا السائل
مصداقاً للعصير العنبي المعلوم الحرمة
أو لا وهذه شبهة موضوعيّة .
والمرفوع في حديث الرفع هو فعليّة
الحكم في ظرف الشك بقطع النظر عن منشأ
الشك في الفعليّة للحكم .
وإذا كان هذا التصوير للجامع ممكناً
فإنَّه يمكن إثبات إرادته بواسطة
الإطلاق ، وذلك لأنَّ إثبات الإطلاق
متوقف على قابلية الموضوع لأنْ يعرض
عليه الإطلاق كما بينا ذلك في محله .
وأمَّا كيفيّة إثبات إرادة هذا بواسطة
الإطلاق فتقريبه :
انَّ مدلول الاسم الموصول لمَّا كان
يقبل الإطلاق والتقييد ـ باعتبار انَّ
مدلوله هو فعلية الحكم ـ فهذا يقتضي
ذكر ما يدلُّ على التقييد لو كان
مراداً ، فعدم ذكر القيد مع انَّ
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في
مقام بيان ما يُرفع عن المكلَّف في
ظرف عدم العلم كاشف عن عدم إرادته
للتقييد وإلاّ كان ناقضاً لغرضه .
وبهذا يثبت الإطلاق وأنّ المرفوع هو
مطلق الحكم المجعول بقطع النظر عن
منشئه .
ومع تماميّة الإطلاق تثبت البراءة
الشرعيّة النافية للمسئوليّة عن
المكلَّف في الشبهات الحكميّة
والشبهات الموضوعيّة .
ومنها : رواية زكريا ابن يحيى عن أبي
عبد الله (عليه السلام) انّه قال : «
ما
حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع
عنهم »() .
وتقريب الاستدلال بهذه الرواية
الشريفة :
هو انّ تعدية الوضع لمعموله « بعن »
يعطي نفس المعنى المُفاد من كلمة
الرفع المتعدية لمعمولها « بعن » ،
فلا فرق بين ان يُقال رُفع عن
المكلَّف أو يُقال وُضع عن المكلَّف .
وباعتبار انّ الوضع في الرواية قد
تعدَّى لمعموله « بعن » فإن تقريب
الإستدلال بها على البراءة الشرعيّة
يكون بنفس التقريب المذكور في حديث
الرفع .
الاشكال على تقريب الإستدلال :
وقد اُورد على تقريب الإستدلال بهذه
الرواية بإيرادين :
الإيراد الأوّل :
إنَّ ظاهر الرواية هو انّ الأحكام
الموضوعة عن المكلَّفين هو ما كان
خفاؤها ناشئاً عن تعمُّد الشارع
لإخفائها ، وذلك لإسناد الحجب الى
الله جلَّ وعلا ، فعليه لا تكون
الرواية شاملة للأحكام التي نشأ عدم
العلم بها عن ضياع النصوص مثلا أو
التدليس فيها بحيث يخفى معه الواقع أو
نشأ عن إخفاء من له مصلحة في الإخفاء
وكانت الأسباب تجري على وفق إرادته ،
فتكون الرواية أخصّ من المدعى ، إذ
انَّ المدعى هو جريان البراءة
الشرعيّة عند عدم العلم مطلقاً بقطع
النظر عمَّا هو المنشأ لعدم العلم .
والجواب عن هذا الإيراد :
إنّ نسبة الحجب الى الله تعالى لا
ينافي انتساب الحجب أيضاً الى تطاول
الزمن وضياع النصوص وتدخُّل أصحاب
النفوس الشرِّيرة في إخفاء ما ينافي
أغراضهم وطموحاتهم ، فإنَّ كلّ مافي
الكون من خطير وحقير فهو من تدبير
الله جلَّ وعلا وخاضع لقيُّوميّته
تعالى ، فانتساب كلّ شيء في هذا الكون
الى الله سبحانه وتعالى لا يكون فيه
أيُّ عناية وتجوُّز حتى يكون المستظهر
خلافه ، فحينما يُقال حجب الله علمه
عن العباد فإنَّ هذا الإسناد كما يصدق
على الحجب الناشئ عن الله تعالى بلا
واسطة يصدق كذلك على الحجب الناشئ عن
الاسباب الطبيعيّة كتطاول الزمن وضياع
النصوص .
وبهذا لا يكون إسناد الحجب الى الله
تعالى دالا على اختصاص الرواية
بالأحكام التي نشأ عدم العلم بها عن
الله تعالى بلا واسطة ، وذلك لأنَّ
إسناد الحجب الى لله تعالى باعتباره
القيُّوم والمدبِّر لشئون الكون كلّه
، نعم لو اُسند الحجب الى الشارع أي
الى الله تعالى باعتباره المشرِّع
لكان لهذا الإيراد وجه .
الإيراد الثاني :
إنَّ ظاهر الرواية هو انَّ الأحكام
الموضوعة عن العباد هي الأحكام
المحجوبة عن كلِّ العباد بحيث لا يكون
خفاء هذه الأحكام مختص بمكلَّف دون
آخر ، فموضوع الوضع ونفي المسئوليّة
هو مجموع العباد ، فلو اتّفق انَّ
حكماً من الأحكام لم يكن معلوماً
لكلِّ أحد من خلق الله جلَّ وعلا
فإنَّ هذا الحكم هو الموضوع عن العباد
وهو الحكم الذي لا يسأل الله عباده
عنه ، أمَّا الأحكام التي تكون معلومة
لبعض المكلّفين ومجهولة لآخرين فغير
مشمولة لموضوع القضيّة وهي الحجب عن
العباد أي لا دلالة للرواية على عدم
المسئوليّة عن مثل هذه الأحكام .
والجواب عن هذا الإيراد :
الظاهر من قوله (عليه السلام) « ما
حجب الله علمه عن العباد » هو ما حجبه
عن كلِّ عبد من العباد ، فكلُّ عبد
خفي عليه حكم يكون موضوعاً لقوله فهو
موضوع عنهم . فالعموم المستفاد من
الجمع المعرَّف باللام عموم استغراقي
أي لُوحظ باعتباره عنواناً مشيراً الى
أفراده .
والعموم الإستغراقي يقتضي انحلال
الحكم الى أحكام بعدد أفراد الموضوع ،
مثلا لو قال المولى « أكرم العلماء »
فإنَّ العلماء عموم استغراقي أي انَّ
كلّ فرد من أفراد العلماء موضوع لوجوب
الإكرام ، وعنوان العلماء انَّما جيء
به لغرض الإشارة الى أفراده ، ولهذا
ينحلُّ وجوب الإكرام الى وجوبات بعدد
أفراد العلماء فيكون لكلّ وجوب من هذه
الوجوبات طاعة ومعصية مستقلَّة ،
فحينما يُكرم عالماً ولا يُكرم آخر
يكون مطيعاً وعاصياً ، فهو مطيع
لإكرامه العالم الاول وعاص لعدم
إكرامه الثاني .
أمّا لو كان العموم مجموعياً فالأمر
يختلف تماماً ، فلو كان عنوان العلماء
في المثال لوحظ بنحو العموم المجموعي
فإن الحكم لا ينحلُّ بعدد أفراد
الموضوع ، وذلك لأنَّ المجموع بما هو
مجموع موضوع للحكم ، فلا يوجد إلاّ
موضوع واحد وحكم واحد ، ولهذا لا
يُوجد إلاّ طاعة واحدة ومعصية واحدة
أي انَّ المكلَّف إن أكرم جميع
العلماء دون استثناء فهو ممتثل ومطيع
وإن أكرم بعضهم ولم يُكرم البعض الآخر
فهو عاص أي كأنَّه لم يُكرم أحداً ،
إذ انَّ موضوع الوجوب هو المجموع فلا
يتحقّق الإمتثال إلاّ بإكرام المجموع
.
وباتّضاح الفرق بين العموم الإستغراقي
والعموم المجموعي يتّضح ما ذكرناه من
انَّ العموم في « العباد » عموم
استغراقي فيكون الحكم في الرواية
والذي هو الوضع عن المكلَّفين منحلا
بعدد أفراد العباد الذين يتّفق اختفاء
حكم عنهم .
ومنها : رواية عبد الله ابن سنان عن
ابي عبد الله (عليه السلام) انَّه قال
« كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال
أبداً حتى تعرف الحرام منه بعينه
فتدعه »() .
وتقريب الإستدلال بالرواية :
هو انَّ جعل غاية الحليّة معرفة
الحرمة يكشف عن انَّ موضوع الحليّة هو
عدم المعرفة ، وبهذا المقدار تثبت
الحليَّة في ظرف عدم المعرفة والعلم
بالحرمة ، ويبقى الكلام في انَّ هذه
الحليَّة هل هي حليَّة واقعيّة أو هي
حليَّة ظاهريّة ؟ فإن كانت واقعيّة
فهي لا تتّصل بمحلّ البحث ، إذ انَّ
محلّ البحث هو البراءة الشرعيّة
والترخيص الظاهري .
والذي يظهر من قوله (عليه السلام) «
فيه حلال وحرام » ان المجعول في
قوله (عليه السلام) « فهو لك حلال »
هو الحليّة الظاهريّة ، وذلك لوضوح
انّ الحلال والحرام في صدر الرواية
هما الحلال والحرام الواقعيّين ، إذ
هو مقتضى ترتيب الحليّة على الجهل
بهما .
وببيان آخر :
إنَّ الحرام الذي ينتهي به أمد
الحليّة هو الحرام الواقعي وهو عينه
الحرام في صدر الرواية ، وإذا كانت
الحليَّة مغياة بمعرفة الحرام الواقعي
فهذا تعبير آخر عن انَّ موضوع
الحليَّة المجعولة هو عدم معرفة
الحرام ، والحكم الذي يكون موضوعه عدم
المعرفة حكم ظاهري كما هو واضح .
وبهذا تكون الرواية صالحة للإستدلال
بها على البراءة الشرعيّة .
إلاّ انَّ الإشكال ينشأ عن دعوى
ظهورها في الإختصاص بالشبهات
الموضوعيّة ، فقد ذكر ذلك جمع من
الأعلام وأبرزوا لذلك قرينتين :
القرينة الاولى :
وهي انّ المناسب لتقسيم الشيء الواحد
الى الحلال والحرام هو انّ ذلك الشيء
من الطبايع التي لها أفراد مختلفة
الحكم . وهذا الذي يُسبّب الشبهة
والشك لأنّ تعدّد الأفراد واختلاف
الحكم فيها من حيث الحليَّة والحرمة
يُوجب عادة وقوع المكلَّف في الإشتباه
وانّه ماهو الحلال وماهو الحرام ،
فالجبن مثلا من الطبايع التي يختلف
الحكم في أفرادها فمنها ماهو محرَّم
ومنها ماهو محلَّل وهذا ما يُوجب وقوع
المكلَّف في الحيرة والإشتباه ، وإذا
تمّ هذا فالرواية مختصّة بالشبهات
الموضوعيّة ، وذلك لأنَّه مع استظهار
انَّ المنشأ للشكّ هو تعدّد أفراد
الطبيعة واختلاف الحكم فيها يكون
المناسب لذلك هو الشبهات الموضوعيّة ،
إذ انّ الشبهات الحكمية لا ينشأ الشكّ
فيها عن ذلك بل عن عدم العلم بأصل
الحكم ، فحينما يكون المكلَّف شاكاً
في حرمة العصير العنبي فإن هذا الشك
يكون منشاؤه عدم العثور على نصّ يدلّ
على الحرمة أو ابتلاء النصّ الدالّ
على الحرمة بالمعارض .
وهذا بخلاف الشبهات الموضوعيّة فإنّها
هي التي قد تنشأ عن اختلاف أفراد
الطبيعة الواحدة في الحكم .
القرينة الثانية :
إنَّ لفظ « بعينه » في الرواية
الشريفة لا يكون له مبرِّر عرفاً إلاّ
إذا كانت الشبهة موضوعيّة ، وذلك
لأنَّ معرفة الحرام بعينه يكون حينئذ
احتراز عن معرفة الحرام إجمالا ، وهذا
ما يُناسب الشبهات الموضوعيّة ، إذ هي
التي يكون الإشتباه فيها عادة بنحو
الشبهة الإجماليّة ، فالمكلَّف حينما
يكون عالماً بأصل الحرمة يكون عالماً
أيضاً بثبوت الحرمة لأفراد غير
معيّنين بنحو العلم الإجمالي ،
فالرواية تقول انَّ هذا المقدار من
العلم ليس هو غاية الحليَّة بل انَّ
غاية الحليَّة هو معرفة الحرام بعينه
أي بنحو العلم التفصيلي فيكون لفظ «
بعينه » في الرواية احترازاً عن العلم
الاجمالي بالحرمة .
وهذا بخلاف مالو حملنا الرواية على
الشبهات الحكميّه فإنَّه لا مبرِّر
عرفاً لكلمة « بعينه » ، إذ انَّ
معرفة الحرام في الشبهات الحكميّة
يعني عادة العلم التفصيلي بالحرام ،
فحينما يكون المكلَّف جاهلا بحكم لحم
الأرنب فإنّ معرفة حكم لحم الأرنب بعد
ذلك لا يكون إلاّ بنحو العلم التفصيلي
فلا تكون المعرفة للحكم هي معرفة انَّ
لحم الأرنب إمّا حرام أو حلال أو تكون
المعرفة بنحو يكون لحم الأرنب امّا هو
الحرام أو العصير العنبي هو الحرام .
والمتحصّل انّ المعرفة للحرمة بعد
الشبهة الحكميّه لا تكون إلاّ معرفة
تفصيليّة فلا تكون لكلمة بعينه فائدة
إلاّ التأكيد وهو خلاف الظاهر خصوصاً
في مثل المقام الذي يكون فيه المؤكّد
ـ وهو العلم التفصيلي ـ متعيّناً .
وهذا بخلاف الشبهة الموضوعيّة فإنّ
المعرفة بنحو الإجمال عادة ما تكون
موجودة بعد افتراض انَّ أصل الحكم
معلوم للمكلَّف .
فكلُّ مكلَّف يعلم بحرمة الشراب النجس
يعلم أيضاً بوجود شراب نجس في الخارج
إلاّ انَّه غير متشخّص ، فهل انَّ هذه
المعرفة هي غاية الحليَّة أو انَّ
غاية الحليَّة هي المعرفة التفصيليّة
للحرام ، وهذا ما تجيب عليه كلمة «
بعينه » فإنَّها تُقيد انَّ غاية
الحليَّه هي معرفة الحرام بعينه أي
بنحو العلم التفصيلي فيكون لذكر كلمة
« بعينه » فائدة مهمّه في الرواية لو
كانت الرواية متصدّية لبيان حكم
الشبهة الموضوعيّة .
وبهذه الرواية تمّ الكلام حول أدلّة
البراءة الشرعيّة من الكتاب والسنّة .
الإستدلال على البراءة بعموم دليل
الإستصحاب :
وذلك بواسطة التمسُّك بما دلَّ على
حجيّة الإستصحاب مطلقاً ، فكلُّ مورد
يكون فيه موضوع الاستصحاب متنقحاً
فإنَّ الاستصحاب يجري في ذلك المورد .
وقد قُرِّب استصحاب نفي التكليف في
حالات الشك بتقريبين :
التقريب الأوّل :
هو استصحاب عدم جعل التكليف والذي هو
متيقّن حينما كانت الشريعة في أيّامها
الاولى .
فعندنا يقين سابق بعدم جعل هذا
التكليف ، ومبرِّر هذا اليقين هو انَّ
أحكام الله جلَّ وعلا لم تُشرَّع في
عرض واحد بل شُرِّعت بنحو التدرُّج .
ولمَّا كنا نشك فعلا بجعل التكليف بعد
ذلك فإنَّه يمكن بذلك إجراء الاستصحاب
لنفي جعل التكليف . وهذا ما يُنتج
نتيجة البراءة الشرعيّة .
التقريب الثاني :
إستصحاب عدم فعليّة التكليف والذي هو
متيقّن قبل البلوغ مثلا .
فهنا يقين سابق بعدم فعليّة التكليف
في حال عدم البلوغ وشكّ فعلي بثبوت
التكليف بعد ذلك فنجري استصحاب عدم
فعليّة التكليف وهو يُنتج نتيجة
البراءة الشرعيّة .
إشكال المحقّق النائيني على تقريبي
الإستصحاب :
وقد أورد المحقّق النائيني (رحمه
الله) على كلا التقريبين بما حاصله :
إنَّ إجراء استصحاب عدم حدوث التكليف
لغرض نفي التكليف تحصيل للحاصل ، وذلك
لأنَّ الشكّ في حدوث التكليف بنفسه
يكون موضوعاً لنفي التكليف ، إذ انَّ
الشك في حدوث التكليف يكون موضوعاً
لقاعدة قبح العقاب بلا بيان والتي
تعني أو تقتضي نفي التكليف في موارد
الشكّ فيه .
فانتفاء التكليف ثابت بالواجدان ، فلا
معنى للتعبّد بنفيه عن طريق إجراء
استصحاب عدم حدوث التكليف ، إذ انّ
غاية ما سينتجه الإستصحاب هو نفي
التكليف المشكوك وهو حاصل ببركة قاعدة
قبح العقاب بلا بيان .
وبتعبير آخر : انّ مجرى الإستصحاب هو
ما لو كان الأثر المراد تحصيله
متوقفاً على عدم الحدوث ، فإنَّ إجراء
الإستصحاب ينفع في إثبات عدم الحدوث
تعبداً .
ومثال ذلك مالو وقع الشكّ في جواز
التزوّج من امراءة بسبب الشك في كونها
متزوّجة ، فإنّ الذي يُصحِّح الزواج
من هذه المرأة هو إحراز عدم تزوجها ،
فلو أجرينا استصحاب عدم تزوّجها فإن
ذلك يُنتج صحّة الزواج منها ،
فالاستصحاب هنا قد تعبدنا بعدم
تزوّجها وبهذا تنقَّح موضوع صحّة
الزواج منها ، إذ انّ صحّة الزواج
منها منوط باحراز عدم تزوّجها وهذا ما
حقّقه لنا الإستصحاب وبه تحقّق جواز
الزواج من هذه المرأة تعبداً .
أمّا لو كان نفس الشك بعدم الحدوث
موضوعاً للأثر المطلوب فعندئد لا يكون
للاستصحاب فائدة ، لأنَّ أقصى ما
سينتجه الإستصحاب هو نفي الحدوث ،
وهذا لا نحتاجه ، وذلك لأنَّ الشك في
الحدوث كاف في ترتُّب الأثر المطلوب
فيكون إجراء الاستصحاب تحصيلا للحاصل
.
والمقام من هذا القبيل ، إذ انَّ
الأثر المطلوب تحصيله من الإستصحاب هو
نفي التكليف ، ونفي التكليف يكفي فيه
الشكّ في حدوث التكليف ، وذلك لقاعدة
قبح العقاب بلا بيان فعليهِ يكون
إجراء الإستصحاب بلا فائدة ، لأنَّ
الذي سينتجه الإستصحاب هو عدم حدوث
التكليف وبذلك تنتفي المسئولية عن
التكليف ، وهذا المقدار لا نحتاجه
لإثبات نفي التكليف ، إذ انَّ اثبات
نفي التكليف يحصل بمجرَّد الشك في
حدوثه إذ هو موضوع نفي التكليف .
الناشئ عن قاعدة قبح العقاب بلا بيان
.
الجواب على إشكال المحقّق النائيني :
وقد أجاب المصنِّف (رحمه الله) عن هذا
الإشكال بجوابين :
انَّ ما أفاده المحقّق النائيني (رحمه
الله) لو تمّ فهو يتمُّ بناء على
قاعدة قبح العقاب بلا بيان وإلاّ
فبناء على مسلك حقّ الطاعة لا يكون
الإستصحاب تحصيلا للحاصل ، وذلك لأنَّ
موضوع الأثر المطلوب ـ وهو نفي
التكليف ـ ليس هو الشك في حدوث تكليف
بل انّ موضوعه هو عدم حدوث تكليف ،
وهذا الموضوع لا يمكن تحصيله وتنقيحه
إلاّ بواسطة الإستصحاب ، فالإستصحاب
يعبدنا بعدم حدوث التكليف وبه يتحقّق
الأثر المطلوب وهو نفي التكليف .
الجواب الثاني :
انَّ الاستصحاب لا يكون تحصيلا للحاصل
حتى بناءً على قاعدة قبح العقاب بلا
بيان ، وذلك لوضوح انّ مرتبة القبح
للعقاب بلا بيان متفاوتة في حالات عدم
البيان مع الإذن من الشارع في الترك
يكون قبح العقاب أشدّ من حالات عدم
البيان المجرَّد عن الإذن الشرعي .
ومن هنا يكون الإستصحاب مفيداً لإثبات
المرتبة الشديدة من قبح العقاب .
وبيان ذلك : انَّه لو وقع الشكّ في
وجود تكليف إلزامي ولم يكن بالإمكان
إجراء الإستصحاب لنفي التكليف فإنَّه
مع ذلك لو ترك المكلَّف ذلك التكليف
المشكوك فإنّه لا يعاقب ـ لو اتّفق
انَّ ذلك التكليف ثابت واقعاً ـ وذلك
لقبح مخالفته مع افتراض جهله وعدم
علمه .
ولو كان ذلك التكليف الإلزامي المشكوك
ممّا يمكن إجراء الإستصحاب في مورده
فحينئذ لو أجرى المكلَّف الإستصحاب
وترك التكليف المشكوك واتّفق ثبوت
التكليف واقعاً فإنَّه لا يُعاقب ،
وذلك لقبح معاقبته إلاّ انَّ القبح في
مثل هذه الحالة أشدّ ، وذلك لانّ
التكليف ـ بالإضافة الى انّه غير
معلوم للمكلّف ـ هو مأذون في تركه
شرعاً .
إذن فجريان الإستصحاب تكون له فائدة
وهي إثبات المرتبة الشديدة من القبح .

الإعتراضات على أدلّة البراءة
وقد ذكر المصنِّف إعتراضين منها :
الأوّل : إنّ أقصى ما يمكن استفادته
من أدلّة البراءة الشرعيّة هو انَّ
مورد جريانها يختصّ بالشبهات البدويّة
أمّا الشبهات المقرونة بالعلم
الإجمالي فلا تجري البراءة الشرعيّة
عنها ، وإذا كان كذلك فلا يكون
للبراءة الشرعيّة فائدة مهمّة ، وذلك
لأنَّ الشبهات الحكميّه مثلا غالباً
ما تكون واقعة في إطار علم إجمالي ،
وذلك لأنّه لو لاحظناها لحاظاً
مجموعياً لوجدنا أنفسنا قاطعين
بواقعيّة عدد كبير من مجموع التكاليف
المشكوكة .
وبعبارة اخرى : انّ كلّ شبهة حكميّة
فهي طرف في علم إجمالي كبير فلا يمكن
إجراء البراءة عنها لعدم جريان
البراءة في الشبهات المقرونة بالعلم
الإجمالي .
وتقريب ذلك : انَّه وإن كنَّا نشك في
حرمة العصير العنبي مثلا ونشكّ في
حرمة لحم الأرنب وفي حرمة ذبيحة
الكتابي وهكذا إلاّ انّه حينما نلاحظ
هذه التكاليف المشكوكة لحاظاً
مجموعياً يحصل لنا القطع بثبوت الحرمة
لبعضها غير المعين ، فيكون كلُّ واحد
من هذه التكاليف المشكوكة طرفاً للعلم
الإجمالي .
والجواب عن هذا الإعتراض :
إنَّ العلم الإجمالي انَّما يكون
منجِّزاً ويجب الإحتياط في تمام
أطرافه لو افتُرض عدم انحلاله الى علم
تفصيلي ببعض الأطراف وشك بدوي في
بقيّة الأطراف ، أمَّا لو افتُرض
انحلاله الى ذلك فإنَّه لا يكون حينئذ
منجِّزاً ، وذلك لأنَّ افتراض انحلاله
يعني افتراض صيرورته علماً تفصيلياً
منجِّزاً لمتعلَّقه وشكاً بدويَّاً
مجرى لأصالة البراءة الشرعيّة ، فلو
كنَّا نعلم إجمالا بوجوب صلاة في ظهر
يوم الجمعة الاّ انَّه وقع الشك فيما
هو الواجب هل هو صلاة الظهر أو هو
صلاة الجمعة فحينئذ يكون العلم
الإجمالي مقتضياً لتنجُّز كلا الطرفين
إلاّ أنْ لو اتّفق انّ علمنا بتعيُّن
الوجوب في صلاة الظهر فإنّ العلم
الإجمالي عندئذ ينحلُّ الى علم تفصيلي
بوجوب صلاة الظهر فلو كنّا نحتمل في
مثل هذه الحالة بوجوب صلاة الجمعة
أيضاً لاحتمال وجوب صلاتين يوم الجمعة
فإنَّ هذا الاحتمال يكون شكاً
بدويَّاً ، وذلك لانّ الطرف المقابل
له أصبح معلوماً تفصيلا ، ومن هنا
يمكن جريان البراءة عن وجوب صلاة
الجمعة .
والمقام من هذا القبيل فإنّه وان
كنَّا نسلِّم بوجود علم إجمالي
بواقعيّة بعض التكاليف المشكوكة إلاّ
انَّ هذا العلم الإجمالي منحلٌّ الى
علم تفصيلي ببعض الأطراف وشك بدوي في
الأطراف الاخرى ، وذلك لانّنا لو
لاحظنا مقدار ماهو معلوم إجمالا
وافترضناه مئة تكليف من مجموع
التكاليف المشكوكة الألف ، ثمّ لاحظنا
انَّ ما علمنا بثبوته بواسطة المراجعة
للأدلّة لوجدنا انّ ما علمنا بثبوته
هو بمقدار المعلوم بالإجمال أو يزيد
عنه وهذا يقتضي انحلال العلم الإجمالي
ـ والذي اطرافه الألف ـ الى علم
تفصيلي بمقدار ما توصّلنا الى ثبوته
بواسطة الاستنباط وشك بدوي في بقيّة
الأطراف . ومن هنا يمكن اجراء البراءة
عن هذه الأطراف ويبقى وجوب الامتثال
خاصاً بالموارد المعلومة بواسطة
الرجوع الى الأدلّة .
وهذا نظير مالو كان عندنا قطيع من
الغنم نعلم بأن عشراً منها موطوءة
للإنسان فإنّه في مثل هذه الحالة لا
يجوز أكل لحم واحدة منها إلاّ انَّه
لو افترضنا قيام الدليل بعد ذلك على
انَّ عشرة بعينها من هذه الاغنام هي
موطوءة الانسان فإنَّ العلم الإجمالي
عندئذ ينحلُّ الى علم تفصيلي وشك بدوي
، فتكون الاغنام العشرة التي علم
بكونها موطوءة للانسان محرَّمة وتبقى
الاطراف الاخرى مشكوكة بنحو الشك
البدوي فتجري عنها البراءة الشرعيّة .
وأمّا دليل الانحلال فله محلٌّ آخر .
الإعتراض الثاني :
انَّه لو سلَّمنا تماميّة أدلّة
البراءة الشرعيّة إلاّ انَّها مبتلية
بما يُعارضها من أدلّة شرعيّة على
وجوب الاحتياط في موارد الشك في
التكليف ، وهذه الأدلّة المثبتة لوجوب
الاحتياط إمّا أن تكون مقتضية لارتفاع
موضوع البراءة الشرعيّة وامَّا أن لا
تكون كذلك ولكنّها متّحدة معها في
الموضوع أي انَّ موضوع أدلّة البراءة
الشرعيّة هو عينه موضوع أدلّة
الاحتياط الشرعي إلاّ انَّ أدلّة
البراءة تنفي المسئولية عن التكليف
المشكوك وأدلّة الاحتياط تثبتها . وفي
كلا الحالتين تكون أدلّة البراءة
الشرعيّة ساقطة .
وبيان ذلك : إنَّ أدلّة البراءة
الشرعيّة إن كان مفادها هو انَّ موضوع
البراءة هو عدم البيان مطلقاً أي انّ
مجرى البراءة هو عدم وجود ما يُثبت
العهدة والمسئوليّة على المكلَّف سواء
كان ثبوت العهدة ناشئاً عن ثبوت
التكليف الواقعي أو ثبوت الاحتياط
الشرعي ، فلو كان موضوع البراءة هو
عدم ثبوت أحدهما فإنَّه ـ بناء على
هذا الفرض ينتفي موضوع البراءة ، وذلك
لثبوت الاحتياط الشرعي والذي اُخذ
عدمه في موضوع البراءة ، فموضوع
البراءة ـ على هذا الفرض هو عدم ثبوت
الاحتياط الشرعي ومع قيام الدليل على
ثبوت الاحتياط الشرعي ينتفي موضوع
البراءة .
وبتعبير آخر : إذا كان موضوع البراءة
هو عدم العلم بالتكليف الواقعي وعدم
العلم بلزوم الاحتياط الشرعي فإنَّه
لابدَّ في إجراء البراءة حينئذ من أن
لا يكون علم بالتكليف الواقعي ولا
يكون علم بوجوب الاحتياط الشرعي ، إذ
انَّه مع العلم بأحدهما لا يكون موضوع
البراءة متحقّقاً ، لأنَّ عدمهما
مأخوذ في موضوع البراءة ، فعليه لا
تجري البراءة الشرعيّة باعتبار ثبوت
لزوم الاحتياط الشرعي .
وأمَّا لو كان مفاد أدلّة البراءة هو
انّ موضوعها عدم العلم بالتكليف
الواقعي فحسب فإنَّه ـ بناء على هذا
الفرض ـ تكون أدلّة البراءة معارضة
بأدلّة الاحتياط الشرعي بنحو التعارض
المستقر ، وذلك لاتّحاد موضوعهما ، إذ
انَّ موضوع الاحتياط هو عدم العلم
بالتكليف الواقعي كذلك . وإذا كان
موضوع البراءة والاحتياط واحداً فإنَّ
دليل كل منهما يُعارض الآخر ، إذ إنَّ
دليل البراءة يقول إنّ البراءة هي
الجارية في موارد الشك في التكليف
الواقعي ودليل الاحتياط يقتضي انَّ
الجاري في موارد الشك في التكليف
الواقعي هو الاحتياط الشرعي .
ويمكن إثبات دعوى انَّ موضوع البراءة
هو عدم العلم مطلقاً ـ أي الأعم من
العلم بالتكليف الواقعي والإحتياط
الشرعي ـ بقوله تعالى ] وما كنّا
معذِّبين حتى نبعثَ رسولا [() ، وذلك
لأنّ عنوان الرسول ـ كما قلنا ـ ليس
له موضوعيّة بل انَّ نفي العذاب يكون
في تمام موارد عدم العلم وعدم وجود ما
يصلح للإحتجاج به على العباد ، ولمَّا
كانت أدلّة الاحتياط صالحة لأن يحتجّ
بها على العباد فإنَّ نفي العذاب لا
يكون موضوعه متحقّقاً في مورد
الإحتياط الشرعي . وهذا يعني انَّ
ثبوت الاحتياط الشرعي ناف لموضوع
البراءة الشرعيّة ، وذلك لأنَّ
موضوعها عدم البيان وعدم الحجَّة
والإحتياط حجَّة كما هو مقتضى دليله .
ويمكن إثبات دعوى انّ موضوع البراءة
هو عدم العلم بالتكليف الواقعي فحسب ـ
أي انّ موضوع البراءة متحقّق في ظرف
ثبوت الاحتياط الشرعي أيضاً ـ بمثل
حديث الرفع وحديث الحجب فإنَّ موضوع
الرفع والوضع فيهما رُتِّب على عدم
العلم بالتكليف الواقعي ، فالرفع
فيهما ظاهري ـ كما استظهرنا ذلك ـ فهو
ينفي مطلق المسئوليّة تجاه التكليف
الواقعي ، ومن الواضح انَّ الاحتياط
يُثبت المسئوليّة تجاه التكليف
الواقعي المشكوك فيكون حديث الرفع
نافياً له ، فلو دلَّت أدلّة الاحتياط
على ثبوت المسئوليّة تجاه التكليف
الواقعي فهذا يعني تعارضها مع أدلّة
البراءة ، وذلك لانّ الاُولى مثبتة
للعهدة في ظرف الشكّ في التكليف
الواقعي والثانية نافية لها في ظرف
الشك في التكليف الواقعي وهذا من
التعارض المستقر .
ومن هنا لابدَّ من إستعراض روايات
الاحتياط الشرعي لغرض التعرُّف على
صلاحيّتها لرفع موضوع البراءة
الشرعيّة أو معارضتها لأدلّة البراءة
الشرعيّة أو عدم صلاحيتها لذلك :
فمنها : المرسل عن الصادق (عليه
السلام) « من اتقى الشبهات فقد استبرأ
لدينه »() .
وواضح انَّ هذه الرواية ليست صالحة
لإثبات وجوب الاحتياط ، وذلك لظهورها
في محبوبيّة التجنّب عن الشبهات .
والذي يُبرِّر هذا الاستظهار هو أنَّ
سياقها التحفيز على التقوى بقرينة
التعليل المصاغ بصيغة النتيجة ، فلا
دلالة فيها على لزوم تحصيل هذه
النتيجة ، إذ الاستبراء للدين لا يعني
أكثر من التحفُّظ على أغراض الشريعة
المجهولة ، وهذا ما نبحث عن لزومه
ووجوبه إذ لعلَّه غير لازم واللازم هو
التحفظ على الغرض الشرعي المعلوم .
ومنها : ما روي عن أمير المؤمنين
(عليه السلام) انَّه قال لكميل « يا
كميل أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت
»() .
وهذه الرواية أيضاً لا دلالة فيها على
لزوم الاحتياط ، وذلك بقرينة تعليق
الامر بالاحتياط على المشيئة ، ومن
الواضح انَّ تعليق الأمر على المشيئة
والاختيار يوجب عدم انعقاد ظهور للأمر
في الوجوب .
وبهذا لا تكون للأمر دلالة على أكثر
من محبوبية الاحتياط .
ومنها : ما عن ابي عبد الله (عليه
السلام) « أورع الناس من وقف عند
الشبهة »() .
وهذه الرواية كالرواية الاُولى ، إذ
انَّها رتبت الاورعية على الوقوف عند
الشبهة ، فلو كانت الاورعية واجبة
للزم تحصيلها بواسطة الوقوف عند
الشبهة إلاّ انَّ الكلام في وجوب
الاورعيّة وماهو الدليل عليه .
ومنها : خبر حمزة بن طيار انّه عرض
على أبي عبد الله (عليه السلام) بعض
خطب أبيه حتى إذا بلغ موضعاً منها قال
له كفَّ واسكت ثمّ قال (عليه السلام)
: « لا يسعكم فيما ينزل بكم ممّا لا
تعلمون إلاّ الكفّ عنه والتثبت والرد
الى أئمّة الهدى حتى يحملوكم فيه على
الحقّ ويجلو عنكم فيه العمى ويعرفوكم
فيه الحق ; قال الله تعالى ] فاسألوا
أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون [ »() .
وهذه الرواية وإن كانت تامّة الدلالة
من حيث لزوم الكفّ والتثبّت عند عدم
العلم وانَّه لا يسع المكلَّف غير ذلك
إلاّ انّ دلالتها على لزوم الكفّ
انَّما هو في حالة عدم مراجعة المعصوم
(عليه السلام) ، وأمَّا بعد المراجعة
وعدم العثور على ما يُوجب رفع الجهل
فإنّ الرواية ساكتة عن بيان حكم هذه
الحالة ، وهذه الحالة الثانية هي التي
يدعي القائلون بالبراءة جريان البراءة
الشرعيّة فيها ، إذ انَّهم يشترطون في
صحّة جريان البراءة الفحص عن الحكم
الواقعي من الأدلّة ، ولابدَّ أن يكون
الفحص تاماً ومستقصياً لتمام الموارد
التي يحتمل العثور فيها على دليل كاشف
عن التكليف الواقعي ، أمَّا قبل الفحص
فيجب التثبت والكف عن الوقوع في
الشبهة .
ومنها : رواية أبي سعيد الزهري عن أبي
جعفر (عليه السلام) قال : « الوقوف
عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة
»() .
وما يمكن ان يُقرَّب به الاستدلال
لصالح القائلين بالاحتياط هو انّ
المكلَّف في موارد الشبهة لا يخلو عن
أحد حالتين ، إمَّا أن يقف عند الشبهة
وهو معنىً آخر للإحتياط وامَّا ان لا
يعتني بالشبهة فيقع في الهلكة ، ومن
الواضح انّ الوقوع في الهلكة عبارة
اخرى عن استحقاقه للعقاب وهذا ما يعني
مسئوليته عن التكاليف الواقعيّه
المشكوكة والمشتبهة ، ولا يخرج عن هذه
المسئوليّة إلاّ بالالتزام بالحالة
الاولى وهي الوقوف عند الشبهة ، وهو
معنىً آخر للزوم الاحتياط وعدم صحّة
إجراء البراءة في موارد الشبهة .
والجواب عن تقريب الإستدلال بالرواية
:
انّ هذه الرواية إمَّا مجملة وامَّا
ظاهرة في الردع عن الوقوع في الشبهات
الإعتقاديّة التي يُثيرها أهل الضلال
وبيان ذلك :
انَّ الشبهة في اللغة تعني المماثلة
والمشاكلة ، وقد شابه زيد عمرواً في
سمته أي حاكاه وماثله ، وهذا الشيء
شبيه لذلك الشيء أي مثله وعلى شاكلته
قال الله تعالى على لسان بني إسرائيل
] إنَّ البقر تشابه علينا [() .
وتطلق الشبهة عادة في ألسنة الروايات
على ما يقابل الحقّ ، واطلاق عنوان
الشبهة على ذلك باعتبار انَّها
تتصوَّر بصورة الحق وتأخذ بعض سماته
الصوريّة فيوجب ذلك المشابهة
والمماثلة في نظر أصحاب العقول
الضعيفة والتي لم تقف على كنه الحقّ ،
فتحسب الباطل حقاً لتلبسه بصورة الحقّ
، وما ذلك الاّ لأنَّ أهل الضلال
أضفوا على باطلهم حجاباً ظاهره فيه
الرحمة وباطنه من قبله العذاب .
والذي يؤيد ماذكرناه من معنى الشبهة
هو ما روي عن أمير المؤمنين (عليه
السلام) انَّه قال لابنه الامام الحسن
(عليه السلام) « وانَّما سُمِّيت
الشبهة شبهة لأنَّها تُشبه الحق ،
فأمّا أولياء الله فضياؤهم فيها
اليقين ودليلهم سمت الهدى ، وأمَّا
أعداء الله فدعاؤهم فيها الضلال
ودليلهم العمى »() .
ومن هنا يكون ظاهر الرواية هو
التصدِّي للردع عن الوقوع في شبهات
أهل الضلال وانَّ الوقوع في الشبهات
يوجب الهلكة والتي تعني السخط الالهي
، فتكون الرواية ـ بناءً على هذا
الاستظهار أجنبيّة عن محلِّ البحث .
وأمَّا مع عدم قبول هذا الاستظهار
فاستظهار المعنى الاول غير ممكن ،
وذلك لأنَّ الشبهة وإن كانت تطلق على
الشك باعتبار انّ الشك يؤول الى
التحيُّر ، والشبهة كثيراً ما توجب
التحيُّر . فالشبهة اذن توجب في أحيان
كثيرة الشك إلاّ انَّه مع ذلك لا
معيِّن لإرادة الشك من الشبهة في
الرواية الشريفة وهذا ما يقتضي
الإجمال في الرواية ، وبه يسقط
الاستدلال بها على لزوم الاحتياط في
موارد الشك في التكليف الواقعي .
وقد أجاب جمع من الأعلام على
الإستدلال بهذه الرواية بجواب آخر ،
وحاصله :
انّ ظاهر الرواية هو وجود تكاليف
منجَّزة في مرحلة سابقة عن هذا
التحذير ، وذلك بقرينة التعبير
بالوقوع في الهلكة ، والذي يستبطن
وجود محاذير متقرِّرة يكون تجاوزها
موجباً للوقوع في الهلكة ، فهي نظير
مالو أمر المولى عبده بانجاز بعض
الاعمال على نحو اللزوم ثمّ في خطاب
آخر حذَّره من مخالفة أمره ، فهنا
التحذير انَّما هو عن تكليف متنجِّز
بمنجِّز آخر سابق على هذا التحذير .
وإذا كان هذا هو ظاهر الرواية فهي غير
صالحة للاستدلال بها على وجوب
الاحتياط الذي نبحث عنه ، وذلك لأنَّ
الاحتياط المبحوث عنه هو الاحتياط
الرافع بنفسه لموضوع قاعدة قبح العقاب
بلا بيان ، إذ انّ مفاد هذه القاعدة
هو انَّ العقل يدرك أو يحكم بكون
المكلَّف في سعة من جهة التكاليف
المشكوكة مالم يقم دليل شرعي على
تنجيز التكاليف المشكوكة ، فلو دلَّت
أدلة الاحتياط على تنجُّز التكاليف
غير المعلومة فلابدَّ حينئذ من رفع
اليد عن هذه القاعدة العقليّة ، وبناء
على ذلك تكون أدلّة الاحتياط بنفسها
موجبة لتنجيز التكليف غير المعلوم لا
انَّ التكليف غير المعلوم يكون
منجَّزاً بمنجِّز آخر سابق على
الاحتياط الشرعي .
وماهو ظاهر الرواية ـ كما ذكرنا ـ هو
انّ التكليف المشكوك منجَّز في مرحلة
سابقة على الاحتياط فلا تكون الرواية
من أدلّة الاحتياط الشرعي والذي
ينجِّز التكاليف المجهولة بنفسه
ويقتضي بنفسه إنتفاء موضوع القاعدة
العقليّة . وبهذا يتّضح انّ التحذير
في الرواية انَّما هو عن مخالفة
التكاليف المتنجّزة بمنجّزات سابقة
كالعلم الإجمالي مثلا .
وبما ذكرناه يتّضح انّ هذا الجواب
مبني على الإيمان بقاعدة قبح العقاب
بلا بيان .
ومنها : رواية جميل بن صالح عن أبي
عبد الله (عليه السلام) عن آبائه
(عليهم السلام) قال : قال رسول الله
(صلى الله عليه وآله وسلم) « الامور
ثلاثة أمر بيِّن لك رشده فاتبعه ،
وأمر بيِّن لك غيُّه فاجتنبه ، وأمر
اختلف فيه فردَّه الى الله »() .
وتقريب الإستدلال بالرواية :
انَّ الرواية ظاهرة في انحصار الاشياء
في هذه الامور الثلاثة ، ولا ريب انّ
الشبهات الحكميّة ليست من الاول ولا
من الثاني فيتعيّن انّها من القسم
الثالث .
ومن هنا يجب ردّها الى الله جلَّ وعلا
، والردُّ الى الله تعالى لا يكون
إلاّ بالتحرُّز عمّا يُحتمل مخالفته
لأوامر الله عزّ وجل الواقعيّة وإلاّ
فلا سبيل غير ذلك للتعرُّف على حكم
الله تعالى بعد افتراض انَّها شبهة
حكمية .
وبهذا تكون الرواية من أدلّة الاحتياط
الشرعي .
والجواب عن الإستدلال بهذه الرواية :
وقد أجاب المصنِّف (رحمه الله) عن
الاستدلال بهذه الرواية بجوابين :
الجواب الاول :
إنَّ من المحتمل قوياً أن يكون المراد
من الردّ الى الله تعالى هو الرجوع
الى كتاب الله جلَّ وعلا وسنة نبيّه
(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وذلك
لأنَّهما الوسيلة للتعرُّف على حكم
الله تعالى ، فيكون الرد بمعنى
استنطاق آيات الكتاب العزيز وما ورد
عن النبي والمعصومين (عليهم السلام) .
وعلى هذا فيكون معنى الرواية هو انَّ
الامور تارة تكون واضحة الرشد أو
واضحة الفساد وهذه لا تحتاج الى
تبيُّن ، وهناك امور خفيَّه ومثار
للخلاف ، فهذه يجب ردّها الى الله
جلَّ وعلا ، والردُّ الى الله تعالى
لا يكون إلاّ بواسطة الوسائل التي
جعلها الله طريقاً لمعرفة أحكامه فلا
يجوز الاعتماد على الحدس والظنون
والتي هي موجبة لمحقّ الدين كما ورد
في روايات اخرى ، وبهذا لا تكون
الرواية متّصلة بمحل البحث .
والجواب الثاني :
هو انَّ الشبهات الحكميَّة بعد قيام
الدليل القطعي على جريان البراءة
الشرعيّة فيها لا تكون من الامور
المختلف فيها والتي يجب الإحتياط في
موردها بل هي من الامور البيِّنة
الرشد أي انّ حكمها وهو البراءة بيِّن
الرشد ، فلا يتمّ الإستدلال بالرواية
حتى بناءً على انَّ الردّ هو الاحتياط
.
وكيف كان فلا يُوجد من الروايات ما
يصلح أن يكون دليلا على وجوب الاحتياط
في موارد الشك في التكليف الواقعي .
ومن هنا فلا تصلح هذه الأدلّة وما
يماثلها ـ ممّا لم نذكره أن تعارض
أدلّة البراءة الشرعيّة ، ومع افتراض
تحقّق التعارض بين أدلّة البراءة
وأدلّة الاحتياط فإن الترجيح يكون مع
ادلّة البراءة ، وذلك أولا لأنَّ
البراءة مستفادة من القرآن كقوله
تعالى : ] وما كان الله ليضلَّ قوماً
بعد إذ هداهم حتى يُبيِّن لهم ما
يتقون [() وأمّا وجوب الإحتياط فهو
مستفاد من أخبار آحاد وقد ثبت في بحث
التعارض انَّ الدليل القرآني إذا
عارضه خبر الواحد فإنَّ الدليل
القرآني هو المقدّم ، وبذلك تسقط
الحجيَّة عن خبر الواحد فلا يكون
صالحاً لإثبات مؤداه .
وثانياً : انَّ العلاقة بين دليل
الإحتياط ودليل البراءة هي علاقة
العام والخاص ، وذلك لأنَّ دليل
الإحتياط يأمر بالإحتياط في موارد
الشبهات البدويّة والشبهات المقرونة
بالعلم الإجمالي ، وأمَّا دليل
البراءة فمؤداه هو جريان البراءة في
خصوص موارد الشبهات البدويّة .
ومن هنا يمكن الجمع العرفي بينهما ،
وذلك بواسطة حمل العام وهو دليل
الاحتياط على الخاص وهو دليل البراءة
وهذا يعني تقديم أدلّة البراءة على
الإحتياط في موارد الشبهات البدويّة
وتبقى أدلّة الاحتياط مثبة لوجوب
الاحتياط في موارد الشبهات المقرونة
بالعلم الإجمالي .
وثالثاً : لو سلمنا باستحكام التعارض
بين دليلي الاحتياط والبراءة ـ وعدم
وجود ما يقتضي تقديم أدلّة البراءة ـ
وترتَّب على ذلك سقوط الدليلين عن
الحجيَّة فإن بالامكان الرجوع الى
أدلّة الإستصحاب والتي هي أعم من
دليلي البراءة والاحتياط ، ومن الواضح
انَّ الإستصحابب ـ كما تقدّم ـ يقتضي
عدم حدوث التكليف المشكوك . وبهذا
تكون نتيجته كنتيجة البراءة .
وبيان ذلك : إنَّ دليل الاستصحاب أعم
من دليل الاحتياط ، وذلك لأنَّ دليل
الاستصحاب ـ مثل قول أبي عبد الله
(عليه السلام) في صحيحة زرارة « ولا
ينقض اليقين أبداً بالشك ولكن ينقضه
بيقين آخر »() ـ يشمل مثل موارد
الشبهات الحكميّة والشبهات الموضوعيّة
، وأمَّا الإحتياط فهو مختص بموارد
الشبهات الحكميَّة ، واذا كان كذلك
فالمقدّم هو دليل الاحتياط في موارد
الشبهات الحكميّة حملا للعام على
الخاص إلاّ انّ دليل الخاص « الاحتياط
لمَّا كان مبتلياً بما يُعارضه وهو
دليل البراءة فحينئذ لا يصلح لتخصيص
دليل الإستصحاب ، وذلك لسقوطه مع دليل
البراءة بالتعارض ، فيبقى عموم دليل
الإستصحاب على حاله ، وباعتبار انَّ
دليل الاستصحاب يُثبت عدم حدوث
التكليف المشكوك فهذا يعني انّه يُنتج
نتيجة البراءة الشرعيّة وهو التأمين
عن التكليف المشكوك .
ولغرض توضيح المطلب أكثر نذكر هذا
المثال :
لو ورد دليل مفاده « أكرم كلَّ
العلماء » ثمّ ورد مخصّص لهذا الدليل
مفاده « لا تكرم فسّاق العلماء » فإن
هذا الدليل المخصِّص يقتضي تخصيص عموم
العام فتكون النتيجة هي وجوب إكرام
العلماء العدول إلاّ انَّه لو ورد ما
يُعارض دليل المخصِّص مثلا « فساق
العلماء يجب اكرامهم » فإنَّ المخصِّص
وهو « لا تكرم فسّاق العلماء » يسقط
عن الحجيَّة بسبب ورود ما يُعارضه ،
وبهذا لا يكون صالحاً لتخصيص العام ،
فيبقى عموم العام على حاله فيكون
الواجب هو إكرام جميع العلماء .
والمقام من هذا القبيل ، وذلك لأنَّ
المخصص لدليل الاستصحاب العام سقط
بسبب ابتلائه بالمعارض وهو دليل
البراءة فيبقى دليل العام صالحاً لنفي
التكليف المشكوك بواسطة استصحاب عدم
حدوثه .

تحديد مفاد البراءة
ويقع البحث في المقام عن بيان
حدودمجرى هذا الاصل بعد أن ثبتت
حجيّته في الجملة وأنه رافع لموضوع
الاحتياط العقلي .
والبحث عن حدود مجرى هذا الاصل يقع في
جهات :
الجهة الاولى : البراءة مشروطة بالفحص
:
والبحث في هذه الجهة عن ان جريان
البراءة هل هو مشروط بالفحص في
الأدلّة التي يُحتمل العثور فيها على
ما يرفع الشك أو انَّ مجرى هذا الأصل
هو عدم العلم مطلقاً ، فبمجرَّد أن
يكون المكلَّف جاهلا بالتكليف فإنّ له
أن يُجري أصل البراءة عن ذلك التكليف
دون الحاجة الى أن يُتعب نفسه
ويكلِّفها مؤنة البحث والتنقيب في
الأدلَّة التي يحتمل العثور فيها على
ما يُثبت التكليف المشكوك .
قد يُقال ذلك باعتبار انَّ بعض أدلّة
البراءة مطلقة من هذه الجهة ، وذلك
كحديث الرفع حيث رُتِّب فيه الرفع على
عدم العلم دون التقييد بالفحص ، وهذا
ما يقتضي صحّة إجراء البراءة قبل
الفحص .
إلاّ انَّه يُجاب عن هذه الدعوى بانَّ
الإطلاق غير مقصود حتماً ، وذلك
لدلالة بعض أدلّة البراءة على لزوم
الفحص قبل إجراء البراءة فلابدَّ من
تقييد إطلاق حديث الرفع لو تمَّ له
إطلاق .
وبيان ذلك :
انَّ المستفاد من قوله تعالى ] وما
كنّا معذِّبين حتى نبعث رسولا [()انَّ
البراءة تجري في حالات عدم البيان ،
وذلك لأنَّ عنوان الرسول في الآية ذكر
كمثال للبيان ، ومن الواضح انَّ
البيان لا يعني حصول العلم الإتفاقي
بالتكليف بل هو يعني توفير ما يقتضي
العلم بالتكليف ، فإذا هيء الله تعالى
أسباب العلم بالتكاليف فإنّ له
الحجَّة على عباده وله أن يعاقبهم على
ترك التكاليف ، وذلك لأنَّه تعالى
بيَّن لهم تلك التكاليف عن طريق بعث
الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
ونصب الأئمة المعصومين (عليهم السلام)
أو إيصال آثارهم ومأثوراتهم وجعل
الحجيَّة والدليليَّة لتلك الآثار قال
الله تعالى ] لئلا يكون للناس على
الله حجَّة بعد الرسل [() .
ومن الواضح انَّ الرسل (عليهم السلام)
لا يطرقون باب كلِّ مكلَّف ليعلِّموه
أحكام الله جلَّ وعلا بل انّ نفس
بعثهم وتصديهم للتبليغ كاف في صدق
البيان والإيصال للاحكام .
وبهذا الايصال تكون الغاية التي
عُلِّق عليها نفي العذاب منتفية ، إذ
انَّ نفي العذاب في الآية المباركة
عُلِّق على عدم البيان فمع وجود
البيان لا دليل على انتفاء استحقاق
العذاب بل بمقتضى مفهوم الغاية يثبت
استحقاق العذاب مع البيان ، نعم لو
فحص المكلَّف في المواطن التي يحتمل
العثور فيها على ما يُثبت التكليف فلم
يجد ما يثبت التكليف فإنَّه يكون من
مصاديق منطوق الجملة الغائيَّة في
الآية المباركة ، أمّا مع عدم الفحص
رغم وجود وسائل العلم التي يمكن أن
يصل عن طريقها الى العلم بثبوت
التكليف لا يحرز المكلّف ـ في مثل هذه
الحالة ـ انّه من مصاديق منطوق الآية
وهي انَّ الله لا يعذبه لأنَّه لم
يُبيِّن له بل يحتمل انَّه ممن بُيِّن
له التكليف ، وبذلك يكون مستحقاً
للعذاب عند المخالفة ، ومن هنا لابدَّ
من الفحص لإحراز التأمين من العذاب .
وهكذا الكلام في قوله تعالى ] وما كان
الله ليضلَّ قوماً بعد إذ هداهم حتى
يُبين لهم ما يتقون [() بنفس التقريب
السابق وأنّ البيان الذي عُلِّق على
عدمه نفي الإضلال انَّما هو ايجاد
أسباب العلم فما لم تُوجد فلا إضلال
ولا عذاب ، ومتى ما كانت أسباب العلم
موجودة فإنَّ الغاية ـ وهي البيان ـ
قد تحقّقت ، وبها يكون المكلَّف
مستحقاً للإضلال والعذاب .
ولكي يُحرز المكلَّف التأمين من
العذاب وانَّه لم يُبيَّن له لابدَّ
من الفحص قبل إجراء البراءة . وبهذا
اتّضح عدم امكان التمسُّك باطلاق حديث
الرفع لنفي لزوم الفحص قبل إجراء
البراءة الشرعيّة .
ويمكن ان يُستدل على لزوم الفحص قبل
إجراء البراءة بالإضافة الى ماذكرناه
بدليلين :
الأوّل : انَّه قد ذكرنا في الإعتراض
الأوّل على أدلّة البراءة انَّ
المكلَّف لو لاحظ الشبهات الحكميّة
لحاظاً مجموعيَّاً لوجد نفسه قاطعاً
بواقعيَّة عدد كبير من هذه التكاليف
المشكوكة ، وهذا يعني وجود علم إجمالي
أطرافه هي جميع الشبهات الحكميّة ،
وذكرنا انّ المخرج من هذه المشكلة
انَّما هو مراجعة الأدلّة والخروج
منها بما يُثبت عدداً من التكاليف
تكون بمقدار المعلوم بالإجمال ، وبذلك
ينحلُّ العلم الإجمالي الى علم تفصيلي
ـ بتلك التكاليف الثابتة بواسطة
الإستنباط والمراجعة للأدلّة ـ وشك
بدوي في بقيّة الشبهات الحكمية .
ومن الواضح انَّ هذا الإنحلال لا يتمّ
إلاّ بواسطة الفحص والتنقيب في
الأدلّة عمَّا يرفع الشبهة ، أمَّا مع
عدم الفحص فيبقى العلم الإجمالي
منجّزاً وموجباً للإحتياط في تمام
أطرافه .
الثاني : الروايات الآمرة بالتعلُّم
وانَّ عدم العلم وحده ليس معذِّراً
مالم يسعَ الإنسان لتحصيل العلم .
ومن هذه الروايات ماورد في أمالي
الشيخ بااسناده عن مسعدة بن زياد قال
سمعت جعفر بن محمد (عليه السلام) وقد
سُئل عن قوله تعالى ] فللّه الحجة
البالغة [() فقال (عليه السلام) : «
إنَّ الله تعالى يقول لعبده يوم
القيامة عبدي كنت عالماً ؟ فإن قال
نعم . قال له : أفلا عملت بما علمت .
وإن قال : كنت جاهلا قال : أفلا
تعلّمت حتى تعمل ، فيخصمه ، فتلك
الحجّة البالغة »() .
ومن هنا تكون مثل هذه الروايات
الشريفة صالحة لتقييد إطلاق ما دلَّ
على صحّة إجراء البراءة في موارد عدم
العلم ، فتكون أدلّة البراءة نافية
للمسئولية تجاه التكليف في خصوص حالات
عدم العلم الذي لم ينشأ عن عدم
التعلُّم .
ومبرِّر هذا التقييد هو انَّ أدلّة
البراءة تنفي المسئوليّة عن المكلَّف
في حالات عدم العلم مطلقاً أي سواء
كان عدم العلم ناشئاً عن عدم القدرة
على تحصيل العلم أو ناشئاً عن التقصير
في تحصيل العلم .
ورواية مسعدة بن زياد التي ذكرناها
تُثبت المسئوليّة في حالات عدم العلم
الناشئ عن التقصير في تحصيل العلم ،
فالعلاقة إذن بين أدلّة البراءة
ورواية مسعدة هي علاقة الإطلاق
والتقييد .
ومن هنا يمكن الجمع العرفي بينهما وهو
انْ نُقيِّد إطلاق أدلّة البراءة بمثل
رواية مسعدة ، وبذلك تكون أدلّة
البراءة خاصة بموارد عدم العلم بعد
الفحص لا عدم العلم مطلقاً .
الجهة الثانية : التمييز بين الشك في
التكليف والشك في المكلّف به
ذكرنا فيما سبق انَّ مجرى البراءة هو
الشك في التكليف بمعنى انَّ المكلَّف
إذا كان يشك في فعليّة تكليف ـ سواء
كان منشأ الشك هو عدم العلم بأصل
الجعل أو كان المنشأ هو عدم العلم
بمصداقيّة الموضوع الخارجي للتكليف
المعلوم ـ فإنَّه في سعة من جهة ذلك
التكليف أي انّ البراءة الشرعيّة
والعقليّة تجريان في هذا المورد ـ
بناءً على مسلك قبح العقاب بلا بيان ـ
وأمَّا بناءً على مسلك حق الطاعة فما
يجري في مثل هذا المورد هو البراءة
الشرعيّة ـ كما ذكرنا ذلك مفصلا .
أمَّا لو كان الشك في المكلَّف به أي
في متعلَّق التكليف كأن كان يعلم
بوجوب التصدّق على الفقير إلاّ انّه
يشك في تحقّق الامتثال وعدمه فهنا لا
تجري البراءة الشرعيّة ولا العقليَّة
بل الجاري في مثل هذه الموارد هو
أصالة الإشتغال العقلي ، وذلك للعلم
بالتكليف ، غايته انَّ الشك في تحقّق
امتثال التكليف وهو لا يصحّح إجراء
البراءة ، إذ انَّ موضوع البراءة هو
الشك في التكليف لا الشك في امتثال
متعلَّق التكليف .
ومن هنا لم يختلف أحّد من الفقهاء في
جريان أصالة الاشتغال العقلي والتي
تقتضي بقاء ذمّة المكلَّف مشغولة بذلك
التكليف المعلوم حتى يُحرز الخروج عن
عهدة ذلك التكليف .
وإحراز الخروج عن عهدة التكليف يتفاوت
بتفاوت نوع المتعلَّق للتكليف ، فتارة
يكون إحراز الفراغ بإعادة المتعلَّق ،
كما لو صلَّى وشك في واجديّة صلاته
للشروط المأخوذة في صحتها ـ مع افتراض
عدم جريان قاعدة الفراغ في ذلك المورد
ـ وتارة يكون إحراز فراغ الذمّة
باختيار المصداق المتيقّن مصداقيّته
لمتعلَّق التكليف ، كما في حالة الشك
في فقر زيد والعلم بفقر عمرو فإنَّ
مقتضى قاعدة الإشتغال هو إعطاء زكاة
الفطرة مثلا لعمرو وهكذا ، وهذا
التفاوت في كيفيّة إحراز الفراغ عن
التكليف المعلوم لا يمثِّل تفاوتاً
واقعياً بل كلُّ الكيفيّات ترجع روحاً
الى أمر واحد ، وانَّما ذكرنا ذلك
لرفع اللبس عن الطالب ، وبالتأمّل
يتّضح ما ذكرناه .
وكيف كان فلا إشكال كبروياً في جريان
أصالة الإشتغال العقلي في موارد الشكّ
في المكلَّف به ، وانَّما الإشكال يقع
في تمييز موارد الشك في المكلَّف به ،
فقد يقع الخلط بين الشك في المكلَّف
به والشك في التكليف ، ومن هنا لابدَّ
من التروِّي قبل إجراء أحد الاصلين «
البراءة أو الاشتغال » وأن المورد هل
هو من موارد الشك في التكليف أو الشك
في المكلَّف به .
التمييز بين مجرى الاصلين في الشبهات
الحكميّة والموضوعيّة :
أمّا التمييز في موارد الشبهات
الحكميّة فيتم بواسطة ملاحظة متعلَّق
الشك « المشكوك » ، فتارة يكون الشك
في أصل ثبوت التكليف ، وتارة يكون
الشكّ في امتثال التكليف المعلوم أي
الشك في امتثال متعلَّق التكليف ،
والاول هو مجرى أصالة البراءة ، لأنّ
موضوعها الشك في التكليف وهو كذلك ،
ومثاله الشك في حرمة العصير العنبي أو
الشك في حرمة ذبيحة الكتابي .
والثاني ـ وهو الشك في امتثال التكليف
ـ مجرى لأصالة الاشتغال ، ومثاله ان
يعلم المكلّف بتعلُّق ذمته بدين ويشك
في أدائه فإن اللازم عليه هو أداء
الدين خروجاً عن عهدة التكليف المعلوم
.
وأمَّا التمييز في موارد الشبهات
الموضوعيّة فهو الذي يحتاج الى مزيد
تأمّل ، وأن المورد هل هو من موارد
الشك في فعليّة التكليف حتى تجري
البراءة أو هو من موارد الشك في
المكلَّف به حتى يكون المجرى هو أصالة
الإشتغال العقلي .
ونذكر هنا إشكالا قد يخطر في الذهن :
وهو أن الشك في الموضوع لا تجري عنه
البراءة ، وذلك لانَّ التكليف معلوم
دائماً في حالات الشك في الموضوع ،
فالمكلّف حينما يشك في خمريّة هذا
السائل انّما يشك في مصداقيّة هذا
السائل للخمر المعلوم الحرمة ، فلا شك
في الحرمة ، وانّما الشك في الموضوع
الخارجي ، ومن هنا كيف نصحِّح جريان
البراءة والحال انّ موضوعها هو الشك
في التكليف .
والجواب عن هذا الإشكال قد اتّضح ممّا
ذكرناه مراراً من أنَّ الشك في
الموضوع قد يؤول الى الشكّ في فعليّة
الحكم ، وذلك لأنَّ المكلَّف في موارد
الشك في الموضوع وإن كان يعلم بالحكم
إلاّ انّه يعلم بأصل جعله أمَّا
فعليته فهي مشكوكة ، إذ انَّه حينما
يشك في مصداقيّة هذا السائل للخمر
فهذا يعني انّه يشكّ في تحقّق موضوع
الحرمة ، ومن الواضح انّ فعليّة
الحرمة تابع لتقرُّر موضوعها واحرازه
، فالشك في تحقّق الموضوع يساوق الشك
في فعليّة الحرمة لذلك الموضوع .
وانّما قلنا انَّ الشك في الموضوع قد
يؤول الى لشك في فعليّة الحكم لأنَّ
الشك في الموضوع قد لا يؤول الى ذلك .
وتمييز الحالات التي يؤول فيها الشك
في الموضوع الى الشك في فعليّة الحكم
عن حالات الشك في الموضوع التي لا
تكون كذلك هو الذي يُحدِّد مجرى أصالة
البراءة وأصالة الإشتغال العقلي .
فالحالات التي يؤول فيها الشك في
الموضوع الى الشك في فعليّة الحكم هي
مجرى أصالة البراءة والحالات الاخرى
مجرى لاصالة الإشتغال العقلي .
وبتعبير آخر : انَّ فعليّة كلّ حكم
مقيدة بتحقّق موضوعها خارجاً ، والشك
في الموضوع عبارة ثانية عن الشك في
تحقّق قيد الفعليّة للحكم . ومن هنا
لابدَّ من بيان أنحاء الشك في الموضوع
أو قل أنحاء الشك في قيد الفعليّة
للحكم :
النحو الأوّل : أن يكون الشك في وجود
قيد الفعليّة للحكم خارجاً مع العلم
بأصل وجود الحكم « الجعل » وانّه مقيد
بذلك القيد .
ومثاله وجوب صوم شهر رمضان المبارك ،
فإن وجوب الصوم معلوم وانَّ فعليته
منوطة بحلول شهر رمضان معلومة أيضاً
إلاّ انَّ الشك يقع في حلول شهر رمضان
وعدم حلوله أي انَّ الشك في تحقّق قيد
الفعليّة خارجاً .
وهنا لا إشكال في جريان البراءة
الشرعيّة وعدم وجوب الصوم في ذلك
اليوم الذي وقع فيه الشك من جهة انَّه
من أيّام شهر رمضان أو لا ، لأنَّ هذا
النحو من الشك يؤول الى الشك في
فعليّة التكليف بوجوب الصوم في ذلك
اليوم ، وهو موضوع البراءة .
النحو الثاني : أن يكون قيد الحكم
معلوم الوجود خارجاً في بعض الأفراد
ومشكوك الوجود في البعض الآخر . وهذا
النحو على قسمين :
القسم الأوّل : أن يكون الحكم
شموليّاً أي انّه منحلٌّ الى أحكام
بعدد أفراد الطبيعة المجعول عليها
الحكم ، وذلك مثل قوله تعالى ] ولا
تقربوا الزنا [() فإنَّ الحرمة للزنا
شموليّة أي انَّها منحلَّة الى حُرمات
بعدد أفراد طبيعة الزنا .
فتارة يعلم المكلَّف انَّ وطئ هذه
المرأة زنا ، ويشك في صدق الزنا على
وطئ المرأة الثانية ، والشك في صدق
الزنا على وطئ الثانية يساوق الشك في
فعليّة حرمة وطئ هذه المرأة فتجري
البراءة عن ذلك ، لأنّه شك في التكليف
الزائد أي انَّه يعلم بثبوت حرمات
بعدد أفراد طبيعة الزنا ويشك انَّ هذا
الفرد ممّا ثبتت له حرمة بالإضافة الى
الحرمات الاخرى المعلوم ثبوتها ، فهو
إذن شك في تكليف زائد فيكون مجرى
لأصالة البراءة ، إلاّ انّ جريان
أصالة البراءة انّما هو بقطع النظر عن
سائر الأصول الاخرى التي قد تكون
مقدّمة على هذا الأصل ، وانَّما قلنا
بجريان أصالة البراءة في مقابل أصالة
الإشتغال .
ولمزيد من التوضيح نذكر مثالا آخر.
لو قال المولى « أكرم العلماء » فلو
انَّ المكلَّف يعلم باتصاف بعض بعض
الأفراد بصفة العالميّه إلاّ انّه يشك
في انَّ زيداً هل هو متوفّر على صفة
العالميّة أو لا ، في مثل هذه الحالة
هل يجب إكرام زيد أو لا .
نقول انَّ الوجوب لمّا كان شمولياً
فهو ينحلُّ الى وجوبات بعدد أفراد
المتّصفين بالعالميّة ، فما هو معلوم
مصداقيّته لعنوان العالم فإنّه يكون
موضوعاً لوجوب الإكرام وانّما الكلام
في من يُشك في عالميّته هل يجب إكرامه
؟
والجواب هو انَّه لا يجب إكرامه بل
تجري البراءة عن وجوب إكرامه ، لأنّ
الشك في عالميّته يساوق الشك في
فعليّة وجوب إكرامه فيكون شكاً في
تكليف زائد على التكاليف المتعدّدة
بعدد أفراد طبيعة العلماء ، والشك في
التكليف الزائد مجرى لأصالة البراءة .
القسم الثاني : أن يكون الحكم
بدليَّاً أي انَّ المطلوب هو صرف
الوجود ، وصرف الوجود يتحقّق بفرد من
أفراد الطبيعة المجعول عليها الحكم ،
فالمكلَّف في سعة من جهة اختيار أي
فرد من أفراد تلك الطبيعة .
ومثاله قوله تعالى ] فتيمّموا صعيداً
طيّباً [() فإنَّ الأمر هنا بدلي أي
انَّ المطلوب هو صرف الوجود من طبيعة
التيمّم وهو يتحقّق بفرد من أفراد
التيمّم ، فلو كان المكلَّف يعلم
بمصداقيّة هذه الكيفيّة للتيمّم ويشك
في انَّ الكيفيَّة الثانية ـ مثل
الضرب مرة واحدة أو التي لا يكون معها
علوق ـ هل هي فرد من أفراد طبيعة
التيمّم أو لا فإنَّ هذا الشك لا
يساوق الشك في فعليّة التكليف الزائد
. وهذا هو المميِّز بين هذا القسم
والقسم الأوّل .
فحينما يقع الشك في مصداقيّة هذه
الكيفيّة للتيمّم فإنّه لا يكون شكاً
في التكليف الزائد ، وذلك لانّه لو
كان هذا الفرد واقعاً من أفراد
التيمّم لما كان ذلك مستوجباً لثبوت
تكليف زائد ، لأنَّ الوجوب لمّا كان
بدليَّاً فإنَّ الواجب حينئذ يكون صرف
الوجود .
ومن هنا لابدَّ أن يكون الفرد المأتي
به ممّا يُحرز انَّه من أفراد الطبيعة
المجعول عليها الحكم وإلاّ لا يُحرز
امتثال المأمور به ، ومع عدم إحراز
الامتثال تجري أصالة الاشتغال العقلي
.
النحو الثالث : هو الشك في تحقّق
متعلَّق الوجوب خارجاً ، كما لو شكّ
في انَّه صلَّى صلاة الظهر المعلوم
وجوبها أو لم يصلِّ ، فالشك هنا
متمحّض في تحقّق متعلَّق الأمر خارجاً
، وبهذا لا يكون محرزاً للخروج عن
عهدة التكليف المعلوم . ومن هنا تجري
أصالة الاشتغال .
النحو الرابع : الشك في وجود مسقط
شرعي للتكليف ، وقد قلنا ـ في بحث
مسقطات التكليف ـ أنّ المسقط الشرعي
هو الفعل الذي كشف الشارع عن توفُّره
على ملاك التكليف ، ومن الواضح انَّه
إذا كان وافياً بملاك التكليف فإنَّ
استيفاء ذلك الملاك يكون مقتضياً
لسقوط التكليف .
فلو أنَّ المولى أمر عبده بأن يأتيه
بماءً ليشربه ، وكان غرضه الإرتواء
فلو علم العبد بعد ذلك عن طريق المولى
انَّ الاتيان بالشراب الكذائي موجب
لسقوط الامر بالاتيان بالماء فإنَّ
الإتيان حينئذ بذلك الشراب يكون
وافياً بملاك الأمر وموجباً لسقوطه عن
العهدة .
وقد ذكر للمسقطيّة معنيان :
المعنى الأوّل : أخذ عدم المسقط قيداً
في الأمر بمعنى إناطة فعليّة الأمر
بعدم الإتيان بالمسقط ، كأن يقول
المولى هكذا « يجب عليك الإتيان
بالماء إذا لم تأتِ بالشراب الكذائي »
، ففعليّة الامر بالماء مقيّدة بعدم
الإتيان بالشراب الكذائي .
وحينئذ فلو علم المكلَّف بالمسقطيّة
فلا كلام إنَّما الكلام في حالة الشك
في المسقطيّه ، وهذا الشك له صورتان :
الصورة الاولى : أن يكون الشك في أصل
ثبوت المسقطيّة شرعاً كأن يقع الشك في
أن الشارع هل جعل الهدي في الحج
موجباً لسقوط الأمر بالعقيقة أو لا ؟
والشك هنا بنحو الشبهة الحكميّة ،
وذلك لأنَّه يؤول الى الشك في أصل
ثبوت الجعل الشرعي .
الصورة الثانية : أن يكون الشك في
تحقّق المسقطيّة خارجاً مع العلم بأصل
جعل المسقطيّة شرعاً ، كأن يشك في
انّه هل ذبح هدياً في الحج أم لا ؟ مع
علمه بأن ذبح الهدي موجب لسقوط الأمر
بالعقيقة .
وفي كلا الصورتين تجري البراءة عن
التكليف لو كان الشك في تقيُّد
التكليف بعدم المسقط ، وذلك لأنَّه
حينئذ يكون شكاً في فعليّة التكليف .
وبيان ذلك :
أمّا بنحو الشبهة الحكميّة فلأن الشك
في أصل مُسقطيّة الهدي للأمر بالعقيقة
ـ بنحو يكون الأمر بالعقيقة مقيداً
بعدم ذبح الهدى ـ يعني الشك في
فعليَّة الأمر بالعقيقة مع تحقّق
الذبح خارجاً .
وذلك مثل مالو شككنا بتقيُّد وجوب
الحج بعدم وجوب أداء الدين ، فلو وجب
أداء الدين على المكلَّف فإنّه عندئذ
يشك في حدوث الفعليّة لوجوب الحج عليه
، والشك في فعليّة التكليف مجرى
لأصالة البراءة .
والحاصل انَّ الشك في ثبوت المسقط
شرعاً يساوق الشكّ في فعليَّة التكليف
لو اتّفق تحقّق ما يُشك في مسقطيته
شرعاً .
وأمّا بنحو الشبهة الموضوعيّه فلأن
الشك في مجيئه بما يسقط الوجوب شرعاً
يعني الشك في حدوث الفعليّه للوجوب ،
إذ انّ المسقط قد اُخذ عدمه في تحقّق
الفعليَّة للوجوب ، فإذا شك في تحقّق
المسقط خارجاً فهذا يعني انَّه يشك في
حدوث الفعليَّة للوجوب .
وذلك مثل مالو علمنا بأن وجوب الصلاة
مقيّد بعدم الحيض ، فلو شكت المرأة
بعد ذلك في حدوث الحيض لها قبل ابتداء
الوقت فإنّ هذا يساوق الشك في تحقّق
الفعليّه لوجوب الصلاة ، وذلك لأنَّ
وجوب الصلاة قد أخذ عدمه قيداً في
وجوبها ، فالشك في تحقّق المانع عن
الفعليّة يؤول الى الشك في تحقّق
الفعليَّة للوجوب فيكون مجرى لأصالة
البراءة .
وهكذا المقام فإنَّ الشك في تحقّق ما
يعلم بمسقطيّته للتكليف يساوق الشك في
حدوث الفعليّه للتكليف ، وذلك لإحتمال
تحقّق المسقط خارجاً .
المعنى الثاني : هو أنَّ المسقطيَّة
تعني إناطة بقاء الوجوب بعدم
المسقط ، فالوجوب معلوم الحدوث إلاّ
انّ الشك في رافعيّة المسقط ـ لو حدث
ـ للوجوب ، وذلك كأنْ يقول المولى «
تجب العقيقة على كلِّ مكلَّف إلاّ إذا
ذبح هدياً في الحج ، فإن وجوب العقيقة
يسقط عنه » فيكون حينئذ عدم ذبح الهدي
قيداً في بقاء الوجوب للعقيقة .
ويمكن التنظير لهذه الحالة بما لو
اعتبرنا السفر رافعاً لوجوب الصوم في
نهار شهر رمضان ، فوجوب الصوم معلوم
الحدوث في أوّل النهار إلاّ انّه لو
اتّفق انْ سافر المكلَّف قبل الزوال
فإنَّ وجوب الصوم يرتفع ، وذلك لأنَّ
عدم السفر اُخذ قيداً في بقاء
الفعليَّة لوجوب الصوم ، ومن هنا لو
شكّ المكلّف في تحقّق السفر منه فإنّ
ذلك يساوق الشك في بقاء وجوب الصوم .
وكيف كان فقد ذهب المشهور الى جريان
أصالة الاشتغال عند الشك في تحقّق
المسقط ، وذلك لكون التكليف معلوم
الحدوث ، فلابدَّ من إحراز الخروج عن
عهدة ذلك التكليف المعلوم ، فهو نظير
الشك في الإمتثال بعد العلم بتنجُّز
التكليف ، فإنَّه لا إشكال في جريان
أصالة الإشتغال ، وذلك لأنَّ الشغل
اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني .
فالمكلَّف حينما يكون عالماً بوجوب
العقيقة ويشك بعد ذلك في حدوث المسقط
ـ وهو ذبح الهدي ـ فإنَّ ذلك لا
يُبرِّر سقوط الوجوب بعد ما علم
بمسئوليته عن إمتثاله ، نعم لو أحرز
وجود المسقط ، فإنَّ ذلك يوجب سقوط
الوجوب عن العقيقة أمَّا مع عدم العلم
بتحقّق ذبح الهدي منه فإنَّ الشغل
اليقيني بوجوب العقيقة يستوجب إفراغ
الذمّة عن ذلك الوجوب يقيناً .
إلاّ انَّ المصنِّف (رحمه الله) خالف
المشهور في هذا المورد وذهب الى جريان
البراءة ، وذلك لأنَّ الشك في وجود
المسقط يساوق الشك في بقاء الوجوب وهو
معنىً آخر عن الشك في فعليَّة الوجوب
، وهذا هو موضوع البرائة إلاّ انَّ
موضوع الإستصحاب متحقّق في المقام
أيضاً ، وذلك للعلم بحدوث التكليف
والشك في بقائه . ومن هنا فالجاري في
المقام هو أصالة الاستصحاب ، وذلك
لتقدمه على البراءة كما سيأتي ذلك في
محلِّه إنْ شاء الله تعالى .
الجهة الثالثة : البراءة عن الإستحباب
ويقع البحث في المقام عن حدود مجرى
أصالة البراءة ، وهل أنَّها تسع موارد
الشك في التكاليف غير الإلزاميَّة ـ
وهي الاستحباب والكراهة ـ أو أنَّها
مختصة بموارد الشك في التكاليف
الإلزاميَّة ؟
ويُعرف الجواب عن ذلك بمراجعة أدلّة
البراءة ، وقد صنَّف المصنِّف (رحمه
الله) الأدلّة الى طائفتين :
الطائفة الاولى : وهي الآيات
والروايات التي تقتضي السعة ونفي
الضيق من جهة التكاليف المشكوكة
وتقتضي كذلك التأمين من استتباع ترك
التكاليف المشكوكة للعقاب والإدانة ،
وذلك مثل قوله (عليه السلام) « الناس
في سعة ما لا يعلمون »() وقوله تعالى
]لا يكلِّف الله نفساً إلاّ ما آتاها
[()وقوله تعالى ] وما كنَّا معذِّبين
حتى نبعث رسولا [() ، وهذه الطائفة من
الأدلّة لا تشمل موارد التكاليف غير
الإلزاميَّة جزماً ، وذلك لأنَّ
المكلَّف في سعة من جهتها لو ثبتت
فضلا عمّا لو لم تثبت ، فليس في إجراء
البراءة عنها توسعة زائدة على
المكلَّف . كما انَّ مقتضى كونهاغير
إلزاميّة عدم استتباع العقاب والإدانة
على تركها فلا نحتاج في التأمين عن
تركها في موارد الشك الى إجراء أصالة
البراءة .
الطائفة الثانية : وهي الروايات التي
رتبت رفع المنجِّزية عن التكليف في
حالات عدم العلم ، وذلك مثل قوله (صلى
الله عليه وآله وسلم) « رفع عن امتي
ما لا يعلمون »() ، وقوله (عليه
السلام) « ما حجب الله علمه عن العباد
فهو موضوع عنهم »() .
وهذه الطائفة من الروايات لم تخصّص
رفع التكليف بحالات لو كان التكليف
فيها ثابتاً لكان تركه موجباً للعقاب
والإدانة حتى تكون مختصة بالتكاليف
الإلزامية بل انَّها أفادت رفع
التكليف المشكوك في ظرف عدم العلم ،
وهذا يشمل التكاليف غير الإلزامية .
ولكنَّه مع ذلك لا يمكن القول بجريان
البراءة في موارد التكاليف غير
الإلزاميّة لأنَّ إجراء البراءة عنها
لا يخلو عن أحد معنيين :
إمَّا أن يكون المراد من جريان
البراءة عن التكاليف غير الإللزاميّة
هو الترخيص في تركها وهذا أشبه شيء
بتحصيل الحاصل ، إذ انّ الترخيص في
الترك هو مقوِّم التكاليف غير
الإلزامية .
وإمّا أن يكون المراد من جريان
البراءة عنها هو انَّه في حالات الشك
في التكليف غير الإلزامي يكون
الإحتياط مرجوحاً وغير مطلوب شرعاً ،
وهذا لا يمكن المصير اليه للقطع
برجحان الاحتياط عقلا وشرعاً بنحو
مطلق .
ولكي يكون المطلب مأنوساً أكثر نذكر
هذه الأمثلة :
الأوّل : لو شكّ المكلَّف في استحباب
صلاة الغفيلة ولم يعثر على دليل معتبر
يُثبت استحبابها ، فإنّّه لو قلنا
بجريان البراءة عن الإستحباب المشكوك
فإنَّ ذلك يُنتج نفي استحباب الاحتياط
، وذلك لأنَّ البراءة في التكاليف
الإلزاميَّة تنفي وجوب الإحتياط فهي
في التكاليف غير الإلزاميّة تنفي
استحباب الاحتياط .
وأما لو قلنا بعدم جريان البراءة عن
الاستحباب المشكوك فإنَّ ذلك يقتضي
عدم وجود ما ينفي استحباب الاحتياط .
الثاني : لو شك في كراهة النوم بين
الطلوعين ولم يعثر على دليل معتبر على
ثبوت حكم الكراهة ، فإنَّه لو قلنا
بجريان البراءة عن الكراهة المشكوكة
فإنَّ ذلك يقتضي نفي استحباب الاحتياط
، وهو يعني أن الإحتياط بترك النوم
بين الطلوعين ليس مطلوباً شرعاً .
أما لو قلنا بعدم جريان البراءة فلا
موجب لنفي استحباب الاحتياط بترك
النوم بين الطلوعين .
الثالث : لو شك في شرطيّة أو جزئيّة
شيء في مركب عبادي مستحب ، كما لو شك
في جزئيّة السورة في النافلة أو شك في
شرطية تكرار اللعن في زيارة عاشوراء .
فإن قلنا بجريان البراءة فإنَّ ذلك
يقتضي نفي جزئية ذلك الجزء للمركّب
العبادي ، ونفي اشتراط استحباب
المركّب العبادي بذلك الشرط المشكوك .
أمَّا مع القول بعدم الجريان فإنَّ
استحباب الإحتياط ـ بإتيان ما يُشك في
جزئيته وايجاد ما يُشك في شرطيّته ـ
باق على حاله لعدم وجود ما يوجب رفعه
.