عودة للصفحة الرئيسية

 


شـــرح الأصـــول

الفهرس

 

           العودة لمقدمة الكـتـــاب ...1 

 


 

 


قاعدة منجِّزية العلم الإجمالي




ذكرنا في مباحث القطع انَّ المراد من العلم الإجمالي هو العلم بالجامع مع الشك في إنطباق الجامع على أحد أطرافه .
فالعلم الإجمالي مشتمل على حيثيّتين :
الحيثيّة الاولى : هي العلم بالجامع بين الاطراف .
الحيثيّة الثانية : هي الشك في أنَّ أيِّ الاطراف هي مُنطَبق الجامع .
والمراد من الجامع هو الكلِّي المعلوم القابل للإنطباق على كلِّ واحد من أطرافه .
وأمَّا المراد من أطراف الجامع فهي الافراد التي لو لوحظ كلّ واحد منها على حدة لكان من المحتمل إنطباق الجامع عليه ، أمَّا لو لوحظت بنحو المجموع لكان من الممكن إحراز عدم كونها جميعاً منطبقاً للجامع ، وذلك لو كنَّا نُحرز أنَّ المعلوم بالإجمال أقل من أطراف العلم الإجمالي .
وهناك واقع متقرِّر في نفسه ومتشخِّص في حدِّ ذاته إلاّ انَّه مشكوك عند المكلَّف أي انَّ المكلَّف يجهل موضع استقراره وهل هو الطرف الاول أو الثاني أو الثالث وهكذا ، وهذا هو المعبَّر عنه بالمعلوم بالإجمال ، وهو غير الجامع ، إذ انَّ الجامع معلوم تفصيلا .
فالمعلوم بالإجمال هو متعلَّق الجامع ، أمَّا انَّه معلوم فلانَّنا نقطع بوجوده ، وأمَّا انه معلوم بالاجمال فلانَّنا نجهل موضع استقراره ، فجهة الغموض في المعلوم بالاجمال هي مشخصاته الثابتة في نفس الأمر والواقع والمجهولة عند المكلَّف .
ولأجل أن يتضح ما ذكرناه نطبقه على هذا المثال :
لو قطعنا بوقوع نجاسة في أحد الاواني الثلاثة ، فالجامع الصالح للإنطباق على تمام هذه الاطراف الثلاثة هو عنوان « أحد الاواني الثلاثة » ، وهذا الجامع معلوم تفصيلا ، وذلك لأنَّ العلم بالجامع يعني العلم بوجود الكلِّي الطبيعي والذي يتحقّق بوجود أحد أفراده ، فإذا علمنا بوجود فرد للكلِّي فهذا يعني العلم بوجود الكلِّي ، وفرض الكلام اننا نعلم بوجود فرد للكلِّي ، غايته انَّ الفرد غير متشخِّص إلا انَّ ذلك لا يُوجب غموضاً من ناحية وجود الكلِّي ، مثلا لو كنَّا نعلم بوجود فرد من الإنسان فإنَّ هذا يساوقُ العلم بوجود كلِّي الإنسان ، ولذلك نستطيع أن نقول اننا عالمون بوجود الإنسان في الخارج ، غايته اننا نشك في هوية ذلك الفرد إلا انَّه غير الشك في الكلِّي كما هو أوضح من أن يخفى .
وأمَّا أطراف الجامع فهي الاواني الثلاثة التي نحتمل انطباق الجامع على كلِ واحد منها .
وأمَّا المعلوم بالإجمال فهو الإناء الذي وقعت فيه النجاسة واقعاً فهو متقرِّر ومتشخص في نفس الأمر والواقع ، إذ انَّ الشيء مالم يتشخص لا يُوجد ، غايته انَّنا نجهل بمشخصاته ، وهذا ما سبَّب اتِّصافه بالإجمال ، فالإجمال من ناحيتها لا من ناحيته .
ومع اتِّضاح المراد من العلم الإجمالي يقع الكلام عن أيِّ الاصول الجارية في مورده ، فنقول :
إنَّ البحث الذي فرغنا عنه هو البحث عن مجرى الاصل في موارد الشك البدوي ، وقد انتهينا الى جريان البراءة الشرعية في مورده ، ويقع الكلام في المقام عمَّا هو الاصل الجاري في موارد الشك المقرون بالعلم الإجمالي أي ماهي الوظيفة العملية تجاه أطراف العلم الإجمالي ، والبحث يقع في جهتين :
الجهة الاولى : فيما هو مقتضى الحكم العقلي .
الجهة الثانية : ما تقتضيه الاصول العملية الشرعية .
 


الجهة الاولى :

منجزية العلم الإجمالي عقلا :

والبحث في هذه الجهة عن حدود منجِّزية العلم الإجمالي بعد الفراغ عن منجِّزيّته للجامع لكونه معلوماً أي لأنَّه متعلَّق العلم الإجمالي ، والعلم حجَّة بذاته فينجِّز معلومه بلا ريب .
انَّما الكلام في حدود هذا التنجيز وهنا ثلاثة احتمالات ثبوتية :
الإحتمال الاول :
انَّ المنجَّز بالعلم الاجمالي هو الواقع بمعنى انَّ الجامع المعلوم لمَّا كان له منطبق واقعاً وفي نفس الأمر ـ وهو متعلَّق الجامع واقعاً ـ فيكون هو المنجَّز بالعلم .
وبعبارة اخرى : انَّ العلم يعني الصورة الذهنيَّه الحاضرة بنفسها في الذهن ، وهذه الصورة الذهنية تحكي عن متعلَّقها وهو المعلوم . ولو تأمَّلنا في موارد العلم الإجمالي لرأينا انَّ الصورة الذهنيَّه تحكي عن الواقع الشخصي لمعلومها ومتعلقَّها ، وذلك لأنَّه متى ما تعلَّق العلم بالواقع الخارجي فإنَّ العلم ـ وهو الصورة الذهنيَّة ـ تكون مسانخة لمعلومها ، ولمَّا كان معلومها متشخصاً في نفس الأمر والواقع باعتبار العلم بالوجود الخارجي ـ والشيء مالم يتشخص لا يوجد ـ فهذا يقتضي انَّ المعلوم الخارجي والذي نحرز وجوده متشخص في نفسه ، ولهذا وبمقتضى التسانخ بين العلم والمعلوم تكون الصورة الذهنيّة ـ الحاكية عن معلومها ـ في موارد العلم الإجمالي شخصية تبعاً لشخصية متعلقها ومعلومها .
فمتعلَّق العلم الإجمالي إذن هو الواقع المتشخّص في نفسه والمتميِّز في واقعه ، فإذا كان العلم الاجمالي هو نجاسة أحد الإنائين فمتعلَّق هذا العلم هو الإناء الذي وقعت فيه النجاسة واقعاً ، فلو كان هو الإناء الاول فمتعلَّق العلم هو الإناء الاول ، فهذا عين مالو كنَّا نعلم علماً تفصيلياً بوجود زيد فمتعلَّق العلم هو وجود زيد ، غايته انَّه في موارد العلم الإجمالي تكون في الصورة الذهنيَّة الحاكية عن متعلَّقها ضبابيَّة وهذه الضبابيَّة هي التي جعلت من العلم إجماليّاً بمعنى انَّ واقع متعلَّق العلم ليس فيه تشويش بل هو متعيِّن ، والعالم إجمالا يعرف ذلك إلا انَّ الصورة الذهنية في موارد العلم الإجمالي تكون حكايتها وكاشفيتها عن المعلوم المحدد واقعاً مشوشة وليست صافية .
ويمكن تنظير ذلك بالمرآة المتكدرة ، فإنَّ الصورة المنطبعة في المرآة ليست هي الجامع بحدِّه الوسيع بل هي منطبق الجامع ، وهي الذات المتشخّصة في نفسها الواقفة أمام المرآة ، غايته انَّ المرآة لمّا كانت متكدّرة فإنَّها لا تكشف عن تمام معالم الذات الواقفة أمام المرآة ، نعم المُنكشف بواسطة المرآة هو رجلٌ مثلا .
وباتِّضاح معنى انَّ متعلَّق العلم لاجمالي هو الواقع يتَّضح منشأ دعوى انَّ المنجَّز بالعلم الاجمالي هو الواقع ، إذ انَّ العلم انَّما ينجِّز معلومه باعتبار كشفه عنه ولا مُنكشَف في موارد العلم الإجمالي إلا ذلك الفرد المتعيِّن في حدِّ ذاته والذي هو الإناء الاول في مثالنا ، إذ هو الإناء الذي عرضته النجاسة واقعاً ، فهو المنجَّر بالعلم الإجمالي إذن ، إلا انَّه باعتبار عدم تشخص ذلك الواقع للمكلَّف يحكم العقل بلزوم الإتيان بتمام أطراف العلم الإجمالي ليحرز بذلك امتثال الواقع ، فيكون الإتيان بسائر الاطراف مقدمة علميَّة لإحراز الخروج عن عهدة الواقع المتنجِّز بالعلم الاجمالي.
فلو كان للمكلَّف علم إجمالي بوجوب قضاء أحد صلاتين إمَّا الظهر وامَّا المغرب فإنَّه ـ بناءً على هذا الإحتمال ـ يكون ملزماً بالاتيان بكلا الصلاتين ، وذلك لإحراز امتثال الواقع المتنجِّز .
وبعبارة اخرى : يكون ملزماً بالموافقة القطعيَّة والتي هي عبارة عن الاتيان بتمام أطراف العلم الإجمالي ، وذلك يوجب القطع بالخروج عن عهدة التكليف الواقعي المتنجِّز .
الإحتمال الثاني :
انَّ المنجَّز بالعلم الاجمالي هو كلُّ الاطراف الواقعة في دائرة العلم الاجمالي ، وذلك لأن متعلَّق العلم الإجمالي هو الجامع ، ولمَّا كانت نسبة الجامع الى كلِّ واحد من أطرافه على حدِّ النسبة بينه وبين الطرف الآخر ، فهذا يقتضي ان يكون العلم بالجامع منجِّزاً لتمام الاطراف .
وقد تقول انَّ واقع الجامع هو أحد الأطراف لا كلُّ الاطراف فلماذا تكون تمام الاطراف منجزة .
قلنا انَّ ذلك لا يُبرِّر انطباق الجامع على الطرف الواقعي بعد ان كانت نسبته الى بقية الاطراف كنسبته الى الطرف الواقعي .
وبعبارة اخرى : ان العلم يُنجِّز معلومه ، والطرف الواقعي ليس معلوماً بنفسه وانَّما المعلوم هو الجامع ، ولمَّا كانت نسبته الى أطرافه واحدة فهذا يقتضي تنجُّز الجميع بذلك .
وبهذا تكون الموافقة القطعية ـ بناءً على هذا الاحتمال ـ واجبة بنفسها لا باعتبارها مقدمة علمية لإحراز الامتثال بل لأنَّ المعلوم هو الجامع فيكون متنجِّزاً وهذا التنجُّز يسرى الى تمام أطرافه .
الإحتمال الثالث :
انَّ المتنجِّز بالعلم الإجمالي هو الجامع ولكن يكون التنجيز بمستوى ذلك الجامع ، فلو كان الجامع هو أحد الطرفين فإنَّ المتنجِّز هو أحدهما فحسب ، وإن كان الجامع هو ثلاثة من مجموع الأطراف العشرة فإن المتنجِّز هو ثلاثة لا بعينها .
مثلا لو كان العلم الإجمالي هو نجاسة أحد الإنائين لكان الواجب اجتناب واحد من الإنائين لا بعينه ، ولو كان العلم الاجمالي هو نجاسة ثلاثة من الاواني العشرة فالجامع هو الثلاثة من العشرة وبالتالي يكون الواجب هو اجتناب ثلاثة من الاواني لا بعينها ، إذ هو مستوى ومقدار المعلوم فلا يثبت التنجُّز لأكثر من ذلك ، لانَّه بناءً على هذا الإحتمال لا يسري التنجُّز من الجامع الى أطرافه بل يقف التنجُّز عند حدود الجامع .
وبتعبير آخر : إنَّ العلم من المفاهيم ذات الإضافة وهذا يقتضي استحالة أن يكون هناك علم بلا معلوم كما يستحيل أن تكون قدرة بلا مقدور ، فلا يقال انَّ زيداً قادراً إلا ان يكون هناك شيء مقدور له ، وهكذا العلم والذي هو بمعنى الرؤية فلابدَّ من مرئي يكون متعلَّق الرؤية .
وإذا تمَّت هذه المقدمة يثبت انَّ متعلَّق العلم الإجمالي هو مقدار المعلوم بالإجمال وإلا لكان العلم أوسع من متعلقه وهذا ينافي كون العلم من المفاهيم ذات الإضافة .
وبهذا يتضح عدم سريان الجامع الى أطرافه وإلا لكان علماً تفصيليَّاً أي انَّ العالم بالإجمال يبقى عالماً بالمقدار وجاهلا بموضع استقراره ، وافتراض سريان الجامع الى الاطراف يقتضي تحوُّل العلم الإجمالي الى علم تفصيلي . واذا كان العلم بالجامع لا يسري الى أطرافه فالتنجُّز أيضاً الثابت للجامع لا يسري الى أطرافه .
ومن هنا فالمتنجِّز هو مقدار الجامع ومع الإلتزام بمقدار الجامع تنتفي المخالفة القطعية ، وذلك لأنَّ المخالفة القطعيّة لا تكون إلاّ بترك امتثال مقدار الجامع المعلوم .
فلو كان يعلم بنجاسة ثلاثة من عشرة أواني فإن المخالفة القطعية تحصل بأحد أمرين ، إمَّا ان يستعمل كل الاطراف العشرة وإمَّا ان يستعمل مقداراً يتجاوز مقدار الجامع كأن يستعمل ثمانية من تلك الاواني أو تسعة .
أو كان يعلم بوجوب صلاتين من ثلاث صلوات « الظهر والمغرب والصبح » فلو ترك تمام الصلوات الثلاث فهو مخالف قطعاً للتكليف المعلوم بالإجمال وكذلك لو جاء بصلاة وترك صلاتين فانه يقطع بالمخالفة ، إذ انَّ مقدار الجامع صلاتان وما جاء به انما هي صلاة واحدة .
إذن المخالفة القطعية ـ بناء على هذا الاحتمال ـ غير جائزة ، وذلك لانَّها تستوجب القطع بمعصية المولى جلَّ وعلا ، نعم المخالفة الاحتمالية لا ضير فيها بناءً على هذا المبنى ، وذلك لأنَّ الواجب هو الإتيان بمقدار الجامع ـ كما قلنا ـ وهو يتحقّق بالاتيان بمقدار ماهو المعلوم بالإجمال ، وبه تتحقق الموافقة الإحتمالية . والتي تعني احتمال مطابقة ما جاء به للمعلوم بالاجمال .
وهذا الاحتمال ـ والذي يبني على انَّ المتنجِّز بالعلم الإجمالي هو مقدار الجامع ـ هو ما تبناه المصنِّف (رحمه الله) إلا انَّه التزم بوجوب الموافقة القطعية في موارد العلم الإجمالي وذلك لمنجزية الإحتمال كما هو مقتضى مسلك حق الطاعة فمنجزيَّة الزائد عن مقدار الجامع لم تنشأ عن العلم الاجمالي وانَّما نشأت عن مبناه في حدود حق الطاعة وأن دائرته تتسع لمطلق الإنكشاف الشامل للإنكشاف بمرتبة الإحتمال .
ولمَّا كانت الأطراف الاخرى الزائدة عن مقدار الجامع محتمِلة المطابقة للواقع فهذا الإحتمال منجِّز ، وبه يلزم المكلَّف الاحتياط في مورده مالم يكن مؤمِّن عنه ، وفي المقام لا مؤمِّن كما هو واضح لعدم جريان البراءة الشرعية في موارد الشك المقرون بالعلم الإجمالي .
وأمَّا بناءً على مسلك المشهور من جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان في موارد الشك والاحتمال فإنَّه لا يكون المكلَّف ملزماً في حالات العلم الاجمالي بالموافقة القطعية بل اللازم امتثاله هو مقدار الجامع ، لانَّه هو المعلوم وبالتالي يكون خارجاً موضوعاً عن القاعدة ، وأمَّا الأطراف الزائدة عن مقدار الجامع فموضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان متحقق في موردها . ومن هنا تجري البراءة العقليّة عنها .
والنتيجة انَّه ـ بناء على مسلك حق الطاعة تحرم المخالفة القطعيّة وتجب الموافقة القطعية .
أمَّا حرمة المخالفة القطعية ـ والتي تعني عدم الالتزام بمقدار الجامع ـ فمنشاؤها العلم الاجمالي ، وأمَّا وجوب الموافقة القطعية ـ والتي تقتضي الإلتزام بالاطراف الزائدة عن مقدار الجامع ـ فمنشاؤها هو منجزيَّة الإحتمال .
وأمَّا بناءً على مسلك المشهور فتحرم المخالفة القطعيّة ولا تجب الموافقة القعطيّة ، لجريان البراءة العقليَّة في الاطراف الزائدة عن مقدار الجامع .



الجهة الثانية :

جريان الاصول في أطراف العلم الاجمالي

ويقع البحث عن هذه الجهة في ماهو مقتضى أدلّة الاصول الشرعية المؤمِّنة ، وهل أنَّها تجري في موارد الشك المقرون بالعلم الإجمالي أو لا ؟
والبحث في مقامين :
المقام الاول : هو مقام الثبوت : وهل انَّه يمكن جريان الاصول الشرعيّة المؤمِّنة في تمام أطراف العلم الإجمالي .
ذهب المشهور الى عدم إمكان ذلك واستدلوا على ذلك بدليلين :
الدليل الاول : هو انَّ إجراء الاصول المؤمِّنة في تمام أطراف العلم الإجمالي يلزم منه المنع عن حجيّة القطع ، وذلك لأنَّ التأمين عن تمام الاطراف يعني الإذن في المخالفة القطعيّة للحكم المقطوع بتنجُّزه بحكم العقل ، وهذا يعني الإذن في المعصية والذي يحكم العقل بقبحه .
والجواب : انَّ هذا الدليل أشبه شيء بالمصادرة ، إذ انَّ البحث عن إمكان الترخيص في تمام أطراف العلم الاجمالي معناه البحث عن انَّ منجِّزيَّة العلم الاجمالي هل هي مطلقة أو معلَّقة على عدم الترخيص الظاهري فإذا قلنا باستحالة الترخيص لتمام الاطراف فهذا هو عين الدعوى التي نبحث عن دليلها ، إذ انَّ معنى استحالة الترخيص هو انَّ منجزيَّة العلم الاجمالي مطلقة وليست معلَّقة حيث انّ من الواضح انَّ المنجِّزية لو كانت معلَّقة على عدم الترخيص لما كان الترخيص في تمام الأطراف مستحيلا وذلك لانَّه في مثل هذا الفرض لا يكون الترخيص منافياً لمنجزية العلم الاجمالي ، إذ انَّ المنجِّزية مقيدة بعدم الترخيص فإذا ورد الترخيص انتفى قيد المنجِّزيَّة فيكون الترخيص ـ بتعبير آخر ـ رافعاً لموضوع المنجِّزية ، إذ موضوعها عدم الترخيص فيكون ثبوت الترخيص ـ مُعدِماً لموضوعها . وبهذا يتضح انَّ هذا الدليل ليس إلاّ مصادرة .
الدليل الثاني : هو استحالة عروض اللزوم والترخيص على موضوع واحد حيث يلزم منه اجتماع حكمين متضادين على موضوع واحد .
وأمَّا كيف يلزم من القول بامكان الترخيص في تمام الاطراف اجتماع حكمين متنافيين على موضوع واحد فهو لأنَّ العلم الإجمالي يعني القطع بوجوب المعلوم بالإجمال فإذا رخَّص المولى في ترك تمام الاطراف فهذا يعني الترخيص في ترك امتثال الوجوب لمتعلَّق المعلوم بالإجمال ، ومؤدى ذلك هو اجتماع الوجوب ـ والذي هو إلزامي ـ مع الترخيص على موضوع واحد وهو المعلوم بالإجمال .
وهذا الدليل يختلف عن الدليل الاول من جهة أنَّ الدليل الاول متكي على تقبيح العقل للترخيص في المعصية .
وأمَّا الدليل الثاني فمنشاؤه هو حكم العقل باستحالة إجتماع الضدين ، فالاول إذن من مدركات العقل العملي والثاني من مدركات العقل النظري .
والجواب : هو انَّ هذا الدليل انَّما يتم لو كان الحكم بوجوب المعلوم بالإجمال والترخيص في ترك تمام الاطراف متواردين على موضوع واحد ، أمَّا لو كان أحدهما واقعياً والآخر ظاهرياً فهذا يعني انَّ بينهما طولية ، فلا يلزم من اجتماعهما اجتماعٌ للضدين ـ كما بيَّنا ذلك في بحث اجتماع الحكم الواقعي والظاهري ـ والمقام من هذا القبيل حيث انَّنا لا ندعي انَّ الترخيص الممكن في ترك تمام الاطراف ـ والتي منها المعلوم بالاجمال ـ هو ترخيص واقعي بل هو ترخيص ظاهري متقوِّم بالشك في الحكم الواقعي ، وذلك بأن يُلاحظ كلّ طرف من أطراف العلم الاجمالي على حِدة ، وحينئذ سنجد انَّ كلَّ طرف مشكوك المطابقة للمعلوم بالإجمال ، وهذا ما يُسوِّغ إمكان الترخيص الظاهري في مورده ، إذ ان الترخيص الظاهري هو ما اُخذ في موضوعه أو مورده الشك في الحكم الواقعي ونحن هنا حينما نلاحظ كل طرف على حِدة نجده مشكوكاً من جهة انّه متعلَّق للحكم الواقعي أو لا وهذا ما يجعله متوفراً على موضوع الحكم الظاهري ، ومن هنا أمكن الترخيص في مورده .
والمتحصَّل هو إمكان الترخيص في تمام أطراف العلم الاجمالي لعدم لزوم ايِّ محذور من ذلك وقد بينا في مباحث القطع في مبحث العلم الاجمالي ما يتصل بهذا المطلب فراجع .
المقام الثاني : هو مقام الإثبات :
ويُمكن أن يتمسك باطلاق أدلة البراءة الشرعية لإثبات الاصل المؤمِّن في كل طرف من أطراف العلم الاجمالي ، وبذلك تكون المخالفة القطعية جائزة ولا محذور فيها ، لأنّ المقتضي للجريان ـ وهو إطلاق أدلة البراءة الاثباتية ـ موجود والمانع عن الجريان وهو الاستحالة قد ثبت بطلانه فيكون المانع منتفياً ، وعندئذ يمكن إرتكاب تمام الاطراف .
أمَّا لو قلنا باستحالة جريان الاصول المؤمِّنة لتمام الاطراف فهذا يُشكِّل قرينة على عدم الإرادة الجدِّية للإطلاق فتكون أدلة البراءة مختصة بغير مقدار ماهو معلوم بالاجمال ، لانه هو الذي قلنا باستحالة إجراء الاصل المؤمِّن في مورده ، إذ هو الذي يلزم من إمكانه الترخيص في المعصية أو اجتماع الحكمين المتضادين .
وحينئذ كيف نحدِّد الممنوع من إجراء الاصل المؤمِّن في مورده ، ومن الواضح انَّه لا طريق للتعرُّف على الطرف الذي هو منطَبق الجامع والذي لا يجري الاصل المؤمِّن عنه . ومقتضى ذلك هو جريان الأصل في كل طرف على حِدة ، لأنَّ كلَّ طرف مشتمل على موضوع الاصل المؤمِّن وهو الشك في مطابقته للواقع وبالتالي تتعارض الاصول فيما بينها ، لأنّ إجراء الأصل في الطرف الاول يعارضه إجراء الاصل في الطرف الثاني ، وهذا ما يقتضي تساقط الاصول المؤمِّنة .
وتصوير التعارض : هو انَّ إجراء الاصل المؤمِّن في كل الاطراف يلزم منه الترخيص في المخالفة القطعيَّة ـ والذي قلنا باستحالته ـ وإجراء الاصل في طرف دون آخر ترجيح بلا مرجِّح ، ومن هنا يتعارض الاصلان ، لأنَّ موضوع الاصل المؤمِّن متحقّق في كل طرف فيكون مشمولا لدليل الاصل  ، ولمّا كان من المستحيل جريان الاصل المؤمِّن فيهما معاً يسقط كلا الاصلين فلا تصلح البراءة الشرعيّة للتأمين عن هذا الطرف ولا عن ذاك .
وهنا نحتاج الى الرجوع الى الاصل العملي الاولي ، فبناءً على انَّ الاصل العملي الاولي هو الإحتياط العقلي تجب الموافقة القطعيّة ، لانَّ كل طرف في حدِّ نفسه يُحتمل مطابقته للواقع فيتنجز بالاحتمال ، ولا رافع لهذا التنجُّز بعد سقوط الاصول المؤمِّنة بالتعارض .
فتكون الموافقة القطعية واجبة ، غايته انَّ منشأ تنجُّز مقدار الجامع هو العلم الإجمالي ومنشأ تنجُّز المقدار الزائد عن الجامع هو أصالة الإحتياط العقلي القاضية بمنجزية مطلق الانكشاف .
وأمّا بناءً على كون الاصل العملي الاولي هو البراءة العقلية فالمتنجِّز بالعلم الاجمالي هو مقدار المعلوم بالإجمال ، وهذا يختلف باختلاف الإحتمالات الثلاثة التي ذكرناها في الجهة الاولى .
فبناءً على الإحتمال الاول يلزم المكلَّف الإتيان بتمام الاطراف ليتمكن من إحراز الواقع والذي هو متعلَّق العلم الإجمالي ، وكذلك بناءً على الاحتمال الثاني ، وذلك لأنَّ المعلوم وإن كان هو الجامع إلاّ انَّ نسبته الى كل الاطراف على حدٍّ سواء فيسري التنجيز من الجامع الى كلِّ الاطراف ، وأمَّا بناءً على الإحتمال الثالث فتجري البراءة العقليّة عن المقدار الزائد عن المعلوم بالاجمال ، وذلك لعدم سراية المنجزية من الجامع الى أطرافه .
هذا كلُّه بناءً على استحالة الترخيص في تمام الاطراف ، وأمَّا بناء على امكانه فلا مانع من التمسُّك باطلاق أدلّة البراءة وبه تجري البراءة في كل طرف على حدة ومقتضى ذلك هو جواز المخالفة القطعية ، إلاّ انَّ هذا غير تام ، فإنَّه وان كنَّا قد بنينا على إمكان الترخيص في تمام أطراف العلم الإجمالي إلاّ انا لا نسلِّم بتمامية الإطلاق في أدلة البراءة ، وعليه لا تكون شاملة لمورد يلزم من إجرائها الترخيص في المخالفة القطعيّة .
ويمكن إثبات هذه الدعوى بأمرين :
الأمر الأوّل : انَّ السعة اللفظية في أدلة البراءة لا تُعبِّر عن الإرادة الجدِّية للإطلاق ، وذلك لمنافاة الإطلاق لما هو المركوز عقلائياً من استبعاد إجراء البراءة في مورد يلزم من اجرائها الترخيص في المخالفة القطعية . فالترخيص الظاهري في حالة من هذا القبيل وان كان ممكناً ثبوتاً إلاّ انّه غير متعارف ، كما هو ملاحظ بوضوح في علاقات من لهم النظارة على مجتمعاتهم مع رعاياهم ، كما انَّ هذا النحو من الترخيص مستهجن عقلائياً ، فهم لا يرون أيَّ مسوِّغ لمثل هذه الاعتبارات ، وهذا ما يُشكِّل قرينة على عدم الإرادة الجدِّية للإطلاق .
بل يمكن ان يُقال انَّ الشارع لو كان مريداً للإطلاق لكان عليه ان يُصرِّح بإرادة الإطلاق في مثل هذه الموارد لا أن يعوِّل على قرينة الحكمة ، وذلك لأنَّ مثل هذا الإرتكاز العقلائي المتأصّل يمنع ابتداءً من انعقاد الظهور في الإطلاق ، فلو أراد الشارع تجاوز ماهو مرتكز عقلائياً ـ وهو ممكن ـ لما صحَّ التعويل على عدم ذكر القيد وقرينة الحكمة لعدم تمامية مقدماتها ، وذلك لأنَّ من مقدمات قرينة الحكمة عدم وجود ما يصلح للقرينة على التقييد ولا إشكال ولا ريب في صلوح هذا الإرتكاز للقرينية .
ومن هنا قد ينعكس المطلب فنقول انَّ المولى مريد للتقييد إلاّ انَّه لم يصرِّح به اعتماداً على ماهو مركوز عقلائياً من استهجان الترخيص المؤدي الى الإذن في المخالفة القطعيَّة . وإذا لم تقبلوا ذلك فلا أقل من عدم إحراز الإرادة الجدِّيَّة للإطلاق لاحتفاف الكلام بما يصلح للقرينيَّة .
الأمر الثاني : هو خروج المقام تخصصاً وموضوعاً عن دليل البراءة الشرعية ، وذلك للعلم بالجامع ، فيكون البيان متحققاً في مورده وهو ما ينفي موضوع البراءة الشرعية ، إذ انَّ موضوعها عدم البيان والعلمُ بالجامع بيان ، فيكون مصداقاً لمفهوم الغاية في الآية المباركة ] وما كنَّا معذِّبين حتى نبعث رسولا [() وكذلك قوله تعالى ] وما كان الله ليُضلَّ قوماً بعد إذ هداهم حتى يُبيِّن لهم ما يتقون [() ، فإنَّ منطوق الآيتين هو نفي العذاب الى أن يتحقق البيان فمفهومهما هو ثبوت العذاب حالةَ وجود البيان ، ولمَّا كان العلم بالجامع بيان فهذا يقتضي كونه من مصاديق المفهوم لا المنطوق وبالتالي يخرج المورد عن موضوع البراءة ، إذ ان افتراض الترخيص في المخالفة القطعيّة يعني التوسعة في موضوع البراءة الشرعيّة ، إذ انَّ موضوعها حينئذ هو الاعم من البيان وعدم البيان ، وهذا ما لا يمكن الالتزام به ، وبذلك لو كان هناك اطلاق في بعض أدلّة البراءة فلابدَّ من التصرُّف فيه .
ومن هنا يكون المتعيّن هو ما ذكرناه في مقام الثبوت بناءً على الإستحالة وهو مبنى المشهور ، إذ انَّنا توصّلنا هنا في مقام الاثبات الى المنع من الترخيص في المخالفة القطعيّة بواسطة القرينة العقلائيّة وكذلك التقريب الثاني وهو خروج محل الكلام عن موضوع أدلّة البراءة ، وحينئذ لا تجري البراءة إلاّ في المقدار الزائد عن الجامع ، ولمَّا لم يكن منطبَق الجامع متشخصاً يكون إجراء البراءة في أحد الأطراف دون الآخر من الترجيح بلا مرجِّح بعد أن كان دليل الاصل المؤمِّن شاملا لكل واحد بخصوصه على حدِّ شموله للآخر ، وهذا ما يستوجب سقوط الاصل عن كلِّ الأطراف .
وبهذا يسقط التأمين الشرعي عن المقدار الزائد عن الجامع أيضاً ، فلو كنَّا نبني على مسلك حق الطاعة فلابدَّ من إجراء أصالة الاحتياط العقلي في المقدار الزائد على الجامع ، وبه تكون الموافقة القطعيّة واجبة والمخالفة القطعيّة محرمة .
وأمَّا لو بنينا على جريان البراءة العقليّة فالعلم بالجامع لا يقتضي أكثر من لزوم التحفُّظ على مقدار الجامع ، وهذا يعني حرمة المخالفة القطعيّة وأمَّا المقدار الزائد فتجري عنه البراءة العقليَّة .
وبهذا يتضح انَّ الاصل العملي الثانوي بعد سقوط البراءة الشرعية هو الاشتغال العقلي بناءً على مسلك حق الطاعة ، وهذا الاصل يُنتج نتيجة الاصل العملي الاولي وهو أصالة الاحتياط أو الإشتغال العقلي ، ويُعبَّر عن الاصل العملي الثانوي المناظر للاصل العملي الاولي بقاعدة منجزية العلم الإجمالي .
 


تحديد أركان هذه القاعدة


ونبحث في المقام أركان العلم الاجمالي والتي اذا ما توفرت فإن العلم الاجمالي يكون منجزاً وإذا ما اختلَّ واحد منها سقط العلم الاجمالي عن المنجزية ، وهذه الاركان التي سنستعرضها مستفادة من مجموع ماذكرناه في الجهتين :
الركن الاول : هو وجود العلم بالجامع والذي هو الكلِّي المعلوم القابل للإنطباق على كلِّ طرف من أطرافه .
ومنشأ ركنية هذا الركن هو انَّ انتفاءه يعني انتفاء العلم الإجمالي ، وبهذا تكون الاطراف حينئذ مشكوكة بالشك البدوي فتجري عنها البراءة الشرعيّة .
فلو كنَّا نشك في نجاسة الإناء الأول ونشك في نجاسة الإناء الثاني وكذلك الثالث فهنا لا يُوجد علم إجمالي ، وذلك لأنَّ ملاحظة هذه الاواني الثلاثة متفرقة أو مجتمعة سواء ، إذ انَّه في كلا الحالتين يبقى الشك بدوياً وما ذلك إلاّ لعدم العلم بالجامع .
وهذا بخلاف مالو علمنا بوقوع نجاسة في أحد الاواني الثلاثة فإنَّ ملاحظة هذه الأواني متفرقة يختلف عن ملاحظتها مجتمعة حيث انَّ اللحاظ الاول يُنتج الشك في كل طرف على حدة وأمَّا اللحاظ الثاني فينتج العلم بأنَّ أحد الاواني الثلاثة نجس وهذا هو العلم بالجامع .
الركن الثاني : عدم سراية العلم من الجامع إلى أحد أطرافه بمعنى عدم تحوُّل العلم بالجامع الى العلم بطرف خاص من أطرافه ، وذلك لأنَّ افتراض السراية يعني تحوُّل العلم الاجمالي الى علم تفصيلي بالطرف الذي علمنا سراية الجامع اليه . فكلُّ حالة من حالات العلم الإجمالي إذا اتفق فيها سريان الجامع الى أحد أطرافه ينتفي العلم الإجمالي ويتحوّل الى علم تفصيلي .
مثلا : لو كنا نعلم بوجوب صلاة مافي ظهر يوم الجمعة هي إمَّا صلاة الظهر وامَّا صلاة الجمعة ، فالمنجزية هنا تثبت للعلم الاجمالي لوقوف الجامع وعدم سرايته الى أحد طرفيه وتبقى المنجزية على حالها مادام لم يسرِ الجامع الى أحد طرفيه ، فلو اتفق أن علمنا انَّ منطبق الجامع هو صلاة الظهر فعندئذ يتحقّق سريان الجامع الى أحد طرفيه ، ولو لاحظنا انفسنا عند ذلك لوجدنا انَّ العلم الاجمالي قد انتفى وتحوَّل الى علم تفصيلي بوجوب صلاة الظهر . ومن هنا لا يكون الطرف الآخر متنجِّزاً ، لأنَّ منجِّزيته نشأت عن العلم الاجمالي وهو منتف في مفروض المثال .
الركن الثالث : أن تكون تمام الأطراف مجرى لاصاله البراءة لولا المعارضة .
ولكي يتضح هذا الركن نذكر هذا المثال .
لو كنَّا نعلم بنجاسة أحد الإنائين ولم نكن نعلم انَّ أحدهما كان متنجِّساً ، فهنا يكون أصل البراءة من حرمة شرب كلّ طرف جارية لولا إبتلاء أصل البراءة الاول بالتعارض مع أصل البراءة الثاني ، وهذا ما يقتضي تنجُّز كلا الطرفين . أمَّا لو كنَّا نعلم بأن الطرف الثاني كان مسبوقاً بالنجاسة فإنَّ استصحاب النجاسة في مورده يمنع من إجراء أصل البراءة عنه .
وبهذا لا يكون كلا الاصلين المؤمِّنين جاريين لولا المعارضة فإنَّه حتى لو افترض عدم التعارض فإنَّ أصل البراءة لا يجري في الطرف الثاني لانَّه منجَّز بالاستصحاب .
ومنشأ ركنية هذا الركن هو عدم إمكان جريان البراءة عن الطرفين بسبب التعارض ، فإذا كانت البراءة لا تجري عن أحد الطرفين يكون إجراء البراءة عن الطرف الآخر بلا معارض ، ولمَّا لم يكن إجراء البراءة عن الطرف الاول مستلزماً للمخالفة القطعيّه ـ لإحتمال وقوع النجاسة في الطرف المنجَّز بالاستصحاب ـ صحّ إجراؤها ، لأنَّ أقصى ما سيحدث نتيجة إجراء البراءة عن الطرف الاول هو عدم الموافقة القطعية وهي غير واجبة التحصيل ، إذ انَّ وجوبها انَّما نشأ عن تساقط الاصول المؤمِّنة والرجوع بعد ذلك الى أصالة الاحتياط العقلي وفي المقام لا تكون الاصول الشرعية المؤمِّنة ساقطة عن الطرف الاول .
ونذكر مثالا آخر ليتَّضح المطلب أكثر .
لو علم اجمالا بنجاسة أحد الإنائين ثم قامت البينة على نجاسة الطرف الثاني ، فإنَّ هنا يجري الاصل المؤمِّن عن الطرف الاول بلا معارض ، وذلك لعدم جريان الاصل المؤمِّن في الطرف الثاني بسبب تنجُّزه بالبينة ، ومن الواضح انَّ الاصول لا تجري في موارد الامارات ، فيأتي عندئذ نفس البيان السابق .
الركن الرابع : ان يلزم من إجراء الاصول المؤمِّنة في تمام الاطراف الإذن في المخالفة القطعيّة العمليَّة بحيث يكون إرتكاب كل الاطراف جائزاً شرعاً ، كما لو أجرينا الأصل المؤمِّن عن الصلاتين الظهر والجمعة ، فإنَّ إجراءه في مثل هذه الحالة يؤدي الى الترخيص في المخالفة القطعيّة العمليَّة وهي ترك كلا الصلاتين المعلوم وجوب أحدهما ، وهذا بخلاف مالو كان إجراء الاصل في كلّ الأطرااف غير مستوجب عملا للمخالفة القطعية ، كما لو علمنا اجمالا بحرمة أحد الطعامين إمّا الطعام الذي هو في متناول أيدينا وواقع في محل إبتلائنا أو الطعام الذي يتعذَّر تناوله والتصرُّف فيه كما لو كان الطعام الآخر في بلاد نائية يتعذَّر عن المكلَّف الوصول اليها ، فإنَّ اجراء الاصل ـ في مثل الفرض ـ عن كلا الطرفين لا يستوجب المخالفة القطعيّة العمليَّة ، إذ انَّ الطرف المتعذِّر لا يتفق إرتكابه فلا يكون الإذن في المخالفة القطعيّه مستحيلا عقلا أو مستهجناً عقلائياً .

سقوط المنجِّزيَّة عن العلم الإجمالي :
وبعد ان اتضحت أركان العلم الإجمالي الاربعة يقع البحث عن الحالات التي يسقط فيها العلم الإجمالي عن المنجِّزية ، وسنجد انَّ مناشئ السقوط عنها ترجع الى اختلال أحد أركان العلم الإجمالي .
أولا : سقوط المنجِّزيَّة بسبب اختلال الركن الاول :
والذي هو العلم بالجامع ، وقد ذكر المصنِّف (رحمه الله) أربع حالات للسقوط :
الحالة الاولى : وهي مالو تبين انَّ العلم بالجامع كان وهماً وأنَّ الواقع على خلافه .
ومثاله : مالو كان يعلم بغصبية أحد الثوبين ثم تبين له عدم مغصوبيتهما معاً وانَّ الواقع هو إذن المالك في التصرُّف فيهما أو أن المغصوب هو ثوب اخرى غير الثوبين . ومن هنا تسقط المنجِّزية عن العلم الاجمالي بسبب اختلال الركن الاول ، إذ لا علم بالجامع بعد تبيُّن الإشتباه .
الحالة الثانية : تحوُّل العلم بالجامع الى الشك أو الظن غير المعتبر .
ومثاله : لو علم المكلَّف باشتغال ذمته بدين إمَّا لزيد أو لبكر ثم زال ذلك العلم وتحوَّل الى شك بتعلُّق ذمته بدين لاحد الطرفين ، فهنا أيضاً تسقط المنجِّزية عن العلم الإجمالي ، وذلك بسبب سقوط العلم وتحوُّله الى شك وهو معنى ثان لاختلال الركن الاول .
الحالة الثالثة : مالو كان أحد أطراف العلم الإجمالي ساقطاً عن التنجيز لو اتفق انه هو الواقع .
وبعبارة اخرى : لو كان أحد الأطراف مباحاً حتى وان كان معلوماً بنحو التفصيل فضلا عن الإجمال ، كما لو كان المكلَّف يعلم بأن أحد الطعامين مشتمل على لحم الميتة إلاّ انَّه كان مضطراً الى الطعام الاول ، فإنَّه في مثل هذه الحالة يكون الطرف الاول مباحاً على أيِّ حال سواءً كان هو المشتمل على الميتة واقعاً أو انَّ المشتمل على الميتة هو الطرف الثاني ، وفي مثل هذه الحالة تسقط المنجِّزية عن العلم الإجمالي أي انَّه يجوز إرتكاب الثاني أيضاً .
ومنشأ سقوط المنجزيَّة هو عدم وجود علم اجمالي من رأس ، وذلك لعدم العلم بالجامع فهو لا يعلم بحرمة أحد الطعامين بل يعلم بحليَّة أحدهما ويشك في حرمة الآخر ، وذلك لأن الاول وان كان يحتمل اشتماله على الميتة إلاّ انّه وبسبب اضطراره اليه لا يكون محرماً عليه فهو معلوم الحليَّة على أيِّ حال ، وأمَّا الطرف الآخر فلا يجزم باشتماله على الميتة ـ وإن كان لو جزم لتنجَّزت الحرمة عليه ـ ومنشأ عدم الجزم هو احتمال أن تكون الميتة في الطعام الاول المحلل ، فعليه يكون الشك في مورد الطرف الثاني بدويَّاً تجري عنه البراءة الشرعية .
الحالة الرابعة : أن يكون أحد الطرفين غير واجب التحصيل بعد قيام العلم الإجمالي .
وذلك كما لو نشأ علم اجمالي بوجوب دفن هذا الميت أو التصدّق على الفقير بعد ان كان المكلَّف قد دفن الميت ، وهنا يسقط العلم الإجمالي عن المنجِّزية لعدم العلم بالجامع ، إذ انَّ دفن الميت لو كان هو الواجب واقعاً فقد سقط موضوعه وهذا يعني إحراز عدم وجوبه لو كان هو الواجب واقعاً فيكون الطرف الآخر مشكوك الوجوب فتسقط عنه المنجِّزية أي لا يلزم امتثاله .

ثانياً : سقوط المنجِّزية بسبب اختلال الركن الثاني :
والذي هو عدم سراية العلم بالجامع الى أحد أطرافه ، وقد ذكر المصنِّف لذلك حالتين :
الحالة الاولى : هي سريان العلم من الجامع الى أحد الاطراف بعينه ، وذلك مثل مالو علم المكلَّف بغصبية احدى الثوبين ثمّ علم انَّ المغصوب منهما هي الثوب البيضاء ، فإنَّه في مثل هذه الحالة ينتقل العلم الإجمالي من الجامع ـ وهو أحد الثوبين ـ الى الثوب البيضاء ، وبهذا ينحلُّ العلم الإجمالي الى علم تفصيلي بالطرف الاول وشك بدوي في الطرف الآخر ، وبهذا لا يكون العلم الإجمالي منجِّزاً لكلا الطرفين .
أما الطرف الاول فلأنَّ التنجيز إنَّما نشأ عن العلم التفصيلي .
وأما الطرف الثاني فتجري عنه أصالة البراءة لصيرورة الشك فيه شكاً بدوياً .
الحالة الثانية : سريان العلم من الجامع الى جامع آخر أضيق دائرة منه ، وذلك في موارد انحلال العلم الاجمالي الكبير بالعلم الإجمالي الصغير ، فإنَّ الركن الثاني للعلم الإجمالي الاول الكبير يختل ، وذلك لأن الجامع فيه لم يقف على حده كما هو مقتضى الركن الثاني بل انتقل الى جامع آخر ، وبالتالي تسقط المنجِّزية عنه . وأمَّا بعض أطرافه التي تحوَّلت الى العلم الاجمالي الصغير يكون مُنجِّزها هو العلم الاجمالي الثاني الصغير والاطراف الباقية يكون الشك فيها بدويَّاً لعدم شمول الجامع الصغير لها وانعدام العلم الاجمالي الاول .
ومثال ذلك : مالو علمنا أولا انَّ خمساً من شياه ـ في قطيع يساوي عشرين شاة ـ قد تغذَّت على لبن خنزيرة ، فجامع العلم الاجمالي في هذا المثال هو خمس شياه من عشرين ، فلو تحوَّل العلم بعد ذلك الى علم بتغذِّي خمس شياه من عشر من القطيع فإنَّ العلم الإجمالي حينئذ ينحلُّ الى علم إجماليٍّ آخر بحرمة خمس شياه من عشرة وشك بدوي في العشرة الباقية والتي ليست طرفاً للعلم الإجمالي الجديد .
ومنشأ الإنحلال هو سراية الجامع من العلم الاجمالي الاول الى جامع آخر أضيق منه دائرة ، فتكون الاطراف الباقية خارجة عن إطار الجامع الثاني، ولهذا يكون الشك فيها بدويَّاً فتجري في موردها الاصول المؤمِّنة بعد ان لم تكن طرفاً للعلم الإجمالي لخروجها عن دائرة الجامع الثاني .
وتلاحظون انَّ هذا الإنحلال نشأ عن أمرين :
الأمر الأوّل : ان أطراف الجامع الثاني هي بعض أطراف الجامع الاول ، غايته انَّ بعض الاطراف التي كانت للجامع الاول قد خرجت عن دائرة الجامع الثاني . فالعشرة التي هي سعة دائرة الجامع الثاني هي ببعض العشرين التي كانت تمثل دائرة الجامع الاول الكبير ، فلو كانت العشرة من غير دائرة العشرين لم ينحل العلم الاجمالي الاول ، كما لو كانت العشرة من قطيع آخر غير القطيع الذي نعلم اجمالا بحرمة خمس شياه منه .
الأمر الثاني : انَّ مقدار المعلوم بالإجمال في العلم الاجمالي الصغير نفس مقدار المعلوم بالإجمال في العلم الإجمالي الكبير الاول . وهذا ما ساهم في تحقّق الإنحلال ، إذ لو كان مقدار المعلوم بالإجمال في العلم الإجمالي الصغير أقل من مقدار المعلوم بالإجمال في العلم الإجمالي الكبير لما انحلَّ العلم الإجمالي الكبير ، وذلك لبقاء مقدار من المعلوم بالإجمال الاول في دائرة العلم الإجمالي الكبير وهذا يعني وجود علم إجمالي دائرته العشرين والمعلوم بالإجمال فيه هو المقدار المتبقي .
فلو علمنا انَّ أربعاً من الشياه الخمس في العشرة الاولى من العشرين فإنَّ العلم الإجمالي الكبير لا ينحل ، وذلك لبقاء واحدة نعلم إجمالا بوجودها في ضمن العشرين من القطيع . وبهذا يتضح اعتماد الانحلال على هذين الأمرين .

ثالثاً : سقوط المنجِّزيَّة بسبب اختلال الركن الثالث :
والذي هو جريان الاصل المؤمِّن في تمام الأطراف لولا المعارضة ، وقد ذكر المصنِّف لذلك حالتين :
الحالة الاولى : وهي مالو كان أحد طرفي العلم الإجمالي منجَّزاً بمنجِّز غير العلم الإجمالي كما لو كان أحد الطرفين مجرى لأصالة الاستصحاب المثبت للتكليف لا الاستصحاب النافي للتكليف فإنَّه خارج عن محل الكلام .
مثلا : لو علمنا بتعلُّق حرمة إما بهذا اللحم او بهذا الشراب إلا انَّ اللحم لمَّا كان مجرى لاستصحاب عدم التذكية ـ إذ اننا نعلم سابقاً انَّه لم يكن مذكى ونشك فعلا في تذكيته ـ فإنَّه لا تجري البراءة في مورده لافتراض تنجُّزه بالاستصحاب فنجري البراءة عن الطرف الآخر بدون معارض ، وهذا يعني سقوط المنجزية عن العلم الإجمالي ، إذ انَّ الاول لم يتنجَّز بالعلم الاجمالي وانَّما تنجَّز بالاستصحاب والثاني مُؤمَّن عنه لعدم وجود ما يمنع عن جريان الاصل المؤمِّن في مورده .
والمتحصل انَّ منشأ سقوط هذا العلم عن المنجِّزية هو عدم جريان الاصل المؤمِّن في تمام الاطراف وإلا لو كانت جميعها مجرى لاصالة البراءة مثلا لأوجب ذلك التعارض وعندئذ تسقط الاصول جميعاً عن التأمين .
وهذا النحو من الإنحلال يُعبَّر عنه بالإنحلال الحكمي ، إذ انَّ العلم الإجمالي لا ينحلّ حقيقة ، وذلك لأنَّنا بالوجدان نجد انَّ العلم باق على حاله ، نعم هو منحلٌّ حكماً لانَّه لا يترتب على هذا العلم أي أثر عملي ، وذلك لما قلنا من انّ الطرف الاول منجَّز بالاستصحاب والثاني مومَّن عنه ، فوجود العلم في هذه الصورة وعدمه سواء من جهة الأثر العملي ، وهذا بخلاف الانحلال الحقيقي فإنَّ العلم يزول في مورده حقيقة .
الحالة الثانية : مالو كان أحد طرفي العلم الإجمالي خارجاً عن إبتلاء المكلَّف بمعنى استبعاد وقوعه من المكلَّف حتى لو افتُرض جوازه ، وذلك لعم قدرته عادة على ايقاعه ، فهو وإن لم يكن متعذِّراً إلاّ انَّه متعسِّر .
ومثاله مالو علم المكلَّف بنجاسة أحد المائعين إمَّا الذي تحت يده وقدرته أو المائع الموجود في بلاد نائية من المتعسِّر على ذلك المكلَّف الوصول اليها . فهو وإن كان من الممكن أن يقع ذلك المائع تحت قدرته إلاّ انّه مستبعد عرفاً .
ومن هنا لا تجري البراءة عن مثل هذا الطرف ، إذ لا معنى لجريان البراءة إلاّ في مورد لو كان منجَّزاً لكان المكلَّف عرفاً قادراً على مخالفته ، أمَّا لو كان عدم المخالفة مضموناً لعدم القدرة عليها فلا معنى لجعل البراءة في مثل هذا المورد لان جعلها وعدمه سواء . ومن هنا يجري الاصل المؤمِّن عن الطرف الآخر دون معارض ، لأنَّ الذي يُفترض أن يكون معارضاً لم تُجعل له البراءة .
ومن هنا يجوز استعمال المائع الذي تحت يده وإن كان مبتلياً بالوقوع طرفاً للعلم الإجمالي .
وبهذا يتضح معنى قول الاصوليين من انَّ منجزية العلم الاجمالي مشروطة بوقوع كلا طرفي العلم محلا للإبتلاء .


رابعاً : سقوط المنجزيَّة بسبب اختلال الركن الرابع :
وهو استلزام الإذن في تمام الاطراف للترخيص في المخالفة القطعية . وقد ذكر المصنِّف لذلك حالتين :
الحالة الاولى : هو أن يكون طرفا العلم الاجمالي حكمين تنجيزيين إلاّ انَّ تنجيز أحدهما يقتضي الفعل وتنجيز الآخر يقتضي الترك كما هي حالات العلم الاجمالي بوجوب الفعل أو حرمته وهي المعبَّر عنها عادة بدوران الامر بين المحذورين ، وهذا النحو من العلم الإجمالي لو أجرينا البراءة عن كلا طرفيه لم يلزم من ذلك الترخيص في المخالفة القطعيّة العمليَّة ، وذلك لاستحالة ترك امتثال التكليفين أي استحالة المخالفة القطعيَّة ، إذ لا يمكن ايجاد الفعل وامتثال الترك في عرض واحد فهو إن صدر عنه الفعل لم يمتثل الحرمة والتي تقتضي الترك ، وإن امتثل الحرمة أي ترك الفعل يتعذَّر عليه امتثال الوجوب أي ايجاد الفعل فأحد الإمتثالين لا يقع حتماً .
وإذا كان كذلك فالمخالفة القطعيَّة متعذِّرة لأنَّه حينما يأتي بالفعل يحتمل انه مُنطبَق الجامع فيكون ممتثلا ، وحينما يترك الفعل يحتمل انَّ الحرمة هي منطبَق الجامع . فالموافقة الإحتمالية حتمية الوقوع كما ان المخالفة الإحتمالية كذلك ، وبهذا تكون المخالفة القطعية غير ممكنة وكذلك الموافقة القطعيّة وبالتالي لا يكون الترخيص في تمام الأطراف موجباً للترخيص في المخالفة القطعيّة ، ومن هنا يختلُّ الركن الرابع .
الحالة الثانية : أن تكون دائرة العلم الإجمالي واسعة جدَّاً بحيث يتعذَّر على المكلَّف عادة إرتكاب تمام الأطراف ، وهذا ما يُعبَّر عنه بالشبهة غير المحصورة .
وبتعبير آخر : لو كانت أطراف العلم الإجمالي من السعة بحيث يكون من المستبعد جداً المخالفة القطعية فهنا لا يكون إجراء البراءة عن تمام الأطراف موجباً للترخيص في المخالفة القطعية للمعلوم بالاجمال .
ويمكن التمثيل لذلك بما لو علم المكلَّف بعدم تذكية واحدة من الذبائح الكثيرة والمتوزعة على أسواق البلاد الكبيرة . فهنا لو جرت البراءة عن حرمة مجموع الذبائح لم يكن ذلك مستوجباً للترخيص في المخالفة القطعيَّة العمليّة لعدم امكان تناول المكلَّف من تمام تلك الذبائح عادة .
ثم انّ هناك حالات وقع البحث عن انَّها من موارد البراءة الشرعيَّة أو انَّها من موارد قاعدة منجزية العلم الاجمالي . وقد ذكر المصنِّف (رحمه الله) من هذه الحالات ثلاث :
حالة تردد الواجب بين الاقل والاكثر :
وبيان هذه الحالة هي انَّه لو علم المكلَّف بجامع التكليف إلاّ انَّه تردد في متعلَّقه وهل هو الاقل أو الأكثر ، وهذه الحالة لها صورتان :
الصورة الاولى : مالو كان التردد بين متعلَّقين استقلاليين . ومثاله مالو علم بتعلُّق ذمته بدين لزيد إلاّ نَّه تردد في مقدار ذلك الدين ، وهل هو درهم أو عشرة ، وهذه الحالة هي المعبَّر عنها بدوران الامر بين الاقل والاكثر الإستقلاليين ، إذ انَّ وجوب الدرهم ليس له ارتباط بوجوب العشرة لأنَّ العشرة لو كانت واجبة فهي روحاً منحلَّة الى وجوبات بعدد الدراهم العشرة كل وجوب لا إرتباط له بالآخر بل انّ لكلِّ وجوب طاعة ومعصية مستقلة عن الطاعة والمعصية في الوجوب الآخر ، ولذلك لو قضى جزءً من الدين المعلوم وجحد الجزء الآخر لكان مطيعاً وعاصياً .
ومن هنا لم يستشكل أحد في هذه الصورة بل جزموا بجريان البراءة عن المقدار الزائد عن الاقل . فالواجب في المثال هو أداء الدين لزيد بمقدار الدرهم وأمَّا التسعة فهي مجرى لاصالة البراءة الشرعية ، وذلك لانَّه من الشك في التكليف الزائد أو قل هو شك في تكاليف اخرى فتجري عنها البراءة بلا ريب .
الصورة الثانية : وهي محلُّ البحث في المقام ، وهي مالو كان التردد بين الاقل والاكثر في مركب واحد ، وهذا هو المعبَّر عنه بدوران الامر بين الاقل والاكثر الإرتباطيين ، إذ الاكثر لو كان واجباً فإنَّ التكليف لا يسقط بالاقل .
وبتعبير آخر : انّ التكليف إذا كان متعلّقه مركباً فإن له طاعة واحدة ومعصية واحدة فإن جاء بمتعلَّق التكليف كاملا فهو مطيع وإلاّ فهو عاص ، وهذا هو مبرِّر التعبير بالإرتباطية .
ومثال ذلك مالو علم المكلَّف بجامع التكليف وهو وجوب الصلاة إلاّ انَّ الشك وقع في مقدار متعلَّق التكليف وهل انَّ مقداره تسعة أجزاء أو انَّ مقداره عشرة أجزاء هذا في المركبات العبادية .
وأمّا في المركبات المعاملاتية فمثاله علم المكلَّف بصحة الزواج المنقطع إلاّ انّه تردد من جهة تقومه بذكر الاجل أو عدم تقومه بذلك ، فهذا شك بين الاقل والاكثر الإرتباطيين ، إذ انَّ الامر يدور بين تقوُّم هذا العقد بالايجاب والقبول فحسب أو هما بإضافة ذكر الاجل ، والإرتباطية نشأت من انَّ العقد مركبٌ معاملاتي فإمَّا أن يقع وإمَّا أن لا يقع .
ومع اتّضاح هذه الصورة نقول : انَّه قد وقع البحث والنزاع في انَّها من مجاري أصالة البراءة أو أنَّها من موارد جريان قاعدة المنجزيَّة للعلم الإجمالي .
وبتعبير آخر : هل انَّ الشك في الأكثر شك بدوي حتى تجري عنه البراءة أو هو شك مقترن بالعلم الإجمالي فتجري في مورده قاعدة المنجِّزية للعلم الاجمالي ؟
والصحيح بنظر المصنِّف (رحمه الله) هو انّ الشك في الاكثر من موارد الشك البدوي فتجري عنه أصالة البراءة ، وذلك لأنَّ العلم الإجمالي لا يكون إلاّ بين طرفين متباينين أي متغايرين بحيث لا يكون بينهما تداخل في الوجود ، فأحدهما لا يتصادق مع الآخر ولو بنحو الموجبة الجزئية ، وذلك مثل دوران النجاسة بين الطرف الاول والطرف الثاني ، وكذلك لو دار الأمر بين وجوب شيء أو حرمة آخر أو دار الأمر بين وجوب شيء أو وجوب شيء آخر بحيث يكون معروض الوجوب الاول مغايراً تماماً لمعروض الوجوب الثاني .
ومنشأ تقوُّم العلم الإجمالي بتباين طرفيه هو انَّ الجامع المعلوم لا يكون منطبقُه مردداً إلاّ في حالة لا يعلم بوجوده في أحد الطرفين على أيِّ حال ، إذ لو عُلم بانطباق الجامع على أحد الطرفين على أي حال سواء كان الطرف الآخر هو الواقع أو انَّ الواقع هو الطرف الاول ـ المعلوم وجود الجامع فيه ـ لكان ذلك يعني وجود علم تفصيلي بواقعية الطرف الذي هو منطبق الجامع وهو خلْف الفرض ، إذ انَّ الفرض هو وجود علم اجمالي .
إذن العلم الإجمالي لا يكون إلاّ في حالة لا يعلم فيها بانطباق الجامع المعلوم على أحد الأطراف على أيِّ حال . وإذا تمَّ هذا فمحلُّ الكلام خارج عن موضوع العلم الإجمالي ، وذلك للعلم بوجوب الاقل على أيِّ حال ، فلو كان الواجب واقعاً هو الاقل فهذا واضح ، ولو كان الواجب هو الاكثر فالاقلُّ أيضاً يكون واجباً إلاّ انَّه واجب في ضمن الاكثر ، فالاقلُّ إذن معلوم الوجوب على أيِّ حال .
وبعبارة اخرى : إنَّ الجامع معلوم الإنطباق على الاقل ، وهذا ما يجعل الاكثر مورداً لاصالة البراءة ، إذ انَّ الشك فيه حينئذ بدويٌّ .
وبهذا يتضح الشك في مقدار متعلَّق الصلاة الواجبة وانَّه التسعة أو العشرة ، فإنَّ الجزء العاشر يكون مجرى لاصالة البراءة ، إذ انَّ هذه الحالة تؤول الى علم تفصيلي بوجوب التسعة وشك بدوي في وجوب الجزء العاشر وهذا ما برَّر جريان البراءة عنه .
ودعوى انَّ دوران الامر بين الاقل والاكثر من دوران الامر بين المتباينين لأنَّ التسعة مباينة للعشرة دعوى غير مبررة وذلك لوضوح عدم التباين بينهما في مقام الوجود ، إذ انَّ العشرة متقوِّمة بالتسعة ، فلا تكون عشرة مالم تتحقّق الأجزاء التسعة قبلها .
واتّضح وسيتّضح انَّ أساس البناء على جريان البراءة أو المنجزيَّة للعلم الاجمالي هو تحرير واقع دوران الأمر بين الاقل والأكثر ، فالبحث من هذه الجهة صغروي ، فمن تقرَّر عنده انَّ واقع الدوران بين الاقل والاكثر هو الدوران بين الأمرين المتداخلين بنى على جريان البراءة عن الاكثر ، ومن تقرَّر عنده انّ الدوران بينهما من الدوران بين المتباينين بنى على المنجزية ولزوم امتثال الاكثر .
وقد عرفنا انَّ المصنِّف (رحمه الله) بنى على انَّه من قبيل الاول ، وقد بنى بعض الأعلام على الثاني وقرَّب ذلك بما حاصله :
إنَّ واقع الدوران بين الأقلّ والأكثر هو الدوران بين الأقل المطلق أو الأقل المقيَّد بالأكثر ، والإطلاق والتقييد لمَّا كانا متباينين فهذا يؤدي الى تباين معروضيهما ، فتكون التسعة المقيدة مباينة للتسعة المطلقة فيكون شرط العلم الإجمالي وهو تباين أطرافه متحقّق في المقام ، ومع تقرُّره تثبت له المنجزية .
وأمّا دعوى ـ انَّ العلم الإجمالي منحلٌّ الى علم تفصيلي بوجوب الاقل وشك بدوي في الأكثر لكون الأقل معلوماً على كلا التقديرين ـ ليست تامة ، وذلك لانَّه لمَّا كان الدوران بين الأقلّ المقيّد والأقلّ المطلق فهذا يقتضي انَّ الاول غير الثاني وانَّ بينهما تمام التباين ، فالاقل المطلق لا يصدق بحال على الاقل المقيد لأن صدقه يعني انتفاء هويته .
وبتعبير آخر : انَّ الاقل المطلق يعني الأقل بنحو اللابشرط الزيادة والأقل المقيّد يعني الأقل بشرط شيء أي الزيادة ، واللابشرط والبشرط شيء من اعتبارات الماهيّة والتي هي متباينة في نفسها ، وكل منها قسيم للآخر وهو دليل المباينة .
إذن المقام من دوران الأمر بين المتباينين ، وجامع هذا العلم لا يُحرز انطباقه على أحّد الطرفين بل انَّه مردّد بين الانطباق على الأقل المطلق .
أو الاقل المقيّد ، وذلك لأنَّ جامع هذا العلم هو وجوب التسعة وأطرافه هي المقيّدة أو المطلقة . وإذا كان كذلك فلا ينحل العلم الاجمالي بالاقل ، إذ هو نفسه جامع التكليف ، وإذا كان انحلال فلابدَّ من أن يكون لاحد الطرفين وهما الاقل المطلق أو الأقلّ المقيّد .
والجواب عن هذا التقريب :
ان تصوير العلم الاجمالي بهذه الكيفيّة غير تام ، وذلك لأنَّ التردّد بين الاطلاق والتقييد وان كان من قبيل التردّد بين المتباينين إلاّ انَّ هذا ليس له اتصال بالمكلَّف ، والذي له اتّصال بالمكلَّف هو التردّد الموجب للتنجيز .
ومن الواضح انَّ الإطلاق والتقييد ليس أكثر من الكيفيَّة التي لاحظها المولى حين جعل الوجوب على الاقل والاكثر ، فلو كان واقعاً لاحظ الاطلاق حين جعل الوجوب على الأقلّ فهذا لا يعني انَّ الواجب هو الاقل مع الاطلاق بل يعني انَّ الواجب هو الاقل وليس معه شيء آخر يكون متعلقاً لنفس الوجوب ، ولو كان واقعاً قد لاحظ التقييد حين إيجاب الاقل فهذا لا يعني وجوب الاقل مع القيد بل انَّ الواجب حينئذ هو الاقل باضافة الجزء .
ومن هنا يتّضح انَّ الإطلاق والتقييد انَّما هو كيفيّة اللحاظ الذي لاحظه المولى حين جعل الوجوب على متعلقه ، وهذا لا يتصل بالمكلَّف وما يتصل بالمكلَّف انَّما هو نفس الايجاب المجعول من المولى ، إذ هو المحرِّك للمكلَّف نحو الإتيان بالمتعلَّق والتردد عند المكلَّف حينما يريد التعرُّف على مقدار متعلَّق الايجاب هو تردد بين الأقلّ والأكثر ، إذ انّ الوجوب لو كان ملحوظاً في الإطلاق فالواجب هو الأقلّ ولو كان ملحوظاً فيه التقييد لكان الواجب هو الأقلّ مع إضافة الجزء . وهذا يعني انَّ التردّد عند المكلَّف انَّما بين الأقل والأكثر فلا علم إجمالي في المقام وانَّما هو علم بوجوب الأقل إمَّا باستقلاله أو في ضمن الأكثر .
ومن هنا يكون الشك في الأكثر شكاً بدوياً فتجري عنه البراءة .
العلم بوجوب الأقل مع الشك في إطلاقه :
كان الكلام فيما سبق حول دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر في حالة يكون الشك في أصل جعل الأكثر أي الشك في جعل المولى الوجوب للاقل أو جعله للأكثر ، كما لو وقع الشك في أصل جعل الوجوب للسورة في الصلاة .
وقد قلنا انَّ الاكثر يكون حينئذ مجرى لأصالة البراءة فلا يجب الالتزام به .
والكلام في المقام حول دوران الأمر بين الأقل والأكثر من حيث الشك في إطلاق وجوب الأكثر وهل انَّ وجوبه مطَّرد في تمام الحالات أو انَّه مختص بحالات دون حالات . فوجوب الاكثر معلوم وانَّما الشك في إطلاقه .
مثلا : لو كنَّا نعلم انّ خطبتي صلاة الجمعة جزء من الصلاة إلاّ اننا نشك في انَّ هذه الجزئيّة ثابتة في موارد العجز أو انَّها غير ثابتة ، فالشك إذن في اطلاق الوجوب لا في أصل الوجوب .
والاصل الجاري في المقام هو البراءة أيضاً ، لأنَّ الشك فيه شك بين الأقل والأكثر ، وذلك لأنّ العاجز يشك في انَّ الواجب المتعلّقة ذمته به هل هو الصلاة دون الخطبتين أو هي مع الخطبتين .
فالاقل ـ وهي الصلاة ـ محرز الوجوب على أيِّ حال والاكثر ـ وهي الخطبتين ـ مشكوك الوجوب ، فتجري عنه أصالة البراءة .
وهذا المقدار لا إشكال فيه ، نعم وقع الإشكال في مورد واحد من موارد الشك في إطلاق الاكثر ، وهو مالو وقع الشك في إطلاق الجزئية لحالات النسيان مع إحراز الجزئية في حالات التذكر .
ويمكن التمثيل لذلك بصلاة الطواف بناء على انّها ليست نسكاً مستقلا وانَّما هي جزء من المركب العبادي وهو الطواف . فلو كنَّا نحرز جزئيّتها لحالات التذكر ونشك في إطلاق الجزئية لحالات النسيان ، فهل تجري البراءة عن وجوب صلاة الطواف بالنسبة للناسي ـ وذلك لأنَّ الشك في حالة النسيان يؤول الى الشك بين الاقل والاكثر بالنسبة للناسي ـ أو أن الجاري هو أصل آخر لخصوصيّة في هذا المورد .
قد يُقال بالاول باعتبار انّ هذا المورد لا يختلف عن موارد الشك في الإطلاق والذي قلنا انَّه مجرى لأصالة البراءة .
إلاّ انَّه في مقابل ذلك قد يقال بعدم جريان أصالة البراءة في الجزء المشكوك في إطلاق الوجوب له في هذا المورد لخصوصية فيه . وهي تعذُّر مخاطبة الناسي بالتكليف ، وبيان ذلك :
انَّ توجيه الخطاب للناسي غير ممكن لو كان التكليف خاص به ، إذ انَّ الناسي حال نسيانه لا يتوجَّه الى انَّه في حالة نسيان بل يرى نفسه متذكراً وهذا ما يجعله غير ملتفت الى الخطابات الموجهة للناسي لانّه لا يرى شمولها له ، نعم لو كان الخطاب بالتكليف متوجِّه للاعم من الناسي والمتذكر لامكن ذلك ، إذ لا محذور حينئذ في توجيه الخطاب باعتبار وجود من يمكن مخاطبته وهو المتذكر وهو كاف في رفع استحالة توجيه الخطاب للناسي .
ومع اتضاح هذه المقدمة نقول : انَّه لو أجرينا البراءة عن الاكثر في حق الناسي فهذا يعني انَّ الخطاب بالاقل كان مختصاً به ، إذ افترضنا انَّ المتذكَّر يجب عليه الأكثر ، ولمَّا لم يكن من الممكن توجيه خطاب خاص بالناسي لافتراضه ناسياً وغير ملتفت الى انّه ناس فلا يمكن أن يتحرك عن هذا التكليف الخاص به ، فحينئذ يقع الشك في انَّ ما جاء به من الاقل هل هو مسقط للتكليف الشامل له ـ وهو التكليف بالاكثر ـ أو لا .
وبتعبير آخر : انَّ استحالة توجيه الخطاب للناسي يقتضي إمَّا عدم تكليفه من الاساس وهذا لا يمكن قبوله لإحرازه بتعلُّق ذمته بالوجوب ، وامَّا ان يكون الواجب عليه هو الاكثر كما هو الحال بالنسبة للمتذكر ، وحينئذ لمَّا كان قد جاء بالاقل نسياناً فإنَّ ذلك يُوجب الشك في سقوط التكليف عنه ، والشك في المسقط يؤول كما ذكرنا الى الشك في الخروج عن عهدة التكليف المعلوم . وهو يقتضي احراز الخروج عن عهدة التكليف ، إذ انَّ الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني .
حالة احتمال الشرطية :
كان الكلام حول دوران أجزاء الواجب بين الأقل والأكثر ، والبحث في المقام عن حالات الشك في الشرط ، كما لو شككنا في شرطية الطهارة في السعي أو شرطية القدرة على التسليم في عقد البيع أو شرطية استقبال الذابح والذبيحة في التذكية .
وفي تمام هذه الحالات تجري البراءة عن الشرط المشكوك في شرطيته ، وذلك لرجوع الشك فيه الى الشك بين الأقل والأكثر ، وبيان ذلك :
إنّ مردَّ الشرط هو تحصيص متعلَّق الحكم بحصة خاصة وهي الحصة الواجدة للقيد ـ كما بينا ذلك في محلِّه ـ ومعنى ذلك انَّ المتعلَّق للحكم هو ذات الفعل مع التقيُّد ، فالتقيُّد شيء زائد على ذات المقيَّد « الفعل » فحينما نشك في الشرطية فمعناه الشك في شيء زائد فيكون المقام من موارد دوران الامر بين الاقل والاكثر فتجري البراءة عن الأكثر لعين ماذكرناه في البحث السابق ، وليس المقام من موارد دوران الأمر بين المتباينين لتجري قاعدة منجِّزية العلم الإجمالي ، وذلك لأنَّ ذات المتعلَّق معلوم على أيِّ تقدير ، فهو إمَّا مجعول باستقلاله أو انَّة مجعول بالإضافة الى التقيُّد .
وهذا البيان يمكن تطبيقه على تمام الامثلة المذكورة والتي يتصل بعضها بالحكم التكليفي وبعضها بالحكم الوضعي .
ففي المثال الاول يقع الشك في انَّ متعلق الواجب هل هو السعي وحده أو هو مع اضافة تقيُّده بالطهارة ، فيكون الواجب مردداً بين الأقل والأكثر ، ولمَّا كان الاقل وهو السعي بمفرده محرز الوجوب على أيِّ تقدير فهذا يعني العلم به تفصيلا والاكثر وهو التقيُّد يكون الشك فيه بدوياً وأمّا المثال الثاني فيقع الشك في متعلَّق الصحة المجعولة شرعاً وهل انَّ متعلَّق الصحة هو الإيجاب والقبول فحسب أو هو مع التقيُّد بالقدرة على التسليم ، وهكذا الكلام في المثال الثالث .
التفصيل بين الشرط الراجع للمتعلَّق والشرط الراجع للقيد :
اتّضح ممّا تقدّم انَّ الشك في الشرطية مئاله الى دوران الامر بين الاقل والأكثر إلاّ انَّه قد يقال بالتفصيل بين الشروط الراجعة الى متعلَّق الحكم والشروط الراجعة الى موضوع الحكم ، فتجري البراءة عن الاول ويكون الثاني مجرى لاصالة الإشتغال ، وبيان ذلك :
إنَّ الشروط قد ترتبط بمتعلَّق الحكم مثل قوله (عليه السلام) « لا صلاة إلاّ بطهور »() فإنَّ الطهارة قيد وشرط لنفس الصلاة والتي هي متعلَّق الأمر بالصلاة . وهذا النحو من الشروط هي التي تكون مجرى لاصالة البراءة في حال الشك ففي شرطيتها ، لأنَّ مئآل الشرط فيها الى تحصيص الواجب بحصة خاصة وهي الواجدة للشرط فيكون الواجب هو ذات المشروط مع التقيُّد بالشرط .
ومن الواضح انَّه في حالات الشك في شرطيّة الطهارة يكون لنا علم تفصيلي بوجوب ذات المشروط وهي الصلاة وشك بدوي في وجوب الاكثر وهو التقيُّد بالطهارة فتجري البراءة عنه .
وهناك شروط ترتبط بموضوع الحكم كقوله (عليه السلام) « اشتر فحلا سميناً للمتعة »() فإنَّ موضوع الحكم بوجوب الهدي هو الفحل ، وقد اشترط في الفحل أن يكون سميناً ، فهذا قيد راجع الى موضوع الحكم ، فلو شك في شرطية ذلك فما هو الاصل الجاري في مثل هذه الحالة ؟
قد يُقال بعدم جريان البراءة ، وذلك لأنَّ تقييد الموضوع بقيد لا يؤول الى الأمر بالتقيُّد ، إذ انَّ اتصاف الموضوع بالقيد ليس من المأمور به ، إذ انَّ المأمور به هو متعلَّق الحكم لا موضوعه بل قد لا تكون قيود الموضوع مختارة للمكلَّف كما لو قال المولى « أعتق رقبة مؤمنة » ، فإنَّ اتِّصاف الرقبة بالإيمان ليس اختيارياً للمكلف ، نعم الإعتاق اختياري إلاّ انَّه ليس موضوع الحكم وانَّما هو متعلَّق الحكم .
والمقام من هذا القبيل فإنَّ اتّصاف الهدي بالسمانة ليس من المأمور به وإنَّما المأمور به هو شراء الهدي في المثال ، فهذا الذي يجب تحصيله ، وليس موضوعات الاحكام وشروطها مما يجب تحصيله ، نعم لو اتّفق وجودها ترتَّب الحكم ، كما هو شأن علاقة الموضوعات بأحكامها فما لم يكن الموضوع متقرراً فإن الحكم لا يترتّب .
ومع اتضاح هذا يتّضح انَّ الشك في ثبوت شرط لموضوع الحكم لا يكون من الشك في وجوب شيء زائد على ذات المتعلَّق « الواجب » . ومن هنا لا تجري البراءة عنه بل الجاري هو أصالة الإشتغال ، لأنَّ المكلّف لو طبق المأمور به على الموضوع الفاقد للشرط فإنَّه لا يحصل له الجزم بالخروج عن عهدة التكليف المعلوم .
والجواب :
انَّ القيود الراجعة الى الموضوع يمكن إرجاعها الى قيود متعلَّق الحكم ، وذلك لأنَّ تقييد موضوع الحكم يعني انَّ المتعلَّق المأمور به هو الحصة الخاصة وهي المتصفة بالموضوع المقيَّد أي انَّ المأمور به هو المتعلَّق مع متعلقاته ، فالفحل السمين هو متعلَّق الشراء المأمور به ، إذ انَّ الشراء تارة يكون متعلَّقه الفحل السمين وتارة الفحل الهزيل وتارة يكون غير الفحل ، فالمطلوب هو الشراء المتعلق بالفحل السمين ، وواضح إختيارية هذا النحو من التقييد فلا محذور أذن في ان يتعلَّق به وجوب .
ومن هنا لو وقع الشك في تقييد الموضوع بقيد فإنَّ ذلك يعني الشك في قيود المتعلَّق للحكم وأيُّ الحصص من طبيعة المتعلَّق هي المطلوبة ، هل هي الحصة المتقيّدة بالموضوع المقيَّد أو هي الحصّة المتقيدة بمطلق الموضوع ؟
فلو وقع الشك ـ مثلا ـ في اشتراط أن يكون الفحل سميناً ـ والذي هو موضوع الوجوب ـ فإنَّ ذلك يعني الشك في تقييد متعلَّق الحكم أي الشك في انَّ متعلق الحكم هل هو الطبيعي أو هو الحصة من الطبيعة وهي المتقيّدة بكون متعلَّقها هو الفحل السمين . فالشراء الذي هو متعلَّق الوجوب نشك في حدوده . والمقدار المحرز منه هو شراء الفحل وهذا يعني وجود علم تفصيلي بوجوب شراء الفحل وشك بدوي في الوجوب الزائد وهو التقييد بكون الفحل سميناً فتجري البراءة عنه .
فلا فرق إذن بين القيود الراجعة للمتعلَّق أو القيود الراجعة للموضوع من جهة انَّ الشك فيها يكون من الشك بين الأقل والأكثر .
 


حالات دوران الواجب بين التعيين والتخيير


الواجب التعييني هو الذي لا يُجزي عنه غيره في مقام امتثال الوجوب ، فالصلاة حينما تكون واجبة تعييناً فذلك يعني عدم إجزاء شيء آخر ـ كالصدقة أو الصوم ـ عنها .
والواجب التخييري هو ما يمكن الإستعاضة عنه في مقام الامتثال بواجب آخر ، كما لو ثبت أنَّ الواجب على المكلَّف الحاج إمَّآ الحلق أو التقصير ، فالحلق واجب تخييري ولهذا يمكن للمكلَّف التعويض عنه بالتقصير الواجب وبه يسقط التكليف عن الحلق .
والبحث في المقام عن دوران الواجب بين التعيين والتخيير ، كما لو وقع الشك في انَّ الصرورة هل يجب عليه الحلق تعييناً فلا يُجزي عنه التقصير أو انَّ الواجب هو إمَّا الحلق أو التقصير فيكون أحدهما مجزياً عن الآخر .
والبحث في المقام يعمُّ التخيير العقلي والذي يكون فيه الوجوب مجعولا على الطبيعة دون تقييدها بحصة خاصة فيُدرك العقل حينئذ انَّ المكلَّف مخيرٌ في مقام الإمتثال بين تمام أفراد حصص الطبيعة .
ومثاله مالو قال المولى « صلِّ » ولم يُقيِّد الصلاة بحصة خاصة ، فإنَّ العقل حينئذ يحكم بالتخيير ـ للمكلف ـ بين أفراد طبيعة الصلاة ، فهو مخير بين الصلاة في المسجد أو في البيت وهكذا ، فلو وقع الشك في الواجب «  الصلاة » من جهة انَّ المطلوب هل هو الحصة الخاصة من الصلاة ـ وهي الصلاة في المسجد ـ أو انَّ المطلوب هو مطلق الطبيعة الشامل للصلاة في المسجد ، فالشك هنا شك بين التعيين ـ وهي الحصة الخاصة من الطبيعة والتي هي الصلاة في المسجد ـ أو التخيير بين حصص الطبيعة ، فتكون الصلاة في المسجد واجباً تخييرياً يمكن التعويض عنها بالصلاة في البيت .
كما يشمل هذا البحث التخيير الشرعي وهو التخيير المستفاد من لسان الدليل ابتداءً ، ويمكن التمثيل لذلك بالتخيير بين قراءة فاتحة الكتاب أو التسبيح في الركعتين الأخيرتين ، فإنَّه قد ورد في بعض الأدلة التصريح بالتخيير كما في رواية علي ابن حنظلة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : سألته عن الركعتين الأخيرتين ما أصنع فيهما ؟ فقال (عليه السلام) « إن شئت فاقرأ فاتحة الكتاب وإن شئت فاذكر الله فهو سواء » قال : فقلت فأيُّ ذلك أفضل ؟ فقال (عليه السلام) : « هما والله سواء إن شئت سبَّحت وإن شئت قرأت »() ، فحينئذ لو جاء المكلَّف بأخذ طرفي التخيير فإنَّ هذا يكفيه عن الإتيان بالآخر .
والبحث هنا عمَّا لو وقع الشك في انَّ الواجب هل هو قراءة الفاتحة تعييناً بحيث لا يُجزي عنها غيرها أو انَّ الواجب هو إمَّا قراءة الفاتحة أو التسبيح ، وهنا يكون الشك بين التعيين ـ والذي هو وجوب قراءة الفاتحة دون غيرها ـ أو التخيير بينها وبين التسبيح .
وبعد أن تحرَّر محلُّ البحث نصل لبيان ماهو الاصل الجاري في موارد الشك بين التعيين والتخيير .
ومعرفة ماهو الاصل الجاري في المقام يرتكز على تحديد هوية هذا النحو من الشك ، وهل هو من موارد دوران الأمر بين الاقل والاكثر حتى تجرى البراءة عن الاكثر أو انَّ المقام من موارد دوران الأمر بين المتباينين فلا تجري البراءة ويكون الجاري هو قاعدة منجِّزية العلم الإجمالي لو تمت أركانه .
والجواب : انَّه قد ثبت في محلِّه انَّ الاحكام متعلِّقة بالطبايع لا بالافراد فحينما تجب الصلاة فالواجب هو الطبيعي والذي هو طبيعة الصلاة بمفهومها السَعِي ، غايته انَّ هذا الطبيعي الذي وقع متعلَّقاً للأمر يمكن تطبيقه على أحد مصاديقه .
واذا كان كذلك فالدوران في المقام انَّما هو بين المتباينين ، وذلك لأنَّ الشك انَّما هو ـ مثلا ـ بين الحلق تعييناً أو الأعم منه ومن التقصير ، وهذا يعني انَّ الواجب هو امَّا طبيعي الحلق أو طبيعي الجامع بين الحلق والتقصير  ، نعم هما متصادقان في أفرادهما خارجاً ، وذلك لأنَّ عنوان الجامع يصدق على أفراد عنوان الحلق إلاّ انّ ذلك لا يوجب كون الدوران بينهما من الدوران بين الاقل والاكثر ، لأنَّ الضابطة في تحديد هوية التردد وانَّه بين الاقل والاكثر أو بين المتباينين انما هو متعلَّق التكليف وهو الطبيعي ، ومتعلَّق التكليف في المقام مردد بين طبيعي الحلق وطبيعي الجامع بين الحلق والتقصير ، ومن الواضح انَّهما متباينان في عالم المفاهيم ، فأحدهما غير متحد مع الآخر ولو في الجملة .
واذا كان الدوران بينهما من الدوران بين المتباينين فهذا يعني وجود علم إجمالي طرفاه هما عنوان الحلق وعنوان الجامع بين الحلق والتقصير ، وجامع هذا العلم هو وجوب أحد العنوانين إلاّ انَّه مع ذلك لا يكون مثل هذا العلم الإجمالي منجِّزاً ، وذلك لاختلال الركن الثالث منه ـ وهو صحة جريان الاصول المؤمِّنة في تمام الاطراف لولا المعارضة ـ إذ انَّه لا يمكن إجراء الاصل المؤمِّن عن عنوان الجامع بين الحلق والتقصير حيث انَّ اجراءه يؤدي الى الترخيص في المخالفة القطعيّة .
وبيان ذلك :
إنَّ إجراء البراءة عن عنوان الجامع معناه الإذن في ترك الوجوب التخييري دون التعييني ، وهذا لا محصِّل له ، لأنَّه إذا كان معنى ترك الوجوب التخييرى هو ترك كل من الحلق والتقصير فهو إذْنٌ في ترك التكليف المعلوم وهو يؤدي الى الإذن في المخالفة القطعيّة .
وبتعبير آخر : إنَّ الإذن في ترك الوجوب التخييري ـ والذي متعلَّقه جامع العنوانين ـ يعني التأمين عمَّا هو مقطوع بوجوبه ، فالوجوب التخييري وإن لم يكن معلوماً إلاّ انَّ تركه يؤدي الى ترك جامع العلم الإجمالي وهو وجوب أحد العنوانين .
وكلُّ حالة يلزم من الترخيص في أحد الطرفين الترخيص في ترك جامع التكليف فإنَّ البراءة لا تجري عن ذلك الطرف ، وبهذا يختلُّ الركن الثالث من أركان منجزية العلم الإجمالي ، فيكون إجراء البراءة عن التعيين بلا معارض . واذا كان التعيين غير لازم لجريان البراءة عنه فالمكلَّف في سعة من جهة اختيار أحد العنوانين امَّا الحلق أو التقصير .
وهذا بخلاف مالو قلنا بأنَّ العلم الإجمالي منجِّز فإنَّ المكلَّف يكون ملزماً بالواجب التعييني ، إذ هو الذي يحصل بامتثاله الخروج عن عهدة التكليف ، فإنْ كان الواقع هو التعيين فقد جاء به وإن كان الواجب واقعاً هو التخيير فما جاء به هو أحد طرفي الواجب التخييري .
 


الإستصحاب


تعريف الإستصحاب :
وقيبل بيان تعريف الإستصحاب لابدَّ من تقديم مقدمتين :
المقدّمة الاولى : في بيان مجرى الإستصحاب بنحو مجمل فنقول : إنَّ الإستصحاب لمَّا كان مورده الحكم الظاهري فهذا يقتضي عدم جريانه إلاّ في حالات الشك في الحكم الواقعي ، وذلك لأنَّ الحكم الظاهري اُخذ في موضوعه الشك في الحكم الواقعي .
وهذا البيان لا يختص بالاستصحاب بل هو شامل لكلِّ مثبت للحكم في ظرف الشك سواء كان من قبيل الأمارات أو من قبيل الاصول العمليَّة .
والذي يختص به الإستصحاب دون سائر الادلة هو انَّه متقوِّم بالشك المسبوق باليقين ، فمتى ما كان المكلَّف على يقين بشيء ثم وقع الشك في بقاء ذلك الشيء المتيقّن فإنَّ الإستصحاب يقتضي تسرية آثار اليقين الى ظرف الشك ، فكما اننا لو كنَّا على يقين بذلك الشيء فإنّنا نرتِّب آثار ذلك اليقين فكذلك لو شككنا بعد ذلك في بقاء ذلك الشيء فإننا نتعامل كما لو كنَّا على يقين من جهته .
مثلا : لو كنَّا على يقين بوجوب صلاة الجمعة في زمن الحضور ثمّ في عصر الغيبة وقع الشك في استمرار ذلك الوجوب فإنَّ الاستصحاب يقتضي في مثل هذه الحالة بقاء الوجوب الثابت في زمن الحضور ، فكما انَّ الوجوب المتيقن يقتضي التحرُّك والانبعاث عنه كذلك الوجوب المشكوك إذا كانت حالته السابقة هي اليقين بالوجوب .
المقدّمة الثانية : انَّه وإن كان من المسلَّم انّ المجعول في مورد الاستصحاب هو الحكم الظاهري إلا انَّه وقع النزاع في انَّ الاستصحاب كاشف عن الحكم الظاهري أو هو بنفسه حكم ظاهري أي انَّ الاستصحاب هل هو من الامارات ـ والتي شأنها الكشف عن الحكم الواقعي ـ أو هو من قبيل الاصول العمليَّة المقرِّرة لوظيفة المكلَّف في ظرف الشك في الحكم الواقعي .
ومن الواضح انَّه بناء على الاول يكون دور الإستصحاب دور الكشف عن الحكم الواقعي ، وأما بناءً على الثاني فالاستصحاب بنفسه حكم ظاهري فجعل الاستصحاب يعني جعل الوجوب الظاهري أو جعل الحرمة الظاهرية أو الشرطية الظاهرية وهكذا .
كما انَّه وقع النزاع بينهم فيما هو دليل الإستصحاب وهل هو من مدركات العقل أي انَّ العقل يُدرك بقاء المتيقن على ماهو عليه في ظرف الشك فيكون الدليل على حجية الاستصحاب هو الحكم العقلي القطعي أو الظني أو انَّ مَدرك الحجيَّة للإستصحاب هو السيرة العقلائية الجارية على اعتبار المشكوك ـ لو كان مسبوقاً باليقين ـ متيقناً وترتيب آثار اليقين على حالات الشك ، أو انَّ مَدركه هو الروايات القاضية بحرمة نقض اليقين بالشك ، وهذا ما سيأتي تفصيله في دليل الإستصحاب .
ومع اتضاح هاتين المقدمتين نصل لبيان تعريف الاستصحاب :
فقد ذكر الشيخ مرتضى الأنصاري بما معناه ـ ووافقه صاحب الكفاية مع تعديل طفيف يرجع الى الصياغة ـ انّ أسدَّ التعاريف وأخصرها للاستصحاب هو انَّه « الحكم ببقاء ما كان » .
إلاّ انَّ السيد الخوئي (رحمه الله) أورد على هذا التعريف بايراد حاصله :
انَّه لا يتناسب مع تمام المباني المختلفة في تحديد واقع الاستصحاب وما هو الدليل عليه ، وانَّما يتناسب مع البناء على انَّ الاستصحاب من الاصول العمليَّة ، إذ انّه بناء على انَّ الاستصحاب من الأمارات ينبغي ان يُعبِّر التعريف عن أهلية الاستصحاب للكشف عن الحكم الشرعي ، ولهذا يمكن ان يُقال انَّه ليس للإستصحاب تعريفاً يمكن أن يكون معبِّراً عن تمام المباني المتباينة من جهة تحديد هوية الاستصحاب ونحو دليليَّته وماهو دليل حجيَّته .
ومن أجل ان يتّضح اشكال السيد الخوئي (رحمه الله) على التعريف لابدَّ من بيان معنى التعريف وماهو منشأ عدم صلوحه لتعريف الاستصحاب بناء على أماريته فنقول :
إنَّ المراد من تعريف الإستصحاب بأنَّه « الحكم ببقاء ما كان » هو حكم الشارع باستمرار الحالة المتيقنة في ظرف الشك في استمرارها فما كان متيقناً حقيقة هو متيقن عملا في ظرف الشك في البقاء ، ومن الواضح انَّ هذا التعريف انَّما يتناسب مع كون الإستصحاب أصلا عمليّاً ، وذلك لأنَّ الأمارة ليست حكماً شرعياً وانَّما هي كاشف ظني نوعي أي انَّ الامارة هي ما يكون العلم بها موجباً للظن بمؤداها عند نوع العقلاء ، فالاستصحاب لو كان أمارة لما كان بنفسه حكماً شرعياً ، نعم يكون كاشفاً ظنياً عن الحكم الشرعي ، وهذا بخلاف الاصل العملي فإنَّه من الاحكام الشرعيّة المجعولة على المكلَّف حين تحقق موضوعاتها . فجعل البراءة في ظرف الشك مثل جعل الوجوب للصلاة عند الزوال ، فكما انَّ الوجوب للصلاة مجعول شرعي موضوعه الزوال فكذلك البراءة مجعول شرعي موضوعه الشك في الحكم الواقعي .
وهكذا الكلام في الاستصحاب ـ لو كان أصلا عمليَّاً ، إذ انَّ الاستصحاب لا يعني أكثر من الوجوب والحرمة والإباحة وهكذا ، فلو كانت الحالة السابقة المتيقنة هي الوجوب فمعنى استصحاب الوجوب هو انَّ الشارع قد جعل الوجوب على المكلَّف في ظرف الشك في استمرار الوجوب أو انتفائه وهكذا استصحاب الحرمة فإنَّ معناه هو حكم الشارع بالحرمة في ظرف الشك في استمرارها .
وبهذا اتضح انَّ التعريف لا يتناسب الاَّ مع كون الإستصحاب أصلا عمليَّاً ، ومن هنا عدل السيد الخوئي (رحمه الله) عن هذا التعريف ، وذلك لأنَّه لا يرى انَّ الاستصحاب من الاصول العمليَّة بل هو من الأمارات التي شأنها الكشف عن الحكم الشرعي ، فلابدَّ أن يكون التعريف معبِّراً عمَّا للإستصحاب من أماريَّة وطريقيَّة ، ولذا فالصحيح في تعريف الإستصحاب هو : « اليقين بالحدوث » ، إذ انَّ هذا التعريف هو المتناسب مع كون الاستصحاب أمارة ، وذلك لأنَّ تعريف الاستصحاب باليقين بالحدوث تعريف له بمنشأ كاشفيته ، إذ انَّ اليقين بالحدوث هو الكاشف الظنّي النوعي عن بقاء ما كان ، فحينما نكون على يقين بوجوب صلاة الجمعة في زمن الحضور فإنَّ هذا يكشف عن بقاء الوجوب في زمن الغيبة لو وقع الشك حينذاك في بقاء الوجوب .
ومن هنا يتضح ان تعريف الاستصحاب لابدَّ وأن يختلف باختلاف المبنى فيما هو حقيقة الاستصحاب وهل انَّه أمارة أو أصل ، وذلك لعدم وجود تعريف جامع يتناسب مع كون الإستصحاب أمارة وأصلا عمليَّاً .
وقد أورد المصنِّف (رحمه الله) على ما أفاده السيد الخوئي (رحمه الله) ثلاثة إيرادات :
الايراد الاول :
انَّه لو كان البناء هو تعريف الاستصحاب بما يتناسب مع كونه أمارة لما صح ان يُعرَّف « باليقين بالحدوث » ، وذلك لأنَّ منشأ أمارية الإستصحاب ليس هو اليقين بالحدوث بل هو نفس الحدوث ، إذ انَّ طبع كل حادث انَّه يبقى ، فطبيعة الحادث بنفسها تكشف عن البقاء والإستمرار ، فحينما يتحقق الوجوب فإنَّ تحققه وتقرُّره يقتضي بقاءه وكذلك حينما يكون الشيء نجساً فإن ذلك يقتضي بقاء نجاسته .
وهذا الإقتضاء يكشف كشفاً ظنياً عن البقاء فليس لليقين دور في أمارية الحدوث على البقاء ، نعم اليقين له دور الكاشفية عن تحقّق الأمارة ، فاليقين بالحدوث يكشف عن تحقق الحدوث والحدوث أمارة على البقاء ، وهذا مثل خبر الثقة في الأحكام والبينة في الموضوعات ، فإنَّه حينما نعلم بالوجدان قيام البينة على وقوع شيء فإنَّ العلم الوجداني لا يكون هو المبرِّر لكاشفية البينة عن وقوع ذلك الشيء وانما يكون دور العلم الوجداني هو الكشف عن قيام البينة ويكون دور البينة هو الكشف الظني عن وقوع ذلك الشيء الذي دلَّت البينة على وقوعه ، فالبينة بنفسها أمارة وكاشفة عن مؤدَّاها حتى لو لم يكن علم وجداني بتحققها ، وهكذا الكلام في اليقين بالحدوث ، فإنَّ الحدوث أمارة على البقاء بقطع النظر عن اليقين به ، غايته انّ اليقين يُثبت انَّ الحدوث قد وقع خارجاً .
فالصحيح ان يُعرَّف الاستصحاب ـ لو كنَّا نبني على أماريته ـ بالحدوث أي انَّ الاستصحاب هو أمارية الحدوث على البقاء .
الإيراد الثاني :
إنَّ الإستصحاب بناء على كونه أمارة أو بناء على كونه أصلا عمليَّاً لا يُنتج إلا حكماً ظاهرياً ، إذ انَّ حجيته على المبنيين انَّما هي في طول العلم بالحكم الواقعي ، واذا كان كذلك فيمكن تعريف الإستصحاب بما يتناسب مع أماريته وبما يتناسب مع اعتباره أصلا ، وذلك بأن يكون التعريف مشتملا على الحيثية المشتركة وهي منتجيته للحكم الظاهري ، فهو بناء على كونه أمارة فهو يكشف عن الحكم الشرعي الظاهري وبناء على كونه أصلا عمليَّاً فهو يُحدِّد وظيفة المكلَّف في ظرف الشك المسبوق بالعلم ، وهذه الوظيفة من الاحكام الظاهرية كما هو واضح .
وبهذا اتَّضح انَّ الحيثية المشتركه بين المبنيين وهي المنتجية للحكم الظاهري صالحة لأن تكون مركزاً في تعريف الاستصحاب على المبنيين ولا يلزم أن يؤخذ في تعريف الاستصحاب حيثية الكشف أو حيثية الوظيفة المحضة .
الإيراد الثالث :
انَّه لا نقبل دعوى عدم وجود تعريف جامع لتمام المباني المختلفة في تحديد هوية الاستصحاب ، فإنَّه بالإمكان تعريفه « بمرجعية الحالة السابقة بقاء » بمعنى انَّ المكلَّف اذا كان على يقين بالحدوث فإنَّه يمكن ان يُعوَّل على ذلك اليقين بالحدوث ويعتمد عليه باعتباره كاشفاً عن الحكم الشرعي أو مثبتاً للتنجيز والتعذير أو انَّه مثبت لجعل حكم شرعي مطابق لما هو متيقن الحدوث .
فتعريف الإستصحاب بمرجعية الحالة السابقة يتناسب مع تمام المباني في تحديد هوية الاستصحاب ، فهو يتناسب مع كون الإستصحاب أمارة ، وذلك لأنَّ أمارية الإستصحاب تعني انَّ الحالة السابقة المتيقنة يمكن التعويل عليها في مقام استكشاف الحكم الشرعي أو استكشاف الموضوع ذي الأثر الشرعي .
كما يتناسب مع كون المجعول في الاستصحاب هو المنجزية والمعذريَّة ، وذلك لأنَّ مرجعية الحالة السابقة حينئذ تعني إمكان الإستناد اليها في مقام إثبات المنجزيَّة والمعذريَّة للحكم المشكوك .
كما يتناسب هذا التعريف مع كون الاستصحاب هو الحكم ببقاء المتيقن في ظرف الشك في بقائه ـ والذي هو الاصل العملي ـ وذلك لانَّ الحالة السابقة هي الموضوع المنقِّح لجريان الاستصحاب .
التمييز بين الاستصحاب وغيره :
ومن أجل ان يتحرَّر معنى الاستصحاب أكثر لابدَّ من بيان تميُّزه عن بعض القواعد التي يُتوهم بدواً انها عين الاستصحاب أو متداخلة معه ، وهذه القواعد هي قاعدة اليقين وقاعدة المقتضي والمانع .
أمّا قاعدة اليقين :
فهي كما قالوا عبارة عن الشك الساري لليقين أي العادم لليقين أو قل انَّه الشك الذي يطرد اليقين ويحلُّ محلَّه .
وبتعبير أوضح : انَّ قاعدة اليقين هي عبارة عن تحوُّل اليقين بشيء الى الشك فيه بحيث يتضح للمتيقِّن انَّه كان مخطئاً في يقينه وانَّه لم يكن موجباً لليقين فتستقر نفسه على الشك وتستقرُّ على انّ يقينه كان محض وهم ، وهذا بخلاف الإستصحاب فإنَّ اليقين في مورده يظلُّ ثابتاً في النفس ، غايته انَّ الشك يكون في بقائه .
والمتحصَّل انَّ اليقين والشك ـ في قاعدة اليقين ـ يتواردان على متعلَّق واحد أما قاعدة الاستصحاب فمتعلق اليقين فيه غير متعلَّق الشك ، إذ انَّ متعلَّق اليقين هو الحدوث ومتعلَّق الشك هو بقاء الحادث .
مثلا : لو كنت على يقين بعدالة زيد في السنة الماضية ثم شككت في عدالته ، فتارة يكون الشك في عدالته من حيث وجودها واقعاً في السنة الماضية بمعنى انني أشك بأنَّ عدالته لم تكن وان يقيني لم يكن في محلِّه ، فهذا هو الشك الساري وهو قوام قاعدة اليقين .
وتلاحظون انَّ متعلَّق الشك ومتعلَّق اليقين ـ في قاعدة اليقين ـ واحد وهو عدالة زيد فعدالة زيد هي المتيقنة وهي المشكوكة كما انَّ زمن اليقين بالعدالة هو زمن الشك في العدالة وهي السنة الماضية في المثال ، غايته ان حالة الشك تأخرت عن حالة اليقين إلاّ انَّهما قد تبادلا على موضوع واحد في زمن واحد .
أما لو كان الشك في عدالة زيد شكاً في استمرار العدالة ـ والتي لا زال اليقين بحدوثها على حاله ـ فهذا هو موضوع الإستصحاب .
وتلاحظون انَّ الشك في مورد الاستصحاب لا يطرد اليقين ولا يُعدِمه ، إذ انَّ متعلَّق أحدهما غير متعلَّق الآخر ، فمتعلَّق اليقين هو وجود العدالة في السنة الماضية ومتعلَّق الشك هواستمرار العدالة الى ما بعد السنة الماضية ، ولذلك لا يتنافى اليقين والشك في قاعدة الإستصحاب فيمكن ان يجتمعا في نفس واحدة ، وهذا بخلاف قاعدة اليقين فإنَّ الشك لا يمكن ان يجتمع مع اليقين فمتى ما تحقق الشك انعدم اليقين .
ومن أجل ان يتضح الفرق أكثر نذكر هذا التطبيق : لو أوقع المكلَّف الطلاق بمحضر زيد معتقداً عدالته ثم بعد ذلك شك في عدالته ، فتارة يكون شكه من نحو الشك الساري بمعنى تحوُّل يقينه بعدالة زيد في وقت ايقاع الطلاق الى شك في عدالته .
وهنا لا يكون الطلاق الذي أوقعه صحيحاً لاشتراط العدالة الواقعية في شاهد الطلاق . ولمَّا لم تكن عدالة الشاهد ـ وهو زيد ـ محرزة فالطلاق بمحضره لا يكون محرز النفوذ .
أما لو كان الشك في عدالة زيد من جهة بقاء اتصافه بالعدالة لا من جهة وجودها حين ايقاع الطلاق فإنّ الإعتقاد بعدالته حين إيقاع الطلاق لم يطرأ عليه شك ، فهذا النحو من الشك هو المقوِّم لقاعدة الإستصحاب إذ انَّ الشك في هذه الصورة لا ينافي اليقين . ومن هنا يكون ما أوقعه من طلاق في محضر زيد صحيحاً ونافذاً لتوفره على شرط الصحة وهو إحراز عدالة الشاهد للطلاق .
وبهذا اتضح ان قاعدة اليقين وقاعدة الاستصحاب وإن كانا يتقومان بالشك واليقين إلاّ انَّ حيثية الشك في قاعدة اليقين تختلف عن حيثيته في قاعدة الاستصحاب ، فالاول يكون الشك نافياً لليقين والثاني لا يكون كذلك .
وبتعبير آخر : انَّ نقض الشك لليقين في قاعدة اليقين تكويني وحقيقي ، أمَّا في قاعدة الاستصحاب ، فناقضية الشك لليقين ليست بمعنى امتناع اجتماعهما بل بمعنى انتهاء أمد اليقين وابتداء مرحلة جديدة هي الشك في الموضوع الذي تعلَّق به اليقين سابقاً ، على انَّه يمكن دعوى عدم تقوُّم الإستصحاب بالشك في البقاء ، وذلك لأنَّ الشك في البقاء ليس مطرداً في تمام حالات جريان الإستصحاب .
ومثال ذلك مالو علمنا بوقوع النجاسة في مائع معين إلاّ اننا لا ندري متى وقعت النجاسة هل هي في الساعة الواحدة أو الساعة الثانية ظهراً ثم بعد ذلك وقع الشك في إرتفاع النجاسة ، فإن بالامكان إجراء استصحاب النجاسة الى الساعة الثانية رغم انَّ الساعة الثانية لا يُحرز انّها بقاءً للنجاسة ، إذ لعلها وقعت في الساعة الثانية فتكون الساعة الثانية هي زمن الحدوث لا زمن البقاء ، فلو كان الإستصحاب متقوِّماً بالشك في البقاء لما كان جارياً في المقام ، إذ اننا لا نُحرز أن الشك في الساعة الثانية شك في البقاء ، نعم نحن نشك في وجود النجاسة في الساعة الثانية إلاّ انَّ اتِّصافه بأنَّه شك في البقاء محلُّ تردد ، إذ لو كان زمان الحدوث للنجاسة ـ المعلوم وقوعها ـ هو الساعة الثانية لما كان الشك حينئذ شكاً في البقاء بل هو شك في وجود النجاسة المحرز وقوعها على أيِّ حال . فالشك في البقاء إذن ليس مقوِّماً للإستصحاب بل انَّ مقوِّم الاستصحاب هو الشك فحسب .
ومن هنا يمكن ان يُقال بكفاية إحراز وجود الحادث لإجراء الاستصحاب لو أردنا اثبات المستصحب « الحادث » حين الشك .
وأما قاعدة المقتضي والمانع :
فالمراد منها هو ترتيب آثار وجود المعلول عند اليقين بوجود
المقتضي ـ والذي هو الركن الاساسي في عليَّة العلة ـ مع عدم إحراز انتفاء المانع والذي هو الجزء الآخر لعليَّة العلَّة .
وتوضيح ذلك :
انَّه تارة نُحرز تحقق المقتضي للمعلول ونُحرز عدم وجود ما يمنع عن تأثير المقتضي أثره فهنا لا ريب في تحقق المعلول ، وذلك لتمامية علته .
ومثال ذلك ان نُحرز وجود النار المقتضية لإحراق الخشب ونُحرز عدم وجود ما يمنع النار عن إحراق الخشب وهنا لا ريب في تحقّق المعلول وهو إحتراق الخشب .
وفي حالة اخرى نُحرز وجود المقتضي إلاّ انَّنا نشك في انتفاء المانع فلعلَّه منتف ولعلَّه موجود ، وهنا يكون مجرى قاعدة المقتضي والمانع ، ومفادها هو البناء على عدم المانع وبالتالي يكون المقتضي أثَّر أثره وأوجد معلوله ـ والذي يُعبَّر عنه بالمقتضى بصيغة المفعول ـ .
ومثاله ان نُحرز وجود النار في الخشب إلا انّنا لا نعلم بما اذا كان هناك مانع من تأثير النار أثرها وهو إحراق الخشب ، فهنا نبني ـ بمقتضى هذه القاعدة على عدم وجود المانع وأن المقتضي وهو النار قد أحرقت الخشب .
وتلاحظون انَّ هذه القاعدة تتفق مع قاعدة الاستصحاب من جهة انها متقومة بالشك واليقين إلاّ أنها تختلف عن الإستصحاب من جهة انَّ مورد الشك فيها مباين ذاتاً لمورد اليقين ، فمتعلَّق اليقين فيها هو وجود المقتضي ومتعلَّق الشك هو وجود المانع . أما قاعدة الإستصحاب فالمتيقن هو المشكوك غايته انَّ حيثية الشك تختلف عن حيثية اليقين ، فمتعلَّق اليقين والشك هي نجاسة المائع ـ مثلا ـ إلاّ ان جهة اليقين هي الحدوث وجهة الشك هي البقاء .
وبهذا البيان اتَّضح الفرق بين القاعدتين ، واتَّضح أيضاً انَّ القواعد الثلاث لا تتصل إحداها بالاخرى . ثم انَّ هناك فارقاً آخر بين القواعد الثلاث يتصل بمنشأ كاشفية هذه القواعد عن الواقع .
فقاعدة الإستصحاب انَّما تكشف عن بقاء الحادث واستمراره باعتبار انَّ من طبع الحادث اذا حدث ان يستمر ويبقى .
وأما قاعدة اليقين فهي تكشف عن واقعيَّة المتيقن باعتبار ندرة وقوع الخطأ في حالات اليقين ، فلذلك يكون الشك في متعلَّق اليقين لا إعتداد به وانَّ اليقين أقرب للصواب منه الى الخطأ .
وأما قاعدة المقتضي والمانع فهي تكشف عن انتفاء المانع وتأثير المقتضي أثره باعتبار انَّ الحالة الغالبة عند وجود المقتضي هي عدم وجود ما يزاحمه ويمنع عن تأثيره .
إذن فمنشأ الكشف الظني في كل قاعدة يختلف عنه في القاعدة الاخرى ، وهذا ما يُبرِّر عدَّه في ضمن الفوارق بين هذه القواعد الثلاث .
 


أدلّة الاستصحاب


وقد استُدل لحجيَّة الإستصحاب بثلاثة انحاء من الادلة :
النحو الاول : هو الإستدلال على الاستصحاب باعتبار انَّ ركنه المقوِّم ـ وهو اليقين بالحدوث أو قل الحدوث نفسه ـ موجب للظن النوعي بالبقاء ، وذلك لأنَّ الحالة الغالبة هي بقاء الحادث بعد حدوثه ، وهذه الغلبة في بقاء الحادث هي الموجبة للظن النوعي باستمرار الحادث ، وكل ما كان هناك ظن نوعي فإنَّ له الدليليَّة والحجيَّة أي انَّ الظن النوعي موجب للجريان على وفقه شرعاً .
ويمكن ان تؤيد دعوى ايجاب اليقين بالحدوث للظن النوعي بالبقاء بما جرت عليه سيرة العقلاء من البناء على بقاء الحادث وترتيب آثار البقاء بمجرَّد انه محرز الوقوع والحدوث ، فإذا كان البناء العقلائي على ذلك مع الإلتفات الى أن العقلاء لا يعتمدون في مقام استكشاف الواقعيات إلاّ على ما يوجب الإطمئنان أو الظن النوعي فإذا لم يكن الإستصحاب موجباً للإطمئنان فهو لا أقل موجب للظن النوعي في نظرهم ، وهذا ما يعزز كون الحدوث أمارة البقاء .
والجواب عن هذا الدليل : انه موهون في صغراه ومؤيدها وكذلك كبراه .
أما الصغرى : فلا نسلِّم انَّ الحدوث بنفسه موجب للظن النوعي ، نعم قد ينشأ الظن بالبقاء عند إحراز وجود الحادث إلاّ انَّه لا لإقتضاء الحادث نفسه للظن في البقاء ، إذ اننا وبالوجدان نجد انَّ إحراز وجود الحادث لا يقتضي في حالات كثيرة البقاء مما يُعبِّر عن انَّ هناك منشأ آخر للظن بالبقاء وليكن هو طبيعة الحادث المقتضية للبقاء الى حين زمان الشك  ، كما لو علمنا بتولُّد إنسان صحيح البدن وشككنا بعد سنة في بقائه ، فإنَّه لو رجعنا الى أنفسنا لوجدناها تُرجِّح جانب البقاء إلا انَّ هذا الترجيح ـ والذي هو الظن بالبقاء ـ لم ينشأ عن العلم بتولُّد هذا الانسان وانَّما نشأ عن معرفة طبيعة هذا الحادث وأنَّه حينما يحدث يبقى لأكثر من سنة ، ولذلك لو علمنا ـ مثلا ـ أنَّ خطيباً قد بدأ خطبته ثم وقع الشك بعد ساعتين في استمراره في خطابه فإنَّه لا يحصل الظن بالإستمرار وما ذلك إلاّ لعدم إقتضاء هذا النحو من الحادث للبقاء الى هذه الفترة الزمنيَّة .
وأما المؤيد : فهو لا يصلح للتأييد ، وذلك لإحتمال أن يكون منشأ التباني هو الجريان على مقتضى الإلفة والعادة كما هو الحال في الحيوانات أو يكون المنشأ ـ ولو في بعض الحالات ـ هو رجاء البقاء ، أو انَّ المنشأ هو قوة المحتمل مثلا قد يتحرك العطشان نحو المحل الذي كان يقطع بوجود الماء فيه لا لأنه يظن ببقاء المال بل لشدة اهتمامه بالمطلوب ، فلعلَّ احتمال بقاء الماء في ذلك المحل ضئيل جداً ومع ذلك يتحرَّك نحوه لعله يجده وماهذا إلا لقوة المحتمل والذي هو المطلوب .
وأمَّا الكبرى : فلأنَّ الظن ليس حجة بذاته ، فلا بدَّ لإثبات الحجيّة له من قيام دليل قطعي على الحجيَّة ولمّا لم يكن دليل على حجيَّة هذا الظن فهو ساقط عن الإعتبار .
النحو الثاني : وهو الإستدلال بالسيرة العقلائية القاضية بالبناء على الحالة السابقة وترتيب آثار البقاء بمجرَّد إحراز الحدوث .
والجواب : انَّ هذه السيرة لا يمكن الإستدلال بها على الإستصحاب لأنَّ مجرَّد البناء على الحالة السابقة لا يُعبِّر عن وجود اعتبار عقلائي قاض بترتيب آثار البقاء عند إحراز الحدوث فإنَّ كثيراً من السير منشاؤها التسامح خصوصاً في السلوك الذي لا يشكِّل الجريان عليه خطورة وتهديداً للصالح العام في المجتمع العقلائي فلعلَّ هذه السيرة من ضمن تلك السير التي تكون مبتنية على ما تقتضيه حالة التسامح من الإسترسال مع مقتضيات الإلفة والعادة والتي لا تنفك عادة عن الغفلة والذهول ، ولذلك لا يمكن استكشاف الإمضاء لهذا النحو من السير خصوصاً إذا لم تكن منافية لاغراض الشارع على انَّه يمكن القول بأنَّ البناءعلى الحالة السابقة ناشئة في كثير من الاحيان عن الإطمئنان بالبقاء أو ناشئة ـ كما قلنا ـ عن رجاء المطلوب أو عن قوة المحتمل .
النحو الثالث : هو الاستدلال بالروايات وهي المستند في اثبات الحجيَّة للإستصحاب .
ومن هذه الروايات صحيحة زرارة ، قال : قلت له الرجل ينام وهو على وضوء اتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء ؟ فقال : يا زرارة قد تنام العين ولا ينام القلب والإذن ، فإذا نامت العين والإذن والقلب وجب الوضوء ، قلت : فإن حُرِّك في جنبه شيء ولم يعلم به ؟ قال : لا حتى يستيقن انَّه قد نام حتى يجيء من ذلك أمرٌ بيِّن وإلا فإنَّه على يقين من وضوئه ولا تنقض اليقين أبداً بالشك ولكن انقضه بيقين آخر »() .
ويمكن صياغة الرواية باسلوب أوضح :
ان زرارة (رحمه الله) كان يُحرز أن النوم من نواقض الوضوء إلاّ انَّه كان يسأل عن حالة الشك في تحقق هذا الناقض وعن أنَّ الخفقة والخفقتين مما يُوجب تحقق الناقض أو لا ؟ فأجابه الامام (عليه السلام) بأن المناط في تحقق الناقض هو نوم العين والاُذن والقلب معاً ، فما لم يتحقق نوم المجموع فإنَّه لا يتحقق النوم الناقض للوضوء . ثم سأل زرارة عن أمارية الحركة القريبة مع عدم الإلتفات اليها على تحقق النوم الناقض أو انَّ ذلك ليس أمارة ؟ فأجابه الإمام (عليه السلام) إنَّ ذلك غير موجب لإحراز الناقض بل غاية ما ينتجه ذلك هو الشك وهو غير معتبر في ثبوت الناقضية بعد ان كان المكلَّف متيقناً بالطهارة من الحدث ولا يرفع اليد عن اليقين بالطهارة بالشك فيها ، نعم الموجب لرفع اليد عن الطهارة المتيقنة هو إحراز حدوث الناقض ، ثم ذيَّل الإمام (عليه السلام) كلامه بكبرى كليَّة نهى فيها عن نقض اليقين بالشك .
ثم انَّ الكلام في الرواية يقع في جهات :
الجهة الاولى :
والبحث فيها عن فقه هذه الفقرة من الرواية وهي « وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه ولا ينقض اليقين بالشك » . وهو من ناحيتين :
الناحية الاولى : هي انَّ الرواية عبَّرت عن الشك في البقاء انَّه نقض لليقين رغم انَّه لا تنافي بين اليقين بالحدوث والشك في البقاء ، وذلك لعدم اتحاد المتعلَّق في كل من اليقين والشك ، حيث انَّ متعلَّق اليقين هو نفس الحدوث ومتعلَّق الشك هو بقاء الحادث ، ومع عدم اتحاد متعلَّقي اليقين والشك كيف يكون الشك نقضاً لليقين ، وقد ذكرنا في بحث التمييز بين الاستصحاب وقاعدة اليقين أن الشك في قاعدة اليقين هو الموجب لنقض اليقين ، وذلك لأن الشك يسري الى نفس متعلَّق اليقين ويوجب تحوُّل اليقين بالحدوث الى الشك في نفس الحدوث ، فالنقض هنا تكويني ، إذ من المستحيل ان يكون الشيء الواحد هو متيقن الحدوث وهو مشكوك الحدوث ، ذلك لأن اليقين يعني الإستقرار النفسي نتيجة وضوح الرؤية للمتعلَّق ، وهذا بخلاف الشك فإنَّه يعني تردد النفس واضطرابها نتيجة الضبابية المكتنفة بالمتعلَّق .
فطبيعة هاتين الحالتين تقتضي عدم اجتماعها فلذلك حينما يأتي الشك ينعدم اليقين وحينما يأتي اليقين ينعدم معه الشك ، وهذا هو معنى ناقضية أحدهما للآخر تكويناً .
وهذا النحو من ناقضية الشك لليقين لا تحصل في موارد الإستصحاب ، وذلك لأنَّ المرئي والمتيقن انَّما هو أصل الحدوث ، ومورد التردد انَّما هو استمرار الحدث ، ومن الواضح انَّ استمرار الحدث غير الحدث ، فالشيء قد يحدث إلاّ انَّه يرتفع وينتفي بعد ذلك .
إلاّ انه مع ذلك قد يُطلق على الشك في البقاء انّه ناقض لليقين تجوُّزاً وتسامحاً ومجاراة مع الإستعمالات العرفية التي تتسامح كثيراً في تحديد الموضوعات ، فنشاهدهم يعتبرون الموضوعات المتباينة دقةً ذات مفهوم واحد لمجرَّد وجود تشابه نسبي بينهما . وهذا النحو من التسامح يكثر في تحديد الاوزان والكميات والمسافات والازمنة .
ومن هنا صحَّ اطلاق النقض لليقين على الشك في البقاء رغم تباين موردي اليقين والشك ، وما ذلك إلاّ لإلغاء حيثية الزمن بين متعلَّقي اليقين والشك واعتبار الحدوث واستمراره شيئاً واحداً . وبهذا الإلغاء يتحد المتعلَّقان ويصير مورد الشك هو مورد اليقين ، ولمّا كان الشك واليقين لا يجتمعان على متعلَّق واحد فيكون مجيء الشك بعد اليقين موجباً لانتقاض اليقين ، وهذا هو مبرِّر إطلاق الامام (عليه السلام) عنوان النقض لليقين على الشك في البقاء فيكون المتفاهم العرفي من الرواية هو عدم اعتناء الشاك في البقاء بشكه وأن الشارع لا يأذن في رفع اليد عن اليقين بالحدوث بمجرَّد الشك في البقاء ، فهو وإن كان ناقضاً بنظر العرف إلا انَّ الشارع لم يُرتِّب الأثر على هذا النحو من النقض ، ولم يسمح بنقض اليقين إلاّ بيقين مثله والذي هو ليس نقضاً حقيقياً أيضاً ، وذلك لعدم اتحاد مورديهما كما بينا ذلك .
الناحية الثانية : والكلام فيها يتصل بهذه الفقرة من الرواية « لا حتى يستيقن انَّه قد نام حتى يجيء من ذلك أمر بيِّن وإلا فهو على يقين من وضوئه » فإنَّ الظاهر من هذه الفقرة انَّها جملة شرطية وانَّ قوله (عليه السلام) « لا حتى يستيقن انَّه قد نام هو شرط هذه الجملة فكأنَّه قال « إن لم يستيقن انَّه قد نام » فهذا على غِرار قوله تعالى ] لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط [() أي إن لم يلج الجمل في سم الخياط فلا يدخلون الجنة ، وهذا المقدار لا إشكال فيه انَّما الكلام في تحديد جزاء هذا الشرط ، وهنا ثلاثة احتمالات :
الإحتمال الاول : انَّ الجزاء ليس مذكوراً في الجملة وانَّما هو مقدَّر ، وتقديره « لا يجب الوضوء » فيكون مساق الجملة هكذا « إن لم يستيقن انَّه قد نام فلا يجب الوضوء » . ومن هنا يكون قوله (عليه السلام) « فإنَّه على يقين من وضوئه بيان لعلّة عدم وجوب الوضوء لمن لم يستيقن النوم .
والإشكال على إرادة هذا الإحتمال من الرواية هو انَّ الاصل عدم التقدير خصوصاً إذا كان الكلام يتم بدونه، إذ لا يُلجأ الى التقدير إلاّ في حالات عدم استقامة الكلام بدونه ، على انَّه لابدَّ من ابراز قرينة على المحذوف المقدَّر وإلا فلا مسوِّغ لتعيُّن ذلك المقدَّر فلعلّه أراد غيره ، هذا أولا .
وثانياً : انَّه يلزم من تقدير عدم وجوب الوضوء تكرار الحكم ، لأنه (عليه السلام) قد بيَّن عدم وجوب الوضوء في حالات عدم استيقان النوم بقوله « لا » عندما سأله زرارة « فإن حُرِّك في جنبه شيء وهو لا يعلم » والتكرار خلاف الاصل أيضاً لأنَّ الاصل في الكلام أن يكون تأسيسيّاً ، وهذا ما يُوجب استبعاد هذا الإحتمال ، إذ انَّ الإتيان بالحكم مرتين بلا موجب .
ويمكن أن يُنتصر لهذا الإحتمال بدفع الإشكالين :
أما الاول : انَّ التقدير الذي يكون على خلاف الاصل انما هو التقدير المجرَّد عن القرينة أمَّا اذا كان مشتملا على قرينة توجب تحديد المقدَّر فإن ذلك لا يكون على خلاف الاصل بل هو متعارف ومتناسب مع مقتضيات الكلام الفصيح ، والمقام من هذا القبيل ، إذ إنَّ الحكم المقدَّر قد بُيِّن قبل ذكر الشرط الذي نبحث عن جزائه ، وهذا الحكم هو المفاد بقوله (عليه السلام) « لا » بعد سؤال زرارة له عن الحكم عند عدم استيقان النوم .
وأما الثاني : إنَّ التكرار المخل للكلام والذي لا يستسيغه أهل البيان انَّما هو التكرار الفعلي والذي يعني اعادة الكلام إمَّا بلفظه او بمعناه ، امَّا اعادة الكلام بطريقة التقدير بأن يكون المعنى الواحد في الكلام الواحد مذكوراً تارة ومقدَّراً اخرى فهذا مالا سبيل الى استهجانه وبالتالي استبعاد إحتمال إرادته باعتبار انَّ المتكلم من أهل الفصاحة والبلاغة .
ومن هنا لا يكون هذا الاحتمال مستبعداً لعدم ورود كلا الإشكالين .
الإحتمال الثاني : هو انَّ جزاء هذه الجملة هو قوله (عليه السلام) « فإنَّه على يقين من وضوئه » ولهذا لا يرد الإشكال الوارد على الإحتمال الاول ، إذ انَّ الجزاء بناء على هذا الإحتمال غير مقدَّر بل هو مذكور ، فيكون مساق الرواية ـ بناء على هذا المعنى « إن لم يستيقن انه قد نام فإنَّه على يقين من وضوئه » .
والإشكال على هذا الإحتمال :
انَّه لا معنى لترتُّب اليقين بالوضوء على عدم استيقان النوم ، إذ انَّ اليقين بحدوث الوضوء موجود بقطع النظر عن عدم استيقان النوم وانَّ منشأ يقينه بالوضوء انَّما هو استحضاره للحالة التي مارسها والتي هي أفعال الوضوء ، فسواء استيقن انه قد نام أو لم يستيقن فإنَّ يقينه بالوضوء مستقر في نفسه .
ومن هنا لا يمكن قبول هذا الإحتمال لاستلزامه إناطة شيء غير مرتبط تكويناً بالمناط به ، إلا انّه مع ذلك يمكن اجراء بعض التعديل على هذا الإحتمال ليكون معقولا ، وذلك بأن نعتبر جملة الجزاء ـ والتي هي جملة خبرية ـ انَّها جملة إنشائية في صورة الجملة الخبريَّة أي انَّها خبر اُريد به
الإنشاء فهي على غِرار قوله تعالى ] وإن يكن منكم الف يغلبوا ألفين [()فإنَّ الجزاء في هذه الآية الشريفة هو قوله تعالى « يغلبوا ألفين » وهي جملة خبرية اُريد منها الإنشاء ولهذا لا يجوز الفرار من الزحف عندما يكون عدد المسلمين ألفاً ويكون عدد الكفار الفين ، والكلام في المقام من هذا القبيل فقوله (عليه السلام) « فإنَّه على يقين من وضوئه » لا يُراد منها الإخبار وانَّما يُراد منها إنشاء حكم شرعي مفاده ان الذي يشك في بقاء وضوئه فحكمه البناء على بقاء الوضوء ، فكما انَّه لو كان على يقين من الوضوء يرتِّب آثار الطهارة الحدثية ـ من قبيل دخوله في الصلاة ومس كتابة القرآن الكريم ـ كذلك عندما يشك في بقاء وضوئه ، فالرواية ليست في صدد الإخبار عن صدور الوضوء منه حتى يرد الإشكال وانَّما هي في صدد إنشاء حكم تعبدي ببقاء الوضوء عند الشك في البقاء ، وهذا ممكن جداً فإنَّ الشارع له أن يتعبَّد المكلَّف ببقاء وضوئه ويرتّب هذا التعبُّد على عدم الإستيقان بالنوم  . إلا انَّه مع ذلك لا يمكن قبول هذا الإحتمال ، إذ انَّ حمل الجملة الخبريَّة على انَّها إنشائية خلاف المتعارف عند أهل اللسان ، فهذه العناية تحتاج الى مبرِّر لم يُبرزه مدَّعي هذا الاحتمال .
الإحتمال الثالث : هو انَّ الجزاء في هذه الجملة هو قوله (عليه السلام) « ولا ينقض اليقين بالشك » ويكون قوله (عليه السلام) « فإنَّه على يقين من وضوئه » توطئة لهذا الجزاء فيكون مساق الرواية هكذا « فإن لم يستيقن انه قد نام ولأنه على يقين من وضوئه فلا ينقض اليقين بالشك » .
والإشكال على هذا الإحتمال
واضح ، فإنَّ تصدير الجزاء بالواو خطأ لا يحمل كلام الإمام (عليه السلام)عليه  ، على انَّ جعل الموطأ ـ بصيغة الفاعل ـ للجزاء مصدَّراً بالفاء غير متعارف ، إذ انَّ التوطئة ينبغي أن تكون بصياغة تتناسب مع التعليل ، وذلك لأنَّ التوطئة تعني التعليل وبيان الملاك للجزاء ، فالذي يُناسبها هو باء السببية أو لام التعليل أو لأن أو ما الى ذلك . ولعلَّ من ذلك قوله تعالى ]ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابَّة [() فإنَّ جملة الشرط في الآية هي « لو يؤاخذ » والجزاء « ما ترك على ظهرها » أمَّا قوله تعالى « بما كسبوا » فإنه توطئة للجزاء . وتلاحظون انها اشتملت على ما يُناسب التعليل وهي باء السببيَّة . وبهذا يتضح ان أضعف الاحتالات هو الإحتمال الثالث .
مختار المصنِّف من هذه الإحتمالات :
وقد اختار المصنِّف (رحمه الله) الإحتمال الاول واعتبره أقوى الاحتمالات ، وذلك لعدم تمامية ما اُورد عليه .
ثم أضاف انَّ قوله (عليه السلام) « فإنَّه على يقين من وضوئه » جملة خبريَّة اُريد منها الإنشاء ، وذلك لظهور الرواية في فعليَّة اليقين بالوضوء ، وهذا لا يتناسب مع شكه الفعلي بالوضوء نتيجة احتماله بحدوث الناقض وهو النوم ، ولو كان المراد من اليقين هو اليقين السابق بصدور الوضوء لكان المناسب ان يُعبِّر بهذا التعبير « فإنَّه كان على يقين من وضوئه » فحيث لم يُعبِّر بهذا التعبير والحال انَّ اليقين الحقيقي لا يتناسب مع الشك الفعلي فيتعين أن يكون المراد من اليقين هو اليقين التعبدي ، فيكون مفاد هذه الفقرة ـ كما ذكرنا في الإحتمال الثاني ـ هو انَّ الشارع قد حكم بالبناء على بقاءالوضوء في ظرف الشك في بقائه بسبب الشك في طروء الناقض ، فكأن الشاك في انتقاض وضوئه متيقن بعدم الإنتقاض ، فكما انَّ المتيقن بوضوئه يرتِّب آثار الطهارة من الحدث فكلك الشاك في انتقاض الوضوء يُرتِّب آثار الطهارة .
وبتعبير آخر : انَّ المراد من قوله (عليه السلام) « فإنه على يقين » تحتمل ثلاثة احتمالات :
الاول : هو اليقين الحقيقي . وهذا الاحتمال ساقط ، وذلك لعدم وجود يقين حقيقي فعلي في ظرف الشك في انتقاض الوضوء بالنوم .
الثاني : انَّ المراد من اليقين هو اليقين بصدور الوضوء في مرحلة سابقة . وهذا الاحتمال يعني أنَّ اليقين في الرواية ليس فعليَّاً وهو خلاف الظهور ، إذ لو كان المراد من اليقين هو اليقين السابق لكان عليه أن يُصدِّر الفقرة بالفعل الماضي « كان » بأن يقول « فإنَّه كان على يقين من وضوئه » فلمَّا لم ياتِ بما يدلُّ على إرادة اليقين السابق فإنَّ احتمال إرادته يكون ساقطاً .
وبهذا يتعيَّن الإحتمال الثالث وهو التحفُّظ على فعليَّة اليقين إلا انَّه اليقين التعبدي والذي يعني انَّ الشارع اعتبر الشاك في انتقاض وضوئه متيقناً ببقائه تعبداً .
قد يُقال انَّ المكلَّف حتى بعد الشك في انتقاض الوضوء فإنَّ يقينه بصدور الوضوء عنه فعلي ، إذ انَّ اليقين بصدور الوضوء يظلُّ ثابتاً حتى بعد طروء حالة الشك ، إذ انَّها لا تنفيه بعد ان كان متعلقها غير متعلَّق اليقين . ومن هنا لا يكون حمل اليقين في الرواية على اليقين الحقيقي منافياً لظهور الرواية في فعلية اليقين ، إذ انَّ اليقين الحقيقي فعلي فلا مانع من حمل قوله (عليه السلام)« فإنه على يقين من وضوئه » على اليقين الحقيقي .
والجواب : انَّ هناك قرينة تدلُّ على انّ اليقين لو كان الحقيقي لكان منتقضاً وغير فعلي . وهذه القرينة هي قوله (عليه السلام) « ولا ينقض اليقين بالشك » إذ انَّ المبرِّر ـ كما قلنا ـ في اتِّصاف الشك في البقاء بالناقض لليقين هو إلغاء زمن الحدوث وزمن البقاء ، وبهذا يُصبح متعلَّق اليقين ومتعلَّق الشك واحداً .
ومن الواضح انَّه إذا كان متعلَّقهما واحداً فإنَّه يستحيل اجتماعهما ، وبهذا يكون حدوث الشك موجباً لطرد اليقين ونفيه . ومن هنا لا يكون اليقين فعليّاً حين الشك في انتقاض الوضوء . ومن هنا لابدَّ من حمل اليقين في الرواية على اليقين التعبدي حتى يتناسب مع ظهور الرواية في الفعلية ، إذ انَّه بناء على حمل اليقين على اليقين التعبدي فهذا يعني انَّ الشارع قد تعبدنا في حالات الشك في انتقاض الوضوء بالبناء على عدم انتقاضه فكأننا على يقين بالوضوء ، فيكون الشارع قد اعتبر الشك في انتقاض الوضوء موضوعاً لليقين التعبدي كما بينا ذلك .
إلاّ انَّه مع ذلك يكون الالتزام بحمل اليقين على اليقين التعبدي يستوجب صرف قوله (عليه السلام) « فإنَّه على يقين من وضوئه » عن ظهوره في الإخبار الى الإنشاء ، فنكون بين محذورين حيث انَّه ان حملنا اليقين على الحقيقي لزم من ذلك ان لا يكون هناك مبرِّر لإطلاق عنوان الناقضية على الشك في انتقاض الوضوء وان كان ذلك يتناسب مع ظهور الفقرة في الإخبار .
وإن حملنا اليقين في الرواية على اليقين التعبدي لزم من ذلك صرف ظهور الفقرة في الإخبار الى الإنشاء وإن كان ذلك يتناسب مع إطلاق الناقضية لليقين على الشك في انتقاض الوضوء .
ومن هنا لابدَّ من ترجيح أحد الإحتمالين ، والظاهر انَّ الإحتمال الاقوى هو الإحتمال الاول والذي يتحفَّظ على ظهور قوله (عليه السلام) « فإنَّه على يقين من وضوئه » في الإخبار .
وبهذا يكون معنى الرواية ـ بناءً على هذا الإحتمال ـ هو انَّه اذا شك المكلَّف في انتقاض الوضوء بالنوم فلا يلزمه إعادة الوضوء، وذلك لأنَّه كان على يقين من وضوئه ، ولا يرفع اليد عن اليقين بالحدوث بالشك في البقاء .
الجهة الثانية :
ويقع الكلام في هذه الجهة عن انَّ عدم وجوب الوضوء في الرواية هل نشأ عن قاعدة المقتضي والمانع أو عن قاعدة الإستصحاب ؟
قد يُقال انَّ عدم ايجاب الوضوء حين الشك في انتقاضه بالنوم نشأ عن قاعدة المقتضي والمانع ، فيكون اليقين بصدور الوضوء عنه هو المقتضي إلاّ انَّ الشك يقع في تأثير هذا المقتضي أثره نتيجة عدم إحراز انتفاء المانع من تأثير المقتضي لاثره وهو النوم إذ لو حدث النوم فإن المقتضي وهو الوضوء لا يؤثر أثره وهو الطهارة إلاّ انه لمَّا كان الشك في وجود هذا المانع فإنَّ مقتضى قاعدة المقتضي والمانع هو البناء على عدم وجود المانع فيكون منشأ عدم ايجاب الوضوء هو هذه القاعدة .
ويمكن يُبرَّر لهذه الدعوى بأن قاعدة الاستصحاب ليست جارية في المقام فيتعين جريان قاعدة المقتضي ، وذلك لأنَّ الإستصحاب يقوم على أساس الشك في بقاء المتيقن فإذا لم يكن للمتيقن بقاء فلا يجري الإستصحاب لانتفاء ركنه ، وبيان ذلك :
انَّ المتيقن في مورد الرواية هو الوضوء ، ومن الواضح ان الوضوء ليس له بقاء فهو يحدث وينتهي حين حدوثه ، فبمسح القدمين يتحقق الوضوء وينتهي ، فلا بقاء للوضوء حتى يُفترض الشك فيه ، نعم اذا حدث الوضوء فإنَّ له أثر وهو الطهارة ، فنحن حينما حدث الوضوء لا نشك في بقائه لأنَّه لا ريب في عدم بقائه وانَّما نشك في تأثيره لأثره ، ومنشأ الشك هو عدم إحراز انتفاء المانع أي الشك في وجود المانع وهو النوم وهذا الشك يستوجب الشك في تأثير المقتضي المعلوم لأثره .
والجواب عن هذه الدعوى أنَّه لمَّا كانت مبتنية على توهم انَّ الوضوء ليس له بقاء فبانتفاء ذلك تسقط الدعوى . وبأدنى تأمل في الاستعمالات الشرعية لعنوان الوضوء يتضح انَّ الشارع قد اعتبر الوضوء حالة استمرارية يكون المكلَّف متصفاً بها متى ما جاء بأفعال الوضوء ولا يرتفع هذا الإتصاف عنه حتى ينتقض هذا الوضوء بأحد النواقض المعروفة .
ويمكن الاستشهاد على ذلك بمعتبرة عبد الله ابن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال : « سمعته يقول : من طلب حاجة وهو على غير وضوء فلم تقضى فلا يلومنَّ إلاّ نفسه »() فهذه الرواية واضحه الدلالة على اعتبار الوضوء حالة استمرارية . كما انَّ التعبير في روايات كثيرة بنقض الوضوء يُعبِّر أيضاً عن أنَّ الوضوء وصف له الإستمرار مالم يمنع عن استمراره مانع  ، ومن تلك الروايات معتبرة زرارة عن أحدهما عليهما السلام قال « لا ينقض الوضوء إلاّ ما خرج من طرفيك أو النوم »() .
وبسقوط الدعوى وثبوت ان الوضوء له بقاء يُتعقل حينئذ الشك في البقاء ، فلا يكون مانع من جريان الاستصحاب . ويبقى الكلام في كيفية استظهار ذلك من الرواية ، وقد اتضح ذلك مما سبق ، إذ قلنا انَّ قوله (عليه السلام) « ولا ينقض اليقين بالشك » ظاهر في إلغاء الزمن واعتبار متعلَّقي اليقين والشك متعلقاً واحداً . ومن هنا صح اطلاق عنوان نقض اليقين على الشك في البقاء وإلاّ فلا مسوِّغ لوصف الشك في البقاء بالناقض لليقين ، إذ لا يكون ناقضاً ونافياً لليقين مالم يكن متعلقهما واحداً وزمانهما واحداً .
وبثبوت هذا يتعيَّن ظهور الرواية في الإستصحاب حيث انها نهت عن نقض اليقين بالوضوء بالشك في بقائه .
الجهة الثالثة :
يقع البحث في هذه الجهة عن إفادة الرواية لكبرى حجية الإستصحاب في تمام موارد الشك في البقاء بعد اليقين بالحدوث ، فقد يقال بظهورها في ذلك ، إذ انَّ قوله (عليه السلام) « ولا ينقض اليقين أبداً بالشك » ظاهر في أنَّها كبرى كليَّة مركوزة أراد الإمام (عليه السلام) التنبيه عليها وامضائها .
إلاّ انَّه في مقابل ذلك يمكن دعوى الإجمال في هذه الفقرة . ومنشأ دعوى الإجمال هو عدم وضوح المراد من اللام الداخلة على اليقين في قوله (عليه السلام) « ولا ينقض اليقين » ، إذ يحتمل انَّها لام الجنس فتكون مفيدة للإطلاق حيث انَّ اليقين معها يعني طبيعة اليقين فلا يختص بيقين دون يقين  ، فيكون مساق الرواية بناء على ذلك انَّ مطلق اليقين بالحدوث لا يصح نقضه بالشك في البقاء إلاّ انَّ هذا غير متعين لإحتمال إرادة لام العهد من اللام الداخلة على اليقين ، فيكون مفاد الرواية حينئذ «ولا ينقض اليقين بالوضوء بالشك في بقائه» ، وعلى هذا تكون الرواية مختصة بباب الوضوء ولا يكون لها اطلاق لتمام حالات اليقين بالحدوث والشك في البقاء ، ولمَّا لم يكن هناك ما يُعيِّن أحد الإحتمالين تكون الرواية مجملة ، والقدر المتيقن منها هو اليقين بالوضوء .
ويمكن أن يُجاب عن دعوى الإجمال بجوابين :
الجواب الاول :
إنَّ هناك ما يوجب تعيُّن الإحتمال الاول ـ وهو انَّ اللام الداخلة على اليقين في الفقرة المذكورة هي لام الجنس ـ وهذا الموجب لتعيُّن الإحتمال الاول هو ظهور الفقرة التي سبقتها في التعليل حيث ان قوله (عليه السلام) « فإنَّه على يقين من وضوئه » ظاهر في بيان علَّة وملاك الحكم بعدم وجوب الوضوء والذي هو مقدَّر ـ كما قلنا ـ ، وعادة ما يكون التعليل بأمر واضح وجلي وإلاّ فما معنى ان يُعلِّل الشيء بعلَّة غير مسلمة أو غير واضحة .
وهذا ما يُوجب ظهور التعليل ـ في الفقرة التي سبقت فقرة الإستدلال ـ بما هو واضح ومتبانى عليه عند العقلاء وهو أن اليقين بالشيء لا تُرفع اليد عنه بالشك في بقائه ، فتكون الرواية منقحة لموضوع الكبرى المستفادة من فقرة الإستدلال .
ومساق الرواية حينئذ هكذا إنَّ المكلف لمّا لم يكن متيقناً بطروء النوم فلا يجب عليه الوضوء لأنَّه كان على يقين من وضوئه . فتكون حالته مورداً وموضوعاً للقاعدة الكلية وهي قوله (عليه السلام) « ولا ينقض اليقين أبداً بالشك » فكأنَّ الامام (عليه السلام) قد شكَّل قياساً منطقياً صغراه انَّه على يقين من وضوئه وكبراه هو القضية الكلية المركوزة في أذهان العقلاء وهي انه لا ينقض اليقين أبداً بالشك ، وهذا هو المنسجم مع المتفاهم العرفي .
فالنتيجة ان مقتضى مناسبات الحكم والموضوع هو إلغاء خصوصية الوضوء لأنَّه لا معنى لتعليل حكم خاص ، اذ انَّ اللامام (عليه السلام) يمكن ان يكتفي في مثل هذه الحالة بالتعليل بأن ذلك الحكم هو مقتضى التعبد الشرعي .
وبهذا يتضح تعيُّن الإحتمال الاول وسقوط دعوى الاجمال .
الجواب الثاني :
انَّه لو سلِّم ان اللام في فقرة الإستدلال عهدية فإن ذلك لا يستوجب الإختصاص ، وذلك لأن اليقين المشار اليه بلام العهد استعمل في طبيعة اليقين لا في اليقين المختص بالوضوء ، واذا كان كذلك فيكون مدخول اللام فى الفقرة الثانية هو طبيعي اليقين أيضاً إذ ان لام العهد تشير الى نفس المعهود ، فإن كان جزئياً فالمعهود جزئي وإن كان كليّاً فالمعهود يكون كليّاً .
وبيان ذلك : قوله تعالى ] كما أرسلنا الى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسولا [() فإنَّ « رسولا » في الفقرة الاولى من الآية الشريفة لمَّا كان جزئياً ـ كما هو واضح ـ فإنّ المشار اليه بلام العهد في الفقرة الثانية يكون جزئياً أيضاً .
وهذا بخلاف قوله تعالى ] كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة [() فإنَّ الظاهر من كلمة مصباح في الفقرة الاولى هو طبيعي المصباح ، وبذلك يكون المشار اليه في الفقرة الثانية هو طبيعي المصباح أيضاً  .
وباتضاح هذا نقول : ان كلمة يقين في قوله (عليه السلام) « فإنَّه على يقين من وضوئه » اُريد منها طبيعة اليقين ، وذلك بقرينة عدم تعارف تعدية اليقين الى معموله بحرف « مِن » ، فلا يُقال « تيقنت من الحدث » وانَّما يقال «  تيقنت بالحدث » قال الله تعالى ] وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يُوقنون [() أي كانوا يوقنون بآياتنا . واذا كان كذلك فإنَّ قوله (عليه السلام) « من وضوئه » ليس متعلَّقاً لليقين فلا يصلح لتقييده ، إذ انَّ الذي يصلح لتقييد العامل انّما هو متعلَّقه « معموله » وحيث انَّه ليس متعلَّقاً له فلا يكون مقيداً له بل انَّ « من » في الواقع قيد للظرف والذي هو محذوف ، والتقدير « من جهة وضوئه » فحُذف المضاف فدخلت « من » على المضاف اليه وإلا فواقع العبارة هكذا « فإنه على يقين من جهة وضوئه » فيكون المقيد هو مدخول « من » وهو الظرف ، وبثبوت عدم تقيُّد اليقين بحرف الجر ومدخوله يثبت انَّ اليقين قد استعمل في معناه الوسيع ، إذ لا موجب لتقيده بحصة خاصة وهي اليقين بالوضوء بعد أن لم يكن « من وضوئه » متعلَّقاً لليقين ، واذا كان كذلك فاليقين الذي هو مدخول لام العهد هو طبيعي اليقين ، وبهذا يثبت انَّ قوله (عليه السلام) « ولا ينقض اليقين بالشك هو قاعدة كليَّة أراد الامام (عليه السلام) من ذكرها التنبيه على ماهو مركوز في أذهان العقلاء ، فتثبت بهذه الرواية حجيَّة الإستصحاب مطلقاً .
ثمّ انّ هناك روايات صالحة للإستدال بها على حجية الإستصحاب لم يتعرض المصنِّف (رحمه الله) وفيها ماهو تام سنداً ودلالة .
 


أركان الإستصحاب


ويقع البحث في المقام عن أركان الإستصحاب والتي اذا توفرت بتمامها أمكن إجراء الإستصحاب وإلا فإن اختلَّ أحد الإركان فإن الاستصحاب لا يجري ، وهذه الاركان مستفادة من نفس دليل الإستصحاب . وهي أربعة أركان :

الركن الاول : اليقين بالحدوث :
وهو يعني انَّ الإستصحاب لا يجري إلا في حالة يكون المكلَّف قاطعاً بحدوث المستصحب ـ أي الحدث الذي يُراد استصحابه ـ فما لم يكن قاطعاً لا يجري الإستصحاب ، ومعنى ذلك انَّ الشك وحده لا يُسوِّغ جريان الإستصحاب ، فلو كان المكلَّف يشك في وجوب شيء ولم يكن على علم بوجوبه سابقاً فإنَّ ذلك مجرى لاصالة البراءة لا الإستصحاب . كما انَّ أخذ اليقين في موضوع الإستصحاب يعني انَّ الحدوث في نفس الأمر والواقع لا يكون مبرِّراً لإجراء الإستصحاب بل لابدَّ أن يكون الحدث متيقناً من قبل المكلَّف .
والدليل على ركنية هذا الركن هو قوله (عليه السلام) « ولا ينقض اليقين بالشك » فإنه ظاهر في أخذ اليقين بالحدوث في موضوع الإستصحاب .
ومن هنا ينشأ إشكال وهو انَّه لو اتَّفق ثبوت الحدث بواسطة الأمارة ثم وقع بعد ذلك الشك فإن الإستصحاب لا يجري ، وذلك لأنَّ الأمارة لا تنتج العلم والحال ان المتسالم عليه فقهياً هو جريان الإستصحاب في حالات قيام دليل ظني معتبر على ثبوت شيء ثم عروض الشك في بقاء مؤداه .
مثلا لو دلَّت الأمارة على وجوب شيء ثم وقع الشك في بقاء ذلك الوجوب فإنَّ الإستصحاب يجري في مثل هذه الحالة رغم عدم اليقين بالحدوث .
ومن هنا تصدى الأعلام « رضوان الله عليهم » لمعالجة هذه المشكلة صناعياً وإلاّ فهي مسلمة عمليَّاً .
المحاولة الاولى : وهي محاولة المحقق النائيني (رحمه الله) وحاصلها : انَّه لما ثبت انَّ الامارات تقوم مقام القطع الموضوعي فإنَّ قيام الامارة على ثبوت الحدث يكون محققاً لموضوع الإستصحاب ، إذ انَّ موضوع الإستصحاب هو اليقين بالحدوث والامارة تقوم مقام اليقين ، وهذا يعني انه متى ما تحققت الامارة فقد تحقق موضوع الإستصحاب ، فكما لو قال المولى « المرأة المقطوع بكونها في العدة يحرم الزواج منها » يكفي في تنجُّز الحرمة قيام الأمارة على كون المرأة في العدة كذلك المقام فإن قيام الأمارة على وقوع الحدث كاف في تحقق موضوع الإستصحاب ، وقد بينا كيفية قيام الامارات مقام القطع الموضوعي وماهو منشأ دعوى قيامها مقامه .
المحاولة الثانية : هي إلغاء ركنية اليقين من رأس وأن موضوع الإستصحاب هو نفس وقوع الحدث في نفس الأمر ، ومبرِّر التعبير في الرواية باليقين بالحدث هو انَّ اليقين وسيلة من وسائل إنكشاف وقوع الحدث وإلا فليس له موضوعية ، ومن هنا يجري الإستصحاب متى ما تحقق الحدث ، غايته انَّ التعرُّف على وقوع الحدث لا يكون إلاّ بواسطة وسيلة من وسائل الكشف ، ومن الواضح انَّ الدليل المحرز المعتبر هو أحد وسائل الكشف فيثبت بواسطته موضوع الإستصحاب .

الركن الثاني : الشك في البقاء :
وهو يعني انَّ المكلَّف بعدما كان على يقين من الحدث يحصل له التردد بعد ذلك في بقاء الحدث أو إرتفاعه . وليس المقصود من الشك ـ الذي هو موضوع الإستصحاب ـ هو خصوص الشك المنطقي والذي يعني عدم ترجُّح أحد كفتي الثبوت وعدمه بل المراد من الشك هو عدم اليقين فيشمل حالات الظن والإحتمال ، فلو كان المكلَّف على يقين من الحدث ثم ظن بارتفاعه أو ظن بعدم إرتفاعه فإنَّ عليه ان يُجري الاستصحاب ، وذلك لتنقُّح موضوعه .
ودليل هذه الدعوى هو قوله (عليه السلام) « ولكن انقضه بيقين آخر » فإنَّ هذا يعني انَّة لا يجوز رفع اليد عن اليقين السابق إلاّ بيقين آخر ، فمطلق عدم اليقين لا يبرِّر رفع اليد عن اليقين السابق . ثم انَّ الشك على نحوين :
النحو الأوّل : هو الشك الفعلي ، والذي يعني فعليَّه التردد في إرتفاع الحدث وتبدُّل استقرار النفس ووضوح الرؤية الى التزلزل وتشوش الرؤية بحيث يكون التردد والشك حاضراً في نفسه .
وهذا هو القدر المتيقن من موضوع الإستصحاب ، إذ انَّه الفرد الجلي من أفراد الشك المأخوذ في موضوع الإستصحاب ، وذلك لظهور الشك في الفعليَّة .
النحو الثاني : وهو الشك التقديري : وهو الشك الذي يجتمع مع الغفلة والذهول عن مرتبة رؤيته للحدث ولو قُدّر له أن يلتفت لشك في بقاء الحدث ولكن لذهوله وعدم إلتفاته لا يحضر الشك في نفسه .
وهذا النحو من الشك قد وقع النزاع في موضوعيته للإستصحاب أو أنَّ موضوع الإستصحاب هو الشك الفعلي فحسب .
ويترتب على الخلاف انَّه لو كان موضوع الإستصحاب هو مطلق الشك لكان المكلَّف مسئولا عن ترتيب الآثار الشرعية للإستصحاب الذي كان جارياً حين ذهوله وغفلته . فلو انَّ المكلَّف صلَّى غافلا عن شكه في ايقاع الطهارة وبعد أن فرغ من الصلاة عرف أنَّه لو كان قد التفت أثناء الصلاة أو قبلها لشك في إيقاع الطهارة . وهنا يجب عليه اعادة الصلاة لجريان الإستصحاب في حقه أثناء الصلاة أو قبل الدخول فيها .
أما لو كان موضوع الإستصحاب هو الشك الفعلي فهنا لابدَّ من التفصيل ، فإن كان المكلَّف متوجهاً الى شكه لزمه ترتيب آثاره ومع عدم ترتيبها يترتب على ذلك فساد الفعل العبادي المنوطة صحته بالطهارة مثلا فلو انَّ المكلَّف وقبل شروعة في الطواف أو أثناء أدائه لنسك الطواف شك في ايقاع الطهارة شكاً فعليّاً فإنّه ملزم باجراء الإستصحاب ، فيكون ماجاء به من طواف محكوماً بالبطلان وتلزمه عندئذ الإعادة وليس له ان يُجري قاعدة الفراغ عند الفراغ من الطواف ، إذ ان الحكم بفساد الطواف كان معلوماً قبل الفراغ ، فالاستصحاب حينما كان جارياً حينذذاك لم يتحقق موضوع قاعدة الفراغ لانه لم يكن قد فرغ من طوافه . ومن الواضح انَّ قاعدة الفراغ لا تجري في حالة يكون فيها الفعل فاسداً قبل جريان القاعدة  .
أمَّا لو كان المكلَّف ذاهلا أثناء طوافه عن شكه في ايقاع الطهارة وبعد أن فرغ من الطواف توجَّه الى انَّه لو كان ملتفتاً لشك في ايقاع الطهارة ، فهنا قد يقال بجريان قاعدة الفراغ لنفي الفساد عن الطواف ، إذ انَّ موضوع الإستصحاب غير متحقق حين الاداء ، نعم موضوع الاستصحاب وهو الشك الفعلي قد تحقق بعد انتهاء الطواف وبعد أن تحقق موضوع قاعدة الفراغ فيكون موضوع الاستصحاب وموضوع قاعدة الفراغ قد تحققا بعد الفراغ .
وقد ثبت في محلِّه انَّ الإستصحاب لا يجري في موارد جريان قاعدة الفراغ وإلاّ لم يكن لقاعدة الفراغ مورد تجري فيه فتصبح قاعدة الفراغ لاغية ، ومن هنا تكون متقدمة على قاعدة الاستصحاب ، نعم يجري استصحاب عدم الطهارة بالنسبة لصلاة الطواف أي يلزم المكلَّف أن يأتي بالطهارة لصلاة الطواف لعدم حجيّة قاعدة الفراغ في مثبتاتها ولوازمها كما بينَّا ذلك فيما سبق .
الإشكال على هذه الثمرة :
اننا وإن كنّا نسلِّم بعد جريان الإستصحاب أثناء الطواف ـ بناءً على انَّ موضوع الإستصحاب هو الشك الفعلي ـ إلاّ انَّه مع ذلك لا تجري قاعدة الفراغ بعد الفراغ من الطواف ، وذلك لأن قاعدة الفراغ منوطة بعدم إحراز الذهول والغفلة أثناء العمل .
فحينما يكون المكلَّف بعد العمل شاكاً في ايقاع الفعل على وجهه ولا يُحرز بأنَّه كان ذاهلا أثناء أدائه للعمل بل يحتمل الإلتفات وانَّه قد جاء بالفعل تاماً ومتوفِّراً على تمام أجزائه وشرائطه فهنا تجري قاعدة الفراغ لأصالة الأذكرية والذي هو أصل عقلائي قاض بانَّ الممارس للفعل يكون ملتفتاً الى انَّه يأتي به مراعياً ضوابطه الموجبة لتحققه تاماً كاملا ، وهذا ما يُشير اليه الامام (عليه السلام) « هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك »() .
أمَّا لو كان محرزاً للغفلة فإن قاعدة الفراغ لا تجري لأنَّها مرتكزة على أصالة الاذكرية وهي محرزة العدم في مفروض الكلام . واذا تمَّ ذلك فإنَّ المقام من هذا القبيل إذ انَّ المكلَّف محرزٌ لغفلته في الطواف .
وبهذا يتضح عدم تمامية الثمرة المذكورة وانَّه سواء قلنا بأن موضوع الإستصحاب هو الشك الفعلي أو الاعم منه ومن التقديري فإنَّ الطواف يكون فاسداً ، نعم بناءً على انَّ قاعدة الفراغ غير منوطة بعدم إحراز الغفلة ـ كما لعلَّة المشهور ـ فإنَّ الثمرة تكون تامة ، وذلك لصحة التمسُّك بقاعدة الفراغ حتى في موارد غفلة المكلَّف عن الشك أثناء الطواف .

الركن الثالث : وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة :
والمراد من هذا الركن انَّ الإستصحاب لا يجري إلاّ في حالة يكون فيها موضوع اليقين وموضوع الشك واحداً أي انَّ الذي وقع مورداً لليقين هو الذي وقع مورداً للشك .
فالوضوء المتيقن الوقوع هو عينه الوضوء المشكوك في ببقائه . أمَّا لو كان الوضوء الذي وقع متعلَّقاً لليقين قد ارتفع يقيناً والشك انَّما هو متعلِّق بوضوء آخر فإنََّّ الاستصحاب لا يجري لافتراض التغاير بين متعلقي اليقين والشك ، وحينئذ لو كانت ثمرة مترتبة على الوضوء المتأخر فإنَّها لا تترتب إذ لا استصحاب في مورد الوضوء الثاني .
ومرادنا من وحدة القضية القضية المتيقنة والمشكوكة هو وحدة الموضوع بقطع النظر عن اختلافهما من حيث الزمن فلو كان زمان اليقين بالحدوث سابقاً ـ كما هو العادة ـ عن زمان الشك فإنَّ ذلك لا يمنع من جريان الإستصحاب لكفاية وحدة متعلَّق اليقين والشك في تحقّق موضوع الإستصحاب ، إذ انَّ الذي برَّر ركنية هذا الركن هو صدق النقض في حالة عدم الاعتناء باليقين السابق ، ومن الواضح انَّ النقض كما يصدق في حالات عدم اتحاد المتعلَّقين ذاتاً وزماناً يصدق في حالات اتحادهما ذاتاً فحسب ، وذلك لما ذكرناه من أنَّ الزمان يكون ملغياً عرفاً فكأن مورد الشك ومورد اليقين واحد ، ومن هنا يكون الشك ناقضاً لليقين .
وبتعبير أوضح : انَّ لوحدة القضية المتيقنة والمشكوكة حالتين .
الحالة الاولى : هو ان لا يُحرز كون زمان الشك في بقاء الحادث متأخراً عن زمان اليقين بالحدوث . وهنا لا إشكال في صدق ناقضية اليقين للشك ، وقد بينا ذلك في بحث تمييز الإستصحاب عن قاعدة اليقين .
الحالة الثانية : هو ان يكون زمان الشك في بقاء الحدث متأخراً عن زمان اليقين بالحدوث . وهنا قد يقال بعدم صدق ناقضية الشك في البقاء لليقين بالحدوث إلاّ اننا قد ذكرنا انَّ الناقضية تصدق ، وذلك لإلغاء العرف الحيثية الزمنيَّة واعتبار المتيقن والمشكوك شيئاً واحداً وهذا ما سوّغ صدق النقض على الشك في البقاء ، ومع صدقه يثبت انَّ هذه الحالة متوفِّرة على الركن الثالث .
الإشكال الذي ينشأ عن ركنيَّه هذا الركن :
وحاصله انَّه لا ريب ـ بناء على ركنية هذا الركن ـ في جريان الإستصحاب في الشبهات الموضوعية ، وذلك لتعقُّل وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة في موردها ، فالمكلَّف قد يتيقن بنجاسة ثوبه ثم يشك في إرتفاع النجاسة لإحتمال انَّه قد طهرها أو انَّ غيره قد طهرها فيجري استصحاب النجاسة لأنَّ المتيقن والمشكوك واحد وهو نجاسة الثوب ، انَّما الإشكال في الشبهات الحكميَّة ، فإنَّه لا يتفق اتحاد القضية المتيقنة والمشكوكة في موردها ، وذلك لأنَّ فعلية الحكم تكون منوطة بتحقّق موضوع الحكم وقيوده فمتى ما كانت متحققة فإنَّ الحكم يكون معها فعليَّاً ومتى ما انتفت هذه القيود أو بعضها فإنَّ فعلية الحكم تنتفي تبعاً لإنتفاء قيوده أو بعضها ، ومن هنا لا يقع الشك في بقاء الفعليَّة بل تكون فعليَّة الحكم محرزة الإنتفاء بعد ان انتفت بعض قيودها ، وحينما تكون القيود موجودة لا يقع الشك في فعليَّة الحكم لعدم وجود موجب للشك بعد ان كانت القيود محرزة البقاء .
وبتعبير آخر : عندما تكون القيود موجودة فلا شك في الحكم المجعول وعندما تنتفي بعض القيود فلا شك في البقاء بل هو يقين بانتفاء الفعليَّة عن الحكم ، نعم هناك حالة واحدة يمكن ان يُتعقل فيها الشك في البقاء وهي مالو كان المكلَّف على يقين من تواجد تمام قيود الحكم وبالتالي يكون على يقين بتحقّق الفعليَّة للحكم ، ثم لو أحرز المكلَّف بعد ذلك انتفاء بعض الخصوصيات التي يحتمل دخالتها في فعليَّة الحكم فإنه يقع الشك حينئذ في بقاء الفعليَّة للحكم ، وذلك لاحتمال انَّ تلك الخصوصية المفقودة من القيود التي رُتبت عليها فعليَّة الحكم .
ومثال ذلك جواز النظر الى الزوجة بعد موتها ، فإنَّه لا ريب في جواز النظر الى الزوجة حال حياتها ، وذلك لتحقق قيود الفعليَّة للجواز وهي العقد التام المتوفِّر على شرائط الصحة وانَّما وقع الشك في الجواز بعد الوفاة لاحتمال انَّ خصوصية الحياة من قيود الفعليَّة لجواز النظر إلاّ نَّه في مثل هذه الحالة لا تكون القضية المتيقنة والمشكوكة متحدة ، وذلك لأنَّ متعلَّق اليقين هو الزوجة الموجودة ومتعلَّق الشك هو الزوجة الميتة فلا اتحاد اذن بين القضيتين ، ومن هنا يصعب جريان الإستصحاب بناءً على ركنية هذا الركن .
وقد تصدى الأعلام « رضوان الله عليهم » لعلاج هذه المشكلة ببيان حاصله :
انَّ الوحدة المأخوذة في موضوع الإستصحاب هي الوحدة العرفية والتي لا تعني أكثر من اتحاد متعلَّق اليقين ومتعلَّق الشك بنظر العرف أما الوحدة بحسب التحليل العقلي فليست مشروطة في صحة جريان الاستصحاب ، وهذا يعني انَّ الحالات التي لا تعتبر مقومة بنظر العرف لا تكون مخلَّة في حال انتفائها لوحدة القضية المتيقنة والمشكوكة .
ولمزيد من التوضيح نقول : انَّ الخصوصيات المتصور انتفاؤها بعد وجودها على قسمين :
الاول : ان تكون تلك الخصوصيات من الحالات العارضة والتي لا تلحظ عادة حين جعل الحكم على الموضوع ولا يكون انتفاءُها مقتضياً لتبدل الموضوع بنظر العرف .
وهذا النحو من الحالات لا تؤثر على وحدة الموضوع لو اتفق انتفاؤها . والذي يكشف عن هوية هذه الحالات هي مناسبات الحكم والموضوع . ومثال ذلك انه لو أحرزنا نجاسه جذع النخلة والتي كانت حين إحراز نجاستها ثابتة في الأرض ثمّ بعد ذلك قطعت تلك النخلة وأصبحت جذعاً خاوياً . فإنه يقع الشك في بقاء فعلية الحكم بالنجاسة لإحتمال انَّ تغيُّر حالها من نخلة نامية الى جذع خاو موجب لانتفاء قيد الفعليَّة عنها .
وفي مثل هذذا الفرض لا يُقال انَّ القضية المتيقنة غير القضيَّة المشكوكة ، إذ انَّ الخصوصية التي انتفت ليست من الخصوصيات المقومة لموضوع الفعلية للحكم ، ولهذا لو حكم المولى بنجاسة الجذع في مثل هذه الحالة لما كان حكماً جديداً مجعولا على موضوع مباين للموضوع المجعول عليه النجاسة الاولى بل انَّ العرف يرى انَّ ذلك استمرار وبقاء للنجاسة الثابتة للنخلة حال حياتها .
ومن هنا أمكن تصوير الشك في البقاء في موارد الشبهات الحكمية مع الاحتفاط بوحدة القضية المتيقنة والمشكوكة .
ويمكن ان يُعبَّر عن مثل هذه الحالات ـ والتي قلنا انَّ انتفاءها يوجب الشك في البقاء دون ان تنهدم وحدة المتعلقين ـ بالحيثيات التعليليَّة ، وذلك لأنَّ الحيثيَّة التعليليَّة لا تكون مأخوذة في موضوع الحكم أي لا يكون لها دخل في ترتُّب الحكم على الموضوع ، نعم هي تساهم في جعل الحكم على الموضوع إلاّ أنَّهم يتوسعون فيطلقونها على كل خصوصية لا تكون مأخوذة في موضوع الحكم أي لا تكون قيداً للحكم وإن لم يكن لها مساهمة في جعل الحكم على الموضوع ، وذلك لغرض تمييزها عن الحيثيات التقييديَّة .
الثاني : وهي الخصوصيات المقوِّمة والمصنِّفة للموضوع والتي يُعدُّ انتفاؤها تبدُّلا للموضوع المجعول عليه الحكم ، كما لو تغيرت الصورة النوعيَّة للموضوع لدى العرف والذي يُعبَّر عنه بالإستحالة أو الانقلاب .
ومثال الاول : استحالة الماء الى بخار ، ومثال الثاني انقلاب الخمر خلاًّ ، فإنَّه في كلا الحالتين تتبدّل الصورة النوعية بنظر العرف ويعتبرون الموضوع الاول مبايناً للثاني . وفي مثل هذه الحالة لا يجري الإستصحاب وذلك لعدم وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة .
فلو وُضع كلب في مملحة وتحلل جسمه وأصبح ملحاً . فشككنا في نجاسته فإنَّه لا يمكن إجراء الإستصحاب في مثل هذا الفرض وذلك لأن الموضوع الذي كنا على يقين بنجاسته هو الكلب والموضوع الذي نشك في نجاسته فعلا هو الملح الذي استحال عن الكلب ، ولذلك لو حكم المولى بنجاسة هذا الملح لكان حكماً آخر ثابتاً لموضوع مباين للموضوع الاول .
وهذا بخلاف العلم بنجاسة الطحين الذي صار خبزاً فإنَّ العرف لا يرى انَّ موضوع النجاسة قد تبدَّل ، وذلك لأنَّه لا يرى انَّ حالة التناثر والتفكك في أجزاء الطحين من الحالات المقوِّمة والمصنفة لموضوع الطحين ، ومن هنا تكون حالة التماسك في الطحين لا تمثِّل تبدلا للصورة النوعية ، غايته انَّ من المحتمل انتفاء الحكم بالنجاسة . فلو حكم المولى بنجاسة الخبز لفهم العرف انَّ ذلك انّما هو استمرار للحكم الاول . ومن هنا يجري الإستصحاب .
ويمكن ان يُعبَّر عن مثل هذه الخصوصيات بالحيثيات التقييديَّة ، وذلك لتقوُّم الموضوع بها واناطة صدقة بوجودها ، ومن هنا لو جعل حكم على ذلك الموضوع لكانت تلك الخصوصيات مأخوذة في ترتُّب الحكم على ذلك الموضوع .

الركن الرابع : ان يكون لإستصحاب الحالة السابقة أثر عملي :
وذلك بأن يكون الإستصحاب موجباً للتنجيز أو التعذير كما سيتضح ان شاء الله تعالى .
والكلام عن هذا الركن يقع في جهتين :
الجهة الاولى : في بيان ماهي الصيغة المناسبة لهذا الركن .
الجهة الثانية : في بيان دليل ركنية هذا الركن .
أمَّا الكلام في الجهة الاولى : فنقول : انه قد ذُكرت لهذا الركن صياغتان :
الصياغة الاولى : انَّه لمَّا كان الاستصحاب من الإعتبارات الشرعية فلابدَّ أن تكون مجارية مما تتصل بالشارع بما هو شارع .
وبتعبير آخر : الإستصحاب من الاحكام التعبديَّة ، وهذا يقتضي أن يكون المستصحب مما يتصل بالتعبد الشرعي ، إذ انَّ غيره يكون خارجاً عن نطاق الشارع ، ومن هنا يكون مجرى الإستصحاب هو الحكم الشرعي أو موضوعه ، وما سواه يكون خارجاً عن إطار التعبد بالاستصحاب فلا يطاله التعبد الشرعي لعدم صلاحيته بما هو شارع لذلك .
والمراد من موضوع الحكم هو ما يكون دخيلا في تحقّق الفعليَّة للحكم بحيث لو اتفق عدمه او انتفاؤه بعد وجوده لكان ذلك يقتضي انتفاء فعلية الحكم . ومن هنا تكون جميع القيود الوجوبيَّة مجرى لاصالة الإستصحاب . كالإستطاعة للحج والنصاب للزكاة وهلال شوال لزكاة الفطرة والفائدة للخمس والزوجيّة لوجوب النفقة . وكذلك المقدمات التي تكون قيوداً للوجوب والواجب معاً كالزوال لصلاة الظهر ويوم عرفة لوجوب الموقف بناء على استحالة الواجب المعلَّق .
ويمكن التعرُّّف على ذلك ـ كما ذكرناه فيما سبق ـ بملاحظة نحو علاقة القيود بالحكم وهل انَّها اُخذت مقدرة الوجود أو لا ، فإن اُخذت مقدرة الوجود ـ أي متى ما اتفق وجودها ترتب عن وجودها فعليَّة الحكم ـ فهي من موضوعات الحكم ، فتكون مجرى لاصالة الاستصحاب بناء على هذه الصياغة .
والضابطة العامة هي انَّ كل حكم انيطت فعليته بشيء فإنَّ ذلك الشيء يكون موضوعاً للحكم فيكون مجرى لاصالة الإستصحاب .
والإشكال على هذه الصياغة :
وقد واجهت هذه الصياغة مجموعة من الإشكالات ذكر المصنِّف (رحمه الله)منها إشكالين :
الاشكال الاول : انَّه بناء على هذه الصياغة لا يجري الإستصحاب في موارد الشك في استمرار عدم الحكم بعد إحراز عدمه في مرحلة سابقة ، وذلك لأنَّ عدم الحكم ليس حكماً ولا موضوعاً لحكم .
ومثاله مالو كنا نعلم بعدم حرمة العصير التمري ثم وقع الشك في استمرار انتفاء الحرمة فإنَّه لا إشكال فقهياً في جريان استصحاب عدم الحرمة . وكذلك لو علمنا انَّ الشارع لم يجعل خياراً للمكلَّف غير الخيارات المنصوصة فإنه لا إشكال في امكان التمسُّك باستصحاب عدم جعل الخيار فيما لو وقع الشك بعد ذلك .
الإشكال الثاني : انَّه بناء على هذه الصياغة لا يجري الاستصحاب في موارد الشك في قيود الواجب كالطهارة والاستقبال والساتر للصلاة ، وذلك لأن قيد الواجب ليس حكماً كما هو واضح ولا هو موضوع لحكم شرعي ، إذ انَّ موضوع الحكم هو ما انيطت فعليَّة الحكم به وقيود الواجب ليست كذلك بل هي ناشئة عنه وبعده . ومن هنا تكون واجبة التحصيل كما بينا ذلك في محلِّه .
وببيان أشمل : قيود الواجب هي القيود المأخوذة في متعلقات الاحكام والتي يكون المكلَّف مسئولا عن تحصيلها .
وهذا النحو من القيود لا ريب في جريان الاستصحاب في موردها حتى عند القائلين بهذا الصياغة بل انَّ مورد الرواية ـ التي ذكرناها للإستدلال على حجية الاستصحاب ـ قيد من قيود الواجب والذي هو الوضوء أو قل الطهارة الحدثية : فإنَّ الطهارة من قيود الواجب وهي الصلاة .
ولمزيد من التوضيح نذكر مثالين لكيفية إجراء الاستصحاب في قيود الواجب حتى يتضح الإشكال على هذه الصياغة .
المثال الاول : هو انَّه لو كان المكلَّف يعلم باشتماله على الساتر حين الصلاة ثم شك في ارتفاع ذلك الساتر فإنَّه له ان يجري الإستصحاب لإثبات اشتماله على الساتر .
المثال الثاني : هو انه لو كان المكلَّف يعلم انَّ مال الغير الذي أتلفه هو من سنخ المال القيمي ثم شك في ذلك نتيجة أن هذا المال وبواسطة التقنيَّة الحديثة أصبح له ما يماثله ، فإنَّ الشك في المقام انَّما هو شك في قيود الواجب ، إذ انَّ المثلية والقيميَّة من القيود الواجبة التحصيل بعد مخاطبة المكلَّف بضمان المال الذي أتلفه . ومن هنا يمكن للمكلَّف استصحاب القيميَّة للمال التالف بواسطته .
وبهذا البيان اتضح عدم تمامية الصياغة الاولى للركن الرابع .
الصياغة الثانية : أن يكون لاستصحاب الحالة السابقة أثر عملي أي ان يكون الإستصحاب مؤثراً ومقتضياً لترتب الاثر العملي أي مقتضياً للتنجيز أو التعذير.
فكل حالة سابقة يكون استصحابها حين الشك مؤثراً في تحقق التنجيز أو التعذير فإنها مورداً لجريان الإستصحاب . وهذه الصياغة لا يرد عليها كلا الاشكالين الواردين على الصياغة الاولى ، وذلك لأن هذه الصياغه بالإضافة الى شمولها للحكم وموضوع الحكم فهي تشمل حالات الشك في استمرار إنتفاء الحكم بعد العلم بانتفائه كما تشمل حالات الشك في قيود الواجب .
أما شمولها لحالات الشك في استمرار انتفاء الحكم بعد العلم بعدمه فانَّ الإستصحاب هنا يوجب التعذير والتأمين عن ذلك الحكم المشكوك .
ومثال ذلك : لو مات والد المكلَّف قبل بلوغه وكان على والده صلوات فائته ، فكان المكلَّف قبل بلوغه يعلم بعدم مخاطبته بقضاء تلك الفوائت ثم حين بلغ شك في استمرار عدم التكليف بالقضاء ، فاجراء استصحاب عدم التكليف يكون معذِّراً .
وأمَّا شمولها لحالات الشك في قيود الواجب فلأنّ المكلَّف لو استصحب بقاء القيد المعلوم فإن ذلك يكون له معذرٌ عن الإعادة مثلا ولو استصحب عدم وجود القيد لكان الاستصحاب منجِّزاً ومثبتاً لمسئولية المكلَّف عن الإعادة مثلا .
ويمكن التمثيل لاستصحاب القيد المعذِّر بما لو كان المكلَّف يعلم حين شروعه في الطواف انَّه على طهارة ثم شك في الإثناء في ارتفاعها فإنَّ استصحابه للطهارة يكون معذراً له عن لزوم استئنافها ونافياً لوجوب اعادة ما جاء به من أشواط .
ويمكن التمثيل لاستصحاب عدم القيد المنجِّز بما لو كان يعلم بعدم إزالته للنجاسة الخبثية عن ثوبه ثم شك في أثناء الصلاة في إزالته للنجاسة عن ثوبه ، فإنَّ استصحاب عدم الإزالة منجِّزاً وموجباً لاستئناف الصلاة .
ويمكن التمثيل لاستصحاب عدم القيد المعذِّر بما لو كان المكلَّف يعلم بأنَّ لباسه ليس مشتملا على فضلات الحيوان الغير المأكول اللحم ثم شك في عروض ذلك على لباسه فإنَّ له ان يستصحب عدمه فيكون ذلك الإستصحاب معذراً أي نافياً لوجوب تحصيل العدم وهو الكون على لباس ليس مشتملا على فضلة الحيوان المحرم ، إذ ان الكون على اللباس المشتمل على فضلات الحيوان المحرم قد اُخذ عدمه قيداً في متعلَّق الحكم وهي الصلاة .
والمتحصل انَّ هذه الصياغة لا يرد عليها ما اُورد على الصياغة الاولى، ولذلك اختارها المصنِّف (رحمه الله) .
الجهة الثانية : في بيان دليل ركنية هذا الركن :
وقد ذكرنا دليل الصياغة الاولى في سياق تقريرها وأما دليل الصياغة الثانية فقد ذكر المصنِّف (رحمه الله) لها دليلين :
الدليل الاول : هو انَّ جعل الاستصحاب في مورد لا يكون فيها الإستصحاب منجِّزاً أو معذِّراً يكون أشبه شيء بالعبث ولا يتفق صدوره من العقلاء بما هم عقلاء فضلا عن الشارع المقدس .
وبتعبير آخر : انَّ الاستصحاب لمَّا كان اعتباراً شرعياً وحكماً تعبديَّاً فلابدَّ أن يكون المتعبَّد به مما له أثر في مقام التعبّد . فاستصحاب حياة آدم  (عليه السلام) الى حين موت حواء ليس له أثر عملي حتى يصلح أن يكون مورداً للتعبد الشرعي . وهذا ما أوجب تقييد مجرى الإستصحاب بما إذا كان منتجاً للتنجيز أو التعذير .
الدليل الثاني : ان ركنية هذا الركن بحدوده المذكورة هي مقتضى ظهور أدلة الاستصحاب فإنَّ ظاهر قوله (عليه السلام) « لا تنقض اليقين بالشك » ليس نهياً عن نقض اليقين حقيقة لأن ذلك خارج عن القدرة ، إذ انَّ الشك متى ما تحقق انتفى معه اليقين لامتناع استقرار اليقين في النفس مع عروض الشك على نفس متعلَّق اليقين ، وهذا ما يستوجب انصراف ظهور النهي عن نقض اليقين بالشك عن النقض الحقيقي فيتعيَّن أن يكون المراد من النهي عن نقض اليقين بالشك هو النهي عن رفع اليد عن آثار اليقين أي انَّ المكلَّف في حالات عروض الشك بعد اليقين لا يعتني بذلك الشك عملا ويبقى مرتباً لآثار اليقين وكأنَّ اليقين لا زال ثابتاً في النفس . ومن الواضح انّ اليقين لو كتب له البقاء والاستقرار لكان موجباً للتنجيز والتعذير ، فإذن يكون التعبير ببقاء اليقين يساوق التعبد ببقاء آثاره والتي هي التنجيز والتعذير ، إذ انَّه لا يبقى معنىً محصلا من النهي عن نقض اليقين إلاّ ذلك بعد أن كان النهي عن نقض اليقين الحقيقي مستحيلا .
ثم انَّه اذا كان المنهي عنه هو رفع اليد عن آثار اليقين والتي هي التنجيز والتعذير فهذا يقتضي عدم شمول التعبد بالاستصحاب للحالات التي لا يكون الاستصحاب فيها مقتضياً للتنجيز أو التعذير .
وبهذا يتضح ماهو المبرِّر لركنية هذا الركن وكيف انَّ الاستصحاب يجري في تمام الحالات التي يكون فيها الاستصحاب موجباً للتنجيز أو التعذير كاستصحاب الحكم أو عدم الحكم او استصحاب الموضوع أو المتعلَّق أو قيود الحكم أو قيود المتعلق « الواجب » .
ثم ان هنا أمراً لابدَّ من التنبيه عليه : وهو انَّ مرادنا من لزوم كون الإستصحاب موجباً للتنجيز أو التعذير انما هو بلحاظ البقاء لا بلحاظ الحدوث ، فإذا كان استصحاب بقاء المتيقن موجباً للتنجيز أو التعذير فإنَّ هذا كاف في تصحيح جريان الإستصحاب.
وبيان ذلك :
إنَّ المتيقن الذي يُراد استصحابه في ظرف الشك في بقائه له أربع حالات :
الحالة الاولى : ان يكون لحدوثه أثر عملي ولبقائه أثر عملي . ومثاله ابتداء النهار من أيام شهر رمضان فإن لابتداء النهار ـ وهو الحدوث ـ أثر عملي وهو تنجُّز الصوم على المكلَّف ولبقائه أثر عملي وهو وجوب الاستمرار على الصوم ، وفي مثل هذه الحالة لا ريب في جريان الإستصحاب ، وذلك لأنَّ حدوث المستصحب وبقاءه مما يترتب عليه التنجيز .
الحالة الثانية : ان لا يكون للحدوث أثر عملي ولا يكون للبقاء أثر عملي وفي مثل هذه الحالة لا ريب في عدم جريان الاستصحاب ـ كما بينا ذلك فيما سبق ـ ومثاله مالو كنا نعلم بحياة ملك من الملائكة ثم شككنا في بقائه ، فهنا لا يجري الإستصحاب لعدم ترتب أي أثر على العلم بالحياة وهكذا استمرار الحياة ليس له أثر كذلك .
الحالة الثالثة : أن يكون لحدوثه أثر عملي إلاّ أنَّ بقاءه ليس ذا أثر عملي . ومثاله العلم بتنجس هذا الطعام مع عدم اضطراره اليه وبذلك تتنجَّز عليه الحرمة فلو شك بعد ذلك في إرتفاع النجاسة عن هذا الطعام إلاّ انه كان حينها مضطراً الى تناوله فهنا لا يكون للبقاء أثر عملي ، إذ انَّه على أي حال لا يحرم عليه تناول هذا الطعام لافتراضه مضطراً اليه . ومن هنا لا يجري الاستصحاب في هذه الحالة لأن البقاء ليس له أثر عملي على أيِّ حال .
الحالة الرابعة : أن لا يكون للحدوث أثر عملي إلاّ انَّ البقاء ذو أثر عملي . ومثاله العلم بحياة الابن فإنَّه ليس للعلم بحياته أثر عملي إلاّ انه وقع الشك بعد ذلك في بقائه على قيد الحياة الى هذه السنة وكان لبقائه الى هذه السنة أثر عملي وهو إستحقاقه للإرث حيث انَّ أباه قد مات في هذه السنة  ، وهنا يجري الإستصحاب ، وذلك لتوفُّره على الركن الرابع ـ وهو انَّ لاستصحاب الحالة السابقة أثر عملي ـ ولا يكون عدم الاثر للمستصحب حين حدوثه مانعاً من جريان الإستصحاب ، إذ ان الأثر العملي الذي انيط به التعبد الشرعي بالاستصحاب انَّما هو الأثر حين إجراء الاستصحاب ، وهذا متحقق في مفروض المثال .



مقدار ما يثبت بالإستصحاب


ويقع البحث في المقام عن شمول التعبّد بالاستصحاب للأحكام الشرعية المترتبة على الآثار العقلية والعادية للمستصحب . وقد تعارف اطلاق عنوان حجيَّة الاصل المثبت على هذا البحث . ويمكن تصنيفه الى جهتين :
الجهة الاولى : في بيان موضوع البحث .
الجهة الثانية : في الدليل على عدم حجيَّة الاصل المثبت .
أما الجهة الاولى :
انَّ المستصحب ـ والذي هو متعلَّق اليقين والذي يُراد اسراؤه لحالة الشك في بقائه ـ تارة يكون حكماً شرعياً فاستصحابه يكون موجباً للتنجيز أو التعذير دون واسطة . وتارة يكون موضوعاً لحكم شرعي أو متعلَّقاً لحكم شرعي أو قيداً لحكم أو قيداً لمتعلّق حكم شرعي فهنا يكون إجراء الإستصحاب منقحاً للموضوع فيترتب بواسطة ذلك الحكم ويكون مثبتاً لتحقق متعلَّق الحكم فيثبت بواسطة استصحاب المتعلَّق التعذير مثلا . وهكذا الكلام في قيود الوجوب والواجب .
وتارة يكون المستصحب حكماً شرعياً وفي نفس الوقت هو موضوع لحكم شرعي آخر ، فهنا يكون استصحاب الحكم المعلوم سابقاً منقِّحاً لموضوع الحكم الثاني وموجباً للتنجيز أو التعذير أي انَّ ثبوت الحكم الثاني تم بواسطة استصحاب الحكم الاول المعلوم سابقاً والذي هو موضوع للحكم الثاني .
ومثاله : مالو علم مكلَّف بنجاسة مائع إلاّ انَّ تناوله كان خارجاً عن القدرة ثم شك بعد ذلك في بقاء نجاسته بعد أن صار مقدوراً على تناوله ، فإنَّ استصحاب الحكم بالنجاسة يستوجب التعبُّد بالنجاسة أولا ويتنقح بواسطته موضوع الحكم بحرمة شربه ، وذلك لأنَّ النجاسة موضوع لحرمة الشرب .
والغرض من افتاض كون المائع حين العلم بالنجاسة غير مقدور على تناوله هو انَّه لو لم يكن كذلك لكان العلم بالنجاسة يساوق العلم بالحرمة فيمكن حينئذ إجراء استصحاب الحكم بالحرمة بنفسه ، وذلك لأنَّ له حالة سابقة متيقنة ، أمَّا في حالة عدم القدرة على تناول المائع حين العلم بنجاسته فإنَّ العلم حينئذ بالنجاسة لا يساوق العلم بالحرمة .
وبهذا يكون استصحاب النجاسة هو الواسطة في تنقُّح موضوع الحرمة لشرب المائع .
وكيف كان فتمام الحالات التي ذكرناها يكون بقاء المستصحب بنفسه موجباً للتنجيز والتعذير .
وهناك حالة اخرى غير الحالات التي ذكرناها لا يكون المستصحب بنفسه موجباً للتنجيز وانَّما الموجب للتنجيز هو لوازمه العقليَّة أو العاديَّة .
ومثاله مالو كان استحقاق الطفل للميراث منوطاً بتولده حياً ، فلو كنَّا نعلم بحياة الجنين حينما كان حملا ثم شككنا في استمرار حياته الى حين التولُّد فإن استصحاب الحياة الى حين التولُّد يلازم عقلا تولُّده حياً وبه يتنقَّح موضوع الاثر الشرعي وهو الاستحقاق للميراث .
والملاحظ في هذه الحالة المفترضة انَّ المستصحب ليس هو بنفسه موضوع الاثر الشرعي ، وذلك لأن استصحاب الحياة الى حين الولادة لا ينتج وحده تنقُّح موضوع الاستحقاق للميراث ، إذ انَّ الحياة كما هو المفترض ليس موضوعاً للإستحقاق وانما هو تولّد الطفل حياً ، وهذا غير المستصحب ، إذ ليس هو المتيقن سابقاً ، وانما المتيقن هو الحياة فحسب وهو ليس موضوعاً للاثر الشرعي ، نعم استصحاب الحياة الى حين التولُّد يلازم عقلا تولُّد الطفل حيَّاً . فإذن الاثر الشرعي موضوعه اللازم العقلي للمستصحب وليس هو المستصحب نفسه . وهذا بخلاف استصحاب النجاسة في المثال السابق فإنَّه بنفسه موضوعاً للحرمة .
وبتعبير مختصر : انَّ مفروض هذه الحالة هو ترتُّب الاثر الشرعي على لازم المستصحب لا أن الأثر الشرعي مترتباً على المستصحب نفسه . وهذه الحالة هي محلُّ الكلام من حيث انَّ انَّ الإستصحاب هل يجري في مثل هذه الحالة أو لا ؟
وأمَّا الجهة الثانية : ـ والتي هي في الدليل على عدم حجيَّة الأصل المثبت ـ فنقول : انَّه بعد اتِّضاح المراد من الأصل المثبت وانَّه عبارة عن التعبُّد بوجود اللازم العقلي للمستصحب ومنه تترتب الآثار الشرعية على ذلك اللازم فيكون دور المستصحب دور الواسطة في إثبات لازمه العقلي ثم ان ثبوت اللازم العقلي بعد ذلك يستوجب ترتُّب آثاره الشرعية . بعد اتِّضاح ذلك يقع البحث في انَّ دليل الاستصحاب هل يتسع لذلك أو لا ؟.
والوصول الى نتيجة في هذا البحث يستوجب ملاحظة دليل الاستصحاب فنقول : انَّ أدلة الإستصحاب نهت عن نقض اليقين بالشك وقد قلنا انَّه لا يمكن أن يكون المراد ـ من النهي عن النقض ـ النقض الحقيقي ، فيتعيَّن أن يكون المراد منه هو النقض العملي والذي يعني رفع اليد عن ما يقتضيه اليقين لو قدِّر له البقاء ، وبهذا يثبت ـ في حالات الشك في بقاء المتيقن ـ ما للمتيقن من منجِّزيّة ومعذرية ، وهذا هو معنى استظهار التنزيل من دليل الإستصحاب والذي هو تنزيل مشكوك البقاء منزلة الباقي .
وبهذا يتضح انَّ النهي عن النقض ليس نهياً مولوياً يقتضي التحريم وانَّما هو نهي إرشادي أي انَّه يُرشد الى انَّ المولى قد نزَّل مشكوك البقاء منزلة الباقي أو قل نزَّل المشكوك منزلة المتيقن في مقام العمل فكأنَّما المولى اعتبر المكلَّف الشاك ـ فيما كان متيقناً به ـ انَّه لازال على يقين بالمشكوك الفعلي .
وعلى هذا يكون المنزَّل منزلة المتيقن هو المشكوك أي انّ المتعبَّد بتنزيله منزلة المتيقّن هو نفس المشكوك ، واذا كان كذلك فمن الصعب تعدية هذا التنزيل وهذا التعبُّد الى آثار المشكوك « المستصحب » العقلية أو العاديَّة ، وذلك لأنَّ التنزيل نحو من الإعتبار وهذا يقتضي لزوم التعرُّف على هوية المعتبِر وذلك لمعرفة جهة الإعتبار والتنزيل ، ولمَّا كان المعتبِر في المقام هو الشارع فهذا يقتضي أن تكون جهة التنزيل متصلة بالشارع المقدس وحينئذ يكون تنزيل المشكوك منزلة المتيقن أو قل التعبُّد ببقاء المستصحب انَّما هو من جهة آثاره المتصلة بالشارع لا الآثار المتصلة بالجهات الاخرى .
ولغرض ان تتضح هذه الفقرة من الدليل ـ والتي هي أهم حلقات هذا الدليل ـ نذكر هذا المثال .
عندما يُقال « انَّ المخدِّر خمر » فإن العرف يفهم انَّ هنا تنزيلا للمخدِّر منزلة الخمر وذلك لاطلاعه على انَّ طبيعة المخدِّر التكوينية تختلف عن طبيعة الخمر ، إلا انَّه لا يُفهم لهذا التنزيل معنىً محصَّلا حتى يُعرف المنزِّل الذي نزَّل مادة المخدِّر منزلة الخمر فإذا ما عُرف المنزِّل عُرفت جهة التنزيل ، فلو كان طبيباً عرفنا ان جهة التنزيل هي الآثار التكوينية وانَّه أراد من هذا التنزيل اعتبار المضاعفات المترتبة على تناول المخدِّر هي عينها المترتبة عن شرب الخمر ، ولو كان المنزِّل هو المقنِّن ومن له السلطنة على الناس لكانت جهة التنزيل هي العقوبة فكما انَّ عقوبة شارب الخمر هي السجن مثلا فكذلك عقوبة المتعاطي للمخدِّر ، وإذا كان المنزِّل هو شارب الخمر يفهم العرف انَّ جهة التنزيل هي الانعكاسات النفسية المترتبة على شرب الخمر فكأنه قال انَّ الانعكاسات النفسية المترتبة على تناول المخدِّر هي عينها المترتبة على شرب الخمر .
أمَّا لو كان المنزِّل هو الشارع المقدس فحينئذ ينفهم من هذا التنزيل ان جهته هي الآثار الشرعية فكما انَّ الخمر حرام فكذلك المخدِّر .
ومن هنا يتضح ما نروم إثباته وهو ان تنزيل المشكوك منزلة المتيقن يعني ان جهة التنزيل انَّما هي الآثار الشرعيَّة المترتبة على بقاء المتيقن نفسه وأمَّا آثاره التكوينية فلا يطالها ذلك التنزيل ، إذ انها ليست متصلة بالشارع بما هو شارع ، فيكون التعبُّد ببقاء المستصحب انَّما هو تعبُّد ببقاء آثاره الشرعية .
فعليه لو كان للمستصحب أثر تكويني وهذا الاثر التكويني موضوع لحكم شرعي فإن ذلك الحكم الشرعي لا يثبت بواسطة الإستصحاب ، وذلك لأن ثبوت الحكم الشرعي منوط بالتعبُّد بوجود الأثر التكويني للمستصحب وهذا مالا يتسع له التعبُّد ببقاء المستصحب ، ولهذا لا يكون الحكم الشرعي المترتب على اللازم التكويني متحققاً ، إذ انَّ موضوعه وهو اللازم التكويني غير محرز التحقق .
مثلا : لو كان وجوب النهي عن المنكر مترتباً على بقاء الفاسق على المعصية فلو لم أكن أعلم بذلك ولكن كنتُ أعلم بعدم توبته ، واللازم العادي لعدم التوبة هو الاستمرار على المعصية ، فهنا لو استصحبت عدم التوبة ـ وكان استصحاب الملزوم يعني ثبوت اللازم ـ لكان ذلك يقتضي تنقُّح موضوع وجوب النهي عن المنكر . إلا انَّه لمّا لم يكن التعبُّد ببقاء المستصحب « وهو عدم التوبة » تعبداً بتحقق لوازمه العاديَّة فهذا يقتضي عدم تحقق موضوع وجوب النهي عن المنكر . إذ ان موضوعه ـ كما هو المفترض ـ هو اللازم العادي لعدم التوبة ولا سبيل لإثباته بواسطة التعبُّد ببقاء المستصحب كما بينا ذلك .
قد يُقال اننا لا نحتاج الى التعبُّد بوجود اللازم « وهو الاستمرار على المعصية » بل يكفي التعبُّد ببقاء المستصحب لتحقق وجوب النهي عن المنكر .
إلا انَّه يقال إنَّ ذلك خُلْف الفرض وهو انّ موضوع وجوب النهي عن المنكر انَّما هو الاستمرار عن المعصية وهذا غير ثابت ، إذ انَّ فعلية الاحكام تابعة لتقرُّر موضوعاتها خارجاً .
وبهذا يتضح عدم حجيَّة الاصل المثبت وعدم صلاحيته لتنقيح موضوع الأثر الشرعي كما هو مذهب المشهور .


عموم جريان الإستصحاب


ويقع البحث في المقام عن صلاحية دليل الاستصحاب لإثبات التعبُّد بالإستصحاب مطلقاً وفي تمام موارد الشك المسبوق بالعلم .
وهذا هو مقتضى إطلاق قوله (عليه السلام) « ولا ينقض اليقين ابداً بالشك » . إلا انَّه في مقابل دعوى العموم هناك من ذهب التفصيل ، كما انَّ القائلين بالتفصيل قد اختلفوا في جهة التفصيل ، فهناك من ذهب الى التفصيل بين المستصحب الثابت بواسطة الدليل الشرعي وبين ماهو ثابت بالدليل العقلي ، كما انَّ هناك قولا آخر بالتفصيل بين الشبهات الحكميَّه والشبهات الموضوعية فالاستصحاب جار في الثانية دون الاولى .
والتفصيل الذي بحثه المصنِّف (رحمه الله) في المقام هو التفصيل بين الشك في الرافع فيجري الإستصحاب في مورده وبين الشك في المقتضي فلا يجري الإستصحاب في مورده . وهذا التفصيل قد تبناه الشيخ الانصاري (رحمه الله) وتبعه في ذلك المحقق النائيني (رحمه الله) .
وحاصل هذا التفصيل : هو انَّ متعلّق اليقين ليس ذا طبيعة واحدة بل انها متفاوتة من متعلَّق الى آخر ، فقد يكون متعلَّق اليقين « المتيقن » مما له شأنية البقاء والإستمرار لو اتفق له الوجود ، وهذا يعني انه متى ما وجد فإنَّه يبقى إلا ان يطرأ ما يوجب انقطاع استمراره ، فلو وقع الشك في طروء هذا القاطع والذي يُنهي حالة الإستمرار للمتيقَّن ، فإنَّ الاستصحاب يقتضي نفي الإنقطاع واستمرار بقاء المتيقن ، وهذه الحالة هي التي يجري فيها الاستصحاب .
ومثاله الزوجية فإنها متى ما تحققت فإنها تبقى ، غايته انه قد يطرأ عليها ما يوجب انقطاعها وانتفائها كطروء بعض العيوب الموجبة للفسخ أو الطلاق أو الإرتداد أو ما الى ذلك .
وفي مثل هذه الحالة يكون الشك في بقاء الزوجية يساوق الشك في طروء الرافع ولا معنى للشك من جهة اخرى بعد العلم بتحقق الزوجية . هذه هي الحالة الاولى للمتيقن .
والحالة الثانية : للمتيقن هي عدم اقتضاء طبيعته للبقاء والإستمرار الى ان يطرأ الرافع بل انَّها تقتضي البقاء لأمد محدَّد ثم تنتفي بنفسها ومن دون عروض أي طاريء موجب لإرتفاع حالة البقاء . نعم قد يعرض للمتيقن الإنقطاع بسبب طارئ موجب لإعدام وجوده الذي لولا عروض هذا القاطع لاستمرَّ هذا الوجود حتى ينتهي أمده . ومن هنا يتضح انَّ مراد القائلين بعدم جريان الإستصحاب في موارد الشك في المقتضي انَّما يقصدون حالات الشك الناشئة عن احتمال انتهاء أمد المتيقن لا حالات الشك في طروء الرافع له ، فإنَّه حتى وإن كان المتيقن من قبيل الحالة الثانية فإنَّ الاستصحاب يجري في مورده لو كان منشأ الشك هو طروء الرافع ، كما لو كانت طبيعة المتيقن البقاء الى ساعة من حين حدوثه ووقع الشك في إرتفاعه لعارض قبل تمام الساعة فإنَّ الاستصحاب جار في مثل هذا الفرض ولا يقصدون انَّ مطلق الطبائع التي لا تقتضي البقاء الابدى إذا وقع الشك في بقائها فإنَّ الإستصحاب لا يجري في موردها بل انَّ الاستصحاب الذي لا يجري في موردها هو ما كان منشاؤه الشك في اقتضاء المتيقن للبقاء الى هذه المرحلة الزمنية ، فلا تغفل .
ويمكن التمثيل لهذه الحالة من حالات المتيقن بما لو وقع الشك في بقاء نهار شهر رمضان ، وكان منشاؤه الشك في اقتضاء النهار للبقاء الى هذه المرحلة الزمنية ، إذ انَّ طبيعة النهار لا تقتضي الاستمرار الى الأبد مالم يطرأ الرافع بل انَّ لها أمداً تنتهي بانتهائه . وفي مثل هذه الحالة لا يجري الاستصحاب بناء على مبنى التفصيل .
وبعد اتضاح مبنى التفصيل بين الشك في المقتضي والشك في الرافع يقع الكلام عمَّا هو الدليل على هذا التفصيل ، وماهو المبرِّر لرفع اليد عن ما يُترآى من إطلاق لدليل الإستصحاب ، وقد ذكروا انَّ المبرِّر لذلك هو التعبير بالنقض في لسان الدليل . فهو الموجب لدعوى التفصيل . وذلك يتضح بتقريبين :
التقريب الأول :
انَّ أدلة الإستصحاب قد نهت عن نقض اليقين بالشك ، والمتفاهم العرفي من معنى النقض هو حلُّ ماهو مستوثق ومتماسك ، وهذا هو ما تقتضيه الإستعمالات العرفيَّة لكلمة النقض قال الله تعالى ] ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثاً [() فالغزل هنا بمعنى المغزول أي ما غزلته ، والمغزول هيئة محكمة ومترابطة ، وقد أكدت الآية الشريفة حالة الإحكام والاستيثاق في المغزول بالظرف الذي تلاه وهو « من بعد قوة » ثم فسَّرت النقض بالحال وهي « أنكاثاً » فالنقض بمعنى النكث ، والنكث بمعنى الفتل ، والفتل لا يكون إلاَّ فيما هو مستحكم ومستوثق .
وهكذا قوله تعالى ] فبما نقضهم ميثاقهم لعنَّاهم [() فإنَّ النقض في الآية الشريفة قد عرض على الميثاق ، والميثاق هو الالتزام للطرف المقابل بأمر على نحو البت ، فكأنَّه معقود وموثوق بذلك الأمر بحيث لا يسعه التنصُّل عنه ، ومتى ما تنصَّل يكون قد نقض ذلك الوثاق وحلَّه عن يده المكبَّلة به . ومن هنا لا يقال لمن لم يلتزم بأمر ـ وانَّما كان من المرجو أن يفعله ـ انَّه ناقض لإلتزامه ، كما لا يقال لمن نكت في التراب انَّه نقض التراب وما ذلك إلاّ لعدم استحكامه في نفسه .
وباتضاح هذا يتضح معنى النقض في أدلة الإستصحاب وأنَّها تعني رفع اليد عمَّا له اقتضاء الدوام والإستمرار ، إذ هو الذي يناسبه عنوان النقض ، بخلاف المتيقن الذي ليس له اقتضاء الدوام فليس له حالة استحكام حتى يكون رفع اليد عنه يُعدُّ من النقض ، وبهذا يتضح وجه التفصيل بين الشك في المقتضي والشك في الرافع .
والجواب عن هذا التقريب : انَّ ماذكر من أن النقض لا يكون إلا في حالة يكون فيها المنقوض مستوثقاً مسلَّم إلا انَّ ذلك لا يقتضي التفصيل ، إذ انّ متعلَّق النهي عن النقض في أدلة الاستصحاب هو اليقين وليس المتيقن حتى يُقال بالتفصيل ، ومن الواضح انَّ رفع اليد عن اليقين يُعدُّ نقضاً عرفاً ،
وذلك لأن اليقين من الحالات المستحكمة في النفس بحيث يكون عدم الاعتناء به نقضاً لما هو متأصل ومستوثق .
التقريب الثاني :
إنَّ أدلة الاستصحاب نهت عن نقض اليقين بالشك ، ومن والواضح انَّه من غير المناسب وصف الشك بالناقض لو كان متعلَّق الشك مغايراً لمتعلق اليقين ، نعم يصح إطلاق عنوان النقض لو كان المتعلَّق في الشك واليقين واحداً كما هو الحال في قاعدة اليقين فإنَّ الشك يتعلَّق في موردها بعين ما تعلّق به اليقين كما أوضحنا ذلك ، فهنا يكون النقض حقيقياً . ويصح اطلاق عنوان الناقض أيضاً فيما لو كان الشك متعلقاً بحالة البقاء للحادث المتيقن إلاّ انَّه بنحو العناية المقبولة عرفاً ، إذ انَّ الشك في البقاء لو اعتُني به مع قابلية الحادث للبقاء فإنَّ هذا الإعتناء يُعدُّ بنظر العرف نقضاً لليقين بالشك ، إذ انَّ قابليَّة الحادث للبقاء تجعل من الشك في البقاء كأنَّه شك في الحدوث ، فمتعلَّق اليقين وان كان مغايراً ـ بحسب الدقة العقليَّة ـ لمتعلَّق الشك إلا انَّ قابليَّة المتيقن للبقاء والإستمرار هي التي سوَّغت اعتبار المتعلَّقين متعلَّقاً واحداً .
ومن هنا يكون رفع اليد عن المتيقن بسبب الشك نقضاً لليقين بالشك ، فهو وإن كان نقضاً عنائياً إلا انَّه مقبول ومستساغ عرفاً ، وهذا بخلاف مالو كانت طبيعة الحادث لا تقتضي البقاء والإستمرار فإنَّ الشك حينئذ في البقاء يبقى شكاً في متعلَّق مباين لمتعلَّق اليقين ولا يكون الشك في البقاء مصححاً عرفاً لاتحاد المتعلَّقين حتى يكون رفع اليد عن اليقين بالشك نقضاً لليقين بالشك .
وهذا ما أوجب استظهار التفصيل بين الشك في المقتضي والشك في الرافع .
وبتعبير آخر : إن طبيعة المتيقن إذا كانت مقتضية للبقاء والإستمرار فإنَّ اتفاق وجودها يعني استمرارها وهذا يقتضي انَّ الشك في الإستمرار بعد العلم بالوجود والحدوث شك ـ بنحو العناية ـ في أصل الوجود والحدوث ، وذلك لأن اليقين بالحدوث في مثل هذه الطبايع يقين بالإستمرار عنايةً ، فلو وقع الشك في الإستمرار فكأنَّه شك في أصل الحدوث ، وهذا هو معنى اتحاد متعلقي الشك واليقين عنايةً . وبهذا يكون رفع اليد عن اليقين السابق نقضاً لليقين بالشك وأدلة الإستصحاب تنهى عن ذلك .
أما لو كانت طبيعة المتيقن غير مقتضية للبقاء بل انَّها تزول بنفسها بعد الحدوث حتى لو لم يطرأ عليها ما يوجب إعدام وجودها ففي مثل هذه الحالة لا يكون الشك في البقاء مساوقاً عرفاً للشك في الحدوث المتيقن ، وذلك لتغاير متعلَّقيهما حتى بنظر العرف . ومن هنا لا يكون عدم الإعتناء بذلك اليقين السابق من نقض اليقين بالشك .
والجواب عن هذا التقريب : انَّنا وان كنَّا نسلِّم ان اسناد نقض اليقين الى الشك لا يكون إلاّ في حالة يكون فيها متعلَّق اليقين ومتعلَّق الشك واحداً إلاّ انَّنا قلنا انَّ المصحح للإسناد هو إلغاء الزمن عن متعلَّقي اليقين والشك ، وبهذا الإلغاء يكون المتعلَّق للحالتين واحداً ، فإذا صحَّ هذا الإلغاء في حالة يكون فيها المتيقن مما له البقاء والإستمرار فإنَّه يصحُّ في حالات عدم اقتضاء المتيقن للبقاء والإستمرار .
وبهذا اتَّضح سقوط كلا التقريبين عن الصلاحيَّة لصرف إطلاق أدلة الإستصحاب عن حالات الشك في المقتضي .


تطبيقات


استصحاب الحكم المعلَّق
ويقع البحث في المقام عن انَّ الحكم المعلَّق هل يجري في مورده الاستصحاب او لا يجري ؟ وقبل بيان ذلك لابدَّ من تحرير موضوع البحث ، فنقول :
إنَّ الشك في الحكم ينشأ عن أحد ثلاثة مناشيء :
المنشأ الاول : هو احتمال نسخ الحكم ، والشك في مثل هذه الحالة يعرض نفس الجعل ولا صلة له بالحكم المجعول .
ومثاله : هو انَّه حينما يكون المكلَّف عالماً بأنّ الله جلَّ وعلا قد جعل الحرمة على أكل لحم الميتة ثم وقع الشك في بقاء الحكم بالحرمة وعدمه ، فإنَّ هذا الشك يكون ناشئاً عن احتمال النسخ ، ولا مبرِّر للشك في البقاء إلا ذلك .
وفي مثل هذه الحالة يجري استصحاب الحكم أي استصحاب بقاء الجعل وأن الحرمة لم تُنسخ .
المنشأ الثاني : هو انتفاء بعض الخصوصيّات بعد أن كانت موجودة ، والتي نحتمل دخالتها في بقاء فعليَّة الحكم ، فانتفاء تلك الخصوصية أوجب الشك في بقاء فعليّة الحكم . والشك هنا لا يكون إلاّ في بقاء الفعليَّة للحكم ولا صلة له بأصل الجعل ، فقد يكون المكلَّف على يقين من بقاء الجعل ومع ذلك يشك في بقاء الفعليَّة لذلك الحكم .
ومثاله العلم بحرمة وطئ الحائض المضطربة العادة باعتبار انَّ الدم الذي تراه واجد لصفات الحيض ، فلو فقَد هذا الدم صفات الحيض بعد ذلك فإنَّ انتفاء هذه الخصوصية يوجب الشك في بقاء فعلية الحكم بحرمة الوطئ ، وهنا يجري استصحاب بقاء فعليَّة الحكم بالحرمة ـ كما ذكرنا ذلك فيما سبق ـ وهذا النحو من الاستصحاب يسمَّى باستصحاب الحكم المجعول ، كما انَّ الحكم في مثل هذه الموارد ـ والذي كنَّا نعلم بتحقق فعليَّته ـ يُعبَّر عنه بالحكم التنجيزي .
وضابطته هي كل حكم تقرَّر موضوعه خارجاً بتمام حيثياته . وعبِّر عنه بالحكم التنجيزي لبلوغه مرحلة الفعليَّة والتنجُّز بحيث يكون المكلَّف في مورده مسئولا عن الامتثال لو كان الحكم مثبتاً للتكليف ، ويكون في سعة لو كان الحكم نافياً للإلزام .
المنشأ الثالث : هو انتفاء خصوصية للموضوع كانت موجودة لو قدر لها البقاء لكان الحكم فعليَّاً باعتبار انَّ الخصوصية التي كانت مفقودة قد وُجدت فعلا . وهنا يكون الشك أيضاً في فعلية الحكم لا في أصل الجعل بل نبقى في مثل هذه الحالة محرزين لبقاء الجعل وإن كنَّا نشك في فعليته .
ومثاله : العلم بأصل جعل الحرمة على وطأ الحائض ، فلو علمنا انَّ هذا هو وقت طروء الحيض على هذه المرأة ذات العادة المنتظمة وقتاً إلاّ انَّه لم يطرقها الحيض بعد ، وهنا نستطيع ان نقول انَّ هذه المرأة لو طرقها الحيض في هذا الوقت لحرم وطؤها ، فلو تأخر طروء الحيض عنها الى ما بعد الوقت المعتاد كأن طرقها الحيض بعد خمسة أيام من وقتها المعتاد . فهنا يقع الشك في حرمة وطأ هذه المرأة .
ومنشأ الشك هو انتفاء خصوصية الوقت الذي نحتمل انَّه جزء لموضوع الحرمة ، فهل يجري استصحاب الحرمة في هذه الحالة أو لا ؟
وهذا النحو من الاستصحاب الذي نبحث عن جريانه أو عدم جريانه هو المعبَّر عنه بالإستصحاب التعليقي ، كما ان الحكم الذي يُراد استصحابه يعبَّر عنه بالحكم التعليقي .
وتلاحظون انَّ الشك في المقام ليس في بقاء أصل الجعل بل انَّ الجعل وهو حرمة وطأ الحائض لا زال محرزاً ، كما انَّ الشك ليس في بقاء فعليَّة الحكم بحرمة وطأ الحائض ، إذ لم تكن الفعليَّه معلومة حتى يقع الشك في بقائها . إذن فما هو مورد الشك في مثل هذه الحالة ؟ .
والجواب هو انَّ مورد الشك في مثل هذه الحالة هو الحكم التعليقي ـ الذي لم يكن قد بلغ مرحلة الفعليَّة ـ وهو تلك القضية الشرطية التي صغناها والتي هي « انَّ هذه المرأة لو طرقها الحيض في هذا الوقت لحرم وطؤها » فهذه هي مورد الشك في المقام حيث انَّنا نشك في انَّ هذه المرأة التي عُلَّق الحكم بحرمة وطئها على طروء الحيض في ذلك الوقت هل لا زال كذلك أم لا ؟
فلو كنَّا نقول بجريان الإستصحاب في الحكم التعليقي فإن بالإمكان استصحاب تلك القضيَّة المعلومة سابقاً الى زمان الشك ، وبهذا الاستصحاب يصل الحكم الى مرحلة الفعليَّة حيث افترضنا انَّ المرأة قد طرقها الحيض .
وبما ذكرناه يتضح معنى قول المصنِّف (رحمه الله) من أنَّ الشك في موارد استصحاب الحكم التعليقي لا هو شك في الجعل ولا هو شك في المجعول بل هو حالة وسطى ما بين الشك في الجعل والشك في المجعول .
وبرزخيَّة هذا الشك نشأت عن أنَّ أصل الجعل يبقى محرزاً في مورد هذا الشك كما انَّ فعليَّة الحكم كانت متيقنة العدم فلا شك في بقائها ، نعم هناك شك في حدوثها .
واتضح أيضاً مما ذكرناه انَّ مجرى الاستصحاب التعليقي انَّما هو القضية الشرطية التي كانت معلومة أو قل انَّ مجرى الاستصحاب هو الحكم المعلَّق .
وبهذا نكون قد حررنا معنى الاستصحاب التعليقي وبه نصل الى البحث عن دليل جريانه أو عدم جريانه .
أمَّا دليل جريان مثل هذا الإستصحاب فهو انّ أركان الاستصحاب في مورده تامة حيث انَّ الحكم المعلَّق كان محرزاً ثم وقع الشك في بقائه فنستصحب الحالة السابقة الى ظرف الشك في البقاء . وباستصحاب الحكم المعلَّق يصل الحكم الى مرحلة الفعليَّة لو افترضنا تحقق الخصوصية المفقودة في ظرف العلم كما لو انّ المرأة ـ في المثال ـ قد طرقها الحيض فعلا . أما لو لم يطرقها الحيض فالاستصحاب التعليقي لا ينتج إلاّ التعبُّد ببقاء القضية الشرطية وهي انه متى ما طرقها الحيض فإنَّ وطأها يكون محرماً .
وفي مقابل دعوى جريان الاستصحاب التعليقي ذهب المحقق النائيني (رحمه الله) الى عدم امكان جريان استصحاب الحكم المعلّق واستدلَّ على ذلك بما حاصله :
انَّ الحالة البرزخيَّة في مورد استصحاب الحكم المعلَّق ليس لها معنىً محصل ، فالأحكام الشرعية أما هي بمرتبة الجعل أو بمرتبة المجعول والفعلية ، فالشك إمَّا ان يقع في بقاء أصل الجعل وامََّّا في بقاء فعلية الحكم المعبَّر عنه بالمجعول ، وإذا كان كذلك فأركان الاستصحاب ليست تامة في مورد الشك في الحكم المعلَّق ، وذلك لأنَّ الحكم بمرتبة الجعل محرز البقاء فالركن الثاني للاستصحاب وهو الشك في البقاء منتف في هذه الصورة . وأما الحكم بمرتبة المجعول والفعليَّة فليس له حالة سابقة معلومة وبهذا يكون الركن الاول للاستصحاب وهو اليقين بالحدوث منتفياً ، نعم هناك علم بالقضية الشرطية أو قل الحكم المعلَّق وشك في بقائه إلاّ ان ذلك لا يُبرِّر جريان الإستصحاب ، إذ ليس عندنا في الشريعة قسم ثالث للاحكام الشرعية ، فيتعين أن يكون الشك في مثل هذه الحالة شكاً في فعلية الحكم ، ولمَّا لم يكن للفعليَّه حالة سابقة فلا يجري حينئذ الإستصحاب .

استصحاب التدريجيَّات
ومورد البحث في المقام هو الوجودات التي ليس لها قرار والتي يكون الوجود الاخر المسانخ لها منوطاً بتصرمها وانعدامها . ويمكن ان نعبِّر عن هذا النحو من الوجودات بالوجودات السيَّالة والتي طبعها عدم القرار وهي المعبَّر عنها بالزمانيات عند الحكماء .
ومثالها ما لو وقفتَ على نقطة من نهر جار فإنَّه يبدو بالنظـرة السطحية انَّ الماء الذي وقع نظرك عليه لحظة وقوفك عند تلك النقطة هو عين الماء الذي تراه بعد فترة من الزمن عند تلك النقطة والحال انَّ الواقع ليس كذلك . ومنشأ هذا التصور هو الحالة الإتصالية للوجودات المتعاقبة على تلك النقطة .
وهذا النحو من الوجودات هو مورد البحث في المقام ، وتصوير جريان الاستصحاب في مثل هذه الموارد هو انَّه لو أحرزنا تحقق وجود من قبيل هذا النحو من الوجودات الزمانية ثم وقع الشك في انقطاع هذا الوجود فهل يصح إجراء الاستصحاب أو لا ؟
ومثاله ما لو علمنا بشروع زيد في قراءة القرآن والتي هي موضوع لوجوب الإنصات ثم شككنا بعد ذلك في انقطاعه عن القراءة فهل يجري استصحاب استمراره في القراءة أم لا .
ومن الواضح انَّ القراءة من الوجودات الزمانية السيَّالة والتي من طبعها عدم القرار ، فالقارئ لا يصل الى الحرف الثاني إلاّ بعد تصرُّم الحرف الاول وهكذا .
ومن هنا قيل بعدم جريان استصحاب التدريجيات أي بعدم جريان استصحاب الوجودات المتعاقبة والتي لها وحدة اتصالية بالنظرة العرفية وإلا فهي بالنظرة الدقيَّة ليس لها اتصال إذ انَّ الوجود لا يتصل بالعدم ، ولمَّا كان الحرف الاول قد انعدم فكيف يقال بأنَّه متصل بالوجود للحرف الثاني .
ومنشأ القول بعدم جريان استصحاب التدريجيات واضح ، إذ انَّ المعلوم حدوثه قد انصرم وانعدم قطعاً وهذا يعني انَّه لا شك في بقائه ، وبهذا يكون الركن الثاني مختلا ، كما انَّ الركن الاول لا يتفق تحققه في مورد استصحاب التدريجيات ، إذ انَّ الركن الاول هو اليقين بالحدوث ومن الواضح انّه لا علم لنا بالحدوث الثاني ، والذي نعلم بحدوثه قد انصدم قطعاً فعندنا شك بالحدوث الثاني ويقين بانقطاع الحدوث الاول وفي مثل هذه الحالة كيف يجري الإستصحاب .
إلا انَّه لا محصل لهذا الإشكال ، وذلك لأنَّ الخطابات الشرعية ليست مبنيَّة على المداقة العقليَّة ، ولذلك لابدَّ من فهم الخطابات الشرعيَّة بالشكل الذي يتناسب مع المتفاهم العرفي . ومن هنا يمكن القول بشمول أدلة الإستصحاب لهذا المورد ، وذلك لأنَّ العرف يعتبر هذه الوجودات المتعاقبة وجوداً واحداً استمراريَّاً فحينما يعلم بأصل الوجود ثم يشك في الإنقطاع فإنَّ هذا الشك يساوق الشك في البقاء والإستمرار لذلك الوجود ، فإنَّ ذلك الوجود المعلوم وان كان بحسب الدقة العقليّة قد انصرم الا انَّه وبحسب النظرة العرفيَّة لا يُحرز انقطاعه ، وذلك لان الوحدة الاتصالية بين الوجودات المتعاقبة أوجبت اعتبار تلك الوجودات وجوداً واحداً ، واذا كان كذلك فالشك حينئذ لا يكون شكاً في الحدوث الجديد وانَّما هو شك في بقاء ماهو معلوم الحدوث .
فحينما يعلم المكلَّف بشروعه في الصلاة والذي هو موضوع لحرمة القطع ـ ثم يقع الشك منه في البقاء على الصلاة فإن هذا الشك ليس شكاً في الحدوث ، وذلك لان الصلاة وان كانت وجودات متعاقبة ووجود الثاني فيها منوط بتصرُّم الاول إلاّ انَّ الوحدة الاتصالية بين وجودات الصلاة صيَّرت من الصلاة وجوداً واحداً . وهذا ما أوجب اعتبار الشك في حدوث الجزء الأخير شكاً في بقاء الصلاة ، ومن هنا أمكن جريان الإستصحاب .


استصحاب الكلِّي
وضابطة التعرُّف على الفرق بين الاستصحاب الكلِّي والإستصحاب الجزئي هو ملاحظة المستصحب ، فإذا كان المستصحب جزئياً فالاستصحاب في مورده جزئي وإن كان المستصحب كليّاً فالاستصحاب في مورده كلي.
وقد تجتمع في المستصحب كلا الخصوصيتين ولكن بلحاظين مختلفين ، فحينما تكون الخصوصية الملحوظة في المستصحب هي حدوده الشخصية والتي لا تصدق على غيره فالاستصحاب في مورد هذا المستصحب يكون جزئياً ، وحينما تكون الخصوصية الملحوظة في المستصحب هي الجهة الكلية والناشئة عن وقوعه في إطار حقيقة نوعيَّة فالاستصحاب في مورد هذا المستصحب يكون كليَّاً .
وباتضاح المراد من الاستصحاب الكلِّي يقع الكلام في أقسامه ، وتقسيم الإستصحاب الكلي انَّما هو باعتبار اتحاده واختلافه مع فرده من حيث التوفُّر على ركني الإستصحاب وهما اليقين والشك ، فإذا ما توفَّر كلا الركنين في المستصحب بعنوانه الشخصي وعنوانه الكلِّي فالإستصحاب في هذا المورد يُعبَّر عنه بالقسم الاول من الإستصحاب الكلِّي ، وإذا ما توفَّر كلا الركنين في المستصحب بعنوانه الكلي دون المستصحب بعنوانه الشخصي فاستصحاب الكلي يكون من القسم الثاني ، واذا كان أحد الركنين مختلا في المستصحب بعنوانه الشخصي والركن الآخر مختل في المستصحب بعنوانه الكلي فالاستصحاب الكلي في هذا المورد من القسم الثالث فأقسام الإستصحاب الكلي ثلاثة :
القسم الأوّل : أن يكون المستصحب بعنوانه الشخصي وبعنوانه الكلّي معلوم الحدوث ومشكوك البقاء .
ومثاله مالو علمت باني قد رُزقت ولداً ذكراً فهنا أكون قد علمتُ أيضاً بوجود جامع الولد ، فلو شككت بعد ذلك في بقاء ذلك الولد الذكر وشككت معه أيضاً في بقاء جامع الولد لي . فلو كان الاثر الشرعي الذي ابحث عن ترتُّبه هو وجوب ختن الولد فالاستصحاب انَّما يكون للفرد ، وذلك لأنَّ الاثر الشرعي وهو وجوب الختن مترتب على وجود الولد الذكر الذي كان محرز الوجود ولا يجري استصحاب الكلِّي ، لأنَّ الإستصحاب لا يجري إلاّ في حالة يكون للمستصحب على فرض بقائه الى حين ظرف الشك أثر عملي من تنجيز أو تعذير وبقاء الكلّي في المقام لا يترتب عليه الأثر كما هو واضح ، إذ انَّ وجوب الختن لا يترتب على وجود جامع الولد بعنوانه السَّعِي بل هو مترتِّب على وجود المستصحب بحدوده الشخصية إذ قد يكون الكلِّي موجود في ضمن البنت .
أما لو كان الاثر العملي الذي نبحث عن ترتُّبه هو وجوب النفقة على الولد فإنَّ الاستصحاب الشخصي لا يجري في المقام لعين ماذكرناه في الفرض الاول ، والذي يجري في هذا الفرض هو استصحاب بقاء كلِّي الولد ، إذ هو موضوع وجوب النفقة .
القسم الثاني : أن يكون المستصحب بعنوانه الشخصي وبعنوانه الكلِّي محرز الوجود إلاّ انّ المستصحب بعنوانه الشخصي نقطع بعد ذلك بانتفائه ويكون المستصحب بعنوانه الكلِّي مشكوك البقاء .
فهنا لا يجري الاستصحاب الشخصي قطعاً ، وذلك لانتفاء الركن الثاني في مورده وهو الشك في البقاء إذ انَّ الفرض هو القطع بانتفاء الوجود الشخصي للمستصحب . ويبقى الكلام في المستصحب الكلي هل يجري فيه الاستصحاب لو كان هناك أثر عملي مترتِّب على جريانه أو انَّه لا يجري ؟
ومثاله مالو علم المكلَّف بعروض حدث إلا انَّه لا يعلم بهوية ذلك الحدث فلعلَّه بول ولعلَّه جنابة ، فلو توضأ هذا المكلَّف بعد ذلك ، فهنا لو كان الحدث الذي عرض عليه هو حدث البول فهذا يعني انَّه ارتفع قطعاً أما لو كان الحدث هو الجنابة فهذا يعني انه لا زال باقياً على الحدث .
فاستصحاب الحدث الاصغر غير ممكن ، وذلك لاختلال الركن الثاني في مورده وهو الشك في البقاء ، إذ لا شك في البقاء بحسب الفرض بل هو قطع بالارتفاع ، وكذلك لا يمكن استصحاب الحدث الاكبر وذلك لاختلال الركن الاول في مورده إذ انَّه لا علم بأصل وجوده حتى يكون الشك فيه شكاً في البقاء ، فلو كان هناك أثر شرعي مترتب على خصوصية الحدث الاكبر « الجنابة » لما أمكن ترتيبها .
ومن هنا قد يقال بعدم جريان الاستصحاب الكلِّي من القسم الثاني ، وذلك لأن الفرد المردد المحرز الوجود سابقاً إن كان هو الاول وهو الحدث الاصغر فهو محرز الإنتفاء وإن كان هو الثاني وهو الحدث الاكبر فهو مشكوك الحدوث .
إلاّ انَّ الصحيح هو جريان الاستصحاب في هذا القسم ، وذلك لتمامية أركانه لو قطع النظر عن الحدود الشخصية لأفراده ، فطبيعي الحدث كان محرز الوجود ثم بعد ان توضأ المكلَّف شك في إرتفاع طبيعي الحدث ، فيجري استصحاب طبيعي الحدث لوجود ركني الإستصحاب في مورده ، نعم جريان استصحاب الكلِّي منوط ـ كما ذكرنا مراراً ـ بوجود أثر عملي مترتِّب على بقاء الكلي بعنوانه السَعِي أما لو لم يكن أثر عملي مترتِّب على بقاء الكلِّي فالاستصحاب لا يجري .
وفي المثال الذي فرضناه يمكن إجراء استصحاب الكلِّي ، وذلك لوجود أثر عملي على بقاء الكلي بعنوانه ، وذلك مثل حرمة مس كتابة القرآن والدخول في الصلاة . أمَّا الآثار الشرعية المترتبة على خصوص حدث الجنابة فلا يصلح استصحاب الكلِّي لتنقيح موضوعها ، وذلك مثل المكث في المسجد أو عبور أحد المسجدين المقدسين « المسجد النبوي (صلى الله عليه وآله وسلم)والمسجد الحرام زادهما الله شرفاً ومنعة ، إذ انَّ حرمة المكث في المسجد وكذلك عبور المسجدين الشريفين موضوعها الجنابة لا جامع الحدث كما هو واضح .
القسم الثالث : أن يكون المستصحب بعنوانه الشخصي محرز الوجود وهذا يعني انَّه بعنوانه الكلِّي كذلك إلاّ انَّ الكلِّي المعلوم هو الكلِّي الذي في ضمن المستصحب الشخصي ، ثم بعد ذلك نقطع بانتفاء المستصحب بعنوانه الشخصي إلاّ انَّه نحتمل وجود الكلِّي في ضمن فرد آخر قبل انتفاء وجود الفرد « المستصحب الشخصي » المحرز سابقاً أو نحتمل وجود الفرد الآخر ساعةَ انتفاء وجود الفرد الأوّل .
ومثاله مالو علم المكلَّف بوقوع دم على ثوبه فهذا يقتضي أن يكون قد علم بوقوع نجاسة خبثية على ثوبه ، فلو قطع المكلَّف بعد ذلك بزوال الدم عن ثوبه إلاّ انَّه احتمل وقوع بول مثلا على ثوبه قبل إزالة الدم أو حين إزالته بحيث لم تخلُ الثوب عن جامع النجاسة أو قل لم يتخلل وقت كانت فيه الثوب طاهرة تماماً .
فهنا لا إشكال في عدم جريان الإستصحاب الشخصي والذي هو استصحاب بقاء الدم في الثوب ، وذلك للقطع بزواله ، وكذلك لا يمكن استصحاب بقاء البول بعنوانه الشخصي في الثوب لعدم العلم بوقوعه فالركن الاول منتف ، نعم قد يقال بجريان استصحاب الكلِّي والذي هو محرز الوجود سابقاً ـ نتيجة العلم بوقوع الدم على الثوب ـ ومشكوك البقاء فعلا لإحتمال انَّه ارتفع بازالة الدم ولإحتمال عدم إرتفاعه لوقوع البول على الثوب قبل إزالة الدم أو حين إزالته .
إلاّ انَّ الصحيح بنظر المصنِّف (رحمه الله) هو عدم جريان استصحاب الكلي من القسم الثالث ، وذلك لعدم اتحاد القضية المتيقنة والمشكوكة في مورده ، فإنَّ القضيَّه المتيقنة هي كلِّي النجاسة في ضمن الدم والقضية المشكوكة هي كلِّي النجاسة في ضمن البول ، فالكلِّي المعلوم محرز الإنتفاء والكلِّي المشكوك غير محرز الحدوث فلو كان الكلِّيُّ موجوداً فعلا لكان غير الكلِّي المعلوم سابقاً .
هذا هو المبرِّر لعدم جريان استصحاب الكلِّي من القسم الثالث ، وهذا بخلاف القسم الثاني فإن الكلِّي الذي علمنا بوجوده حين وجود الفرد يكون هو المشكوك بقاء حين انتفاء الفرد ، وذلك لأنَّنا افترضنا هناك انَّ الفرد كان مردداً من أول الأمر فلم نكن نعلم بهوية الحدث الذي صدر من المكلَّف هل هو حدث البول أو حدث الجنابة .
أما في المقام فنحن نعلم بهوية الفرد الذي علمنا بوجوده وهو في المثال وقوع الدم على الثوب ومنشأ الشك في بقاء الكلِّي هو فرد آخر وهو في مثالنا وقوع البول على الثوب ، ومن هنا قلنا بعدم اتحاد القضية المتيقنة والمشكوكة .
وبتعبير آخر : انَّ الكلِّي الذي أحرزنا وجوده أحرزنا بعد ذلك انتفاءه ، نعم يحتمل انَّه قد تولَّد كلي آخر إلا انَّه غير الكلِّي الاول ، وذلك لأنه بعد ان انتفى الكلِّي الاول كيف يكون هو عينه الكلِّي المشكوك البقاء .
فالنتيجة انَّ المتيقن لمَّا كان غير المشكوك فلا يجري الاستصحاب .

الإستصحاب في حالات التقدم والتأخر
لا ريب في جريان الاستصحاب في حالة يكون المكلَّف عالماً بالحدوث ثم بعد ذلك شك في بقاء ذلك الحادث ، فإنَّ الاستصحاب في هذا الفرض يقتضي ترتيب آثار بقاء الحادث .
كما لا ريب في جريان الاستصحاب في حالة يقطع فيها المكلَّف بعدم الحدوث ثم بعد ذلك يشك في ارتفاع العدم بأن احتمل تحقّق وجود الحادث المعلوم العدم سابقاً ، فهنا يجري استصحاب عدم الحادث .
ومثاله استصحاب عدم التذكية ، وذلك للعلم بعدم تحقق التذكية حال حياة تلك الشاة ثم لمَّا ان ماتت احتملنا ان موتها كان عن تذكية فيجري استصحاب عدم التذكية المعلوم سابقاً .
فكلا الصورتين المذكورتين يجري الاستصحاب في مورديهما بوضوح ، إذ ليس فيهما ما يوجب الغموض في كيفية تطبيق أصالة الإستصحاب . ومن هنا لم يقعا محلا للبحث في المقام .
وما هو محل البحث هو موارد العلم بالحدوث والعلم بالإرتفاع والجهل بتاريخ الإرتفاع أو تاريخ الحدوث أو تاريخيهما معاً .
والكلام أولا عن الحالات التي يكون فيها العلم بالإرتفاع مجهول التاريخ ويكون العلم بالحدوث معلوم التاريخ ، وهنا حالتان ، كل حالة لها فرضان :
الفرض الاول : ان يكون هناك علم بالحدوث ويكون بعد ذلك علم بانتفاء الحادث إلاّ انَّ الشك في زمان انتفاء الحادث بحيث يدور زمان انتفاء الحادث بين التقدم والتأخر أو بعبارة اخرى بين الزمان الاول والزمان الثاني ، وهذا يعني انَّ الزمان الاول هو زمان توفُّر الركن الثاني ، وذلك لأنَّ دوران انتفاء الحادث بين الزمان الاول والزمان الثاني لا يرفع الشك في البقاء عن الزمان الاول بل نبقى نحتمل انَّ انتفاء الحادث انما هو في الزمان الثاني ، وهذا يعني انَّ الزمان الثاني هو الزمان الذي يكون فيه الحادث منتفياً قطعاً بخلافه في الزمان الاول فإنَّ الحادث يُحتمل ان يكون باقياً على حاله .
وتلاحظون انَّ الموضوع الذي كنا على يقين بحدوثه هو تمام الموضوع الذي يُراد استصحابه في الزمان الاول لا أن الذي يُراد استصحابه هو جزء الموضوع والجزء الآخر ثابت بالوجدان فإنَّ هذا خارج عن الفرض .
ومثال ذلك مالو علمت المرأة بطروء حدث الحيض عليها ثم بعد ذلك تيقنت بارتفاع حدث الحيض إلاّ انَّ زمان انقطاع الحيض مردد بين أول الفجر أو بعد طلوع الشمس فهنا نقول : انَّه لا إشكال في انتفاء آثار حدث الحيض بعد طلوع الشمس ، وذلك لليقين بارتفاع الحدث انما الكلام في الزمان الاول وهل انَّ احتمال كونه زمان انقطاع حدث الحيض موجب لانتفاء آثار الحيض في ظرفه « الفجر » أو لا ؟
والصحيح انّ احتمال كونه زماناً للإنقطاع لا يُبرِّر انتفاء آثار الحيض في ظرفه ، وذلك لأن هذا التردد يساوق الشك في البقاء على حدث الحيض ، واذا كان كذلك فيجري الإستصحاب في الزمان الاول الى حين تحقق الزمان الثاني « طلوع الشمس » ، الاّ انَّ جريان استصحاب بقاء حدث الحيض في الزمان الاول منوط بوجود أثر شرعي مترتِّب على بقاء حدث الحيض كعدم وجوب قضاء صلاة الصبح فإنَّ موضوع عدم الوجوب هو نفس بقاء حدث الحيض ، وبهذا يجري استصحاب حدث الحيض الى الفجر .
الفرض الثاني : هو نفس الفرض الاول إلا انَّه يختلف من حيث أنَّ الاثر الشرعي لا يترتب على نفس المستصحب وانَّما يترتب على لازمه العقلي أو العادي ، وفي مثل هذه الحالة لا يجري الإستصحاب ، لأنَّ إجراءه مبني على القول بحجيَّة الاصل المثبت وقد اتضح مما سبق عدم ثبوت الحجيّة له .
ومثال ذلك مالو افترضنا بأن موضوع جواز وطأ المرأة ـ في المثال السابق ـ هو النقاء والطهر بعد الزمان الثاني « طلوع الشمس » فإن هذا الاثر لا يترتَّب بواسطة استصحاب بقاء حدث الحيض الى الزمان الاول ، وذلك لأن انقطاع الحدث وحصول النقاء بعد طلوع الشمس انما هو لازم عقلي لعدم انقطاعه عند الفجر ، إذ انَّه لمَّا كان الإنقطاع دائراً بين الفجر وطلوع الشمس فإنَّ جريان استصحاب عدم الانقطاع عند الفجر يقتضي تعيُّن الإنقطاع والنقاء عند طلوع الشمس .
وتلاحظون انَّ ذلك لم يترتَّب على نفس المستصحب وانَّما هو مترتِّب على لازم المستصحب ، وأدلة الاستصحاب قاصرة عن إثبات التعبُّد بلوازم المستصحب ، نعم يمكن إثبات تحقق موضوع جواز الوطأ بواسطة العلم بالنقاء عند طلوع الشمس .
والحالة التي ذكرناها بفرضيها انَّما تناسب حالة العلم بالحدوث والشك في الانتفاء والإرتفاع في الزمان الاول ، إذ اننا نعلم بحدوث الحيض ونشك في الزمان الاول في الإنقطاع .
وهناك حالة اخرى وهي مالو كنا نعلم بعدم الحدوث ونشك في الزمان الاول بتحقق الحدوث وانتفاء العدم .
ومثاله مالو كنا نعلم بعدم الطهارة من الحدث ثم علمنا بتحقق الطهارة الحدثيَّة إلا انَّه وقع التردد في زمان تحقق الطهارة وانتفاء عدمها وهل انها وقعت بعد الفجر أو بعد طلوع الشمس وهنا يأتي نفس الكلام الذي ذكرناه في الفرضين من الحالة الاولى فتأمل .
والكلام ثانياً : عن الحالات التي يكون فيها الحدوث محرز التاريخ إلا انَّ الإرتفاع مجهول التاريخ مع افتراض ان مورد الاستصحاب هو جزء الموضوع الذي يترتَّب عليه الأثر الشرعي مع كون الجزء الآخر محرز الوجود .
الحالة الاولى : وهي مالو كان موضوع الاثر الشرعي مركباً من جزءين ، أحد الجزءين محرز الوجود فعلا والآخر محرز الإنتفاء فعلا إلا انَّه كان محرز الوجود في حالة سابقة والشك انَّما هو في زمن انتفاء تلك الحالة وهل هو الزمان الاول أو هو الزمان الثاني .
ومثاله مالو كان الاثر الشرعي ـ وهو استحقاق الحفيد لميراث جده ـ منوطاً بتحقق موضوع مركَّب من جزءين الاول هو موت الجد والثاني هو عدم اسلام الولد المباشر الى حين موت جد الحفيد ، فلو كان أحد الجزءين محرز الوجود وهو مثلا موت الجد في يوم الجمعة وكان الجزء الآخر لموضوع الأثر الشرعي محرز العدم فعلا إذ انَّ الولد المباشر مسلم فعلا أي ارتفعت حالته السابقة وهي عدم الاسلام إلاّ انَّ الشك في زمن إرتفاع حالة الكفر وعدم الإسلام ، فلو كان تحقق الإسلام قبل موت جد الحفيد فهذا يعني أن موضوع الأثر الشرعي وهو استحقاق الحفيد لميراث الجد غير متحقق بتمامه ، فهو وإن كان الجزء الاول لموضوع الاثر متحققاً قطعاً، إذ اننا بحسب الفرض نعلم بموت الجد إلا انَّ الجزء الآخر غير متحقق وهو عدم اسلام الولد الى حين موت الاب حيث انَّه ـ بحسب الفرض ـ قد اسلم الولد قبل موت أبيه « جد الحفيد » ، ومن هنا لا يترتب الاثر الشرعي فلا يستحق الحفيد ميراث جده .
وأمَّا لو وقع التردد في الزمن الذي تحقق فيه اسلام الولد وهل هو الزمن الاول والذي هو قبل زمان موت الأب « جد الحفيد » أو هو الزمن الثاني والذي هو بعد زمان موت الأب ، ففي هذه الحالة يكون الزمن الاول ظرفاً للشك في بقاء الولد المباشر على الكفر ، وهنا يمكن إجراء إستصحاب كفر الولد المباشر الى حين موت الجد وبضم مؤدى الإستصحاب الى ماهو محرز بالوجدان يتنقَّح موضوع الأثر الشرعي ويكون الحفيد بذلك مستحقاً لميراث جده .
وتلاحظون انَّ فرض المسألة هو كون الاثر الشرعي مترتِّب على نفس الموضوع المركَّب غايته انَّ تنقُّح الموضوع نتج عن ضم ما بالوجدان الى ما بالتعبُّد .
ولنذكر مثالا آخر ليكون المطلب أكثر وضوحاً : لو كان وجوب قضاء فوائت الأب على البنت منوطاً بموضوع مركَّب من جزءين الاول هو موت الأب والثاني هو عدم وجود ولد له حين موته ، فلو كان موت الأب محرزاً بالوجدان والجزء الثاني محرز الإنتفاء فعلا ، إذ أنَّنا نحرز وجود الولد فعلا إلا انَّه لا ندري هل انَّ وجود الولد قد تحقق قبل موت الأب فينتفي وجوب القضاء عن البنت أو انَّ وجود الولد حدث بعد وفاة الأب أي انَّ وجود الولد هل تحقق في الزمان الاول أو الثاني ، فهنا يكون الزمان الاول ظرفاً للشك في استمرار العدم للولد ، ومن هنا يمكن استصحاب عدم الولد الى حين موت الأب وبضمه الى الجزء الآخر المحرز بالوجدان ـ وهو موت الأب ـ يتنقح موضوع الأثر الشرعي وهو وجوب القضاء عن الأب على البنت .
وتلاحظون اننا في المثالين قد أجرينا استصحاب بقاء الجزء الثاني رغم العلم بانتفائه حين إجراء الإستصحاب ، وما ذلك إلا لأنَّ المناط في جريان الإستصحاب هو توفُّر أركانه في الوقت الذي يُراد اجراء الاستصحاب بلحاظه .
الحالة الثانية : المفروض في الحالة الاولى هو مالو كان موضوع الأثر المركَّب هو تواجد كلا الجزءين من دون أن يُؤخذ فيه قيد الإقتران والإجتماع ، ومن هنا قلنا انّ إجراء استصحاب الجزء الآخر يحقق الموضوع المركب وبذلك يترتب الأثر الشرعي .
أما الحالة الثانية فنفترض فيها أن الموضوع المركَّب من الجزءين اُخذ فيه قيد الإقتران بين الجزءين . وفي هذه الحالة لا ينتج الإستصحاب ترتُّب الاثر الشرعي إلاّ بناءً على القول بالأصل المثبت ، وذلك لأنَّ إستصحاب الجزء الآخر لا يُثبت بنفسه حالة الإقتران والتي هي مأخوذة في موضوع الأثر الشرعي ، نعم الاقتران هو لازم وجود المستصحب إلا انَّه قد ذكرنا انَّ أدلة الإستصحاب قاصرة عن إثبات التعبُّد بلوازم المستصحب .
مثلا : لو أضفنا على موضوع الأثر في المثالين السابقين قيد الإقتران لكان الإستصحاب غير منتج للأثر الشرعي . ففي المثال الأول لو كان موضوع استحقاق الحفيد لميراث الجد هو اقتران موت الجد مع كفر الولد المباشر فإنَّ بالإمكان استصحاب كفر الولد الى حين موت الجد إلاّ انَّه لا يمكن إثبات اقتران الموت مع كفر الولد ، وذلك لأن المستصحب المعلوم سابقاً هو كفر الولد وهو الذي تعبدنا الشارع باستصحابه ، وأما الإقتران فهو غير المستصحب ، نعم لازم بقاء المستصحب الى حين موت الجد هو اقتران المستصحب وهو الكفر مع موت الجد إلاّ انَّ ذلك لا ينفع ، إذ لا سبيل لإثباته لا بالوجدان كما هو مقتضى الفرض ولا بالتعبد لقصور أدلة الإستصحاب عن شمول لوازم المستصحب .
الحالة الثالثة : وهي نفس الحالة الاولى إلا انها تفترض انَّ الاستصحاب يكون ناتجه نفي الأثر الشرعي ، وذلك بافتراض انّ الجزء الآخر للموضوع المركَّب منفي بالاستصحاب ولهذا لا يكون موضوع الاثر الشرعي تاماً وعليه لا يترتب ذلك الأثر.
ففي المثال الاول افترضنا انَّ موضوع استحقاق الحفيد للميراث هو موت الجد وكفر الولد المباشر الى حين موت الجد للحفيد ، والجزء الأول في مفروض هذه الحالة متحقق ، فلو افترضنا انَّ الولد كان مسلماً ثم كفر ووقع التردد في زمان كفره وهل الزمان الاول أي قبل موت الأب « جد الحفيد » فيتحقق موضوع الأثر الشرعي ويكون الحفيد مستحقاً لميراث الجد أو هو الزمان الثاني وهو ما بعد وفاة الجد للحفيد ، وهنا يمكن استصحاب بقاء الولد على الإسلام الى حين موت الجد للحفيد وبه ينتفي استحقاق الحفيد لميراث الجد .
وفي المثال الثاني والذي قلنا فيه ان موضوع وجوب قضاء فوائت الاب على البنت مترتِّب على موضوع مركب وهو موت الاب وعدم وجود الولد ، فلو كنا نعلم بوجود الولد سابقاً ثم أحرزنا موته إلا انَّه وقع الشك في زمان موت الولد وهل هو قبل موت الأب فيثبت وجوب القضاء على البنت أو هو بعد زمان موت الأب فينتفي وجوب القضاء على البنت ، فإنَّ لنا ان نستصحب بقاء الولد الى حين موت الأب فينتفي بذلك وجوب القضاء على البنت .

حالات مجهولي التاريخ :
لو افترضنا انَّ حكماً من الأحكام الشرعية مترتِّب على موضوع مركب من جزءين فهنا تارة يُعلم بوجود الجزءين فلا كلام ، وتارة يُعلم بوجود الجزء الاول ويُشك في الثاني والشك في الثاني تارة يكون شكاً في البقاء فيستصحب البقاء ويترتّب بذلك الحكم الشرعي وتارة يكون شكاً في الحدوث فيستصحب عدم الحدوث ، فلا يكون موضوع الأثر موجوداً فينتفي الأثر الشرعي المرتَّب على الموضوع المركب . وكلُّ ذلك خارج عن محلِّ الكلام .
وهناك حالة يكون فيها أحد الجزءين محرز الثبوت ابتداءً ثم أصبح محرز العدم والجزء الآخر كان محرز العدم ثم أصبح محرز الوجود ، وفي مثل هذه الحالة تارة يُعلم انَّ زمان الوجود للجزء الأوّل قد اجتمع مع زمان الوجود للجزء الثاني وهنا لا كلام ، ومثاله مالو افترضنا انَّ استحقاق الولد للميراث مرتَّب على اسلام الولد وموت الاب حين اسلام الولد ، فلو كنَّا نعلم باسلام الولد ثم علمنا بكفره ونعلم بحياة الأب ثم علمنا بموته الاّ انَّنا نعلم أيضاً بأن اسلام الولد ـ والذي هو الجزء الاول لموضوع الاثر ـ هو متحقق في زمن موت الاب فهنا لا كلام في ترتُّب الأثر الشرعي وهو استحقاق الولد لميراث أبيه ، وذلك ليس ناشئاً عن الإستصحاب وانَّما هو ناشيء عن العلم بتحقق موضوع الأثر الشرعي. وكذلك الكلام لو علمنا بعدم اجتماع الجزئين في زمن واحد فإنَّ الاثر الشرعي محرز الإنتفاء للإحراز انتفاء موضوعه .
وتارة نشك في اجتماع زمان الوجود للجزء الاول مع زمان الوجود للجزء الثاني بأن نحتمل انتفاء الجزء الاول قبل تحقق الجزء الثاني أو قل عدم الجزء الثاني حين وجود الجزء الاول .
ومثاله : لو كان الاثر الشرعي وهو استحقاق الولد للميراث مرتب على موضوع مركَّب وهو حياة الولد وموت الأب حين حياة الولد ، فلو علمنا بحياة الولد ـ وهو الجزء الاول ثم علمنا بوفاته ولكنا لا ندري متى تُوفي الولد ، ولو علمنا كذلك بحياة الأب ثم علمنا بوفاته إلاّ انَّه لا نعلم متى تُوفي الأب ، فهنا نقول : لو كنَّا نعلم بوقت وفاة الأب وأنه يوم الجمعة مثلا إلا انَّه نشك في زمان وفاة الولد لكان بالإمكان استصحاب حياة الولد الى حين موت الأب ، وبهذا يستحق الولد الميراث ، ولو افترضنا العلم بزمان وفاة الولد وانه يوم الجمعة مثلا إلاّ انَّه وقع الشك في زمان وفاة الأب لكان بالإمكان استصحاب حياة الأب الى حين موت الولد وبذلك يثبت عدم استحقاق الولد للميراث إلاّ انَّ فرض الكلام هو عدم العلم بوقت وفاة الأب وعدم العلم بوقت وفاة الولد، وهذه هي مسألة ميراث الغرقى والمهدوم عليهم ، فهنا نقول : انَّ استصحاب حياة الأب الى حين وفاة الولد يُنتج ـ كما قلنا ـ عدم استحقاق الولد للميراث ، واستصحاب حياة الولد الى حين وفاة الأب يُنتج استحقاق الولد للميراث ، فيكون مؤدى الإستصحاب الاول هو عدم الاستحقاق ومؤدى الإستصحاب الثاني هو الاستحقاق ، فيتعارض الاستصحابان فيسقطان جميعاً عن الحجيَّة لعدم ترجُّح أحدهما على الآخر.
ولمزيد من التوضيح نذكر مثالا آخر: لو كان موضوع الحرمة الأبدية للنكاح مرتباً على موضوع مركب من عدم ايقاع العقد وكون المرأة في العدة ، فلو علمنا بكون المرأة في العدة ثم علمنا بانتهاء عدتها إلاّ انَّه لا نعلم متى انتهت عدتها ، فهنا يمكن استصحاب بقائها في العدة الى حين وقوع العقد ، وذلك لعلمنا سابقاً بكونها في العدة ثم حصول الشك في بقائها حين وقوع العقد فنستصحب بقاء المرأة في العدة الى زمن وقوع العقد وهذا يُنتج الحرمة الأبديَّة . ولو علمنا بعدم وقوع العقد ثم علمنا بوقوعه ولا نعلم متى وقع العقد فإنَّ بالإمكان استصحاب عدم وقوع العقد الى مابعد انتهاء العدة ، وذلك لأنَّه كنا نعلم بعدم العقد ثم شككنا في وقوعه بعد العدة أو قبلها فنستصحب عدم العقد الى ما بعد انتهاء العدة وهذا يُنتج عدم الحرمة الابديَّة فيتعارض الإستصحابان فيسقطان عن الحجية وباتضاح معنى استصحاب مجهولي التاريخ نقول : انَّ له ثلاث صور :
الصورة الاولى : ان يكون زمان انتفاء الجزء الاول المعلوم حدوثه سابقاً مجهولا ويكون زمان حدوث الجزء الثاني المعلوم انتفاؤه سابقاً مجهولا ، وفي هذه الصورة يجري الإستصحابان في نفسيهما إلا انَّه ـ وبسبب التعارض ـ يسقطان عن الحجيَّة ، وذلك لعدم ترجُّح أحدهما على الآخر . وهذه الصورة هي مورد المثالين السابقين ، إذ انَّ زمان انتفاء حياة الولد ـ المعلومة حياته سابقاً ـ مجهولا كما هو الفرض ، وزمان حدوث موت الأب والذي هو الجزء الآخر من موضوع الأثر الشرعي مجهولا أيضاً .
فاستصحاب حياة الولد الى حين حدوث موت الأب يعارضه استصحاب عدم موت الاب الى حين انتفاء حياة الولد .
الصورة الثانية : وهي ان نفرض انَّ زمان انتفاء الجزء الاول معلومٌ ويكون زمان حدوث الجزء الثاني مجهولا ، وذلك مثل مالو علمنا بحياة الولد ثم علمنا بموته يوم الجمعة إلا اننا نفترض انَّ الجزء الآخر لموضوع الأثر ـ والذي هو معلوم الانتفاء سابقاً ومعلوم الحدوث لاحقاً ـ نفترض زمان حدوثه مجهولا أي انَّ حدوث موت الاب بعد ان كان حياً مجهول ، وفي مثل هذه الصورة فقد يُقال بعدم جريان الإستصحاب في الجزء الأوّل فيكون استصحاب الجزء الثاني بلا معارض ، وذلك لأنَّ الجزء الاول
نعلم بزمان انتفائه وهو يوم الجمعة في المثال فهو قبل يوم الجمعة معلوم البقاء وبعد يوم الجمعة معلوم الإنفتاء فلا يجري الاستصحاب في مورده ، وذلك لاختلال الركن الثاني وهو الشك في البقاء إذ لا شك في بقائه بل هو علم بالبقاء قبل يوم الجمعة وعلم بالانتفاء بعد الجمعة .
وأمَّا الجزء الآخر فهو معلوم الانتفاء ومشكوك الحدوث حين إرتفاع وانتفاء الجزء الاول فنستصحب عدمه الى حين إرتفاع الجزء الاول .
وبتعبير آخر : اننا نعلم بعدم موت الأب ثم شككنا في بقائه الى حين انتفاء حياة الولد فنستصحبب عدم موت الأب الى حين انتفاء حياة الولد .
الصورة الثالثة : وهي عكس الصورة الثانية ، وذلك بأن نفترض انَّ زمان انتفاء الجزء الاول مجهول وزمان حدوث الجزء الثاني معلوم . وذلك مثل مالو علمنا بانتفاء حياة الولد بعد العلم بحياته إلاّ انَّه لا ندري متى انتفت حياة الولد وهل هو قبل يوم الجمعة أو بعدها ، ولو افترضنا ان حدوث موت الأب قد وقع يوم الجمعة . فهنا يمكن ان يُقال بجريان استصحاب حياة الولد الى حين حدوث موت الأب أي نستصحب عدم انتفاء حياة الولد الى حين حدوث موت الأب وهو يوم الجمعة ولا يوجد ما يعارض هذا الإستصحاب ، وذلك لأنَّ حدوث موت الأب معلوم وانَّه يوم الجمعة فلا استصحاب في مورده لأنَّه قبل يوم الجمعة نعلم بعدم موته وبعد يوم الجمعة نعلم بحدوث موته .
وبهذا يجري الاستصحاب الاول بلا معارض ويستحق الولد بذلك ميراث أبيه .
الإشكال على نتيجة الصورة الثانية والثالثة :
وقد اُورد على عدم جريان الإستصحاب في الجزء المعلوم تاريخ
حدوثه أو إرتفاعه بما حاصله : انَّ العلم بزمان الحدوث أو الإرتفاع وإن كان متحققاً إلاّ انَّه لا يمنع من جريان الإستصحاب في مورده ، وذلك لأن الإستصحاب الذي نريد إجراءه في مورده انَّما بلحاظ الجزء الآخر المجهول التاريخ حدوثاً أو انتفاءً ، ومن الواضح انَّه إذا نسبنا زمان الحدوث أو الإرتفاع الى الجزء المجهول زمان حدوثه أو ارتفاعه فإنَّنا لا نحرز انَّه وقع قبل حدوث أو ارتفاع الجزء المجهول أو بعد زمان حدوثه أو ارتفاعه . وهذا ما يجعل أركان الإستصحاب في المعلوم التاريخ متواجدة ، وذلك لاننا نعلم أولا بعدم الإرتفاع أو بعدم الحدوث ثم نشك في الإرتفاع أو الحدوث قبل حدوث أو إرتفاع الجزء الآخر أو بعده . ومن هنا يجري الاستصحاب في مورده فيتعارضان .
ولنرجع الى مثالي الصورتين ونطبق الإشكال عليهما أما مثال الصورة الثانية : فقد قلنا انَّ المكلَّف يعلم بزمان انتفاء الجزء الاول أي يعلم بزمان انتفاء حياة الولد وهو يوم الجمعة ويكون زمان حدوث الجزء الآخر مجهولا أي انَّ زمان موت الأب مجهول .
فهنا وان كنَّا نعلم بزمان انتفاء حياة الولد إلاّ انَّه لا ندري هل هو قبل حدوث موت الأب أو بعد حدوث موت الأب فيجري استصحاب عدم انتفاء حياة الولد الى حين حدوث موت الأب لتواجد أركانه وهو العلم بعدم الإنتفاء والشك في قبلية أو بعدية الإنتفاء للحياة .
وأما المثال في الصورة الثالثة : فقد قلنا انَّ المكلَّف يعلم بزمان حدوث موت الأب وأنه يوم الجمعة ويكون زمان انتفاء حياة الولد مجهولا ، فإنَّه وإن كان زمان الحدوث معلوماً من حيث الوقت إلاّ انَّه مجهول من حيث وقوعه قبل زمان انتفاء حياة الولد أو بعد انتفاء حياته وهذا ما يبرِّر استصحابه من هذه الجهة .

توارد الحالتين :
ويقصدون من توارد الحالتين هو عروض حالتين على المكلَّف يجهل المتقدِّم منهما من المتأخر مع افتراض انَّ كلَّ واحدة من الحالتين موضوع لحكم شرعي مضاد للحكم الشرعي الذي تقتضيه الحالة الاخرى .
وتوضيح ذلك : انَّ المكلَّف ققد يَعرضه حدث النوم ثم يشك في ارتفاعه لإحتمال انَّه قد توضأ وقد يعلم بكونه على طهارة ولكنَّه يشك بعد ذلك في انتقاضها لاحتمال عروض الحدث .
ففي هاتين الصورتين لا إشكال في استصحاب الحالة السابقة ويترتب عن ذلك الأثر الشرعي .
وهناك صورة ثالثة وهي أن يعلم المكلَّف بعروض الحدث عليه ويعلم بأنَّه كان على طهارة من الحدث إلاّ انَّه يشك في أنَّ المتأخر هل هو الحدث فيترتب أثره أو أنَّ المتأخر هو الطهارة فيترتب أثرها .
فهنا يجري استصحاب الحدث الى ما بعد حدوث الطهارة وهذا يقتضي ترتيب آثار الحدث ، ويجري استصحاب الطهارة الى ما بعد الحدث وهذا يقتضي ترتيب آثار الطهارة ، فيكون مؤدى الاستصحاب الاول منافياً لمؤدى الاستصحاب الثاني وذلك لإقتضاء الأول حكماً مضاداً للحكم الذي يقتضيه الاستصحاب الثاني ، وبهذا يسقطان عن الحجية .
ونذكر مثالا آخر ليكون المطلب أكثر وضوحاً : لو فاتت المكلَّف صلاة رباعية فإنَّه يجب قضاؤها ، فلو علم انَّه في وقت تلك الصلاة قد عرضت عليه حالتا السفر والحضر إلاّ انَّه شك في المتأخر من الحالتين من المتقدم ، فلو كان المتأخر هو السفر فهذا يقتضي وجوب قضاء الصلاة قصراً ، ولو كان المتأخر هو الحضر فهذا يقتضي التمام ، فهنا يكون استصحاب الحضر الى حين فوات الوقت ينتج وجوب التمام واستصحاب السفر الى حين فوات الوقت يُنتج وجوب القصر ، فيكون الاستصحاب متعارضين فيسقطان عن الحجيَّة .

الاستصحاب في حالات الشك السببي والمسبِّبي
والمراد من الاستصحاب السببي هو الاستصحاب الواقع في رتبة الموضوع لحكم آخر .
والاستصحاب المسببي يقع في رتبة الحكم أي انَّه ـ على فرض جريانه ـ يُنتج حكماً شرعياً . ومن هنا عُبِّر عن الاول بالاصل الموضوعي للحكم المرتب عليه . ومنشأ تسميته بالسببي هو انَّ الموضوعات تكون في رتبة السبب ويترتب عنها الحكم ، فالموضوع متى ما تقرَّر سبَّب ذلك ترتُّب الحكم .
وهذا بخلاف الإستصحاب المسبَّبي فإنَّه لمَّا كان واقعاً في رتبة الحكم فإنَّ ذلك يقتضي عدم تنقيحه لموضوع فهو دائماً يقع في طول الموضوع .
ثم لا يخفى عليك انَّه ليس المقصود من الأصل الموضوعي « السببي » هو الموضوعات التي لا تكون حكماً شرعياً بل المقصود من الموضوع والسبب في الاصل الموضوعي السببي هو مطلق ما يكون موضوعاً لحكم شرعي وإن كان هو حكماً شرعياً بنفسه ، إذ انَّه قد تكون بعض الاحكام موضوعاً لأحكام اخرى .
وبهذا يتضح انَّ المقصود من الموضوع في المقام شامل للموضوع الذي ليس هو حكماً شرعياً وللموضوع الذي يكون حكماً شرعياً وللموضوع الذي هو عدم حكم شرعي .
ومثال الموضوع الذي لا يكون من قبيل الأحكام ولا عدمها هو السفر ، واستصحاب السفر استصحاب موضوعي لأنَّه واقع في رتبة الموضوع والسبب لحكم وهو وجوب القصر .
ومثال الحكم الذي يقع في رتبة الموضوع لحكم آخر هو الطهارة والتي هي حكم وضعي فإنها لو استصحبت لتنقَّح بذلك حكم شرعي هو جواز الدخول في الصلاة وجواز مس كتابة القرآن الكريم .
ومثال الموضوع الذي يكون من قبيل عدم الحكم هو عدم التذكية فإن التذكية حكم وضعي ، فإنَّه لو عُلم عدم جعل التذكية على السباع مثلا لتنقَّح بذلك حكم شرعي وهو نجاسة السباع بعد فري أوداجها .
ولكي يتضح معنى الاستصحاب السببي والاستصحاب المسببي نذكر هذا التطبيق :
لو علم المكلَّف بكون هذه المرأة في العدة ثم شك في بقائها في العدة أو عدم بقائها فإنَّ الإستصحاب يقتضي التعبُّد ببقائها في العدة ، وهذا الإستصحاب يُنقّح موضوعاً لحكم شرعي هو حرمة الزواج من هذه المرأة فالاستصحاب ببقاء العدة صار سبباً لترتب حكم شرعي هو الحرمة .
وبتعبير آخر : لمَّا كانت الحرمة أثراً شرعياً لبقاء المرأة في العدة فإنَّ استصحاب بقائها في العدة يحقق موضوع الأثر الشرعي ويكون أصلا موضوعياً له .
ولو جعلنا متعلَّق اليقين والشك هو حرمة الزواج من هه المرأة لكانت النتيجة هي استصحاب الحرمة ، وذلك لأنَّ المكلَّف حينما كان يعلم بكون المرأة في العدة فهو يعلم بحرمة الزواج منها وحينما شك في بقائها في العدة فهذا يساوق الشك في بقاء حرمة الزواج منها فالاستصحاب يُنتج حرمة الزواج من هذه المرأة . فما يقتضيه الاستصحابان واحد وهو حرمة الزواج من هذه المرأة .
إلاّ ان الاول يُعبَّر عنه بالاستصحاب السببي والآخر يُعبَّر عنه بالاستصحاب المسببي ، تُرى ماهو منشأ ذلك ؟
والجواب انَّ المنشأ لذلك هو انَّ الاستصحاب الاول حين جريانه يقتضي ترتُّب الحكم الشرعي ، والحكم لا يترتب مالم يتنقح موضوعه ، ولمَّا كان موضوع الحكم الشرعي غير محرز وجداناً فإنَّ وظيفة الاستصحاب هي إحرازه تعبداً ، فمتى ما جرى استصحاب الموضوع حكم الشارع بوجود الموضوع تعبداً ، فالاستصحاب يكون واسطة في إحراز الموضوع وباحراز الموضوع يترتَّب الحكم . فالاستصحاب إذن يكون سبباً في ترتب الحكم . وهذا هو معنى انَّ الحكم بحرمة الزواج من هذه المرأة هو من آثار الإستصحاب السببي أي استصحاب بقاء المرأة في العدة .
وأمَّا استصحاب الحكم نفسه فإنَّه لا يكون سبباً لتنقح الموضوع ، إذ انَّ ترتب الموضوع ليس من آثار ذلك الحكم ، ففي مثالنا لا يكون استصحاب حرمة الزواج من هذه المرأة موجباً لترتب الموضوع وهو كونها في العدة ، إذ انَّ الشارع لم يجعل الحرمة موضوعاً لثبوت العدة للمرأة بل العكس من ذلك حيث جعل ثبوت العدة موضوعاً لترتب الحرمة .
وهذا هو سرُّ تسمية استصحاب الحكم في المقام بالاستصحاب المسبَّبي ، إذ انَّ استصحاب الحكم لا يُنتج إلاّ الحكم المستصحب ، وهذا بخلاف استصحاب الموضوع في المقام ، فإنَّه ينقح موضوع الحكم وبالتالي يترتب الحكم لأن الشارع قد جعل الحكم من آثار هذا الموضوع ، ولهذا سمِّي استصحاب هذا الموضوع بالاستصحاب السببي .
وبما ذكرناه تتضح الطوليّة بين الاستصحابين ، إذ انّ الاستصحاب الاول لمَّا كان واقعاً في رتبة الموضوع لذلك الحكم فهو متقدم على الحكم ، واستصحاب نفس الحكم لمَّا لم يكن نافعاً في إثبات الموضوع ويقتصر نفعه على اثبات الحكم فهو لا يتقدم على الموضوع وهذا هو سرُّ التعبير عن علاقة الاستصحابين بالطوليَّة ولا يقصدون من الطولية تأخر استصحاب الحكم دائماً عن استصحاب الموضوع بل يقصدون انَّ الحكم اذا اُريد استفادته بواسطة الموضوع فإنَّه يكون متأخراً عنه ومترتباً عليه .
ثم انه هل يمكن جريان استصحاب الحكم في حالة يكون جريان استصحاب الموضوع ممكناً إذا كانت نتيجة الاستصحابين واحدة أو انَّه لا يجري استصحاب الحكم ويكون الجاري هو استصحاب الموضوع فحسب وتكون وظيفة استصحاب الموضوع تنقيح موضوع الحكم ومنه يترتَّب الحكم الشرعي .
ذهب المشهور الى عدم جريان استصحاب الحكم عند امكان جريان استصحاب الموضوع المترتب عليه نفس الحكم ، وذلك لحكومة استصحاب الموضوع على استصحاب الحكم .
وبيان ذلك ; انَّ المقصود من الحكومة في المقام هو نفي موضوع المحكوم ، فمثلا عندما يكون موضوع البراءة العقلية هو عدم البيان ، فلو قام الدليل على أنَّ خبر الثقة ـ والذي هو دليل ظني ـ بيان ، فإنَّ خبر الثقة يكون حينئذ حاكماً على أصل البراءة العقلية ، وذلك لأنَّه ينفي ويُلغي موضوعها ، فموضوعها عدم البيان ودليل حجية خبر الثقة مفاده ان خبر الثقة بيان فلا موضوع لجريان البراءة العقلية حينئذ . وهنا لا يختلف الحال بين اتحاد مؤدى الخبر ومقتضي البراءة وبين منافاة مؤداه لما تقتضيه البراءة العقليَّة فإنه في كلا الحالتين يكون خبر الثقة نافياً لموضوع البراءة فلا معنى بعد ذلك لجريانها .
والمقام من هذا القبيل فإن اجراء استصحاب الموضوع يتعبدنا بوجود الحكم فلا معنى لاستصحابه حينئذ ، إذ انَّ موضوع استصحاب الحكم وهو الشك في بقائه وحينما نستصحب الموضوع « العدة » لا نشك في وجود الحكم فلا معنى لاستصحابه بل لا يصح الإستصحاب لاختلال ركنه الثاني وهو الشك في البقاء فإنَّه لا شك في بقاء الحكم بل هناك علم تعبداً ببقاء الحكم . ومن هنا اتضح انَّ استصحاب الحكم يكون في طول استصحاب الموضوع إذ المراد من ذلك هنا هو انَّ استصحاب الحكم لا تصل اليه النوبة عندما يجري استصحاب الموضوع .
إلى هنا كان الكلام عن استصحاب السببي والمسبَّبي اللذين تكون نتيجة كل واحد منهما غير منافية لنتيجة الآخر ، ثم انَّه يقع الكلام عن الاستصحاب السببي والمسبَّبي اللذين يقتضي كل واحد منهما حكماً منافياً لما يقتضيه الإستصحاب الآخر . ولا يختلف الحال فيهما عمَّا ذكرناه في الاستصحاب السببي والمسبَّبي اللذين يقتضيان نتيجة واحدة ، نعم في هذا الفرض لم يختلف أحد في تقدّم الإستصحاب السببي على المسبَّبي بخلاف الفرض الاول فإنَّه وقع الخلاف في امكان جريان الاستصحاب المسببي في مورد جريان السببي أو عدم امكان ذلك وإن كان المشهور ذهبوا الى عدم جريانه .
وكيف كان فلكي تتضح معالم هذا الفرض نذكر هذا التطبيق : لو كان المكلَّف على يقين من طهارة الماء ثم شك في طهارته فإنَّ له ان يستصحب بقاء الطهارة ، ومن آثار هذا الاستصحاب هو صحة الغسل به ، ومن هنا يكون هذا الاستصحاب منقِّحاً لموضوع الأثر الشرعي وهو صحة الاغتسال بهذا الماء ، وذلك لأنَّه في رتبة الموضوع بالنسبة لهذا الاثر الشرعي ، فلو اغتسل المكلَّف بذلك الماء فإنَّه يشك في ارتفاع حدث الجنابة عنه بعد ان كان على يقين به ، ومنشأ هذا الشك هو عدم احراز طهارة الماء حقيقة ، اذ لعلَّ نتيجة استصحاب الطهارة منافية للواقع ، ومن هنا تكون اركان الإستصحاب الثاني تامة ، وذلك لعلمه سابقاً بحدث الجنابة ويشك بعد ذلك في ارتفاعه بسبب الشك في طهارة الماء الذي اغتسل به .
وتلاحظون ان نتيجة هذا الإستصحاب منافية لنتيجة الاستصحاب الاول ، إذ انّه لمَّا كانت نتيجة الاستصحاب الاول هي الطهارة فهذا يقتضي صحة الإغتسال بالماء المستصحبة طهارته وبالتالي ارتفاع حدث الجنابة بذلك الغسل . أمَّا نتيجة الإستصحاب الثاني فهو بقاء حدث الجنابة على حاله .
والإستصحاب الاول هو السببي ، وذلك لأنَّه في رتبة الموضوع للإستصحاب الثاني ، إذ انَّ الشارع قد جعل طهارة الماء موضوعاً للأثر الشرعي وهو ارتفاع حدث الجنابة بالاغتسال به ، وإذا كان كذلك فاستصحاب طهارة الماء يتعبدنا بارتفاع حدث الجنابة .
وهذا بخلاف الاستصحاب الثاني فليس من آثاره عدم الطهارة ، إذ انَّ البقاء على حدث الجنابة لم يجعله الشارع موضوعاً لعدم طهارة الماء فالاستصحاب المسبَّبي لو كان جارياً فإنَّ نتيجته هي البقاء على حدث الجنابة فحسب .
وبما ذكرناه اتضح المنشأ في تقدم الاستصحاب السببي على الاستصحاب المسبَّبي ، حيث اتضح انَّ الاول يُحرز به موضوع الحكم فلا مسوِّغ حينئذ لجريان الاستصحاب المسبَّبي بعد انهدام ركنه الثاني وهو الشك في البقاء .
وبتعبير آخر : انَّ الاستصحاب السببي حاكم على الإستصحاب المسبَّبي ، وذلك لأنَّ الاستصحاب السببي ـ كما ذكرنا ـ ينفي موضوع الإستصحاب المسببي ، إذ انّ موضوع الاستصحاب المسببي مثلا هو الشك في البقاء على حدث الجنابة ومقتضى جريان الاستصحاب السببي هو نفي الشك تعبداً عن بقاء الجنابة ، وذلك لأنَّ الاستصحاب السببي حينما أنتج طهارة الماء تنقح به موضوع الاثر الشرعي وهو إرتفاع حدث الجنابة بالاغتسال به . فهذا هو منشأ القاعدة القائلة بتقدم الاستصحاب السببي على المسبَّبي .
 


تعارض الأدلة



اتضح مما تقدم انَّ الادلة التي تكون طريقاً للتعرُّف على الحكم الشرعي الأعم من الواقعي والظاهري على نحوين :
النحو الاول : هو الأدلة المحرزة والتي يكون منشأ جعلها هو كاشفيتها عن الحكم الشرعي الواقعي ، وهي تشمل الادلة القطعيّة والأدلّة الظنيّة المعتبرة أي التي قام الدليل القطعي على حجيتها .
النحو الثاني : هو الأدلة العمليَّة والتي يلجأ اليها الفقيه في حالات فقدان الادلة المحرزة أو اجمالها . ومهمة هذا النحو من الأدلة هي تحديد الوظيفة العملية المقررة في ظرف الشك في الحكم الواقعي .
فالكلام إذن يقع حول حالات التعارض بين هذه الأدلّة ، فتارة يكون التعارض بين دليلين من الأدلة المحرزة ، وتارة يكون بين دليلين من الأدلة العمليَّة واخرى يكون بين دليل محرز ودليل عملي .
فالبحث عن تعارض الأدلة يقع في ثلاثة فصول إن شاء الله تعالى .
 


التعارض بين الأدلة المحرزة


والمراد من التعارض ـ إجمالا وسيأتي ايضاحه ـ هو التنافي بين مدلولي الدليلين بنحو يُعلم بعدم واقعية أحدهما .
وقد اتَّضح مما تقدم انَّ الادلة المحرزة على انحاء فهناك دليل شرعي لفظي وآخر غير لفظي كالسيرة العقلائية ، وهناك دليل عقلي وهو تارة يكون قطعياً واخرى يكون ظنياً ، وقد اتضح مما مضى حجية الدليل العقلي القطعي ، وذلك لحجية القطع والذي لا يختلف الحال فيه بين أن يكون منشأ القطع هو العقل أو شيء آخر . وأمَّا الدليل الظني فلم تثبت له حجيَّة ومن هنا لا يكون صالحاً لأن يُعارض دليلا معتبراً ، وذلك لأنَّ التعارض فرع التكافئ ، والتكافئ لا يكون إلاّ مع حجيَّة كلا الدليلين المتعارضين في نفسيهما  .
تعارض الدليل العقلي القطعي مع سائر الأدلّة :
لو كان مؤدى الدليل الظني المعتبر في نفسه منافياً لمقتضى الدليل العقلي القطعي ، فهل يُقدم الدليل الظني على ما هو مقتضى الدليل العقلي أو العكس ؟
والجواب انَّ المقدم في مثل هذا الفرض هو الدليل العقلي القطعي ـ لو اتفق ـ ، وذلك لأنَّ الدليل العقلي القطعي يقتضي القطع بخطأ كل دليل مناف له ، فحينما يقطع المكلَّف بحكم فإنَّه يقطع بخطأ ما ينافيه .
وبتعبير آخر : انَّ القطع بحكم يلازم القطع بفساد كل حكم مناف لمتعلق الحكم المقطوع ، واذا كان الحكم المنافي للحكم القطعي العقلي مقطوعاً بفساده فهو ساقط عن الحجيَّة .
ومثال ذلك لو قطع المكلَّف ـ وبمقتضى ما يُدركه العقل من قبح الظلم ـ بحرمة قتل اليتيم والذي لم يرتكب جناية إلا انَّه قام دليل ظني متوفر على شرائط الحجيَّة وكان مؤداه جواز قتل الطفل اليتيم لو كان متولِّداً عن زنا أو الطفل الذي هو مبتلى بمرض معد ، فإنَّ هنا لا إشكال في سقوط هذا الدليل عن الحجية للقطع بخطئه .
ثم لا يخفى عليك انَّ التعارض بين الدليل العقلي القطعي ودليل قطعي آخر غير متصوَّر ، وذلك لاستحالة القطع بالمتنافيين .
التعارض بين الادلة الشرعية :
قلنا انَّ الادلة الشرعية على نحوين : الادلة الشرعية اللفظية ، الادلّة الشرعية غير اللفظية ، والتعارض بين هذه الادلة يتصوَّر له ثلاث حالات فتارة يقع التعارض بين دليلين لفظيين واخرى يقع بين دليلين غير لفظيين وفي حالة ثالثة يكون التعارض بين دليل شرعي لفظي ودليل شرعي غير لفظي .
ولمَّا كان التعارض بين الادلة الشرعيَّة اللفظيّة هو الاكثر وقوعاً في الفقه فإنَّه سوف يتركّز البحث عن هذا النحو من التعارض إلا انَّه لا بأس بذكر مثال لكلّ حالة من الحالتين الاخريين .
الاولى : هي حالة التعارض بين الادلة الشرعية الغير اللفظية ، ومثاله مالو وقع التعارض بين اجماع منقول واجماع آخر منقول ، أو بين سيرة واجماع منقول او بين سيرة عقلائية وسيرة اخرى عقلائية وهكذا ، فلو ادُعي قيام اجماع على حرمة صلاة الجمعة في عصر الغيبة وقام اجماع آخر على وجوب صلاة الجمعة في عصر الغيبة فهنا يكون معقد الاجماع الاول منافياً لمعقد الإجماع الثاني فلابدَّ حينئذ من معالجة هذا التنافي والتعارض .
الثانية : هي حالة التعارض بين دليل شرعي لفظي وآخر غير لفظي ، وذلك كما لو وقع التعارض بين خبر ثقة وبين اجماع أو سيرة أو شهرة فتوائية ، فلو ادُّعي قيام اجماع على حرمه قطع الصلاة من غير عذر إلاّ انَّه في مقابل ذلك دلَّت الرواية المعتبرة على عدم وجود البأس في ذلك ، فإنَّ هذا نحو تناف بين الدليلين فلابدَّ من معالجته .
التعارض بين الأدلّة الشرعيّة اللفظية :
والمراد من التعارض هو التنافي بين مؤدى كل من الدليلين بحيث تُحرز عدم واقعية أحدهما ، وذلك للتكاذب الواقع بينهما ، فمؤدى الدليل الاول يُثبت نفسه وينفي الآخر كما انَّ مؤدى الدليل الثاني هو اثبات نفسه ونفي مؤدى الدليل الآخر ، وهذا التكاذب الواقع بين مؤدى كل من الدليلين ينشأ عن ماذكرناه من انَّ الأحكام الشرعية متضادة فيما بينها . ومن هنا فالتعارض يقع حتى في الحالات التي يكون فيها مؤدى أحد الدليلين حكماً إلزامياً ويكون مؤدى الآخر حكماً غير الزامي ، فلو نص الدليل الاول على وجوب شيء ونص الآخر على استحبابه فإنَّ مؤدى كل من الدليلين يكون معارضاً لمؤدى الدليل الآخر .
ثم انَّ مركز التعارض الذي هو محل البحث في المقام هو التعارض الذي يؤول الى جعل حكمين متنافيين على موضوع واحد ، فإنَّ ذلك لمَّا كان مستحيلا اقتضى العلم بكذب أحد الدليلين وإلاّ لو لم تكن الأحكام متنافية ومتضادة فيهما بينها لا يكون هناك موجب لتكذيب أحدهما غير المعين ، لأنَّه من الممكن حينئذ جعل حكمين متضادين على موضوع واحد .
ومن هنا لابدَّ من تمييز الحالات التي يكون فيها الدليلان مقتضيين لحكمين متنافيين عن الحالات التي لا يقتضي فيها الدليلان ذلك .
وهذا ما يستوجب تمييز حالات التنافي في مرحلة الجعل عن حالات التنافي في مرحلة المجعول وعن حالات التنافي في مرحلة الإمتثال .
أمَّا حالات التنافي في مرحلة الجعل :
الحكم بمرتبة الجعل هو ما يُعبَّر عنه بالحكم الإنشائي وهو الحكم الذي يُجعل على موضوعه المقدَّر الوجود أو قل هو الحكم المجعول على موضوعه بنحو القضية الحقيقية . والاحكام بمرتبة الجعل تنشأ ـ كما ذكرنا مراراً ـ عن ملاكات في متعلَّقاتها تستوجب جعل حكم عليها متناسب مع نحو الملاك ومرتبته .
ومن هنا نشأ التنافي بين الأحكام حيث ان ملاكتها لها تقرُّر في نفس الأمر والواقع مما يقتضي عدم تناسبها ، فلا يمكن أن يكون المتعلَّق الواحد واجداً للمصلحة التامَّة والمفسدة التامَّة ، ومن هنا يكون الحكم المجعول على المتعلَّق هو الحكم المتعيِّن واقعاً والذي يستحيل أن يثبت غيره لذلك المتعلَّق ، وهذا هو معنى انَّ احكام الله تعالى ليست جزافية .
واذا كان كذلك في مقام الثبوت والواقع فمقام الإثبات والدلالة لابدَّ ان يكون متناسباً مع مقام الثبوت ، فحينما تكون الأدلة مقتضية لثبوت حكمين متغايرين لمتعلَّق واحد فإنَّه يحصل الجزم بعدم واقعية أحدهما ، ولمَّا لم نكن مطلعين على الملاك المناسب للمتعلَّق يحصل التردد فيما هو الحكم الواقعي لهذا المتعلَّق .
ومن هنا يتضح انَّ التعارض والتنافي انَّما يكون في مرحلة جعل الأحكام لموضوعاتها ، فالأدلة الإثباتية المتصدية للكشف عن جعل الأحكام لمتعلقاتها إذا اقتضت ثبوت حكمين إنشائيين متنافيين على متعلق واحد على موضوع واحد فهذا هو التعارض الذي هو محلُّ البحث في المقام ، وهذا لا يختلف الحال فيه بين أن تكون موضوعات الأحكام متقرِّرة في الخارج أو لم يكن لها تقرُّر وثبوت بعدُ ، فإنَّه في الحالتين يقع التنافي في مرحلة الجعل ، وذلك لما ذكرناه من أنَّ التنافي انّما يكون بين الأحكام باعتبارها ناشئة عن ملاكات في متعلقاتها ، وحينئذ لا يكون لوجود الموضوع وعدم وجوده أيُ أثر من هذه الجهة ، نعم وجود الموضوع خارجاً ينقل الحكم الى مرحلة الفعليَّة .
وبما بيناه اتضح معنى قولنا سابقاً انَّ التعارض هو التنافي الواقع بين مؤدى كل من الدليلين ، إذ انّ مؤدى الادلة الظنيَّة هو الكشف عن ثبوت الاحكام الإنشائية لمتعلَّقاتها على موضوعاتها ، فهي لو كانت مقتضية لثبوت حكمين متنافيين فإنَّ هذا يعني ـ لو كانت صادقة ـ انَّ الواقع هو ثبوت حكمين متنافيين ولمَّا كان هذا مستحيلا علمنا بكذب أحد الدليلين .
مثلا : لو دلَّ خبر ثقة على حرمة شرب العصير العنبي ودلَّ خبر ثقة آخر على حليَّة شربه فهنا يقع التعارض بين مؤدى كل من الدليلين ، وذلك لأنَّ كل واحد منهما يقتضي حكماً منافياً للحكم الآخر مع كون متعلق الحكم واحداً وموضوع الحكم واحداً .
وتلاحظون انَّ الدليلين متصديان للكشف عن الحكم بمرتبة الجعل وليس للدليلين نظر الى وجود الموضوع المجعول عليه الحكم ، إذ انَّ مساق الدليلين هو افتراض الموضوع وتقديره ثم جعل الحكم عليه ، ومع ذلك وقع التنافي بين الدليلين ، وماذلك إلاّ لما ذكرناه من الأحكام متضادة فيما بينها باعتبارها ناشئة عن ملاكات في متعلَّقاتها وهذا ماأوجب الجزم باستحالة أن يكون المتعلق الواحد معروضاً لحكمين متنافيين .
ومن هنا لو اختلف المتعلَّق للحكمين لما كان هناك تناف بين الدليلين ، فلو كان متعلَّق الحرمة هو شرب العصير العنبي ومتعلَّق الحليَّة هو بيع العصير العنبي لما كان بين الدليلين تعارض ، وكذلك لو كان موضوع كل من الدليلين غير الموضوع في الدليل الآخر فإنَّ التنافي لا يتحقق أيضاً فلو كان موضوع الحرمة هو العصير العنبي وموضوع الحليَّة هو العصير التمري فإنَّ ذلك لا يقتضي التنافي بين الدليلين .
إذا اتّضح ماذكرناه نقول انَّ التنافي بين الأدلة ـ الكاشفة عن الأحكام الإنشائية ـ قد لا يكون ذاتياً كما لو كان مؤدى الدليل الأوّل هو ثبوت حكم وكان مؤدى الدليل الثاني هو ثبوت حكم آخر لمتعلَّق آخر إلاّ انَّ هناك علماً من الخارج يمنع عن واقعية مؤدى أحد الدليلين غير المعين . فهذا النحو من التعارض غير الذي كنا نتحدث عنه حيث كنا نتحدَّث عن التعارض الذاتي والذي يكون فيه الحكمان المتنافيان عارضين على متعلَّق واحد وموضوع واحد .
أما هذا الفرض فليس كذلك إذ انّ متعلق كل من الحكمين مختلف عن الآخر إلاّ انَّه لمَّا كنا نعلم من الخارج بعدم واقعية أحدهما غير المعيَّن أوجب ذلك التنافي بينهما ، فالتعارض في هذا الفرض عرضي وفي الفرض الأوّل ذاتي .
ومثال التعارض العرضي مالو دلَّ خبر الثقة على وجوب صلاة الجمعة في ظهر يوم الجمعة ودلَّ خبر الثقة الآخر على وجوب صلاة الظهر في يوم الجمعة .
فمتعلَّق الحكم في الدليل الاول هو صلاة الجمعة ومتعلّقه في الدليل الثاني هو صلاة الظهر إلاّ انّه لمَّا كنا نعلم بعدم وجوب صلاتين في ظهر يوم الجمعة أوجب ذلك التنافي بين الدليلين ، إذ انَّه حينما نلحظ الدليلين مع ملاحظة العلم الخارجي نجد انَّ كلَّ واحد منهما ينفي الآخر ، فالدليل الاول يدلُّ بالمطابقة على ثبوت مؤداه ويدلُّ بالالتزام على نفي مؤدى الآخر وهكذا العكس .
أمَّا لو قطعنا النظر عن العلم الخارجي فإنَّه لا يكون بين الدليلين أيُّ تناف ، إذ من الممكن جداً أن يكون كلٌّ من الصلاتين واجباً في يوم الجمعة .
والمتحصل مما ذكرناه انَّ التعارض بين الادلة ينشأ عن أنَّها تكشف عن الاحكام بمرتبة الجعل والتنافي انَّما يكون بين الاحكام بمرتبة الجعل والإنشاء .
واتضح أن التنافي بين الادلة تارة يكون ذاتياً واخرى يكون عرضياً .
حالات التنافي في مرتبة المجعول :
ذكرنا مراراً انَّ الحكم بمرتبة المجعول هو عبارة عن بلوغ الحكم الشرعي مرحلة الفعليَّة ، وذكرنا أيضاً انَّ وصول الحكم مرحلة الفعليّة منوط بتحقّق موضوعه خارجاً .
واتَّضح أيضاً ممّا تقدّم انَّ الذي يتصدّى الدليل الشرعي لبيانه انَّما هو الحكم الإنشائي ولا صلة للأدلّة الشرعيّة بمرحلة المجعول ، إذ انَّ ذلك انَّما هو منوط بتحقق الموضوع خارجاً .
ومن هنا يتّضح انَّ التعارض بين الحكمين المجعولين لا صلة له بالتعارض المبحوث عنه في المقام والذي قلنا انَّه التنافي بين مؤدى كل من الدليلين ، ولَّما كان الدليلان ليسا متصديين لبيان الحكم المجعول بل انَّ وظيفتهما بيان الحكم الإنشائي فحسب فهذا يعني انَّ التعارض لا يتصل بمرحلة المجعول .
وبهذا اتضح خروج التنافي في مرحلة المجعول عن بحث التعارض بين الأدلّة .
ثمّ انَّ الكلام يقع عن تصوير التنافي بين الأحكام بمرتبة المجعول ، وقد اتضح مما تقدم انّ التنافي بينهما غير متصوَّر ، وذلك لأن الحكم في مرحلة المجعول لا يعني أكثر من الفعليَّة ، والفعلية منوطة بتواجد الموضوع الذي عُلِّق عليه الحكم في مقام الإنشاء ، وهذا الموضوع إمَّا ان يُوجد فيترتب الحكم المجعول تبعاً لتحقق موضوعه وامَّا ان لا يوجد فلا يكون للحكم المجعول وجود حينئذ ، فعليه لا يكون التنافي في الحكم المجعول متصوراً .
فحينما يجعل المولى في مقام الإنشاء وجوب الصوم على القادر ويجعل وجوب الفدية على العاجز المستمر عجزه فإنَّ هذا يعني انَّ فعلية وجوب الصوم منوطة بتوفُّر المكلَّف على شرط القدرة فلو كان واجداً للقدرة فهذا يقتضي عدم فعلية وجوب الفدية ، كما انَّه لو كان عاجزاً فإنَّ وجوب الصوم لا يكون فعلياً في حقه ، ومن هنا اتّضح عدم إمكان تحقق الفعليتين على المكلَّف في ظرف واحد ، نعم لو كان المراد من التنافي في مرحلة المجعول هو نفي فعلية أحد الحكمين لفعليَّة الحكم الآخر فهذا صحيح إلاّ انّه لا يوجب التصادم بين الحكمين في مرحلة الفعلية وذلك لأنَّ معنى نفي فعليّة أحد الحكمين لفعلية الحكم الآخر هو نفي أحد الحكمين بمرحلة المجعول لموضوع الحكم الآخر وهذا ما يُطلق عليه في المصطلح الاصولي «الورود» ويكون دليل الحكم الفعلي النافي لموضوع الحكم الآخر وارداً ، كما يكون دليل الحكم المنتفية فعليته لنفي موضوعه « موروداً » .
وبيان ذلك : إن الادلة والتي تتكفل ببيان الحكم الإنشائي قد لا تكون متنافية بالمعنى الذي ذكرناه إلاّ انَّه قد يتفق أن يكون أحد الدليلين نافياً لموضوع الحكم في الدليل الآخر وهذا لا يُوجب تنافياً بين الدليلين إذ انَّ التنافي لا يكون إلاّ في مرحلة الجعل وفرض الكلام ان الحكمين بمرتبة الجعل ليسا متنافيين ، نعم الفرض انَّ أحد الدليلين ينفي موضوع الحكم في الدليل الآخر وهذا كما هو واضح لا يتّصل بالحكم في مرحلة الجعل .
ومن هنا يكون نفي أحد الدليلين لموضوع الحكم في الدليل الآخر متصلا بمرحلة المجعول ، ومتى ما اتّفقت هذه الحالة فإنَّ الحكم المتضمن للدليل النافي يكون مقدماً على الحكم المنفية ففعليته ، وتسمى هذه الحالة بالورود وبيان معنى الورود هو أن يكون أحد الدليلين نافياً لموضوع الحكم في الدليل الآخر أو يكون أحد الدليلين مثبتاً لموضوع الحكم في الدليل الآخر ، وهذا النفي أو الإثبات يكون حقيقياً ويتم بواسطة التعبُّد الشرعي .
ومثال الأوّل : قوله تعالى ] لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل [()فإنَّ ظاهر هذه الآية المباركة هو حرمة أكل المال بغير حق ، فلو نسبنا هذا الدليل الى دليل آخر وهو قوله تعالى ] ... ان تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم إلى قوله أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم إلى قوله ليس عليكم جناح [() فلو فهمنا من هذه الآية المباركة ان أكل مال الغير اذا كان أبا أو صديقاً ليس من أكل المال بالباطل ، فإنَّ هذا الدليل حينئذ يكون نافياً لموضوع الحكم في الدليل الآخر ، فإنّ الحكم في الدليل الاول هو الحرمة وموضوعه أكل المال بالباطل ولمَّا كان مفاد الدليل الثاني هو نفي عنوان الباطل عن الأكل من بيت الصديق فهذا يعني نفي موضوع الحرمة في الدليل الاول وبالتالي تكون فعلية الحرمة منتفية .
وتلاحظون انَّ النفي هنا حقيقي وليس نفياً تنزيلياً مقتضياً لتضييق دائرة موضوع الحرمة كما هو الحال في الحكومة بل انَّ الأكل من بيت الصديق ليس من الأكل بالباطل حقيقة غايته انَّ النفي هنا تم بواسطة التعبُّد الشرعي وهذا هو الفارق بينه وبين التخصّص .
فالورود والتخصُّص يشتركان في انَّ الخروج عن الموضوع حقيقي إلاّ انَّ الخروج تخصصاً لا يتم بواسطة التعبُّد الشرعي وانَّما هو بواسطة العلم الخارجي وأمَّا الورود فالخروج عن الموضوع يتم بواسطة التعبُّد الشرعي .
فحينما يقول المولى يحرم سماع الغناء فإنَّ هذه الحرمة لا تثبت للحداء وذلك لخروج الحداء عن موضوع الحرمة تخصصاً ، وهذا الخروج الحقيقي نشأ عن العلم الخارجي بموضوع الغناء . وهذا بخلاف المقام فإنَّ نفي الأكل بالباطل عن الأكل من بيت الصديق ثبت بواسطة التعبُّد الشرعي ، فالخروج عن موضوع الدليل الاول حقيقي إلاّ انَّ ذلك ثبت عن طريق التعبُّد .
ومثال الثاني : لو قال المولى يجوز الاسناد الى الله تعالى بعلم وفهمنا من هذا الدليل انه يجوز الاسناد الى الله جلَّ وعلا عند قيام الحجَّة ، ثم لو دلَّ دليل آخر على أنَّ خبر الثقة حجة فإنَّ هذا الدليل الثاني يكون وارداً على الدليل الاول بمعنى انَّه مثبت لتنقُّح موضوع الدليل الاول حقيقة ، وذلك لأنَّ الدليل الثاني محقّق لفرد من أفراد الحجه حقيقة ، غايته انَّ هذا الفرد من الحجة تمّ بواسطة التعبُّد الشرعي ، وهذا غير الحكومة الموسِّعة لدائرة الموضوع تعبُّداً وتنزيلا كما في قوله (عليه السلام) « الفقاع خمرة استصغرها الناس »() فإنَّ الفقّاع ليس من الخمرة حقيقة إلاّ انَّ الشارع وسَّع من دائرة موضوع اللخمرة وجعل الفقَّاع فرداً من أفرادها والبحث في محلِّه .
وبما بيناه اتضح معنى الورود وانَّه الخروج عن موضوع الدليل المورود حقيقة أو الدخول في موضوع الدليل المورود حقيقة على أن يكون ذلك ناشئاً عن التعبُّد الشرعي .
ومع اتّضاح هذا يتّضح عدم التنافي بين الدليل الوارد وبين الدليل المورود ، وذلك لأنَّ الدليل الوارد حينما ينفي موضوع الدليل المورود فهو ينفي فعليته فلا تكون للدليل المورود فعلية في حالة يكون الموضوع المتحقق خارجاً عن موضوع الحكم في الدليل الأوّل المورود ، فحينما لا يكون الأكل من بيت الصديق من الأكل بالباطل لا يكون الحكم بالحرمة المُفاد بالآية الاولى فعلياً لعدم تحقّق موضوعه خارجاً إذ انَّ الاكل من بيت الصديق المتحقّق خارجاً ليس موضوعاً للحرمة كما هو مقتضى الدليل الوارد .
وهكذا الكلام في الدليل الوارد المثبت لوجود موضوع الحكم في الدليل المورود فإنَّه مثبت لتحقق الفعلية للحكم في الدليل الوارد فلا تنافي بين الدليلين أصلا ، فإنَّه عندما يدلُّ خبر الثقة على شيء فإنَّ ذلك يكون موجباً لتحقق فعلية جواز الاسناد الى الله جلَّ وعلا .
حالات التنافي في مرحلة الإمتثال :
وهي الحالات التي تضيق فيها قدرة المكلَّف عن امتثال تكليفين وهذه الحالة خارجة أيضاً عن باب التعارض ، وذلك لأنّها لا تتصل بالتنافي بين مؤدى كل من الدليلين ، إذ قد يكون الدليلان متكفلين لبيان حكمين لمتعلقين متغايرين لا صلة لأحدهما بالآخر ومع ذلك تضيق قدرة المكلَّف عن امتثالهما أما من حيث أنَّ الجمع بينهما متعذر كما لو أمر المولى بالوقوف بعرفة يوم التاسع من ذي الحجة وزيارة ابي عبد الله الحسين (عليه السلام)في كربلاء يوم التاسع من ذي الحجة ، فإنَّ هنا لا تنافي بن مؤدى الدليلين وانما التنافي في مقام الإمتثال ، وقد يكون منشأ العجز عن امتثال كلا التكليفين هو عجزه الشخصي عن امتثالهما معاً كما لو كانت قدرة المكلَّف دائرة بين امتثال الركوع عن قيام أو السجود بحيث يكون امتثال أحدهما معجِّزاً عن امتثال الآخر .
ومن الواضح انَّ مثل هذه الحالات لا تكون موجبة للتنافي بين مؤدى كل من الدليلين ، نعم قد يتفق بل هو الغالب أن تكون حالات التنافي في مقام الإمتثال موجبة لسقوط الفعليَّة عن أحد التكليفين أو عدم نشوئها من الاساس . وهذه الحالات هي المعبَّر عنها بحالات التزاحم والمقتضية لتقديم الأهم من التكليفين على الآخر .
كما انَّه يمكن أن يكون كلا التكليفين اللذين تضييق قدرة المكلَّف عن الجمع بينهما فعليين كما في حالات الأمر بالضدين في خطابين منفصلين ، كما لو أمر المولى بالوقوف في يوم عرفة بأرض عرفات وأمره في خطاب آخر بزيارة الامام الحسين (عليه السلام) في كربلاء يوم عرفة أيضاً على نحو الترتُّب بحيث يكون ترك أحدهما موجباً لفعلية الآخر ، فلو ترك المكلَّف امتثال كلا التكليفين فإن كلاهما يكون حينئذ فعلياً وذلك لتحقق موضوعه وهو ترك الآخر ، وهذا ما يوضح انَّ التنافي في مرحلة الإمتثال قد يجتمع مع فعليَّة كلا التكليفين .
وبما بيَّناه اتضح خروج حالات التنافي في مرحلة المجعول وفي مرحلة الإمتثال عن التعارض المبحوث عنه في المقام وأن الذي يكون مورداً للتعارض هو التنافي بين مدلولي الدليلين .
وبعد كل ذلك يقع البحث عن كيفية معالجة التعارض بين الأدلّة .
 


قاعدة الجمع العرفي


ومورد هذه القاعدة هو حالات التنافي بين الأدلة إذا لم يكن لذلك التنافي استقرار بنظر العرف بحيث يرى انَّ من الممكن بل من المتعين حمل أحدد الدليلين على الآخر بحيث يكون بينهما عند ذاك تمام الموائمة والتناسب وهذا في مقابل التعارض المستقر بين الدليلين والذي يرى العرف تهافتهما وعدم امكان الجمع بينهما على نحو يكون ذلك الجمع متناسباً مع مقتضيات الضوابط التي يجري على وفقها العقلاء وكذلك أهل المحاورة .
فالجمع العرفي إذن لا يكون إلاّ في الحالات التي يكون فيها الجمع متناسباً مع المتفاهم العرفي بحيث يكون أحد الدليلين بمثابة القرينة المفسِّرة للمراد من الدليل الآخر . ومن هنا لابدَّ أن يكون الجمع جارياً على وفق ما يقتضيه الدليل الواقع موقع القرينة .
ومبرِّر هذه القاعدة هو انَّه اذا أردنا التعرُّف على مراد المتكلّم فإنَّه لابدَّ من الإحاطة بتمام كلامه سواء المتصل منه أو المتفرق على مواقع متعدّدة  ، فإنَّه لا ينبغي أن يؤخذ بجزء من كلام المتكلّم ويُقطع النظر عن سائر كلامه أو ان يلحظ الكلام الاول منفصلا عن الكلام الآخر ثم يلحظ الكلام الآخر منفصلا عن الكلام الاول فإنَّه حينئذقد يبدو التنافي بين الكلامين .
كما لو قال المتكلم في مجلس « أكرم كل العلماء » وقال في مجلس آخر « لا تكرم فساق العلماء » فإنَّه لو لاحظنا كلا من الكلامين على حدة لوجدنا انَّ بينهما تنافياً إلا انَّه حين يلاحظ مجموع الكلامين فإنَّ ذلك التنافي البدوي يزول وما ذلك إلاّ لأن الكلامين يُعبِّران عن مراد جديٍّ واحد ، غايته انّ وجود بعض المبرِّرات الشخصية أو النوعية اقتضت فصل الكلامين وإلاّ فهما يُعبِّران روحاً عن مراد واحد ، إذ انَّ العاقل لا ينقض كلامه ، نعم قد يتنازل عن كلامه الاول وهذا خُلْف الفرض ، إذ انَّه حين يكون متنازلا عن كلامه الاول فإنَّ مقتضى حرص العقلاء على أغراضهم وعدم السماح بتفويتها يقتضي التصريح بتنازله عن كلامه الاول حتى لا يتنافى ذلك مع غرضه الفعلي .
وكيف كان فإنَّ المتكلم إذا لم يُبيّن مراده كاملا فإنَّه يتصدى في كلام ثان لبيان تمام ذلك المراد أو بعضه ، وهناك مجموعة من الوسائل يتوسّل بها المتكلّم لتبيين مراده من الكلام الاول :
منها : ما عبَّر عنه المصنِّف (رحمه الله) بالإعداد الشخصي والمقصود من الإعداد الشخصي هو ان يتصدى شخص المتكلم لبيان مراده بوسيلة من وسائل الشرح والتفسير المقررة عند أهل المحاورة . وضابطة الوسائل الداخلة تحت عنوان الإعداد الشخصي هي كل وسيلة ليس لغير المتكلم استعمالها بمعنى انَّه لو لم يتصدَّ المتكلم بنفسه لإستعمالها لما أمكن لأحد غيره أن يستعملها لغرض الكشف عن مراد المتكلم ، وهذا بخلاف الإعداد النوعي فإنه يمكن للغير أن يجمع بين كلامي المتكلم ويناسب بينهما ثم يخرج بنتيجة هي مراد المتكلم جداً .
وباتِّضاح المراد من الإعداد الشخصي نقول : انَّه يتم بواسطة الحكومة  . والمراد من الحكومة هي النظر الى الدليل الاول لغرض شرحه وتفسيره ، فقوام الحكومة هي وجود ما يُثبت أنَّ المتكلم ناظر الى كلامه الاول وقاصد لشرحه وبيانه . وهذا له صورتان :
الصورة الاولى : ان يصرّح في كلامه الثاني بمراده الجدِّي من الكلام الاول ، وذلك عن طريق استعمال أدوات الشرح والتفسير مثل كلمة « أي أو أعني وأقصد » وهكذا .
ويمكن التمثيل لهذه الصورة برواية ابي خديجة عن ابي عبد الله (عليه السلام)«  لعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبّهات من النساء بالرجال ، وهم المخنثون ، واللائي ينكحن بعضهن بعضاً »() فإنَّ كلمة « وهم » وكذلك كلمة « اللائي » جيء بهما لغرض الشرح والتفسير ، نعم قد يقال انَّ المتصدي للشرح هو غير المتكلم إلاّ انّ هذا يندفع بما ثبت من أنّ كلام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل البيت (عليهم السلام) واحد .
الصورة الثانية : أن يستفيد المتكلم من قرائن صياغية أو غيرها لإثبات انّه في مقام النظر الى الكلام الاوّل وانَّه متصد لشرحه وبيانه على أن لا تكون تلك القرائن موجبة لأكثر من ظهور حال المتكلِّم في انَّه في مقام الشرح والتفسير لكلامه الاول .
ثمّ انَّ هنا وسيلتين يستعملهما المتكلم لغرض بيان المراد الجدِّي من كلامه الاول :
الوسيلة الاولى : وهي ما يُعبَّر عنها بالنظر في عقد الوضع ، والمقصود منها انَّ المتكلم يتصدى لشرح كلامه الاول عن طريق التصرُّف في موضوع الحكم في الدليل الاول اما بنحو التضييق أو بنحو التوسيع ويكون غرض المتكلم من ذلك تضييق الحكم أو تعميمه ، غايته انه نفى الحكم عن طريق نفي الموضوع أو أثبت الحكم بواسطة إثبات الموضوع . وتسمَّى الحالة الاولى بالحكومة المضيِّقة وتسمَّى الحالة الثانية بالحكومة الموسِّعة .
أمَّا مثال الحكومة المضيِّقة :
مالو قال المولى من شك بين الثلاث والاربع بنى على الاربع وتشهد وسلم ثم قام فجاء بركعة بفاتحة الكتاب وتشهد بعدها وسلَّم ، ثم قال في كلام آخر « لا شك لكثير الشك » ، فإنَّ الكلام الثاني ناظر الى الكلام الاول ـ كما هو واضح ـ وذلك بقرينة انَّ الكلام الثاني لا يكون له معنىً محصل لولا وجود كلام سابق يكون هذا الكلام مفسِّراً له ومبيناً لحدوده ، إذ ما معنى ان يُقال ابتداءً « لا شك لكثير الشك » . فإذا ثبت انّ المتكلّم ناظر لكلامه الاول فقد تحققت الحكومة للكلام الثاني على الكلام الاول .
وأمَّا انه كيف يكون الكلام الثاني في المثال متصرفاً في موضوع الحكم في الكلام الاول فلأنَّ المتكلم استعمل الموضوع كوسيلة لشرح وبيان حدود الحكم . فنفي بعض أفراد الموضوع عن ان تكون مشمولة للموضوع المجعول عليه الحكم نفي للحكم بلسان نفي الموضوع وتصرُّفٌ في الموضوع بنحو التضييق لغرض تضييق دائرة الحكم .
وهذا النفي ليس نفياً حقيقياً وانَّما هو نفي عنائي تنزيلي الغرض منه نفي ذلك الفرد عن أن يكون مشمولا للحكم في الدليل الاول ، فليس غرض المولى من قوله « لا شك لكثير الشك » انَّ الشك الواقع عن كثير الشك ليس شكاً حقيقة وواقعاً بل غرضه هو أنَّ الشك من كثير الشك لا يترتب عليه الحكم المذكور في الدليل الاول فهو نفي للحكم بلسان نفي الموضوع أي نفي للحكم عن أن يكون شاملا لهذا الفرض إلاّ انَّ هذا النفي تمّ عن طريق نفي فرديّة هذا الفرد عن موضوع الحكم ، إذ انَّه متى ما انتفت فرديّته عن الموضوع لم يكن الحكم شاملا له ، وذلك لأنَّ الحكم انَّما هو مجعول على ذلك الموضوع فلما كان ذلك الفرد من غير أفراد الموضوع ـ بمقتضى الدليل الحاكم ـ فلا يشمله الحكم .
وبما ذكرناه اتضح ان نحو الحكومة في هذا المثال هو الحكومة المضيقة ، إذْ انَّ الدليل الحاكم « الثاني » قد ضيَّق من دائرة موضوع الحكم في الدليل المحكوم « الاول » .
وأمَّا مثال الحكومة الموسِّعة :
فهو مالو قال المولى « الخمر حرام » ثم قال في كلام آخر « الفقاع خمرة استصغرها الناس » فهنا أيضاً وقع التصرُّف في عقد الوضع أي في موضوع الدليل المحكوم إلاّ انَّ التصرُّف في المثال تصرُّف بنحو التوسيع من دائرة موضوع الحكم في الدليل المحكوم ، وهو توسيع عنائي الغرض منه تعميم الحكم في الدليل المحكوم للفرد الذي اُدخل في موضوع الدليل المحكوم بنحو العناية ، فهنا إثبات للحكم بحرمة الفقَّاع بلسان إثبات فرديته لموضوع الحكم « الخمر » في الدليل المحكوم .
الوسيلة الثانية : وهي ما يُعبَّر عنها بالنظر في عقد الحمل ، وهنا يتوسل المتكلِّم في مقام شرحه لكلامه الاول بالتصرُّف في محمول القضية في الكلام الاول أي التصرُّف في نفس الحكم ابتداءً ـ لغرض تعميمه أو تضييقه  ـ ودون توسيط الموضوع في ذلك كما هو في الوسيلة الاولى .
ومثال ذلك :
قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) « لا ضرر ولا ضرار في الاسلام »() وقوله تعالى ] وما جعل عليكم في الدين من حرج [() فإنَّ هذين الدليلين ناظران الى الأحكام الشرعية الثابتة بالأدلّة الاخرى حيث انَّ مقتضى تلك الأدلّة هو ثبوت الاحكام بنحو مطلق سواء كانت ضررية وحرجية لبعض الأفراد أو لم تكن .
فإنَّه لو فهمنا من الرواية انَّه لم يجعل الله تعالى حكماً ضررياً وفهمنا من الآية المباركة انَّ الله تعالى لم يجعل حكماً حرجيَّاً فإنَّ هذين الدليلين يكونان حاكمين على أدلة الاحكام الشرعية وموجبين لتضييق دائرة تلك الأحكام وانَّ ما يتوهم من الأدلّة الاولية من ثبوت الأحكام في حالات الضرر والحرج ليس صحيحاً .
وتلاحظون انَّ هذين الدليلين تصرَّفا في نفس الحكم في الأدلّة المحكومة حيث انَّ المنفي في هذين الدليلين هو الحكم فقوله لا ضرر أي لا حكم ضرري في الإسلام وقوله لا حرج أي لا حكم حرجي مجعول من المولى جلَّ وعلا . ومن هنا صارت هذه الحكومة متصرفة في عقد الحمل . وأمَّا انَّها مضيقة فواضح ، إذ انها تقتضي نفي الحكم في حالات الضرر والحرج .
الفرق بين الورود والحكومة :
الورود والحكومة المتصرفة في عقد الوضع يشتركان في انَّ كلا منهما ينفي موضوع الحكم في الدليل الاول أو يثبت موضوعاً للحكم في الدليل الاول ، وهذا ما قد يوجب الخلط بينهما إلاّ انَّه مع التأمل يتضح ان بينهما اختلافاً جوهرياً ، وذلك لأنَّ الورود كما قلنا ينفي موضوع الحكم في الدليل المورود نفياً حقيقياً ، وكذلك يثبت موضوعاً للحكم في الدليل المورود إثباتاً حقيقياً ، غايته انَّ الواسطة في النفي أو الإثبات هو التعبُّد الشرعي ، فحينما ينفي المولى عنوان الباطل عن الأكل من بيت الصديق ـ في مثال الورود الذي ذكرناه في بحث حالات التنافي في مرحلة المجعول ـ فإنَّ هذا النفي ليس عنائياً وانَّما هو نفي حقيقي ولذلك يكون خروج الأكل من بيت الصديق عن عنوان الباطل ـ المجعول عليه الحرمة في الدليل المورود ـ خروجاً حقيقياً كخروج عنوان الحداء عن موضوع الغناء ، غاية مافي الأمر انَّ الخروج في حالات الورود يتم بواسطة التعبُّد الشرعي والخروج في حالات التخصص يُعرف بواسطة العلم الخارجي .
وكذلك الكلام بالنسبة لخبر الثقة فإنَّ الدليل الوارد حينما يجعل الحجية لخبر الثقة لا تكون الحجية الثابتة لخبر الثقة بواسطة الدليل الوارد حجية عنائية بل انَّ خبر الثقة حجة حقيقة . ومن هنا تكون محققيته لموضوع جواز الإسناد حقيقية ، وذلك لأن موضوع جواز الإسناد هو قيام الحجَّة على الحكم الشرعي وخبر الثقة حجَّة حقيقة وواقعاً . نعم الفرق بين خبر الثقة وبين القطع الطريقي هو انَّ القطع الطريقي لا تكون مثبتيته لموضوع جواز الإسناد محتاجة الى التعبُّد الشرعي وإلاّ فكل منهما يُحقق فرداً حقيقياً لموضوع جواز الإسناد .
ومما بيناه يتضح انَّ الورود ليس منوطاً بنظر الدليل الوارد الى الدليل المورود ولذلك يمكن تحقّق الورود في حالات تأخر الدليل المورود عن الدليل الوارد ، فلو كان دليل جواز الإسناد بعلم أي بحجة متأخراً عن دليل حجية خبر الثقة لكان خبر الثقة ـ مع ذلك ـ صالحاً للورود على دليل جواز الإسناد بعلم .
ومع اتِّضاح معنى الورود يتضح الفرق الجوهري بينه وبين الحكومة ، إذ انَّ الحكومة وإن كانت تنفي موضوع الدليل المحكوم أو تُثبته إلاّ انَّ ذلك لا يكون نفياً أو إثباتاً حقيقياً بل هو نفي أو إثبات عنائيان أي انَّ المولى اعتبر الموضوع الثابت منفياً واعتبر الموضوع المنفي ثابتاً ويكون غرضه من النفي أو الإثبات هو تعميم الحكم أو تضييقه فيكون نفي الحكم بلسان نفي الموضوع ويكون إثبات الحكم بلسان إثبات الموضوع ، ومنه يتضح انَّ الحكومة متقومة بالنظر في الدليل المحكوم وهذا ما يقتضي تأخر الدليل الحاكم عن الدليل المحكوم ، إذ لا يصح ان يكون الدليل الحاكم ناظراً إلاّ أن يكون متأخراً .
ثم انَّ الحكومة روحاً تكون عبارة عن صياغة خاصة للدليل الحاكم  ، هذه الصياغة تكون هي القرينة على النظر والتصرُّف ولولا ذلك لما كان هناك ما يُوجب استظهار نظر الدليل الحاكم الى الدليل المحكوم ، فالمولى حينما يُريد ان يشرح مقصوده يتوسل بهذا النحو من الصياغه لغرض الكشف عن انَّه في مقام الشرح والتفسير للدليل الاول ، وهذا هو الفارق الجوهري بين التخصيص والحكومة ، إذ انَّ التخصيص كالحكومة من حيث تضييق دائرة الحكم في الدليل الآخر إلاّ انَّ المولى تارة يستعمل صياغة خاصة وهي تنزيل الموضوع المنفي منزلة الموجود أو تنزيل الموضوع الموجود منزلة المنفي وغرضه من هذه الصياغة هو تعميم الحكم أو تضييقه بلسان التصرُّف والتنزيل ، وأمَّا التخصيص فليس كذلك بل هو إخراج بعض أفراد الموضوع عن الحكم ابتداءً مع التحفظ على فرديَّة الخارج عن الحكم للموضوع .
وسيلة اخرى من وسائل الجمع العرفي :
ومن الوسائل التي يتوسل بها المتكلِّم لبيان مراده الجدِّي من الدليل الآخر هو ما عبَّر عنه المصنِّف (رحمه الله) بالإعداد النوعي العرفي والمقصود من الإعداد النوعي هو انَّ المتكلم يستفيد من الضوابط العامة عند العرف في بيان مراده ومقصوده من كلامه الآخر ، ويمكن صرف الكلام الى المتلقي للأدلّة أو للكلامين ، فالمتلقي حينما يعلم انَّ المتكلم يسير على وفق الطريقة العرفية النوعية في تفهيم مقاصده ، فإنّه حينما يقف على كلامين لمتكلم واحد فإنَّه يُناسب بينهما بحسب الضوابط العرفية التي يجري عليها أهل المحاورة من ذلك اللسان .
والطريقة الاساسية التي يعوِّل عليها العرف في مقام التعرُّف على وجه الجمع بين الكلامين للمتكلم العرفي هي اعتبار الكلامين كلاماً واحداً متصلا . وهذا ما يستوجب استقرار الظهور مع ذي القرينة ، إذ انَّ العرف حينما يضمّ الكلامين بعضهما الى الآخر ويرى ان أحدهما يشكِّل قرينة على المراد من الكلام الآخر فإنَّه لا محالة يستقرُّ فهمه مع الكلام ذي القرينة ، إذ هو المعبِّر واقعاً عن المراد الجدِّي .
فمناط تقديم الخاص على العام والمقيَّد على المطلق مثلا هو انَّ الخاص قرينة على العام وكذلك المقيد بالنسبة للمطلق هذا هو الذي يقتضيه الفهم العرفي ، وذلك لأنَّ العرف لا يرى بين الدليل العام والدليل الخاص أيَّ تناف ، إذ انَّ العام يقتضي بدواً ثبوت الحكم للطبيعة بتمام أفرادها ، فحينما يكون الخاص نافياً لذلك الحكم عن فرد من أفراد الطبيعة لا يكون في ذلك تناف بل هو بيان للمراد الجدِّي من العام وأنَّ الحكم في الدليل العام لا يشمل ذلك الفرد .
وهذا القرينية تبلورت حينما ناسب العرف بين الدليلين فكأنما العلاقة بين الدليلين علاقة المستثنى منه مع المستثنى ، ومن الواضح انَّ المستثنى يكون قرينة على تحديد سعة دائرة المستثنى منه وانَّ دائرته لا تتسع لهذا الفرد فلا يشمله حكم المستثنى منه .
وهكذا الكلام في كلّ دليل له ظهور ويكون الدليل الآخر أظهر منه فإنَّ الأظهر يشكل قرينة على المراد الجدِّي من الدليل الاول .
والمتحصَّل ممّا ذكرناه انَّ موارد الجمع العرفي يكون فيها التنافي والتعارض بدوياً أي ليس له استقرار ، فلذلك يزول بمجرَّد الرجوع الى المرتكزات والضوابط التي يجري عليها أهل المحاورة من ذلك اللسان .



قاعدة تساقط المتعارضين


والبحث في المقام يقع عمَّا هو مصير الدليلين المتنافيين فيما بينهما بعد تعذُّر الجمع العرفي بينهما فهل انّ القاعدة تقتضي سقوطهما معاً عن الحجيَّة أو سقوط أحدهما دون الآخر على نحو التخيير أو التعيين أو تكون الحجيَّة ثابتة لهما معاً .
ويتحدد الجواب عن ذلك بملاحظة دليل الحجيَّة والذي استفدنا منه حجية خبر الثقة مثلا ، وهل انَّ دليل الحجيَّة يتسع لإثبات الحجيَّة في حالات التعارض ؟ وإذا كان كذلك فبأي مقدار تكون الحجيّة ثابتة لهما ؟
وهذا ما سيتم البحث عنه في المقام إلاّ انّه لابدَّ من التنبيه على أنَّ البحث عن شمول الحجيَّة للدليلين المتعارضين انَّما هو بقطع النظر عن الأدلّة التي تصدّت لعلاج التعارض بين الأدلّة ، على انَّه لابدَّ من الإلتفات إلى أمر آخر وهو انَّ التعارض لا يكون إلاّ بين الدليلين المتكافئين من حيث الأهلية لثبوت الحجيّة لهما لولا التعارض ، أما الدليل الذي لا تشمله الحجيّة من أول الأمر فإنَّه لا يصلح لأن يعارض الدليل المتوفِّر على شرائط الحجيَّة ، وذلك لسقوطه عن الحجيَّة من أول الأمر فحتى لو لم يكن ما يعارضه فإنَّه لا إعتبار به ولا يصلح لإثبات مؤداه .
وكيف كان فالبحث أولا يقع في مقام الثبوت وأي الإفتراضات التي تكون ممكنة من حيث امكان اتساع الحجيَّة لها وأيُّ الافتراضات التي لا تكون ممكنة ، والبحث الإثباتي سوف يكون مقتصراً على خصوص الإفتراضات الممكنة في مقام الثبوت امَّا الافتراضات غير الممكنة فإنَّ عدم امكانها كاف في عدم صلاحيتها لأن تبحث في مقام الإثبات بعد أن كان المفترض فيها غير مؤهل لأن تثبت له الحجيَّه .
والإفتراضات المتصورة في مقام الثبوت خمسة :
الإفتراض الاول : هو شمول الحجيَّة للدليلين المتعارضين بحيث يكون المكلَّف مسئولا عنهما معاً وفي عرض واحد ولا يُعذر في مخالفة أيِّ واحد منهما .
وهذا الافتراض مستحيل غايته ، وذلك لاستحالة التصديق بالمتكاذبين فحينما يطلب منَّا المولى التصديق بكلا المتعارضين فإنَّه يطلب المستحيل .
ودعوى انَّ الحجيَّة لا تستوجب التصديق والإذعان بمؤدى الدليلين المجعول لهما الحجيَّة بل غاية ما تُوجبه الحجيَّة هو الجريان على طبق مؤدى الدليلين المتعارضين واين هذا من طلب المستحيل .
هذه الدعوى غير قادرة على إثبات امكان جعل الحجيَّه للدليلين المتعارضين ، إذ انَّ الجريان على طبق مؤدى الدليلين المتعارضين أيضاً مستحيل ، وذلك لأن الدليل الاول إذا كان مقتضياً للحرمة فإنَّ الجريان على وفقه يقتضي التجنُّب عن متعلّق الحرمة فإذا كان الدليل الآخر مقتضياً للإباحة فالرجريان على وفقه يقتضي السعة من جهة ترك متعلقه أو فعله فإذا التزم المكلَّف بالثاني فهذا يعني عدم الجريان على وفق مؤدى الدليل الاول ومع التزامه بالاول يكون قد ناقض الثاني والذي يقتضي السعة ، ويكون الأمر أوضح في حالات اقتضاءالدليلين لحكمين إلزاميين متنافيين كما لو كان الاول يقتضي الوجوب والثاني يقتضي الحرمة فإنَّه من المستحيل تنجُّز كلا الدليلين كما هو أوضح من ان يخفى . وبهذا اتضح سقوط الافتراض الاوّل .
الإفتراض الثاني : أن تكون الحجيَّة ثابتة للمتعارضين على نحو يكون الإلتزام بأحدهما موجباً لسقوط الحجيَّة عن الآخر ، فثبوت الحجيَّة لأحد الدليلين منوط بعدم الالتزام بمؤدى الدليل الآخر .
والاشكال على هذا الافتراض هو انَّ المكلَّف لو أهمل كلا الدليلين ولم يلتزم بهما معاً فإنَّ حجيَّة كل واحد منهما تكون فعلية لتنقح موضوعها ، إذ انَّ موضوع الحجيَّة ـ كما هو الفرض ـ للدليل الاول هو عدم الإلتزام بالثاني وهو غير ملتزم بالثاني ـ بحسب الفرض ـ وموضوع الحجيَّة للدليل الثاني منوط بعدم الإلتزام بالاول وهو غير ملتزم به أيضاً فيكون كلا الدليلين متوفِّر على شرط الحجيَّة فتتنجَّز حجيَّة المتكاذبين في عرض واحد وهذا يؤول الى الافتراض الاول . وبهذا يسقط الافتراض الثاني لإستحالته وعدم امكانه .
الإفتراض الثالث : أن تكون الحجيَّة ثابتة لأحد المتعارضين تعييناً بأن يختار المولى نفسه أحد الدليلين ويجعل له الحجيَّة ويسقطها عن الآخر ، وذلك لملاك يقتضي التعيين ، وهذا الإفتراض لا محذور فيه ثبوتاً .
الإفتراض الرابع : أن تكون الحجيَّة مجعولة لكلا الدليلين ولكن بنحو التخيير ، وهذا يقتضي أن لا يكون المكلَّف في سعة من جهة كلا الدليلين معاً بل هو ملزم بأحدهما غير المعيّن ، نعم متى ما التزم بأحدهما فإنَّ الآخر لا يكون منجَّزاً عليه ، فلو كان مؤدى أحد الدليلين هو الحرمة والآخر الإباحة فإنَّ المكلَّف في سعة من جهة اختيار أحدهما غير المعيَّن ، فمتى ما التزم بمؤدى الدليل الاول فإنه يكون مسئولا حينئذ عن امتثال مؤداه وهو الحرمة ومتى ما التزم بالآخر فإنَّه يكون في سعة من جهة مؤدى الدليل الاول ويكون الدليل الآخر صالحاً لتأمينه عن مخالفة الدليل الاول . وهكذا الكلام لو كان أحد الدليلين الوجوب والآخر الحرمة . وهذا الافتراض لا محذور فيه أيضاً ، إذ لا مانع عقلا في أن يجعل المولى الحجيَّة للدليلين المتعارضين بنحو التخيير .
الإفتراض الخامس : أن لا تكون الحجيَّة ثابتة للدليلين المتعارضين بمعنى انَّ المولى لم يجعل الحجيَّة للدليل الذي له معارض ، فكلُّ دليل وان كان واجداً لشرائط الحجيّة في نفسة إلاّ انَّه إذا كان مبتلياً بمعارض فهو غير مشمول لادلّة الحجيَّة . وهذا الافتراض ممكن ولا محذور فيه .
وأمَّا مقام الإثبات :
والبحث في هذا المقام عن أيِّ الإفتراضات التي تتناسب مع دليل الحجيَّة .
أمَّا الافتراض الاول والثاني : فلا مجال للبحث عنهما في مقام الإثبات ، وذلك لاستحالتهما في نفسيهما ، وإذا كان كذلك فهما غير مرادين من دليل الحجيَّة قطعاً فلا نحتاج لعرضهما على دليل الحجيَّة .
وأما الإفتراض الثالث : ـ وهو ثبوت الحجيّة لأحد المتعارضين تعييناً فإنَّ أدلّة الحجيَّة لا تساعد عليه ، وذلك لعدم وجود ما يقتضي ترجُّح أحد الدليلين على الآخر بعد أن كان كلاهما واجداً لشرائط الحجيَّة لولا التعارض ، فافتراض أحدهما المعين حجَّة دون الاخر بلا مبرِّر ، وهذا ما يوجب استظهار عدم إرادة هذا الإفتراض من دليل الحجيَّة .
وأمَّا الافتراض الرابع : ـ وهو ثبوت الحجيّة للمتعارضين بنحو التخيير  ـ فهو أيضاً مخالف لمقتضى الظهور في دليل الحجيّة ، إذ انَّ دليل الحجيّة يُثبت الحجيَّة للأدلّة بنحو التعيين بمعنى انَّ كلَّ دليل واجد لشرائط الحجيّة فهو حجَّة تعييناً ويكون المكلَّف مسئولا عن الجريان على طبقة لا المسئولية عنه أو عن غيره فإنَّ ذلك خلاف ماهو المستظهر من دليل الحجيَّة فلا مصحح لهذا الافتراض مالم يُبرز مدَّعي هذا الإفتراض قرينة في دليل الحجيَّة توجب استظهار هذا الافتراض ، وملاحظة أدلّة الحجيَّة يمنع من وجود هذه القرينة . وبهذا يسقط هذا الافتراض أيضاً .
وأمّا الافتراض الخامس : ـ وهو سقوط الحجيَّة عن كلا المتعارضين ـ فهو المتعيِّن ، إذ لا دليل على حجيَّة المتعارضين ، ومع عدم الدليل على الحجيَّة لا سبيل لإثباتها ، فلا أقل من الشك في الحجيَّة وهو مساوق للقطع بعدمها .
مقدار ما يسقط عن الحجيّة في حال التعارض :
بعد ان اتّضح انَّ القاعدة في حالات التعارض هي التساقط يقع البحث عن مقدار ما يسقط بالتعارض .
وبيان ذلك : انّ الدليلين المتعارضين على نحوين :
النحو الاول : أن لا يكون لهما مدلول التزامي أو أن المدلول الالتزامي لأحد المتعارضين مناف للمدلول الإلتزامي للدليل الآخر ، فهنا لا إشكال في انّ وجودهما كالعدم من جهة الحجيَّة .
مثلا لو كان مفاد الدليل الاول هو صحة بيع الغرر وكان مؤدى الدليل الثاني هو فساد بيع الغرر فهنا لا يكون للدليلين المتعارضين مدلول التزامي يتفقان على نفيه ، فهو وإن كان للدليل الاول مدلول التزامي إلاّ انَّه مناف للمدلول الالتزامي للدليل الآخر .
فالمدلول الإلتزامي لفساد بيع الغرر هو حرمة التصرُّف في الثمن المنتقل عن بيع الغرر وهذا بخلاف المدلول الإلتزامي لصحة بيع الغرر . ومن هنا قلنا انَّ هذا النحو من الادلّة المتعارضة يكون وجودها كالعدم من جهة الحجيّة .
النحو الثاني : أن يكون للدليلين المتعارضين مدلول التزامي يتفقان عليه .
ويمكن التمثيل لذلك بما لو كان مؤدى الدليل هو وجوب صلاة الجمعة ومؤدى الدليل الآخر هو حرمة صلاة الجمعة فإنهما وإن كانا بحسب المدلول المطابقي متنافيين إلاّ انّهما يشتركان في نفي الاستحباب مثلا عن صلاة الجمعة إذ أن لازم الحرمة هو عدم الاستحباب كما انَّ لازم الوجوب هو عدم الاستحباب لأن الأحكام متنافية فيما بينها فيستحيل اجتماع حكمين متغايرين على متعلّق واحد وهذا هو منشأ المدلول الإلتزامي فكل دليل يُثبت حكماً لموضوع فإنَّه ينفي الأحكام الأخرى عن ذلك الموضوع .
وهذا النحو من الادلّة المتعارضة هو محل البحث ، إذ يقع الكلام في انَّ سقوط الحجيَّة عن الدليلين المتعارضين هل هو خاص بمدلوليهما المطابقي حيث انّهما مركز التنافي أو انَّ السقوط عن الحجيَّة يشمل المدلول الالتزامي لكلا الدليلين رغم انَّ المدلول الإلتزامي لكلا الدليلين واحد .
ويتحدّد الجواب عن ذلك بنتيجة بحث تبعية الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقية في السقوط عن الحجيَّة والتي تقدم البحث عنها .
فإن كنَّا نبني على التبعية في السقوط فالمدلول الإلتزامي للدليلين المتعارضين ساقط عن الحجيّة تبعاً لسقوط المدلول المطابقي في كل من الدليلين المتعارضين .
وإن كنا نبني هناك على عدم التبعية في السقوط فإنَّه لا مانع من ثبوت الحجيّة للمدلول الالتزامي رغم سقوط المدلول المطابقي لكل من الدليلين .
 


قاعدة الترجيح للروايات الخاصة


ماذكرناه من انَّ القاعدة في حالات التعارض هي التساقط انّما هو في حالات عدم وجود دليل شرعي يقتضي ثبوت الحجيّة لأحّد الدليلين المتعارضين ، وامَّا مع وجود دليل على ثبوت الحجيَّة لأحد المتعارضين فإنَّه لا يصح التمسك بقاعدة التساقط ، وذلك لأن التساقط منشاؤه عدم شمول دليل الحجيَّة لكلا الدليلين المتعارضين فإذا ثبت انَّ الدليل الشرعي يجعل الحجيَّة لأحّد الدليلين الواجد لأحّد المرجّحات الموجبة للترجيح بمقتضى الدليل الشرعي فلا مبرِّر حينئذ للتمسُّك بقاعدة التساقط في ذلك المورد .
ومن هنا ذهب مشهور الفقهاء « رضوان الله عليهم » الى انَّ قاعدة التساقط لا تجري في حالات التعارض بين الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) ، وذلك لقيام الدليل الخاص على ثبوت الحجيَّة للخبر الواجد لبعض المرجّحات ، نعم إذا انتفت تمام المرجّحات المذكورة عن كلا الخبرين المتعارضين فإن الملجأ حينئذ هي قاعدة التساقط .
وقد ذكر المصنِّف (رحمه الله) من هذه الأدلّة ـ التي استدلّ بها على قاعدة الترجيح في الأخبار ـ معتبرة عبد الرحمن بن ابي عبد الله قال : قال الصادق (عليه السلام) « إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله ، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فردوه ، فإن لم تجدوهما في كتاب الله فاعرضوهما على أخبار العامَّة فما وافق أخبارهم فذروه وما خالف أخبارهم فخذوه »() .
وقد طرحت هذه الرواية الشريفة مرجحين رتبت بينهما في مقام الترجيح أي جعلت المرجح الثاني منوطاً بفقدان المرجح الاول . ومن هنا لا يُلجأ الى المرجح الثاني إذا ما كان المرجح الاول موجوداً كما لا يلجأ الى قاعدة التساقط إذا كان المرجح الثاني موجوداً .
وهنا لابدَّ من بيان المراد من المرجحين :
أمَّا المرجِّح الاول :
وهو تقديم الخبر الموافق لكتاب الله عز وجل على الخبر المخالف لكتاب الله تعالى ، وهو يستوجب بيان معنى الموافقة لكتاب الله تعالى ومعنى المخالفة للكتاب .
أمَّا المراد من الموافقة : فالذي ينسبق اليه الذهن بدواً من معنى الموافقة هو مطابقة مفاد الخبر لمفاد النص القرآني إلاّ انَّه مع الإلتفات الى انَّ القرآن الكريم لم يتصدَّ لبيان تفاصيل الأحكام وغاية ماهو موجود في القرآن الكريم هو مجموعة من العمومات والإطلاقات ، وهذا يقتضي ان تكون موارد الإستفادة من المرجح الاول محدودة جداً لو كان المراد من الموافقة هو مطابقة مفاد الخبر للنص القرآني ، وهذه المحدودية والندرة تبعّد استظهار هذا المعنى ، إذ مع الإلتفات الى أنَّ القرآن الكريم لم يتعرَّض إلاّ لبيان العمومات وانَّ الاخبار المتعارضة غالباً ما تكون متصديَّة لبيان تفاصيل الاحكام يحصل الاطمئنان بعدم إرادة المعنى المذكور ، وبهذا يتعيَّن أن يكون المراد من الموافقة هو عدم المخالفة لكتاب الله جلَّ وعلا .
وأمَّا المراد من المخالفة لكتاب الله جلّ وعلا :
فهي محتملة لمعنيين :
المعنى الاول : المخالفة لكتاب الله تعالى بنحو التباين بحيث لا يمكن الجمع العرفي بين مؤدى الخبر وبين النص القرآني ، كما لو كان مؤدى الخبر هو حليَّة شرب الخمر .
وهذا المعنى غير مراد حتماً ، إذ انَّ فرض الكلام هو واجديَّة الخبر لشرائط الحجيَّة لولا التعارض وتكون المخالفة لكتاب الله تعالى هي الوسيلة للتعرُّف على الخبر الحجة في حالات التعارض ومع افتراض كون المخالفة بمعنى التباين التام بين مؤدى الخبر ومؤدى النص القرآني لا يكون الخبر واجداً للحجيَّة من أول الأمر ، إذ انَّ شرط الحجيَّة للخبر هو عدم منافاته للنص القرآني ، فكلُّ خبر حتى ولو لم يكن له معارض إذا كان مخالفاً لكتاب الله عزّ وجلّ بهذا النحو من المخالفة يكون ساقطاً عن الحجيَّة فلا يكون مكافئاً للخبر الآخر حتى يتحقق التعارض .
المعنى الثاني : أن يكون المراد من المخالفة هي المخالفة التي يمكن معها الجمع العرفي كما لو كان النص القرآني عاماً وكان خبر الثقة خاصاً أو كان النص القرآني محكوماً أوموروداً وكان خبر الثقة حاكماً أو وارداً .
ومن الواضح انّه لولا التعارض بين الخبر المخالف بهذا النحو من المخالفة وبين الخبر الآخر لكان الخبر المخالف تام الحجية فيصلح لتقييد وتخصيص عمومات الكتاب ويصلح أن يكون قرينة على المراد الجدِّى من النص القرآني .
وهذا النحو من المخالفة هو الظاهر من الرواية الشريفة ، إذ هو الذي يتناسب مع صلاحيَّة هذا الخبر لأنْ يعارض ، فإذا كان معنى المخالفة لكتاب الله تعالى هي المخالفة بنحو الإطلاق والتقييد والقرينة مع ذي القرينة فهذا يقتضي انَّه في كل مورد تعارض فيه خبران فإنَّ المقدّم هو الخبر الذي لا يخالف كتاب الله بهذا النحو من المخالفة التي لو كان هذا الخبر غير مبتل بالمعارضة لكان واجداً للحجية وصالحاً لتقييد اطلاقات الكتاب وصالحاً لصرف ظهورات الكتاب الى النحو الذي يتناسب مع ظهوره .
والمتحصَّل ممَّا ذكرناه انَّ المرجح الاول هو مخالفة أحد الخبرين للكتاب فإنَّ ذلك يقتضي ترجيح الآخر . وأمّا الموافقة بمعنى التطابق التام بين مؤدى الخبر والنص القرآني فليس مرجحاً ، إذ ليست هي المقصود من الرواية الشريفة .
وأمَّا المرجِّح الثاني :
وهو الترجيح بما خالف أخبار العامَّة فهو يأتي في المرتبة الثانية من المرجِّح الأوَّل ، وهذا يقتضي عدم صحة التعويل عليه في حالات تواجد المرجِّح الاول .
وكيف كان فمفاد الرواية الشريفة هو أنَّ المرجح الثاني هو مخالفة أخبار العامة فمتى ما كان أحد الخبرين موافقاً لأخبارهم وكان الآخر مخالفاً لأخبارهم فإنَّ مقتضى مفاد الرواية الشريفة هو سقوط الخبر الموافق عن الحجيَّة ، ومنه ينقدح هذا الاستفهام وهو انَّ المرجح هل هو خصوص الموافق لأخبار العامة فلا يشمل الموافق لفتاواهم لو لم يكن مستندها أخبارهم أو انَّ المرجّح هو مطلق ما عليه العامَّه من آراء ومتبنيات ولو كانت مستندة الى غير الاخبار كالقياس والاستحسان .
والجواب : انَّ المرجَّح هو مطلق ما عليه العامة من آراء وفتاوى ، إذ أنَّ هذا هو مقتضى مناسبات الحكم والموضوع فإنَّه مع الإلتفات الى انَّ هذا المرجح ليس مرجحاً تعبدياً صرفاً بل هو مبتن على الظروف التي كانت تقتضي التقية الداعية لصدور بعض الأحكام على نحو لا تكون مرادة جداً وواقعاً بل انَّ الغرض منها التحاشي عن مخالفة العامة ومصادمتهم لما يترتّب عن مخالفتهم آنذاك من مضاعفات تعود بالضرر على أهل البيت  (عليهم السلام) وشيعتهم « أعزهم الله تعالى » وإذا كان هذا هو المبرِّر لهذا المرجح الجهتي فمن الواضح انَّه لا يختلف الحال فيه بين الموافقة للأخبار أو للفتاوى الغير المستندة الى الأخبار وهذا ما يستوجب استظهار المثالية لعنوان أخبار العامة في الرواية الشريفة ، ويمكن تأييد ماذكرناه بما رُوي عن أبي عبد الله (عليه السلام) انَّه قال : « أتدري لِمَ اُمرتم بالأخذ بخلاف ما تقول العامَّة ؟ فقلت : لا أدري ، فقال : انَّ علياً (عليه السلام) لم يكن يدين الله بدين إلاّ خالفت عليه الامَّة الى غيره ، وكانوا يسألون أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الشيء الذي لا يعلمونه فإذا أفتاهم ، جعلوا له ضداً من عندهم ليلبسوا على الناس »() .
 


قاعدة التخيير للروايات الخاصة


كنا قد خرجنا عن قاعدة التساقط في خصوص الروايات المتعارضة ، وذلك لوجود الدليل الخاص على تقديم الخبر المشتمل على بعض المرجحات المنصوصة وقلنا انَّه في حالات عدم وجود المرجّح لأحد الخبرين المتعارضين فإنَّ المرجح حينئذ هو قاعدة التساقط إلاّ انَّه قد يُدعى انَّ قاعدة التساقط لا تجري مطلقاً في الأخبار المتعارضة حتى في حالات فقد المرجحات المنصوصة ، وذلك لوجود أدلّة خاصة تدلُّ على انَّ الوظيفة في حالات فقد المرجّح المنصوص هو التخيير أي انّ المكلَّف في سعة من جهة اختيار أحد الخبرين المتعارضين ، فتكون هذه الروايات الخاصة قد كشفت عن جعل الشارع الحجيَّة للأخبار المتعارضة ، ولكن بنحو تكون هذه الحجيّة مجعولة للخبرين المتعارضين على نحو التخيير بنفس التقريب الذي ذكرناه في الإفتراض الرابع ، فنحن وإن قلنا هناك انَّ أدلّة الحجيَّة قاصرة عن إثبات الإفتراض الرابع إلاّ انَّه كنَّا نقصد من ذلك قصور أدلّة الحجيَّة العامة فإذا كان هناك دليل يثبت جعل الحجيّة التخييريَّة في حالات التعارض بين الخبرين فلا مانع من الإلتزام به بعد إمكانه ثبوتاً كما اتضح مما تقدم .
وكيف كان فلابدَّ من ملاحظة هذه الادلة الخاصة لنرى انَّها صالحة لإثبات هذه الدعوى وانَّ المرجع في حالات التعارض بين الاخبار وعدم وجود المرجح هو التخيير وليس هو قاعدة التساقط أو انَّ هذه الاخبار الخاصة لا تنهض لإثبات هذه الدعوى .
وعمدة هذه الأدلّة هي معتبرة سماعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال : سألته عن الرجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه أحدهما يأمر بأخذه والآخر ينهاه عنه كيف يصنع ؟ فقال (عليه السلام) « يُرجئه حتى يلقى من يُخبره فهو في سعة حتى يلقاه »() .
وتقريب الإستدلال :
هو انَّ الإمام (عليه السلام) قد جعل المكلَّف في سعة من جهة الخبرين المتعارضين وهذا يساوق معنى التخيير ، إذ لو كان الخبران ساقطين عن الحجيّة لما كان المكلَّف في سعة من جهة الأخذ بأي الخبرين بل يلزمه عدم التعويل عليهما والرجوع في ذلك الى ماتقتضيه الأدلّة العامَّة أو الرجوع الى الاصول العمليّة التي قد تقتضي التنجيز في بعض الحالات وهو ما ينافي السعة ، فلا محيص عن فهم التخيير من هذه الرواية الشريفة . وبهذا يثبت المطلوب .
والإشكال على تقريب الإستدلال :
هو انَّ هذا الفهم غير متعيّن من الرواية ، إذ من المحتمل قوياً أن يكون المراد من السعة في الرواية هو السعة من حيث لزوم الفحص عمَّا هو الواقع والذي يستوجب مؤنة زائدة وهي تحرّي وجود الإمام (عليه السلام) والسفر اليه لغرض سؤاله عن الواقع ، فهو في سعة من هذه المؤنة ، نعم لو اتفق ان التقى بالامام (عليه السلام) فإنه ملزم بسؤاله عن الواقع . ويبقى الكلام عن الوظيفة المتوجّهة للمكلَّف في مثل هذه الحالة وهذه الجهة لم تتصدَّ الرواية لبيانها فيكون المرجع حينئذ ـ وبمقتضى الإطلاق المقامي ـ هو البناء على الضوابط العامة أي الجريان على وفقها وكأنَّه لم يرد عليه هذان الخبر ان المتعارضان ، فإن كان هناك عمومات أو اطلاقات فهي المرجع وإلاّ فالمرجع هو الاصول العملية بحسب ترتبها في الحجية .
وأمَّا كيف يكون ذلك هو مقتضى الإطلاق المقامي فلأنَّ الإمام (عليه السلام)لمَّا كان في مقام البيان من جهة تحديد الوظيفة المتوجهة للمكلَّف في الحالة المفترضة فكلُّ شيء من المحتمل أن يكون المكلَّف مسئولا عنه ومع ذلك لم يذكره الإمام (عليه السلام) فهو يكشف عن عدم مسئوليّة المكلَّف عن ذلك الشيء .
وبعبارة اخرى : قد ذكرنا انَّ الإطلاق المقامي ينشأ عن استظهار انَّ المولى في مقام تعداد موضوعات الحكم المذكور في كلامه فلو كان في مقام بيان أجزاء المركب الواجب ولم يذكر أحد الأجزاء التي من المحتمل جزئيتها للمركب فهذا يكشف عن عدم كونها جزء لذلك المركب ، أو كان المولى مثلا في مقام تعداد مفطرات الصائم فإنَّ الذي لم يذكره لا يكون من المفطرات بمقتضى الإطلااق المقامي .
والمقام من هذا القبيل ، إذ انَّ الإمام في مقام بيان الوظيفة تجاه حالة التعارض بين الخبرين فإذا جعل السعة من جهة الخبرين فحسب ولم يذكر أنَّ المكلَّف في سعة أيضاً من جهة العمومات والإطلاق الخارجة عن أطراف المعارضة وكذلك لم يذكر انَّ المكلَّف في سعة من جهة الاصول العمليّة فعدم ذكره كاشف عن عدم شمول السعة للعمومات والاصول العمليّة .
والمتحصَّل انَّ من المحتمل قويّاً أن يكون المراد من السعة في الرواية الشريفة هو السعة من حيث لزوم الفحص المستوجب للمؤنة الزائدة ، وإذا كان كذلك فالرواية مجملة فلا يمكن استظهار المعنى الاول منها .
وبهذا لا تكون صالحة للإستدلال بها على جعل الحجيَّة بنحو التخيير للخبرين المتعارضين .



التعارض بين الاصول العمليّة


وكيفية تصوير التعارض في الاصول العمليَّة هو ان يفترض عروض أصلين عمليين على موضوع واحد يكون أحدهما مقتضياً لثبوت المنجزيَّة ويكون الآخر مقتضياً لنفيها أو يكون أحدهما مقتضياً لأثر شرعي ويكون مقتضى الاخر أثراً شرعياً منافياً للأثر الشرعي الاول كما في حالات استصحاب مجهولي التاريخ .
وحالات التعارض المستحكمة تجري فيها قاعدة التساقط ، وقد لا يكون التعارض بين الاصول مستحكماً ، كالتعارض البدوي الواقع بين أصالة الإحتياط العقلي وبين أصالة البراءة الشرعيّة فالتعارض في هذا المورد غير مستقر ، وذلك لأن العلاقة بينهما علاقة الوارد والمورود فأصالة البراءة واردة على أصالة الإحتياط العقلي .
وتقريب ذلك : انَّ أصالة البراءة الشرعيّة تنفي موضوع أصالة الإحتياط العقلي حقيقيّة ، وذلك لأنَّ موضوع أصالة الإحتياط العقلي هو احتمال التكليف مع عدم الترخيص الشرعي . وأصالة البراءة الشرعيّة تنفي عدم الترخيص ، إذ انَّها ترخيص في الترك حقيقة غايته انَّ الترخيص تمّ بواسطة التعبُّد الشرعي وهذا هو معنى الورود كما بينا ذلك .
وقد لا تكون العلاقة بين الاصلين علاقة الوارد والمورود كما في حالات التعارض البدوي بين البراءة والإستصحاب ، ومثاله مالو كان المكلَّف يعلم بحرمة العصير العنبي ثمّ انَّه لمَّا ذهب ثلثاه بواسطة الشمس شك في بقاء الحرمة فإنَّ مقتضى أصالة الإستصحاب هو الحرمة ومقتضى أصالة البراءة هو عدم الحرمة .
وهنا ذهب مشهور الفقهاء « رضوان الله عليهم » إلى انَّ المقدم في مثل هذه الحالات هو أصالة الإستصحاب واستدلوا على ذلك بدليلين :
الدليل الأوّل : هو حكومة أصالة الاستصحاب على أصالة البراءة ، وذلك لأنَّ دليل الاستصحاب ناظر الى دليل البراءة وناف لموضوعها تعبداً وتنزيلا ، إذ أنَّ موضوع أصالة البراءة هو عدم العلم بالحرمة وأصالة الاستصحاب قد نزَّلت مشكوك الحرمة المعلومة سابقاً منزلة اليقين ببقائها وهذا اللسان قرينة على النظر ـ كما بيَّنا ذلك ـ وبالتالي يكون أصل الإستصحاب حاكماً على أصالة البراءة لأنَّه ينفي موضوعها تنزيلا ويعتبر الشك في الحرمة المسبوقة بالعلم علماً فكأنَّ الإستصحاب يلغي موضوع البراءة وهو الشك ويجعله علماً عملا وفي مقابل ذلك لانجد انَّ دليل أصالة البراءة يعتبر عدم العلم بالحرمة علماً بعدم الحرمة بل انَّ غاية ما يثبته دليل البراءة هو انَّه متى ما تحقّق الشك فإنَّ المكلَّف في سعة من جهة التكليف المشكوك ، ومن هنا لا يكون لدليل البراءة نظر لأيّ دليل آخر .
وممّا ذكرناه يتّضح انَّ كل مورد يكون مجرىً للأصلين فإنَّ أصالة الإستصحاب تكون متقدّمة باعتبار حاكميتها على أصالة البراءة .
الدليل الثاني : أظهرية دليل الإستصحاب على دليل البراءة فيقدم دليليه على دليل البراءة لقاعدة تقديم الأظهر على الظاهر والتي منشاؤها قرينية الأظهرية على المراد الجدِّي من الظاهر .
وتقريب ذلك : هو انَّ بعض أدلّة الإستصحاب نهت عن نقض اليقين بالشك بنحو التأبيد كما في معتبرة زرارة « ولا ينقض اليقين أبداً بالشك » وهذا ما يجعل دليل الإستصحاب أوضح في الشمول لموارده من دليل البراءة والتي اتضح انَّ دليلها على الشمول لمواردها هو الإطلاق .
ومن الموارد التي يكون فيها أحد الاصلين مقدَّماً على الآخر هو موارد الإستصحاب السببي والإستصحاب المسببي ، وقد بينا في بحث الاستصحاب منشأ تقدم الإستصحاب السببي على المسببي وقلنا انَّ منشأ ذلك هو حاكمية الاصل السببي على المسببي .
 


التعارض بين الادلّة المحرزة
والأصول العمليّة



والكلام تارة يقع عن حالات التعارض بين الأدلّة المحرزة القطعيّة مع الاُصول العمليّة ، وتارة عن حالات التعارض بين الأدلّة المحرزة الظنيَّة المعتبرة مع الاصول العمليّة .
أمّا حالات التعارض بين الادلة القطعية والاصول العمليّة :
فلم يقع الإشكال في تقدّم الأدلّة المحرزة القطعيَّة على الاصول العمليَّة في موارد اتحادهما في الموضوع واختلافهما في النتيجة ، كما لو كان مؤدى الدليل القطعي الحرمة ومؤدى الأصل العملي عدم الحرمة .
ومنشأ تقدم الأدلّة المحرزة القطعيّة على الاصول هو أنَّ الأدلّة المحرزة واردة على أدلّة الأصول ونافية لموضوعها حقيقة ، حيث انَّ موضوع الاصل العملي هو الشك في الحكم الواقعي فعندما يكون هناك دليل قطعي فإنَّ موضوع الأصل ينتفي إذ لا شك في حالات قيام الدليل القطعي فمع عدم الشك يكون موضوع الاصل العملي منتفياً حقيقة وواقعاً وهذا هو معنى الورود .
مثلا : لو كنَّا نشك في حرمة الميتة فإنَّ دليل البراءة الشرعية يقتضي عدم الحرمة . ثم لو نصَّ القرآن الكريم على حرمة الميتة ـ كما هو كذلك ـ ]  حُرّمت عليكم الميتة [() فإنَّ الآية الشريفة وبمقتضى نصوصيتها تكون واردة على دليل البراءة أي انَّها تنفي موضوع الحكم في دليل البراءة وهذا النفي يكون حقيقياً ، وذلك لأنَّ موضوع البراءة هو الشك في الحرمة ومع نص القرآن الكريم على الحرمة ينتفي الشك في الحرمة ويكون النص القرآني موجباً للعلم بالحرمة ، فموضوع البراءة قد انتفى حقيقة بواسطة الدليل الوارد .
وأمَّا حالات التعارض بين الامارات المعتبرة والاصول :
فإنَّ الذي عليه العمل عندهم هو تقديم الامارات على الاصول العملية ، فلو كان مؤدى خبر الثقة مثلا هو الحرمة ومقتضى البراءة الشرعية هو عدم الحرمة فإنَّ المقدم هو خبر الثقة رغم اتحاد موضوعهما والذي هو الشك في الحكم الواقعي . وهذا كما قلنا ليس محلا للإشكال عملا وانَّما وقع البحث عن التخريج الصناعي لهذا التقديم . وهنا ذُكرت مجموعة من المحاولات ذكر المصنِّف (رحمه الله) منها محاولتين :
المحاولة الاولى : هي دعوى ورود أدلّة الأمارات على أدلّة الاصول العمليَّة ، وقد يبدو بالنظرة الاولى فساد هذه الدعوى ، وذلك لأنَّ قوام الورود هو نفي الدليل الوارد لموضوع الحكم في الدليل المورود حقيقة وهذا غير حاصل في المقام لأنَّ موضوع الاصل العملي هو عدم العلم وحين قيام الامارة لا ينتفي موضوع الاصل ، إذ انَّ الامارة لا تنتج العلم بل غاية ما تنتجه هو الظن فيظلُّ موضوع البراءة منحفظاً في موارد قيام الأمارات .
مثلا لو وقع الشك في حرمة شرب المائع المتنجّس فإنَّ مقتضى أصل البراءة الشرعية هو عدم الحرمة وذلك لأنَّ موضوعها عدم العلم وفرض المثال انَّ المكلَّف غير عالم بالحرمة ، فلو أخبر الثقة بعد ذلك عن ثبوت الحرمة شرعاً للمائع المتنجس فإنَّ هذا الخبر لا يُلغي موضوع أصل البراءة والذي هو عدم العلم ، إذ يبقى المكلَّف غير عالم بثبوت الحرمة شرعاً ، وهذا يعني انَّ الأمارة لا تنفي موضوع الأصل حقيقة ، إذ انَّ انتفاء موضوع الاصل لا يكون إلاّ في حالة إيجاب الامارة للعلم وهذا ما لا يسع الامارة تحقيقه ، وإذا كان كذلك فلا تصلح ان تكون واردة على الأصل العملي لعدم نفيها الحقيقي لموضوع الاصل .
إلاّ انَّ أصحاب هذه المحاولة اتخذوا طريقاً آخر لإثبات دعوى الورود ، وحاصله :
إنكار أن يكون موضوع الأصل هو عدم العلم الحقيقي والذي نقيضه القطع والإنكشاف التام ، وقالوا انَّ موضوع الاصل العملي هو عدم الحجّة ، فمجرى الأصل العملي انّما يكون في موارد عدم قيام الحجَّة ، ومن الواضح انَّه بناء على هذه الدعوى تكون أدلّة الأمارات واردة على أدلة الاصول ، وذلك لأنَّ أدلّة الحجيَّة قد أثبتت الحجيَّة للامارات وحينئذ تكون الامارة حجَّة حقيقة وبقيامها في مورد من الموارد ينتفي موضوع الاصل العملي حقيقة ، وذلك لأنَّ موضوع الأصل هو عدم الحجَّة وأدلّة الحجيّة للأمارة تُثبت فرداً حقيقياً للحجة فعندما تكون الأمارة دالة على حكم فهذا يعني قيام الحجة على ذلك الحكم وقيام الحجة ينفي عدم الحجة حقيقة ، غايته انَّ ثبوت الحجيَّة للأمارة انَّما تم بواسطة التعبُّد الشرعي .
فقيام الامارة على حرمة شرب السائل المتنجس معناه نفي عدم الحجة عن حرمة شرب السائل المتنجّس . وعندما ينتفي عدم الحجّة والذي هو موضوع البراءة لا تكون البراءة جارية .
وبهذا تمَّ إثبات ورود الامارات على الاصل العملي وثبت بذلك المبرِّر للتقديم .
المحاولة الثانية : وهي دعوى حكومة أدلّة الأمارات على أدلّة الاصول العمليَّة ، وذلك مع التحفظ على أنَّ موضوع الاصل العملي هو عدم العلم والذي نقيضه القطع والإنكشاف التام ، فموضوع الاصل بناء على هذا ليس عدم الحجَّة حتى تكون الأمارات واردة بل هو عدم العلم ، ومع ذلك تُقدم الأمارات والتي لا تفيد العلم الحقيقي على الأصل العملي ، وذلك لحكومة أدلّة الامارات على أدلّة الاصول العمليّة .
وبيان ذلك : انَّ أدلّة الامارات قد نزَّلت الامارات منزلة العلم أو قل بتعبير أدق انَّ المجعول في الامارات هو العلميَّة ، فالامارة علم تعبُّداً ، فهي وان كانت لا تفيد العلم واقعاً إلاّ انَّ الشارع قد وسَّع من دائرة العلم وجعل الامارة فرداً من أفرادها على سبيل المجاز العقلي السكاكي ، وإذا كان كذلك ففي كل مورد تقوم الامارة على شيء فهذا يعني قيام العلم التعبدي ، ولمَّا كان موضوع الاصل هو عدم العلم فإنَّ الامارة تنفي موضوع الاصل تعبداً إذ انَّها تحقّق العلم فموضوع الاصل كما ينتفي في حالات العلم الحقيقي ينتفي كذلك في حالات العلم التعبدي ببركة التنزيل الثابت بأدلة الحجيّة للأمارة ، وهذا هو معنى حكومة أدلّة البراءة على أدلّة الاصول ، حيث انّ الحكومة تعني النظر في الدليل المحكوم لغرض شرحه وتفسيره ، فأدلّة الاصول العمليّة « المحكومة » جعلت البراءة مثلا في حالات عدم العلم وجاءت أدلّة الامارات « الحاكمة » وشرحت المراد من موضوع البراءة الوارد في دليلها وأفادت أنّ المراد من عدم العلم هو عدم العلم الأعم من الحقيقي والتعبُّدي .
وحنيئذ فقيام الامارة ينفي موضوع الاصل إذ انَّ موضوع الأصل هو عدم العلم والأمارة علم ، وهذا هو منشأ دعوى قيام الامارات مقام القطع الموضوعي عند أصحاب هذه المحاولة .
وتطبيق ذلك على المورد هو انَّ الأصل العملي اُخذ في موضوعه عدم العلم وهذا يعني انَّ العلم جزء في موضوع الاصل فيكون الاصل العملي منوطاً بالقطع الموضوعي ، إذ كل حكم اُخذ في موضوعه القطع والعلم أو عدم العلم يكون حكماً معلَّقاً على القطع الموضوعي . وإذا كان كذلك فالحكم وهو البراءة مثلا لا تتحقّق إلاّ مع انتفاء العلم ولا تنتفي إلاّ في حالات العلم والقطع بالحكم ، فحينما يقطع المكلَّف بالحكم الشرعي تكون البراءة منتفية في مورده بلا ريب ، لأنَّه لمَّا كان موضوع البراءة عدم العلم فالحكم بالبراءة يكون منتفياً عند العلم .
وعندما لا يكون المكلَّف عالماً بالحكم ـ حتى وان كان يظن به ـ فإنَّ البراءة تجري في حقه وذلك لأنَّ القطع قد اُخذ عدمه موضوعاً في جريان البراءة وهذا متحقّق في حالات الظن بالحكم ، ومن هنا تجري البراءة في موارد الظن بالحكم إلاّ انَّه لما كانت الامارات علماً تعبداً بمقتضى دليل حجيتها فإنها تقوم مقام العلم وحينئذ يكون تحققها موجباً لإنتفاء موضوع البراءة .
وحتى يتضح المطلب أكثر نُنظِّر لهذا المورد بهذا المثال : لو قال المولى المرأة التي لا تعلم بكونها ذات بعل يجوز الزواج منها فالعلم في المثال قطع موضوعي وذلك لأنَّ عدمه اُخذ في موضوع الجواز ، وعليه يجوز للمكلَّف الزواج من كلّ امرأة لا يعلم بكونها ذات بعل ، والذي ينفي الحكم بالجواز
هو العلم بكون المرأة ذات بعل وذلك لانتفاء موضوعه ، ولا شيء يُوجب انتفاء الحكم بالجواز إلاّ هذه الحالة أي حالة العلم بكون المرأة ذات بعل .
ومن هنا لو قامت البينة على انَّ هذه المرأة ذات بعل فإنَّ ذلك لا يمنع من جواز الزواج منها ـ لو كنَّا نبني على انَّ البينة ليست علماً ـ إلاّ انَّه لمَّا كانت أدلّة الحجيَّة للبينة قد جعلت البينة علماً فهذا يعني صلاحية البينة لنفي موضوع الجواز حيث انَّ موضوعه عدم العلم والأمارة علم ، وهذا هو معنى قيام الامارات مقام القطع الموضوعي أي انَّ الدور الذي يقوم به القطع الموضوعي في تنقيح موضوع الحكم تقوم به الامارات باعتبار انَّ دليل الحجيَّة قد أهَّلها لهذا الدور .
وباتضاح هذا المثال يتَّضح كيفيّة قيام الامارات مقام القطع الموضوعي في نفي موضوع أصالة البراءة ، إذ انَّ الذي ينفي موضوع البراءة هو العلم والامارة علم تعبداً وتنزيلا .
اللَّهم صلِّ على محمِّد عبدِك ورسولِك وصلِّ على العبدِ الصالح والسيّد الأكبر عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام) وصلِّ على آل محمّد الأبرار الأخيار الَّذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، والحمد لله ربّ العالمين .

قد تمّ الشروع ـ بتوفيق الله تعالى ـ في تأليف هذا الكتاب ليلة الجمعة في الثالث من ربيع الاول سنة 1420 هـ ، وقد تمَّ بحمد الله ومنِّه الفراغ منه في ليلة الجمعة الموافق للسادس والعشرين من جمادى الثانية سنة 1420 هجرية على مهاجرها ألف سلام وتحيّة .
 

 عودة لمقدمة الكتاب    

عودة للصفحة الرئيسية