عودة للصفحة الرئيسية

 


شـــرح الأصـــول

الفهرس

 

           العودة لمقدمة الكـتـــاب ...1 

 


 

 


قاعدة منجِّزية العلم الإجمالي




ذكرنا في مباحث القطع انَّ المراد من العلم الإجمالي هو العلم بالجامع مع الشك في إنطباق الجامع على أحد أطرافه .
فالعلم الإجمالي مشتمل على حيثيّتين :
الحيثيّة الاولى : هي العلم بالجامع بين الاطراف .
الحيثيّة الثانية : هي الشك في أنَّ أيِّ الاطراف هي مُنطَبق الجامع .
والمراد من الجامع هو الكلِّي المعلوم القابل للإنطباق على كلِّ واحد من أطرافه .
وأمَّا المراد من أطراف الجامع فهي الافراد التي لو لوحظ كلّ واحد منها على حدة لكان من المحتمل إنطباق الجامع عليه ، أمَّا لو لوحظت بنحو المجموع لكان من الممكن إحراز عدم كونها جميعاً منطبقاً للجامع ، وذلك لو كنَّا نُحرز أنَّ المعلوم بالإجمال أقل من أطراف العلم الإجمالي .
وهناك واقع متقرِّر في نفسه ومتشخِّص في حدِّ ذاته إلاّ انَّه مشكوك عند المكلَّف أي انَّ المكلَّف يجهل موضع استقراره وهل هو الطرف الاول أو الثاني أو الثالث وهكذا ، وهذا هو المعبَّر عنه بالمعلوم بالإجمال ، وهو غير الجامع ، إذ انَّ الجامع معلوم تفصيلا .
فالمعلوم بالإجمال هو متعلَّق الجامع ، أمَّا انَّه معلوم فلانَّنا نقطع بوجوده ، وأمَّا انه معلوم بالاجمال فلانَّنا نجهل موضع استقراره ، فجهة الغموض في المعلوم بالاجمال هي مشخصاته الثابتة في نفس الأمر والواقع والمجهولة عند المكلَّف .
ولأجل أن يتضح ما ذكرناه نطبقه على هذا المثال :
لو قطعنا بوقوع نجاسة في أحد الاواني الثلاثة ، فالجامع الصالح للإنطباق على تمام هذه الاطراف الثلاثة هو عنوان « أحد الاواني الثلاثة » ، وهذا الجامع معلوم تفصيلا ، وذلك لأنَّ العلم بالجامع يعني العلم بوجود الكلِّي الطبيعي والذي يتحقّق بوجود أحد أفراده ، فإذا علمنا بوجود فرد للكلِّي فهذا يعني العلم بوجود الكلِّي ، وفرض الكلام اننا نعلم بوجود فرد للكلِّي ، غايته انَّ الفرد غير متشخِّص إلا انَّ ذلك لا يُوجب غموضاً من ناحية وجود الكلِّي ، مثلا لو كنَّا نعلم بوجود فرد من الإنسان فإنَّ هذا يساوقُ العلم بوجود كلِّي الإنسان ، ولذلك نستطيع أن نقول اننا عالمون بوجود الإنسان في الخارج ، غايته اننا نشك في هوية ذلك الفرد إلا انَّه غير الشك في الكلِّي كما هو أوضح من أن يخفى .
وأمَّا أطراف الجامع فهي الاواني الثلاثة التي نحتمل انطباق الجامع على كلِ واحد منها .
وأمَّا المعلوم بالإجمال فهو الإناء الذي وقعت فيه النجاسة واقعاً فهو متقرِّر ومتشخص في نفس الأمر والواقع ، إذ انَّ الشيء مالم يتشخص لا يُوجد ، غايته انَّنا نجهل بمشخصاته ، وهذا ما سبَّب اتِّصافه بالإجمال ، فالإجمال من ناحيتها لا من ناحيته .
ومع اتِّضاح المراد من العلم الإجمالي يقع الكلام عن أيِّ الاصول الجارية في مورده ، فنقول :
إنَّ البحث الذي فرغنا عنه هو البحث عن مجرى الاصل في موارد الشك البدوي ، وقد انتهينا الى جريان البراءة الشرعية في مورده ، ويقع الكلام في المقام عمَّا هو الاصل الجاري في موارد الشك المقرون بالعلم الإجمالي أي ماهي الوظيفة العملية تجاه أطراف العلم الإجمالي ، والبحث يقع في جهتين :
الجهة الاولى : فيما هو مقتضى الحكم العقلي .
الجهة الثانية : ما تقتضيه الاصول العملية الشرعية .
 


الجهة الاولى :

منجزية العلم الإجمالي عقلا :

والبحث في هذه الجهة عن حدود منجِّزية العلم الإجمالي بعد الفراغ عن منجِّزيّته للجامع لكونه معلوماً أي لأنَّه متعلَّق العلم الإجمالي ، والعلم حجَّة بذاته فينجِّز معلومه بلا ريب .
انَّما الكلام في حدود هذا التنجيز وهنا ثلاثة احتمالات ثبوتية :
الإحتمال الاول :
انَّ المنجَّز بالعلم الاجمالي هو الواقع بمعنى انَّ الجامع المعلوم لمَّا كان له منطبق واقعاً وفي نفس الأمر ـ وهو متعلَّق الجامع واقعاً ـ فيكون هو المنجَّز بالعلم .
وبعبارة اخرى : انَّ العلم يعني الصورة الذهنيَّه الحاضرة بنفسها في الذهن ، وهذه الصورة الذهنية تحكي عن متعلَّقها وهو المعلوم . ولو تأمَّلنا في موارد العلم الإجمالي لرأينا انَّ الصورة الذهنيَّه تحكي عن الواقع الشخصي لمعلومها ومتعلقَّها ، وذلك لأنَّه متى ما تعلَّق العلم بالواقع الخارجي فإنَّ العلم ـ وهو الصورة الذهنيَّة ـ تكون مسانخة لمعلومها ، ولمَّا كان معلومها متشخصاً في نفس الأمر والواقع باعتبار العلم بالوجود الخارجي ـ والشيء مالم يتشخص لا يوجد ـ فهذا يقتضي انَّ المعلوم الخارجي والذي نحرز وجوده متشخص في نفسه ، ولهذا وبمقتضى التسانخ بين العلم والمعلوم تكون الصورة الذهنيّة ـ الحاكية عن معلومها ـ في موارد العلم الإجمالي شخصية تبعاً لشخصية متعلقها ومعلومها .
فمتعلَّق العلم الإجمالي إذن هو الواقع المتشخّص في نفسه والمتميِّز في واقعه ، فإذا كان العلم الاجمالي هو نجاسة أحد الإنائين فمتعلَّق هذا العلم هو الإناء الذي وقعت فيه النجاسة واقعاً ، فلو كان هو الإناء الاول فمتعلَّق العلم هو الإناء الاول ، فهذا عين مالو كنَّا نعلم علماً تفصيلياً بوجود زيد فمتعلَّق العلم هو وجود زيد ، غايته انَّه في موارد العلم الإجمالي تكون في الصورة الذهنيَّة الحاكية عن متعلَّقها ضبابيَّة وهذه الضبابيَّة هي التي جعلت من العلم إجماليّاً بمعنى انَّ واقع متعلَّق العلم ليس فيه تشويش بل هو متعيِّن ، والعالم إجمالا يعرف ذلك إلا انَّ الصورة الذهنية في موارد العلم الإجمالي تكون حكايتها وكاشفيتها عن المعلوم المحدد واقعاً مشوشة وليست صافية .
ويمكن تنظير ذلك بالمرآة المتكدرة ، فإنَّ الصورة المنطبعة في المرآة ليست هي الجامع بحدِّه الوسيع بل هي منطبق الجامع ، وهي الذات المتشخّصة في نفسها الواقفة أمام المرآة ، غايته انَّ المرآة لمّا كانت متكدّرة فإنَّها لا تكشف عن تمام معالم الذات الواقفة أمام المرآة ، نعم المُنكشف بواسطة المرآة هو رجلٌ مثلا .
وباتِّضاح معنى انَّ متعلَّق العلم لاجمالي هو الواقع يتَّضح منشأ دعوى انَّ المنجَّز بالعلم الاجمالي هو الواقع ، إذ انَّ العلم انَّما ينجِّز معلومه باعتبار كشفه عنه ولا مُنكشَف في موارد العلم الإجمالي إلا ذلك الفرد المتعيِّن في حدِّ ذاته والذي هو الإناء الاول في مثالنا ، إذ هو الإناء الذي عرضته النجاسة واقعاً ، فهو المنجَّر بالعلم الإجمالي إذن ، إلا انَّه باعتبار عدم تشخص ذلك الواقع للمكلَّف يحكم العقل بلزوم الإتيان بتمام أطراف العلم الإجمالي ليحرز بذلك امتثال الواقع ، فيكون الإتيان بسائر الاطراف مقدمة علميَّة لإحراز الخروج عن عهدة الواقع المتنجِّز بالعلم الاجمالي.
فلو كان للمكلَّف علم إجمالي بوجوب قضاء أحد صلاتين إمَّا الظهر وامَّا المغرب فإنَّه ـ بناءً على هذا الإحتمال ـ يكون ملزماً بالاتيان بكلا الصلاتين ، وذلك لإحراز امتثال الواقع المتنجِّز .
وبعبارة اخرى : يكون ملزماً بالموافقة القطعيَّة والتي هي عبارة عن الاتيان بتمام أطراف العلم الإجمالي ، وذلك يوجب القطع بالخروج عن عهدة التكليف الواقعي المتنجِّز .
الإحتمال الثاني :
انَّ المنجَّز بالعلم الاجمالي هو كلُّ الاطراف الواقعة في دائرة العلم الاجمالي ، وذلك لأن متعلَّق العلم الإجمالي هو الجامع ، ولمَّا كانت نسبة الجامع الى كلِّ واحد من أطرافه على حدِّ النسبة بينه وبين الطرف الآخر ، فهذا يقتضي ان يكون العلم بالجامع منجِّزاً لتمام الاطراف .
وقد تقول انَّ واقع الجامع هو أحد الأطراف لا كلُّ الاطراف فلماذا تكون تمام الاطراف منجزة .
قلنا انَّ ذلك لا يُبرِّر انطباق الجامع على الطرف الواقعي بعد ان كانت نسبته الى بقية الاطراف كنسبته الى الطرف الواقعي .
وبعبارة اخرى : ان العلم يُنجِّز معلومه ، والطرف الواقعي ليس معلوماً بنفسه وانَّما المعلوم هو الجامع ، ولمَّا كانت نسبته الى أطرافه واحدة فهذا يقتضي تنجُّز الجميع بذلك .
وبهذا تكون الموافقة القطعية ـ بناءً على هذا الاحتمال ـ واجبة بنفسها لا باعتبارها مقدمة علمية لإحراز الامتثال بل لأنَّ المعلوم هو الجامع فيكون متنجِّزاً وهذا التنجُّز يسرى الى تمام أطرافه .
الإحتمال الثالث :
انَّ المتنجِّز بالعلم الإجمالي هو الجامع ولكن يكون التنجيز بمستوى ذلك الجامع ، فلو كان الجامع هو أحد الطرفين فإنَّ المتنجِّز هو أحدهما فحسب ، وإن كان الجامع هو ثلاثة من مجموع الأطراف العشرة فإن المتنجِّز هو ثلاثة لا بعينها .
مثلا لو كان العلم الإجمالي هو نجاسة أحد الإنائين لكان الواجب اجتناب واحد من الإنائين لا بعينه ، ولو كان العلم الاجمالي هو نجاسة ثلاثة من الاواني العشرة فالجامع هو الثلاثة من العشرة وبالتالي يكون الواجب هو اجتناب ثلاثة من الاواني لا بعينها ، إذ هو مستوى ومقدار المعلوم فلا يثبت التنجُّز لأكثر من ذلك ، لانَّه بناءً على هذا الإحتمال لا يسري التنجُّز من الجامع الى أطرافه بل يقف التنجُّز عند حدود الجامع .
وبتعبير آخر : إنَّ العلم من المفاهيم ذات الإضافة وهذا يقتضي استحالة أن يكون هناك علم بلا معلوم كما يستحيل أن تكون قدرة بلا مقدور ، فلا يقال انَّ زيداً قادراً إلا ان يكون هناك شيء مقدور له ، وهكذا العلم والذي هو بمعنى الرؤية فلابدَّ من مرئي يكون متعلَّق الرؤية .
وإذا تمَّت هذه المقدمة يثبت انَّ متعلَّق العلم الإجمالي هو مقدار المعلوم بالإجمال وإلا لكان العلم أوسع من متعلقه وهذا ينافي كون العلم من المفاهيم ذات الإضافة .
وبهذا يتضح عدم سريان الجامع الى أطرافه وإلا لكان علماً تفصيليَّاً أي انَّ العالم بالإجمال يبقى عالماً بالمقدار وجاهلا بموضع استقراره ، وافتراض سريان الجامع الى الاطراف يقتضي تحوُّل العلم الإجمالي الى علم تفصيلي . واذا كان العلم بالجامع لا يسري الى أطرافه فالتنجُّز أيضاً الثابت للجامع لا يسري الى أطرافه .
ومن هنا فالمتنجِّز هو مقدار الجامع ومع الإلتزام بمقدار الجامع تنتفي المخالفة القطعية ، وذلك لأنَّ المخالفة القطعيّة لا تكون إلاّ بترك امتثال مقدار الجامع المعلوم .
فلو كان يعلم بنجاسة ثلاثة من عشرة أواني فإن المخالفة القطعية تحصل بأحد أمرين ، إمَّا ان يستعمل كل الاطراف العشرة وإمَّا ان يستعمل مقداراً يتجاوز مقدار الجامع كأن يستعمل ثمانية من تلك الاواني أو تسعة .
أو كان يعلم بوجوب صلاتين من ثلاث صلوات « الظهر والمغرب والصبح » فلو ترك تمام الصلوات الثلاث فهو مخالف قطعاً للتكليف المعلوم بالإجمال وكذلك لو جاء بصلاة وترك صلاتين فانه يقطع بالمخالفة ، إذ انَّ مقدار الجامع صلاتان وما جاء به انما هي صلاة واحدة .
إذن المخالفة القطعية ـ بناء على هذا الاحتمال ـ غير جائزة ، وذلك لانَّها تستوجب القطع بمعصية المولى جلَّ وعلا ، نعم المخالفة الاحتمالية لا ضير فيها بناءً على هذا المبنى ، وذلك لأنَّ الواجب هو الإتيان بمقدار الجامع ـ كما قلنا ـ وهو يتحقّق بالاتيان بمقدار ماهو المعلوم بالإجمال ، وبه تتحقق الموافقة الإحتمالية . والتي تعني احتمال مطابقة ما جاء به للمعلوم بالاجمال .
وهذا الاحتمال ـ والذي يبني على انَّ المتنجِّز بالعلم الإجمالي هو مقدار الجامع ـ هو ما تبناه المصنِّف (رحمه الله) إلا انَّه التزم بوجوب الموافقة القطعية في موارد العلم الإجمالي وذلك لمنجزية الإحتمال كما هو مقتضى مسلك حق الطاعة فمنجزيَّة الزائد عن مقدار الجامع لم تنشأ عن العلم الاجمالي وانَّما نشأت عن مبناه في حدود حق الطاعة وأن دائرته تتسع لمطلق الإنكشاف الشامل للإنكشاف بمرتبة الإحتمال .
ولمَّا كانت الأطراف الاخرى الزائدة عن مقدار الجامع محتمِلة المطابقة للواقع فهذا الإحتمال منجِّز ، وبه يلزم المكلَّف الاحتياط في مورده مالم يكن مؤمِّن عنه ، وفي المقام لا مؤمِّن كما هو واضح لعدم جريان البراءة الشرعية في موارد الشك المقرون بالعلم الإجمالي .
وأمَّا بناءً على مسلك المشهور من جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان في موارد الشك والاحتمال فإنَّه لا يكون المكلَّف ملزماً في حالات العلم الاجمالي بالموافقة القطعية بل اللازم امتثاله هو مقدار الجامع ، لانَّه هو المعلوم وبالتالي يكون خارجاً موضوعاً عن القاعدة ، وأمَّا الأطراف الزائدة عن مقدار الجامع فموضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان متحقق في موردها . ومن هنا تجري البراءة العقليّة عنها .
والنتيجة انَّه ـ بناء على مسلك حق الطاعة تحرم المخالفة القطعيّة وتجب الموافقة القطعية .
أمَّا حرمة المخالفة القطعية ـ والتي تعني عدم الالتزام بمقدار الجامع ـ فمنشاؤها العلم الاجمالي ، وأمَّا وجوب الموافقة القطعية ـ والتي تقتضي الإلتزام بالاطراف الزائدة عن مقدار الجامع ـ فمنشاؤها هو منجزيَّة الإحتمال .
وأمَّا بناءً على مسلك المشهور فتحرم المخالفة القطعيّة ولا تجب الموافقة القعطيّة ، لجريان البراءة العقليَّة في الاطراف الزائدة عن مقدار الجامع .



الجهة الثانية :

جريان الاصول في أطراف العلم الاجمالي

ويقع البحث عن هذه الجهة في ماهو مقتضى أدلّة الاصول الشرعية المؤمِّنة ، وهل أنَّها تجري في موارد الشك المقرون بالعلم الإجمالي أو لا ؟
والبحث في مقامين :
المقام الاول : هو مقام الثبوت : وهل انَّه يمكن جريان الاصول الشرعيّة المؤمِّنة في تمام أطراف العلم الإجمالي .
ذهب المشهور الى عدم إمكان ذلك واستدلوا على ذلك بدليلين :
الدليل الاول : هو انَّ إجراء الاصول المؤمِّنة في تمام أطراف العلم الإجمالي يلزم منه المنع عن حجيّة القطع ، وذلك لأنَّ التأمين عن تمام الاطراف يعني الإذن في المخالفة القطعيّة للحكم المقطوع بتنجُّزه بحكم العقل ، وهذا يعني الإذن في المعصية والذي يحكم العقل بقبحه .
والجواب : انَّ هذا الدليل أشبه شيء بالمصادرة ، إذ انَّ البحث عن إمكان الترخيص في تمام أطراف العلم الاجمالي معناه البحث عن انَّ منجِّزيَّة العلم الاجمالي هل هي مطلقة أو معلَّقة على عدم الترخيص الظاهري فإذا قلنا باستحالة الترخيص لتمام الاطراف فهذا هو عين الدعوى التي نبحث عن دليلها ، إذ انَّ معنى استحالة الترخيص هو انَّ منجزيَّة العلم الاجمالي مطلقة وليست معلَّقة حيث انّ من الواضح انَّ المنجِّزية لو كانت معلَّقة على عدم الترخيص لما كان الترخيص في تمام الأطراف مستحيلا وذلك لانَّه في مثل هذا الفرض لا يكون الترخيص منافياً لمنجزية العلم الاجمالي ، إذ انَّ المنجِّزية مقيدة بعدم الترخيص فإذا ورد الترخيص انتفى قيد المنجِّزيَّة فيكون الترخيص ـ بتعبير آخر ـ رافعاً لموضوع المنجِّزية ، إذ موضوعها عدم الترخيص فيكون ثبوت الترخيص ـ مُعدِماً لموضوعها . وبهذا يتضح انَّ هذا الدليل ليس إلاّ مصادرة .
الدليل الثاني : هو استحالة عروض اللزوم والترخيص على موضوع واحد حيث يلزم منه اجتماع حكمين متضادين على موضوع واحد .
وأمَّا كيف يلزم من القول بامكان الترخيص في تمام الاطراف اجتماع حكمين متنافيين على موضوع واحد فهو لأنَّ العلم الإجمالي يعني القطع بوجوب المعلوم بالإجمال فإذا رخَّص المولى في ترك تمام الاطراف فهذا يعني الترخيص في ترك امتثال الوجوب لمتعلَّق المعلوم بالإجمال ، ومؤدى ذلك هو اجتماع الوجوب ـ والذي هو إلزامي ـ مع الترخيص على موضوع واحد وهو المعلوم بالإجمال .
وهذا الدليل يختلف عن الدليل الاول من جهة أنَّ الدليل الاول متكي على تقبيح العقل للترخيص في المعصية .
وأمَّا الدليل الثاني فمنشاؤه هو حكم العقل باستحالة إجتماع الضدين ، فالاول إذن من مدركات العقل العملي والثاني من مدركات العقل النظري .
والجواب : هو انَّ هذا الدليل انَّما يتم لو كان الحكم بوجوب المعلوم بالإجمال والترخيص في ترك تمام الاطراف متواردين على موضوع واحد ، أمَّا لو كان أحدهما واقعياً والآخر ظاهرياً فهذا يعني انَّ بينهما طولية ، فلا يلزم من اجتماعهما اجتماعٌ للضدين ـ كما بيَّنا ذلك في بحث اجتماع الحكم الواقعي والظاهري ـ والمقام من هذا القبيل حيث انَّنا لا ندعي انَّ الترخيص الممكن في ترك تمام الاطراف ـ والتي منها المعلوم بالاجمال ـ هو ترخيص واقعي بل هو ترخيص ظاهري متقوِّم بالشك في الحكم الواقعي ، وذلك بأن يُلاحظ كلّ طرف من أطراف العلم الاجمالي على حِدة ، وحينئذ سنجد انَّ كلَّ طرف مشكوك المطابقة للمعلوم بالإجمال ، وهذا ما يُسوِّغ إمكان الترخيص الظاهري في مورده ، إذ ان الترخيص الظاهري هو ما اُخذ في موضوعه أو مورده الشك في الحكم الواقعي ونحن هنا حينما نلاحظ كل طرف على حِدة نجده مشكوكاً من جهة انّه متعلَّق للحكم الواقعي أو لا وهذا ما يجعله متوفراً على موضوع الحكم الظاهري ، ومن هنا أمكن الترخيص في مورده .
والمتحصَّل هو إمكان الترخيص في تمام أطراف العلم الاجمالي لعدم لزوم ايِّ محذور من ذلك وقد بينا في مباحث القطع في مبحث العلم الاجمالي ما يتصل بهذا المطلب فراجع .
المقام الثاني : هو مقام الإثبات :
ويُمكن أن يتمسك باطلاق أدلة البراءة الشرعية لإثبات الاصل المؤمِّن في كل طرف من أطراف العلم الاجمالي ، وبذلك تكون المخالفة القطعية جائزة ولا محذور فيها ، لأنّ المقتضي للجريان ـ وهو إطلاق أدلة البراءة الاثباتية ـ موجود والمانع عن الجريان وهو الاستحالة قد ثبت بطلانه فيكون المانع منتفياً ، وعندئذ يمكن إرتكاب تمام الاطراف .
أمَّا لو قلنا باستحالة جريان الاصول المؤمِّنة لتمام الاطراف فهذا يُشكِّل قرينة على عدم الإرادة الجدِّية للإطلاق فتكون أدلة البراءة مختصة بغير مقدار ماهو معلوم بالاجمال ، لانه هو الذي قلنا باستحالة إجراء الاصل المؤمِّن في مورده ، إذ هو الذي يلزم من إمكانه الترخيص في المعصية أو اجتماع الحكمين المتضادين .
وحينئذ كيف نحدِّد الممنوع من إجراء الاصل المؤمِّن في مورده ، ومن الواضح انَّه لا طريق للتعرُّف على الطرف الذي هو منطَبق الجامع والذي لا يجري الاصل المؤمِّن عنه . ومقتضى ذلك هو جريان الأصل في كل طرف على حِدة ، لأنَّ كلَّ طرف مشتمل على موضوع الاصل المؤمِّن وهو الشك في مطابقته للواقع وبالتالي تتعارض الاصول فيما بينها ، لأنّ إجراء الأصل في الطرف الاول يعارضه إجراء الاصل في الطرف الثاني ، وهذا ما يقتضي تساقط الاصول المؤمِّنة .
وتصوير التعارض : هو انَّ إجراء الاصل المؤمِّن في كل الاطراف يلزم منه الترخيص في المخالفة القطعيَّة ـ والذي قلنا باستحالته ـ وإجراء الاصل في طرف دون آخر ترجيح بلا مرجِّح ، ومن هنا يتعارض الاصلان ، لأنَّ موضوع الاصل المؤمِّن متحقّق في كل طرف فيكون مشمولا لدليل الاصل  ، ولمّا كان من المستحيل جريان الاصل المؤمِّن فيهما معاً يسقط كلا الاصلين فلا تصلح البراءة الشرعيّة للتأمين عن هذا الطرف ولا عن ذاك .
وهنا نحتاج الى الرجوع الى الاصل العملي الاولي ، فبناءً على انَّ الاصل العملي الاولي هو الإحتياط العقلي تجب الموافقة القطعيّة ، لانَّ كل طرف في حدِّ نفسه يُحتمل مطابقته للواقع فيتنجز بالاحتمال ، ولا رافع لهذا التنجُّز بعد سقوط الاصول المؤمِّنة بالتعارض .
فتكون الموافقة القطعية واجبة ، غايته انَّ منشأ تنجُّز مقدار الجامع هو العلم الإجمالي ومنشأ تنجُّز المقدار الزائد عن الجامع هو أصالة الإحتياط العقلي القاضية بمنجزية مطلق الانكشاف .
وأمّا بناءً على كون الاصل العملي الاولي هو البراءة العقلية فالمتنجِّز بالعلم الاجمالي هو مقدار المعلوم بالإجمال ، وهذا يختلف باختلاف الإحتمالات الثلاثة التي ذكرناها في الجهة الاولى .
فبناءً على الإحتمال الاول يلزم المكلَّف الإتيان بتمام الاطراف ليتمكن من إحراز الواقع والذي هو متعلَّق العلم الإجمالي ، وكذلك بناءً على الاحتمال الثاني ، وذلك لأنَّ المعلوم وإن كان هو الجامع إلاّ انَّ نسبته الى كل الاطراف على حدٍّ سواء فيسري التنجيز من الجامع الى كلِّ الاطراف ، وأمَّا بناءً على الإحتمال الثالث فتجري البراءة العقليّة عن المقدار الزائد عن المعلوم بالاجمال ، وذلك لعدم سراية المنجزية من الجامع الى أطرافه .
هذا كلُّه بناءً على استحالة الترخيص في تمام الاطراف ، وأمَّا بناء على امكانه فلا مانع من التمسُّك باطلاق أدلّة البراءة وبه تجري البراءة في كل طرف على حدة ومقتضى ذلك هو جواز المخالفة القطعية ، إلاّ انَّ هذا غير تام ، فإنَّه وان كنَّا قد بنينا على إمكان الترخيص في تمام أطراف العلم الإجمالي إلاّ انا لا نسلِّم بتمامية الإطلاق في أدلة البراءة ، وعليه لا تكون شاملة لمورد يلزم من إجرائها الترخيص في المخالفة القطعيّة .
ويمكن إثبات هذه الدعوى بأمرين :
الأمر الأوّل : انَّ السعة اللفظية في أدلة البراءة لا تُعبِّر عن الإرادة الجدِّية للإطلاق ، وذلك لمنافاة الإطلاق لما هو المركوز عقلائياً من استبعاد إجراء البراءة في مورد يلزم من اجرائها الترخيص في المخالفة القطعية . فالترخيص الظاهري في حالة من هذا القبيل وان كان ممكناً ثبوتاً إلاّ انّه غير متعارف ، كما هو ملاحظ بوضوح في علاقات من لهم النظارة على مجتمعاتهم مع رعاياهم ، كما انَّ هذا النحو من الترخيص مستهجن عقلائياً ، فهم لا يرون أيَّ مسوِّغ لمثل هذه الاعتبارات ، وهذا ما يُشكِّل قرينة على عدم الإرادة الجدِّية للإطلاق .
بل يمكن ان يُقال انَّ الشارع لو كان مريداً للإطلاق لكان عليه ان يُصرِّح بإرادة الإطلاق في مثل هذه الموارد لا أن يعوِّل على قرينة الحكمة ، وذلك لأنَّ مثل هذا الإرتكاز العقلائي المتأصّل يمنع ابتداءً من انعقاد الظهور في الإطلاق ، فلو أراد الشارع تجاوز ماهو مرتكز عقلائياً ـ وهو ممكن ـ لما صحَّ التعويل على عدم ذكر القيد وقرينة الحكمة لعدم تمامية مقدماتها ، وذلك لأنَّ من مقدمات قرينة الحكمة عدم وجود ما يصلح للقرينة على التقييد ولا إشكال ولا ريب في صلوح هذا الإرتكاز للقرينية .
ومن هنا قد ينعكس المطلب فنقول انَّ المولى مريد للتقييد إلاّ انَّه لم يصرِّح به اعتماداً على ماهو مركوز عقلائياً من استهجان الترخيص المؤدي الى الإذن في المخالفة القطعيَّة . وإذا لم تقبلوا ذلك فلا أقل من عدم إحراز الإرادة الجدِّيَّة للإطلاق لاحتفاف الكلام بما يصلح للقرينيَّة .
الأمر الثاني : هو خروج المقام تخصصاً وموضوعاً عن دليل البراءة الشرعية ، وذلك للعلم بالجامع ، فيكون البيان متحققاً في مورده وهو ما ينفي موضوع البراءة الشرعية ، إذ انَّ موضوعها عدم البيان والعلمُ بالجامع بيان ، فيكون مصداقاً لمفهوم الغاية في الآية المباركة ] وما كنَّا معذِّبين حتى نبعث رسولا [() وكذلك قوله تعالى ] وما كان الله ليُضلَّ قوماً بعد إذ هداهم حتى يُبيِّن لهم ما يتقون [() ، فإنَّ منطوق الآيتين هو نفي العذاب الى أن يتحقق البيان فمفهومهما هو ثبوت العذاب حالةَ وجود البيان ، ولمَّا كان العلم بالجامع بيان فهذا يقتضي كونه من مصاديق المفهوم لا المنطوق وبالتالي يخرج المورد عن موضوع البراءة ، إذ ان افتراض الترخيص في المخالفة القطعيّة يعني التوسعة في موضوع البراءة الشرعيّة ، إذ انَّ موضوعها حينئذ هو الاعم من البيان وعدم البيان ، وهذا ما لا يمكن الالتزام به ، وبذلك لو كان هناك اطلاق في بعض أدلّة البراءة فلابدَّ من التصرُّف فيه .
ومن هنا يكون المتعيّن هو ما ذكرناه في مقام الثبوت بناءً على الإستحالة وهو مبنى المشهور ، إذ انَّنا توصّلنا هنا في مقام الاثبات الى المنع من الترخيص في المخالفة القطعيّة بواسطة القرينة العقلائيّة وكذلك التقريب الثاني وهو خروج محل الكلام عن موضوع أدلّة البراءة ، وحينئذ لا تجري البراءة إلاّ في المقدار الزائد عن الجامع ، ولمَّا لم يكن منطبَق الجامع متشخصاً يكون إجراء البراءة في أحد الأطراف دون الآخر من الترجيح بلا مرجِّح بعد أن كان دليل الاصل المؤمِّن شاملا لكل واحد بخصوصه على حدِّ شموله للآخر ، وهذا ما يستوجب سقوط الاصل عن كلِّ الأطراف .
وبهذا يسقط التأمين الشرعي عن المقدار الزائد عن الجامع أيضاً ، فلو كنَّا نبني على مسلك حق الطاعة فلابدَّ من إجراء أصالة الاحتياط العقلي في المقدار الزائد على الجامع ، وبه تكون الموافقة القطعيّة واجبة والمخالفة القطعيّة محرمة .
وأمَّا لو بنينا على جريان البراءة العقليّة فالعلم بالجامع لا يقتضي أكثر من لزوم التحفُّظ على مقدار الجامع ، وهذا يعني حرمة المخالفة القطعيّة وأمَّا المقدار الزائد فتجري عنه البراءة العقليَّة .
وبهذا يتضح انَّ الاصل العملي الثانوي بعد سقوط البراءة الشرعية هو الاشتغال العقلي بناءً على مسلك حق الطاعة ، وهذا الاصل يُنتج نتيجة الاصل العملي الاولي وهو أصالة الاحتياط أو الإشتغال العقلي ، ويُعبَّر عن الاصل العملي الثانوي المناظر للاصل العملي الاولي بقاعدة منجزية العلم الإجمالي .
 


تحديد أركان هذه القاعدة


ونبحث في المقام أركان العلم الاجمالي والتي اذا ما توفرت فإن العلم الاجمالي يكون منجزاً وإذا ما اختلَّ واحد منها سقط العلم الاجمالي عن المنجزية ، وهذه الاركان التي سنستعرضها مستفادة من مجموع ماذكرناه في الجهتين :
الركن الاول : هو وجود العلم بالجامع والذي هو الكلِّي المعلوم القابل للإنطباق على كلِّ طرف من أطرافه .
ومنشأ ركنية هذا الركن هو انَّ انتفاءه يعني انتفاء العلم الإجمالي ، وبهذا تكون الاطراف حينئذ مشكوكة بالشك البدوي فتجري عنها البراءة الشرعيّة .
فلو كنَّا نشك في نجاسة الإناء الأول ونشك في نجاسة الإناء الثاني وكذلك الثالث فهنا لا يُوجد علم إجمالي ، وذلك لأنَّ ملاحظة هذه الاواني الثلاثة متفرقة أو مجتمعة سواء ، إذ انَّه في كلا الحالتين يبقى الشك بدوياً وما ذلك إلاّ لعدم العلم بالجامع .
وهذا بخلاف مالو علمنا بوقوع نجاسة في أحد الاواني الثلاثة فإنَّ ملاحظة هذه الأواني متفرقة يختلف عن ملاحظتها مجتمعة حيث انَّ اللحاظ الاول يُنتج الشك في كل طرف على حدة وأمَّا اللحاظ الثاني فينتج العلم بأنَّ أحد الاواني الثلاثة نجس وهذا هو العلم بالجامع .
الركن الثاني : عدم سراية العلم من الجامع إلى أحد أطرافه بمعنى عدم تحوُّل العلم بالجامع الى العلم بطرف خاص من أطرافه ، وذلك لأنَّ افتراض السراية يعني تحوُّل العلم الاجمالي الى علم تفصيلي بالطرف الذي علمنا سراية الجامع اليه . فكلُّ حالة من حالات العلم الإجمالي إذا اتفق فيها سريان الجامع الى أحد أطرافه ينتفي العلم الإجمالي ويتحوّل الى علم تفصيلي .
مثلا : لو كنا نعلم بوجوب صلاة مافي ظهر يوم الجمعة هي إمَّا صلاة الظهر وامَّا صلاة الجمعة ، فالمنجزية هنا تثبت للعلم الاجمالي لوقوف الجامع وعدم سرايته الى أحد طرفيه وتبقى المنجزية على حالها مادام لم يسرِ الجامع الى أحد طرفيه ، فلو اتفق أن علمنا انَّ منطبق الجامع هو صلاة الظهر فعندئذ يتحقّق سريان الجامع الى أحد طرفيه ، ولو لاحظنا انفسنا عند ذلك لوجدنا انَّ العلم الاجمالي قد انتفى وتحوَّل الى علم تفصيلي بوجوب صلاة الظهر . ومن هنا لا يكون الطرف الآخر متنجِّزاً ، لأنَّ منجِّزيته نشأت عن العلم الاجمالي وهو منتف في مفروض المثال .
الركن الثالث : أن تكون تمام الأطراف مجرى لاصاله البراءة لولا المعارضة .
ولكي يتضح هذا الركن نذكر هذا المثال .
لو كنَّا نعلم بنجاسة أحد الإنائين ولم نكن نعلم انَّ أحدهما كان متنجِّساً ، فهنا يكون أصل البراءة من حرمة شرب كلّ طرف جارية لولا إبتلاء أصل البراءة الاول بالتعارض مع أصل البراءة الثاني ، وهذا ما يقتضي تنجُّز كلا الطرفين . أمَّا لو كنَّا نعلم بأن الطرف الثاني كان مسبوقاً بالنجاسة فإنَّ استصحاب النجاسة في مورده يمنع من إجراء أصل البراءة عنه .
وبهذا لا يكون كلا الاصلين المؤمِّنين جاريين لولا المعارضة فإنَّه حتى لو افترض عدم التعارض فإنَّ أصل البراءة لا يجري في الطرف الثاني لانَّه منجَّز بالاستصحاب .
ومنشأ ركنية هذا الركن هو عدم إمكان جريان البراءة عن الطرفين بسبب التعارض ، فإذا كانت البراءة لا تجري عن أحد الطرفين يكون إجراء البراءة عن الطرف الآخر بلا معارض ، ولمَّا لم يكن إجراء البراءة عن الطرف الاول مستلزماً للمخالفة القطعيّه ـ لإحتمال وقوع النجاسة في الطرف المنجَّز بالاستصحاب ـ صحّ إجراؤها ، لأنَّ أقصى ما سيحدث نتيجة إجراء البراءة عن الطرف الاول هو عدم الموافقة القطعية وهي غير واجبة التحصيل ، إذ انَّ وجوبها انَّما نشأ عن تساقط الاصول المؤمِّنة والرجوع بعد ذلك الى أصالة الاحتياط العقلي وفي المقام لا تكون الاصول الشرعية المؤمِّنة ساقطة عن الطرف الاول .
ونذكر مثالا آخر ليتَّضح المطلب أكثر .
لو علم اجمالا بنجاسة أحد الإنائين ثم قامت البينة على نجاسة الطرف الثاني ، فإنَّ هنا يجري الاصل المؤمِّن عن الطرف الاول بلا معارض ، وذلك لعدم جريان الاصل المؤمِّن في الطرف الثاني بسبب تنجُّزه بالبينة ، ومن الواضح انَّ الاصول لا تجري في موارد الامارات ، فيأتي عندئذ نفس البيان السابق .
الركن الرابع : ان يلزم من إجراء الاصول المؤمِّنة في تمام الاطراف الإذن في المخالفة القطعيّة العمليَّة بحيث يكون إرتكاب كل الاطراف جائزاً شرعاً ، كما لو أجرينا الأصل المؤمِّن عن الصلاتين الظهر والجمعة ، فإنَّ إجراءه في مثل هذه الحالة يؤدي الى الترخيص في المخالفة القطعيّة العمليَّة وهي ترك كلا الصلاتين المعلوم وجوب أحدهما ، وهذا بخلاف مالو كان إجراء الاصل في كلّ الأطرااف غير مستوجب عملا للمخالفة القطعية ، كما لو علمنا اجمالا بحرمة أحد الطعامين إمّا الطعام الذي هو في متناول أيدينا وواقع في محل إبتلائنا أو الطعام الذي يتعذَّر تناوله والتصرُّف فيه كما لو كان الطعام الآخر في بلاد نائية يتعذَّر عن المكلَّف الوصول اليها ، فإنَّ اجراء الاصل ـ في مثل الفرض ـ عن كلا الطرفين لا يستوجب المخالفة القطعيّة العمليَّة ، إذ انَّ الطرف المتعذِّر لا يتفق إرتكابه فلا يكون الإذن في المخالفة القطعيّه مستحيلا عقلا أو مستهجناً عقلائياً .

سقوط المنجِّزيَّة عن العلم الإجمالي :
وبعد ان اتضحت أركان العلم الإجمالي الاربعة يقع البحث عن الحالات التي يسقط فيها العلم الإجمالي عن المنجِّزية ، وسنجد انَّ مناشئ السقوط عنها ترجع الى اختلال أحد أركان العلم الإجمالي .
أولا : سقوط المنجِّزيَّة بسبب اختلال الركن الاول :
والذي هو العلم بالجامع ، وقد ذكر المصنِّف (رحمه الله) أربع حالات للسقوط :
الحالة الاولى : وهي مالو تبين انَّ العلم بالجامع كان وهماً وأنَّ الواقع على خلافه .
ومثاله : مالو كان يعلم بغصبية أحد الثوبين ثم تبين له عدم مغصوبيتهما معاً وانَّ الواقع هو إذن المالك في التصرُّف فيهما أو أن المغصوب هو ثوب اخرى غير الثوبين . ومن هنا تسقط المنجِّزية عن العلم الاجمالي بسبب اختلال الركن الاول ، إذ لا علم بالجامع بعد تبيُّن الإشتباه .
الحالة الثانية : تحوُّل العلم بالجامع الى الشك أو الظن غير المعتبر .
ومثاله : لو علم المكلَّف باشتغال ذمته بدين إمَّا لزيد أو لبكر ثم زال ذلك العلم وتحوَّل الى شك بتعلُّق ذمته بدين لاحد الطرفين ، فهنا أيضاً تسقط المنجِّزية عن العلم الإجمالي ، وذلك بسبب سقوط العلم وتحوُّله الى شك وهو معنى ثان لاختلال الركن الاول .
الحالة الثالثة : مالو كان أحد أطراف العلم الإجمالي ساقطاً عن التنجيز لو اتفق انه هو الواقع .
وبعبارة اخرى : لو كان أحد الأطراف مباحاً حتى وان كان معلوماً بنحو التفصيل فضلا عن الإجمال ، كما لو كان المكلَّف يعلم بأن أحد الطعامين مشتمل على لحم الميتة إلاّ انَّه كان مضطراً الى الطعام الاول ، فإنَّه في مثل هذه الحالة يكون الطرف الاول مباحاً على أيِّ حال سواءً كان هو المشتمل على الميتة واقعاً أو انَّ المشتمل على الميتة هو الطرف الثاني ، وفي مثل هذه الحالة تسقط المنجِّزية عن العلم الإجمالي أي انَّه يجوز إرتكاب الثاني أيضاً .
ومنشأ سقوط المنجزيَّة هو عدم وجود علم اجمالي من رأس ، وذلك لعدم العلم بالجامع فهو لا يعلم بحرمة أحد الطعامين بل يعلم بحليَّة أحدهما ويشك في حرمة الآخر ، وذلك لأن الاول وان كان يحتمل اشتماله على الميتة إلاّ انّه وبسبب اضطراره اليه لا يكون محرماً عليه فهو معلوم الحليَّة على أيِّ حال ، وأمَّا الطرف الآخر فلا يجزم باشتماله على الميتة ـ وإن كان لو جزم لتنجَّزت الحرمة عليه ـ ومنشأ عدم الجزم هو احتمال أن تكون الميتة في الطعام الاول المحلل ، فعليه يكون الشك في مورد الطرف الثاني بدويَّاً تجري عنه البراءة الشرعية .
الحالة الرابعة : أن يكون أحد الطرفين غير واجب التحصيل بعد قيام العلم الإجمالي .
وذلك كما لو نشأ علم اجمالي بوجوب دفن هذا الميت أو التصدّق على الفقير بعد ان كان المكلَّف قد دفن الميت ، وهنا يسقط العلم الإجمالي عن المنجِّزية لعدم العلم بالجامع ، إذ انَّ دفن الميت لو كان هو الواجب واقعاً فقد سقط موضوعه وهذا يعني إحراز عدم وجوبه لو كان هو الواجب واقعاً فيكون الطرف الآخر مشكوك الوجوب فتسقط عنه المنجِّزية أي لا يلزم امتثاله .

ثانياً : سقوط المنجِّزية بسبب اختلال الركن الثاني :
والذي هو عدم سراية العلم بالجامع الى أحد أطرافه ، وقد ذكر المصنِّف لذلك حالتين :
الحالة الاولى : هي سريان العلم من الجامع الى أحد الاطراف بعينه ، وذلك مثل مالو علم المكلَّف بغصبية احدى الثوبين ثمّ علم انَّ المغصوب منهما هي الثوب البيضاء ، فإنَّه في مثل هذه الحالة ينتقل العلم الإجمالي من الجامع ـ وهو أحد الثوبين ـ الى الثوب البيضاء ، وبهذا ينحلُّ العلم الإجمالي الى علم تفصيلي بالطرف الاول وشك بدوي في الطرف الآخر ، وبهذا لا يكون العلم الإجمالي منجِّزاً لكلا الطرفين .
أما الطرف الاول فلأنَّ التنجيز إنَّما نشأ عن العلم التفصيلي .
وأما الطرف الثاني فتجري عنه أصالة البراءة لصيرورة الشك فيه شكاً بدوياً .
الحالة الثانية : سريان العلم من الجامع الى جامع آخر أضيق دائرة منه ، وذلك في موارد انحلال العلم الاجمالي الكبير بالعلم الإجمالي الصغير ، فإنَّ الركن الثاني للعلم الإجمالي الاول الكبير يختل ، وذلك لأن الجامع فيه لم يقف على حده كما هو مقتضى الركن الثاني بل انتقل الى جامع آخر ، وبالتالي تسقط المنجِّزية عنه . وأمَّا بعض أطرافه التي تحوَّلت الى العلم الاجمالي الصغير يكون مُنجِّزها هو العلم الاجمالي الثاني الصغير والاطراف الباقية يكون الشك فيها بدويَّاً لعدم شمول الجامع الصغير لها وانعدام العلم الاجمالي الاول .
ومثال ذلك : مالو علمنا أولا انَّ خمساً من شياه ـ في قطيع يساوي عشرين شاة ـ قد تغذَّت على لبن خنزيرة ، فجامع العلم الاجمالي في هذا المثال هو خمس شياه من عشرين ، فلو تحوَّل العلم بعد ذلك الى علم بتغذِّي خمس شياه من عشر من القطيع فإنَّ العلم الإجمالي حينئذ ينحلُّ الى علم إجماليٍّ آخر بحرمة خمس شياه من عشرة وشك بدوي في العشرة الباقية والتي ليست طرفاً للعلم الإجمالي الجديد .
ومنشأ الإنحلال هو سراية الجامع من العلم الاجمالي الاول الى جامع آخر أضيق منه دائرة ، فتكون الاطراف الباقية خارجة عن إطار الجامع الثاني، ولهذا يكون الشك فيها بدويَّاً فتجري في موردها الاصول المؤمِّنة بعد ان لم تكن طرفاً للعلم الإجمالي لخروجها عن دائرة الجامع الثاني .
وتلاحظون انَّ هذا الإنحلال نشأ عن أمرين :
الأمر الأوّل : ان أطراف الجامع الثاني هي بعض أطراف الجامع الاول ، غايته انَّ بعض الاطراف التي كانت للجامع الاول قد خرجت عن دائرة الجامع الثاني . فالعشرة التي هي سعة دائرة الجامع الثاني هي ببعض العشرين التي كانت تمثل دائرة الجامع الاول الكبير ، فلو كانت العشرة من غير دائرة العشرين لم ينحل العلم الاجمالي الاول ، كما لو كانت العشرة من قطيع آخر غير القطيع الذي نعلم اجمالا بحرمة خمس شياه منه .
الأمر الثاني : انَّ مقدار المعلوم بالإجمال في العلم الاجمالي الصغير نفس مقدار المعلوم بالإجمال في العلم الإجمالي الكبير الاول . وهذا ما ساهم في تحقّق الإنحلال ، إذ لو كان مقدار المعلوم بالإجمال في العلم الإجمالي الصغير أقل من مقدار المعلوم بالإجمال في العلم الإجمالي الكبير لما انحلَّ العلم الإجمالي الكبير ، وذلك لبقاء مقدار من المعلوم بالإجمال الاول في دائرة العلم الإجمالي الكبير وهذا يعني وجود علم إجمالي دائرته العشرين والمعلوم بالإجمال فيه هو المقدار المتبقي .
فلو علمنا انَّ أربعاً من الشياه الخمس في العشرة الاولى من العشرين فإنَّ العلم الإجمالي الكبير لا ينحل ، وذلك لبقاء واحدة نعلم إجمالا بوجودها في ضمن العشرين من القطيع . وبهذا يتضح اعتماد الانحلال على هذين الأمرين .

ثالثاً : سقوط المنجِّزيَّة بسبب اختلال الركن الثالث :
والذي هو جريان الاصل المؤمِّن في تمام الأطراف لولا المعارضة ، وقد ذكر المصنِّف لذلك حالتين :
الحالة الاولى : وهي مالو كان أحد طرفي العلم الإجمالي منجَّزاً بمنجِّز غير العلم الإجمالي كما لو كان أحد الطرفين مجرى لأصالة الاستصحاب المثبت للتكليف لا الاستصحاب النافي للتكليف فإنَّه خارج عن محل الكلام .
مثلا : لو علمنا بتعلُّق حرمة إما بهذا اللحم او بهذا الشراب إلا انَّ اللحم لمَّا كان مجرى لاستصحاب عدم التذكية ـ إذ اننا نعلم سابقاً انَّه لم يكن مذكى ونشك فعلا في تذكيته ـ فإنَّه لا تجري البراءة في مورده لافتراض تنجُّزه بالاستصحاب فنجري البراءة عن الطرف الآخر بدون معارض ، وهذا يعني سقوط المنجزية عن العلم الإجمالي ، إذ انَّ الاول لم يتنجَّز بالعلم الاجمالي وانَّما تنجَّز بالاستصحاب والثاني مُؤمَّن عنه لعدم وجود ما يمنع عن جريان الاصل المؤمِّن في مورده .
والمتحصل انَّ منشأ سقوط هذا العلم عن المنجِّزية هو عدم جريان الاصل المؤمِّن في تمام الاطراف وإلا لو كانت جميعها مجرى لاصالة البراءة مثلا لأوجب ذلك التعارض وعندئذ تسقط الاصول جميعاً عن التأمين .
وهذا النحو من الإنحلال يُعبَّر عنه بالإنحلال الحكمي ، إذ انَّ العلم الإجمالي لا ينحلّ حقيقة ، وذلك لأنَّنا بالوجدان نجد انَّ العلم باق على حاله ، نعم هو منحلٌّ حكماً لانَّه لا يترتب على هذا العلم أي أثر عملي ، وذلك لما قلنا من انّ الطرف الاول منجَّز بالاستصحاب والثاني مومَّن عنه ، فوجود العلم في هذه الصورة وعدمه سواء من جهة الأثر العملي ، وهذا بخلاف الانحلال الحقيقي فإنَّ العلم يزول في مورده حقيقة .
الحالة الثانية : مالو كان أحد طرفي العلم الإجمالي خارجاً عن إبتلاء المكلَّف بمعنى استبعاد وقوعه من المكلَّف حتى لو افتُرض جوازه ، وذلك لعم قدرته عادة على ايقاعه ، فهو وإن لم يكن متعذِّراً إلاّ انَّه متعسِّر .
ومثاله مالو علم المكلَّف بنجاسة أحد المائعين إمَّا الذي تحت يده وقدرته أو المائع الموجود في بلاد نائية من المتعسِّر على ذلك المكلَّف الوصول اليها . فهو وإن كان من الممكن أن يقع ذلك المائع تحت قدرته إلاّ انّه مستبعد عرفاً .
ومن هنا لا تجري البراءة عن مثل هذا الطرف ، إذ لا معنى لجريان البراءة إلاّ في مورد لو كان منجَّزاً لكان المكلَّف عرفاً قادراً على مخالفته ، أمَّا لو كان عدم المخالفة مضموناً لعدم القدرة عليها فلا معنى لجعل البراءة في مثل هذا المورد لان جعلها وعدمه سواء . ومن هنا يجري الاصل المؤمِّن عن الطرف الآخر دون معارض ، لأنَّ الذي يُفترض أن يكون معارضاً لم تُجعل له البراءة .
ومن هنا يجوز استعمال المائع الذي تحت يده وإن كان مبتلياً بالوقوع طرفاً للعلم الإجمالي .
وبهذا يتضح معنى قول الاصوليين من انَّ منجزية العلم الاجمالي مشروطة بوقوع كلا طرفي العلم محلا للإبتلاء .


رابعاً : سقوط المنجزيَّة بسبب اختلال الركن الرابع :
وهو استلزام الإذن في تمام الاطراف للترخيص في المخالفة القطعية . وقد ذكر المصنِّف لذلك حالتين :
الحالة الاولى : هو أن يكون طرفا العلم الاجمالي حكمين تنجيزيين إلاّ انَّ تنجيز أحدهما يقتضي الفعل وتنجيز الآخر يقتضي الترك كما هي حالات العلم الاجمالي بوجوب الفعل أو حرمته وهي المعبَّر عنها عادة بدوران الامر بين المحذورين ، وهذا النحو من العلم الإجمالي لو أجرينا البراءة عن كلا طرفيه لم يلزم من ذلك الترخيص في المخالفة القطعيّة العمليَّة ، وذلك لاستحالة ترك امتثال التكليفين أي استحالة المخالفة القطعيَّة ، إذ لا يمكن ايجاد الفعل وامتثال الترك في عرض واحد فهو إن صدر عنه الفعل لم يمتثل الحرمة والتي تقتضي الترك ، وإن امتثل الحرمة أي ترك الفعل يتعذَّر عليه امتثال الوجوب أي ايجاد الفعل فأحد الإمتثالين لا يقع حتماً .
وإذا كان كذلك فالمخالفة القطعيَّة متعذِّرة لأنَّه حينما يأتي بالفعل يحتمل انه مُنطبَق الجامع فيكون ممتثلا ، وحينما يترك الفعل يحتمل انَّ الحرمة هي منطبَق الجامع . فالموافقة الإحتمالية حتمية الوقوع كما ان المخالفة الإحتمالية كذلك ، وبهذا تكون المخالفة القطعية غير ممكنة وكذلك الموافقة القطعيّة وبالتالي لا يكون الترخيص في تمام الأطراف موجباً للترخيص في المخالفة القطعيّة ، ومن هنا يختلُّ الركن الرابع .
الحالة الثانية : أن تكون دائرة العلم الإجمالي واسعة جدَّاً بحيث يتعذَّر على المكلَّف عادة إرتكاب تمام الأطراف ، وهذا ما يُعبَّر عنه بالشبهة غير المحصورة .
وبتعبير آخر : لو كانت أطراف العلم الإجمالي من السعة بحيث يكون من المستبعد جداً المخالفة القطعية فهنا لا يكون إجراء البراءة عن تمام الأطراف موجباً للترخيص في المخالفة القطعية للمعلوم بالاجمال .
ويمكن التمثيل لذلك بما لو علم المكلَّف بعدم تذكية واحدة من الذبائح الكثيرة والمتوزعة على أسواق البلاد الكبيرة . فهنا لو جرت البراءة عن حرمة مجموع الذبائح لم يكن ذلك مستوجباً للترخيص في المخالفة القطعيَّة العمليّة لعدم امكان تناول المكلَّف من تمام تلك الذبائح عادة .
ثم انّ هناك حالات وقع البحث عن انَّها من موارد البراءة الشرعيَّة أو انَّها من موارد قاعدة منجزية العلم الاجمالي . وقد ذكر المصنِّف (رحمه الله) من هذه الحالات ثلاث :
حالة تردد الواجب بين الاقل والاكثر :
وبيان هذه الحالة هي انَّه لو علم المكلَّف بجامع التكليف إلاّ انَّه تردد في متعلَّقه وهل هو الاقل أو الأكثر ، وهذه الحالة لها صورتان :
الصورة الاولى : مالو كان التردد بين متعلَّقين استقلاليين . ومثاله مالو علم بتعلُّق ذمته بدين لزيد إلاّ نَّه تردد في مقدار ذلك الدين ، وهل هو درهم أو عشرة ، وهذه الحالة هي المعبَّر عنها بدوران الامر بين الاقل والاكثر الإستقلاليين ، إذ انَّ وجوب الدرهم ليس له ارتباط بوجوب العشرة لأنَّ العشرة لو كانت واجبة فهي روحاً منحلَّة الى وجوبات بعدد الدراهم العشرة كل وجوب لا إرتباط له بالآخر بل انّ لكلِّ وجوب طاعة ومعصية مستقلة عن الطاعة والمعصية في الوجوب الآخر ، ولذلك لو قضى جزءً من الدين المعلوم وجحد الجزء الآخر لكان مطيعاً وعاصياً .
ومن هنا لم يستشكل أحد في هذه الصورة بل جزموا بجريان البراءة عن المقدار الزائد عن الاقل . فالواجب في المثال هو أداء الدين لزيد بمقدار الدرهم وأمَّا التسعة فهي مجرى لاصالة البراءة الشرعية ، وذلك لانَّه من الشك في التكليف الزائد أو قل هو شك في تكاليف اخرى فتجري عنها البراءة بلا ريب .
الصورة الثانية : وهي محلُّ البحث في المقام ، وهي مالو كان التردد بين الاقل والاكثر في مركب واحد ، وهذا هو المعبَّر عنه بدوران الامر بين الاقل والاكثر الإرتباطيين ، إذ الاكثر لو كان واجباً فإنَّ التكليف لا يسقط بالاقل .
وبتعبير آخر : انّ التكليف إذا كان متعلّقه مركباً فإن له طاعة واحدة ومعصية واحدة فإن جاء بمتعلَّق التكليف كاملا فهو مطيع وإلاّ فهو عاص ، وهذا هو مبرِّر التعبير بالإرتباطية .
ومثال ذلك مالو علم المكلَّف بجامع التكليف وهو وجوب الصلاة إلاّ انَّ الشك وقع في مقدار متعلَّق التكليف وهل انَّ مقداره تسعة أجزاء أو انَّ مقداره عشرة أجزاء هذا في المركبات العبادية .
وأمّا في المركبات المعاملاتية فمثاله علم المكلَّف بصحة الزواج المنقطع إلاّ انّه تردد من جهة تقومه بذكر الاجل أو عدم تقومه بذلك ، فهذا شك بين الاقل والاكثر الإرتباطيين ، إذ انَّ الامر يدور بين تقوُّم هذا العقد بالايجاب والقبول فحسب أو هما بإضافة ذكر الاجل ، والإرتباطية نشأت من انَّ العقد مركبٌ معاملاتي فإمَّا أن يقع وإمَّا أن لا يقع .
ومع اتّضاح هذه الصورة نقول : انَّه قد وقع البحث والنزاع في انَّها من مجاري أصالة البراءة أو أنَّها من موارد جريان قاعدة المنجزيَّة للعلم الإجمالي .
وبتعبير آخر : هل انَّ الشك في الأكثر شك بدوي حتى تجري عنه البراءة أو هو شك مقترن بالعلم الإجمالي فتجري في مورده قاعدة المنجِّزية للعلم الاجمالي ؟
والصحيح بنظر المصنِّف (رحمه الله) هو انّ الشك في الاكثر من موارد الشك البدوي فتجري عنه أصالة البراءة ، وذلك لأنَّ العلم الإجمالي لا يكون إلاّ بين طرفين متباينين أي متغايرين بحيث لا يكون بينهما تداخل في الوجود ، فأحدهما لا يتصادق مع الآخر ولو بنحو الموجبة الجزئية ، وذلك مثل دوران النجاسة بين الطرف الاول والطرف الثاني ، وكذلك لو دار الأمر بين وجوب شيء أو حرمة آخر أو دار الأمر بين وجوب شيء أو وجوب شيء آخر بحيث يكون معروض الوجوب الاول مغايراً تماماً لمعروض الوجوب الثاني .
ومنشأ تقوُّم العلم الإجمالي بتباين طرفيه هو انَّ الجامع المعلوم لا يكون منطبقُه مردداً إلاّ في حالة لا يعلم بوجوده في أحد الطرفين على أيِّ حال ، إذ لو عُلم بانطباق الجامع على أحد الطرفين على أي حال سواء كان الطرف الآخر هو الواقع أو انَّ الواقع هو الطرف الاول ـ المعلوم وجود الجامع فيه ـ لكان ذلك يعني وجود علم تفصيلي بواقعية الطرف الذي هو منطبق الجامع وهو خلْف الفرض ، إذ انَّ الفرض هو وجود علم اجمالي .
إذن العلم الإجمالي لا يكون إلاّ في حالة لا يعلم فيها بانطباق الجامع المعلوم على أحد الأطراف على أيِّ حال . وإذا تمَّ هذا فمحلُّ الكلام خارج عن موضوع العلم الإجمالي ، وذلك للعلم بوجوب الاقل على أيِّ حال ، فلو كان الواجب واقعاً هو الاقل فهذا واضح ، ولو كان الواجب هو الاكثر فالاقلُّ أيضاً يكون واجباً إلاّ انَّه واجب في ضمن الاكثر ، فالاقلُّ إذن معلوم الوجوب على أيِّ حال .
وبعبارة اخرى : إنَّ الجامع معلوم الإنطباق على الاقل ، وهذا ما يجعل الاكثر مورداً لاصالة البراءة ، إذ انَّ الشك فيه حينئذ بدويٌّ .
وبهذا يتضح الشك في مقدار متعلَّق الصلاة الواجبة وانَّه التسعة أو العشرة ، فإنَّ الجزء العاشر يكون مجرى لاصالة البراءة ، إذ انَّ هذه الحالة تؤول الى علم تفصيلي بوجوب التسعة وشك بدوي في وجوب الجزء العاشر وهذا ما برَّر جريان البراءة عنه .
ودعوى انَّ دوران الامر بين الاقل والاكثر من دوران الامر بين المتباينين لأنَّ التسعة مباينة للعشرة دعوى غير مبررة وذلك لوضوح عدم التباين بينهما في مقام الوجود ، إذ انَّ العشرة متقوِّمة بالتسعة ، فلا تكون عشرة مالم تتحقّق الأجزاء التسعة قبلها .
واتّضح وسيتّضح انَّ أساس البناء على جريان البراءة أو المنجزيَّة للعلم الاجمالي هو تحرير واقع دوران الأمر بين الاقل والأكثر ، فالبحث من هذه الجهة صغروي ، فمن تقرَّر عنده انَّ واقع الدوران بين الاقل والاكثر هو الدوران بين الأمرين المتداخلين بنى على جريان البراءة عن الاكثر ، ومن تقرَّر عنده انّ الدوران بينهما من الدوران بين المتباينين بنى على المنجزية ولزوم امتثال الاكثر .
وقد عرفنا انَّ المصنِّف (رحمه الله) بنى على انَّه من قبيل الاول ، وقد بنى بعض الأعلام على الثاني وقرَّب ذلك بما حاصله :
إنَّ واقع الدوران بين الأقلّ والأكثر هو الدوران بين الأقل المطلق أو الأقل المقيَّد بالأكثر ، والإطلاق والتقييد لمَّا كانا متباينين فهذا يؤدي الى تباين معروضيهما ، فتكون التسعة المقيدة مباينة للتسعة المطلقة فيكون شرط العلم الإجمالي وهو تباين أطرافه متحقّق في المقام ، ومع تقرُّره تثبت له المنجزية .
وأمّا دعوى ـ انَّ العلم الإجمالي منحلٌّ الى علم تفصيلي بوجوب الاقل وشك بدوي في الأكثر لكون الأقل معلوماً على كلا التقديرين ـ ليست تامة ، وذلك لانَّه لمَّا كان الدوران بين الأقلّ المقيّد والأقلّ المطلق فهذا يقتضي انَّ الاول غير الثاني وانَّ بينهما تمام التباين ، فالاقل المطلق لا يصدق بحال على الاقل المقيد لأن صدقه يعني انتفاء هويته .
وبتعبير آخر : انَّ الاقل المطلق يعني الأقل بنحو اللابشرط الزيادة والأقل المقيّد يعني الأقل بشرط شيء أي الزيادة ، واللابشرط والبشرط شيء من اعتبارات الماهيّة والتي هي متباينة في نفسها ، وكل منها قسيم للآخر وهو دليل المباينة .
إذن المقام من دوران الأمر بين المتباينين ، وجامع هذا العلم لا يُحرز انطباقه على أحّد الطرفين بل انَّه مردّد بين الانطباق على الأقل المطلق .
أو الاقل المقيّد ، وذلك لأنَّ جامع هذا العلم هو وجوب التسعة وأطرافه هي المقيّدة أو المطلقة . وإذا كان كذلك فلا ينحل العلم الاجمالي بالاقل ، إذ هو نفسه جامع التكليف ، وإذا كان انحلال فلابدَّ من أن يكون لاحد الطرفين وهما الاقل المطلق أو الأقلّ المقيّد .
والجواب عن هذا التقريب :
ان تصوير العلم الاجمالي بهذه الكيفيّة غير تام ، وذلك لأنَّ التردّد بين الاطلاق والتقييد وان كان من قبيل التردّد بين المتباينين إلاّ انَّ هذا ليس له اتصال بالمكلَّف ، والذي له اتّصال بالمكلَّف هو التردّد الموجب للتنجيز .
ومن الواضح انَّ الإطلاق والتقييد ليس أكثر من الكيفيَّة التي لاحظها المولى حين جعل الوجوب على الاقل والاكثر ، فلو كان واقعاً لاحظ الاطلاق حين جعل الوجوب على الأقلّ فهذا لا يعني انَّ الواجب هو الاقل مع الاطلاق بل يعني انَّ الواجب هو الاقل وليس معه شيء آخر يكون متعلقاً لنفس الوجوب ، ولو كان واقعاً قد لاحظ التقييد حين إيجاب الاقل فهذا لا يعني وجوب الاقل مع القيد بل انَّ الواجب حينئذ هو الاقل باضافة الجزء .
ومن هنا يتّضح انَّ الإطلاق والتقييد انَّما هو كيفيّة اللحاظ الذي لاحظه المولى حين جعل الوجوب على متعلقه ، وهذا لا يتصل بالمكلَّف وما يتصل بالمكلَّف انَّما هو نفس الايجاب المجعول من المولى ، إذ هو المحرِّك للمكلَّف نحو الإتيان بالمتعلَّق والتردد عند المكلَّف حينما يريد التعرُّف على مقدار متعلَّق الايجاب هو تردد بين الأقلّ والأكثر ، إذ انّ الوجوب لو كان ملحوظاً في الإطلاق فالواجب هو الأقلّ ولو كان ملحوظاً فيه التقييد لكان الواجب هو الأقلّ مع إضافة الجزء . وهذا يعني انَّ التردّد عند المكلَّف انَّما بين الأقل والأكثر فلا علم إجمالي في المقام وانَّما هو علم بوجوب الأقل إمَّا باستقلاله أو في ضمن الأكثر .
ومن هنا يكون الشك في الأكثر شكاً بدوياً فتجري عنه البراءة .
العلم بوجوب الأقل مع الشك في إطلاقه :
كان الكلام فيما سبق حول دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر في حالة يكون الشك في أصل جعل الأكثر أي الشك في جعل المولى الوجوب للاقل أو جعله للأكثر ، كما لو وقع الشك في أصل جعل الوجوب للسورة في الصلاة .
وقد قلنا انَّ الاكثر يكون حينئذ مجرى لأصالة البراءة فلا يجب الالتزام به .
والكلام في المقام حول دوران الأمر بين الأقل والأكثر من حيث الشك في إطلاق وجوب الأكثر وهل انَّ وجوبه مطَّرد في تمام الحالات أو انَّه مختص بحالات دون حالات . فوجوب الاكثر معلوم وانَّما الشك في إطلاقه .
مثلا : لو كنَّا نعلم انّ خطبتي صلاة الجمعة جزء من الصلاة إلاّ اننا نشك في انَّ هذه الجزئيّة ثابتة في موارد العجز أو انَّها غير ثابتة ، فالشك إذن في اطلاق الوجوب لا في أصل الوجوب .
والاصل الجاري في المقام هو البراءة أيضاً ، لأنَّ الشك فيه شك بين الأقل والأكثر ، وذلك لأنّ العاجز يشك في انَّ الواجب المتعلّقة ذمته به هل هو الصلاة دون الخطبتين أو هي مع الخطبتين .
فالاقل ـ وهي الصلاة ـ محرز الوجوب على أيِّ حال والاكثر ـ وهي الخطبتين ـ مشكوك الوجوب ، فتجري عنه أصالة البراءة .
وهذا المقدار لا إشكال فيه ، نعم وقع الإشكال في مورد واحد من موارد الشك في إطلاق الاكثر ، وهو مالو وقع الشك في إطلاق الجزئية لحالات النسيان مع إحراز الجزئية في حالات التذكر .
ويمكن التمثيل لذلك بصلاة الطواف بناء على انّها ليست نسكاً مستقلا وانَّما هي جزء من المركب العبادي وهو الطواف . فلو كنَّا نحرز جزئيّتها لحالات التذكر ونشك في إطلاق الجزئية لحالات النسيان ، فهل تجري البراءة عن وجوب صلاة الطواف بالنسبة للناسي ـ وذلك لأنَّ الشك في حالة النسيان يؤول الى الشك بين الاقل والاكثر بالنسبة للناسي ـ أو أن الجاري هو أصل آخر لخصوصيّة في هذا المورد .
قد يُقال بالاول باعتبار انّ هذا المورد لا يختلف عن موارد الشك في الإطلاق والذي قلنا انَّه مجرى لأصالة البراءة .
إلاّ انَّه في مقابل ذلك قد يقال بعدم جريان أصالة البراءة في الجزء المشكوك في إطلاق الوجوب له في هذا المورد لخصوصية فيه . وهي تعذُّر مخاطبة الناسي بالتكليف ، وبيان ذلك :
انَّ توجيه الخطاب للناسي غير ممكن لو كان التكليف خاص به ، إذ انَّ الناسي حال نسيانه لا يتوجَّه الى انَّه في حالة نسيان بل يرى نفسه متذكراً وهذا ما يجعله غير ملتفت الى الخطابات الموجهة للناسي لانّه لا يرى شمولها له ، نعم لو كان الخطاب بالتكليف متوجِّه للاعم من الناسي والمتذكر لامكن ذلك ، إذ لا محذور حينئذ في توجيه الخطاب باعتبار وجود من يمكن مخاطبته وهو المتذكر وهو كاف في رفع استحالة توجيه الخطاب للناسي .
ومع اتضاح هذه المقدمة نقول : انَّه لو أجرينا البراءة عن الاكثر في حق الناسي فهذا يعني انَّ الخطاب بالاقل كان مختصاً به ، إذ افترضنا انَّ المتذكَّر يجب عليه الأكثر ، ولمَّا لم يكن من الممكن توجيه خطاب خاص بالناسي لافتراضه ناسياً وغير ملتفت الى انّه ناس فلا يمكن أن يتحرك عن هذا التكليف الخاص به ، فحينئذ يقع الشك في انَّ ما جاء به من الاقل هل هو مسقط للتكليف الشامل له ـ وهو التكليف بالاكثر ـ أو لا .
وبتعبير آخر : انَّ استحالة توجيه الخطاب للناسي يقتضي إمَّا عدم تكليفه من الاساس وهذا لا يمكن قبوله لإحرازه بتعلُّق ذمته بالوجوب ، وامَّا ان يكون الواجب عليه هو الاكثر كما هو الحال بالنسبة للمتذكر ، وحينئذ لمَّا كان قد جاء بالاقل نسياناً فإنَّ ذلك يُوجب الشك في سقوط التكليف عنه ، والشك في المسقط يؤول كما ذكرنا الى الشك في الخروج عن عهدة التكليف المعلوم . وهو يقتضي احراز الخروج عن عهدة التكليف ، إذ انَّ الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني .
حالة احتمال الشرطية :
كان الكلام حول دوران أجزاء الواجب بين الأقل والأكثر ، والبحث في المقام عن حالات الشك في الشرط ، كما لو شككنا في شرطية الطهارة في السعي أو شرطية القدرة على التسليم في عقد البيع أو شرطية استقبال الذابح والذبيحة في التذكية .
وفي تمام هذه الحالات تجري البراءة عن الشرط المشكوك في شرطيته ، وذلك لرجوع الشك فيه الى الشك بين الأقل والأكثر ، وبيان ذلك :
إنّ مردَّ الشرط هو تحصيص متعلَّق الحكم بحصة خاصة وهي الحصة الواجدة للقيد ـ كما بينا ذلك في محلِّه ـ ومعنى ذلك انَّ المتعلَّق للحكم هو ذات الفعل مع التقيُّد ، فالتقيُّد شيء زائد على ذات المقيَّد « الفعل » فحينما نشك في الشرطية فمعناه الشك في شيء زائد فيكون المقام من موارد دوران الامر بين الاقل والاكثر فتجري البراءة عن الأكثر لعين ماذكرناه في البحث السابق ، وليس المقام من موارد دوران الأمر بين المتباينين لتجري قاعدة منجِّزية العلم الإجمالي ، وذلك لأنَّ ذات المتعلَّق معلوم على أيِّ تقدير ، فهو إمَّا مجعول باستقلاله أو انَّة مجعول بالإضافة الى التقيُّد .
وهذا البيان يمكن تطبيقه على تمام الامثلة المذكورة والتي يتصل بعضها بالحكم التكليفي وبعضها بالحكم الوضعي .
ففي المثال الاول يقع الشك في انَّ متعلق الواجب هل هو السعي وحده أو هو مع اضافة تقيُّده بالطهارة ، فيكون الواجب مردداً بين الأقل والأكثر ، ولمَّا كان الاقل وهو السعي بمفرده محرز الوجوب على أيِّ تقدير فهذا يعني العلم به تفصيلا والاكثر وهو التقيُّد يكون الشك فيه بدوياً وأمّا المثال الثاني فيقع الشك في متعلَّق الصحة المجعولة شرعاً وهل انَّ متعلَّق الصحة هو الإيجاب والقبول فحسب أو هو مع التقيُّد بالقدرة على التسليم ، وهكذا الكلام في المثال الثالث .
التفصيل بين الشرط الراجع للمتعلَّق والشرط الراجع للقيد :
اتّضح ممّا تقدّم انَّ الشك في الشرطية مئاله الى دوران الامر بين الاقل والأكثر إلاّ انَّه قد يقال بالتفصيل بين الشروط الراجعة الى متعلَّق الحكم والشروط الراجعة الى موضوع الحكم ، فتجري البراءة عن الاول ويكون الثاني مجرى لاصالة الإشتغال ، وبيان ذلك :
إنَّ الشروط قد ترتبط بمتعلَّق الحكم مثل قوله (عليه السلام) « لا صلاة إلاّ بطهور »() فإنَّ الطهارة قيد وشرط لنفس الصلاة والتي هي متعلَّق الأمر بالصلاة . وهذا النحو من الشروط هي التي تكون مجرى لاصالة البراءة في حال الشك ففي شرطيتها ، لأنَّ مئآل الشرط فيها الى تحصيص الواجب بحصة خاصة وهي الواجدة للشرط فيكون الواجب هو ذات المشروط مع التقيُّد بالشرط .
ومن الواضح انَّه في حالات الشك في شرطيّة الطهارة يكون لنا علم تفصيلي بوجوب ذات المشروط وهي الصلاة وشك بدوي في وجوب الاكثر وهو التقيُّد بالطهارة فتجري البراءة عنه .
وهناك شروط ترتبط بموضوع الحكم كقوله (عليه السلام) « اشتر فحلا سميناً للمتعة »() فإنَّ موضوع الحكم بوجوب الهدي هو الفحل ، وقد اشترط في الفحل أن يكون سميناً ، فهذا قيد راجع الى موضوع الحكم ، فلو شك في شرطية ذلك فما هو الاصل الجاري في مثل هذه الحالة ؟
قد يُقال بعدم جريان البراءة ، وذلك لأنَّ تقييد الموضوع بقيد لا يؤول الى الأمر بالتقيُّد ، إذ انَّ اتصاف الموضوع بالقيد ليس من المأمور به ، إذ انَّ المأمور به هو متعلَّق الحكم لا موضوعه بل قد لا تكون قيود الموضوع مختارة للمكلَّف كما لو قال المولى « أعتق رقبة مؤمنة » ، فإنَّ اتِّصاف الرقبة بالإيمان ليس اختيارياً للمكلف ، نعم الإعتاق اختياري إلاّ انَّه ليس موضوع الحكم وانَّما هو متعلَّق الحكم .
والمقام من هذا القبيل فإنَّ اتّصاف الهدي بالسمانة ليس من المأمور به وإنَّما المأمور به هو شراء الهدي في المثال ، فهذا الذي يجب تحصيله ، وليس موضوعات الاحكام وشروطها مما يجب تحصيله ، نعم لو اتّفق وجودها ترتَّب الحكم ، كما هو شأن علاقة الموضوعات بأحكامها فما لم يكن الموضوع متقرراً فإن الحكم لا يترتّب .
ومع اتضاح هذا يتّضح انَّ الشك في ثبوت شرط لموضوع الحكم لا يكون من الشك في وجوب شيء زائد على ذات المتعلَّق « الواجب » . ومن هنا لا تجري البراءة عنه بل الجاري هو أصالة الإشتغال ، لأنَّ المكلّف لو طبق المأمور به على الموضوع الفاقد للشرط فإنَّه لا يحصل له الجزم بالخروج عن عهدة التكليف المعلوم .
والجواب :
انَّ القيود الراجعة الى الموضوع يمكن إرجاعها الى قيود متعلَّق الحكم ، وذلك لأنَّ تقييد موضوع الحكم يعني انَّ المتعلَّق المأمور به هو الحصة الخاصة وهي المتصفة بالموضوع المقيَّد أي انَّ المأمور به هو المتعلَّق مع متعلقاته ، فالفحل السمين هو متعلَّق الشراء المأمور به ، إذ انَّ الشراء تارة يكون متعلَّقه الفحل السمين وتارة الفحل الهزيل وتارة يكون غير الفحل ، فالمطلوب هو الشراء المتعلق بالفحل السمين ، وواضح إختيارية هذا النحو من التقييد فلا محذور أذن في ان يتعلَّق به وجوب .
ومن هنا لو وقع الشك في تقييد الموضوع بقيد فإنَّ ذلك يعني الشك في قيود المتعلَّق للحكم وأيُّ الحصص من طبيعة المتعلَّق هي المطلوبة ، هل هي الحصة المتقيّدة بالموضوع المقيَّد أو هي الحصّة المتقيدة بمطلق الموضوع ؟
فلو وقع الشك ـ مثلا ـ في اشتراط أن يكون الفحل سميناً ـ والذي هو موضوع الوجوب ـ فإنَّ ذلك يعني الشك في تقييد متعلَّق الحكم أي الشك في انَّ متعلق الحكم هل هو الطبيعي أو هو الحصة من الطبيعة وهي المتقيّدة بكون متعلَّقها هو الفحل السمين . فالشراء الذي هو متعلَّق الوجوب نشك في حدوده . والمقدار المحرز منه هو شراء الفحل وهذا يعني وجود علم تفصيلي بوجوب شراء الفحل وشك بدوي في الوجوب الزائد وهو التقييد بكون الفحل سميناً فتجري البراءة عنه .
فلا فرق إذن بين القيود الراجعة للمتعلَّق أو القيود الراجعة للموضوع من جهة انَّ الشك فيها يكون من الشك بين الأقل والأكثر .
 


حالات دوران الواجب بين التعيين والتخيير


الواجب التعييني هو الذي لا يُجزي عنه غيره في مقام امتثال الوجوب ، فالصلاة حينما تكون واجبة تعييناً فذلك يعني عدم إجزاء شيء آخر ـ كالصدقة أو الصوم ـ عنها .
والواجب التخييري هو ما يمكن الإستعاضة عنه في مقام الامتثال بواجب آخر ، كما لو ثبت أنَّ الواجب على المكلَّف الحاج إمَّآ الحلق أو التقصير ، فالحلق واجب تخييري ولهذا يمكن للمكلَّف التعويض عنه بالتقصير الواجب وبه يسقط التكليف عن الحلق .
والبحث في المقام عن دوران الواجب بين التعيين والتخيير ، كما لو وقع الشك في انَّ الصرورة هل يجب عليه الحلق تعييناً فلا يُجزي عنه التقصير أو انَّ الواجب هو إمَّا الحلق أو التقصير فيكون أحدهما مجزياً عن الآخر .
والبحث في المقام يعمُّ التخيير العقلي والذي يكون فيه الوجوب مجعولا على الطبيعة دون تقييدها بحصة خاصة فيُدرك العقل حينئذ انَّ المكلَّف مخيرٌ في مقام الإمتثال بين تمام أفراد حصص الطبيعة .
ومثاله مالو قال المولى « صلِّ » ولم يُقيِّد الصلاة بحصة خاصة ، فإنَّ العقل حينئذ يحكم بالتخيير ـ للمكلف ـ بين أفراد طبيعة الصلاة ، فهو مخير بين الصلاة في المسجد أو في البيت وهكذا ، فلو وقع الشك في الواجب «  الصلاة » من جهة انَّ المطلوب هل هو الحصة الخاصة من الصلاة ـ وهي الصلاة في المسجد ـ أو انَّ المطلوب هو مطلق الطبيعة الشامل للصلاة في المسجد ، فالشك هنا شك بين التعيين ـ وهي الحصة الخاصة من الطبيعة والتي هي الصلاة في المسجد ـ أو التخيير بين حصص الطبيعة ، فتكون الصلاة في المسجد واجباً تخييرياً يمكن التعويض عنها بالصلاة في البيت .
كما يشمل هذا البحث التخيير الشرعي وهو التخيير المستفاد من لسان الدليل ابتداءً ، ويمكن التمثيل لذلك بالتخيير بين قراءة فاتحة الكتاب أو التسبيح في الركعتين الأخيرتين ، فإنَّه قد ورد في بعض الأدلة التصريح بالتخيير كما في رواية علي ابن حنظلة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : سألته عن الركعتين الأخيرتين ما أصنع فيهما ؟ فقال (عليه السلام) « إن شئت فاقرأ فاتحة الكتاب وإن شئت فاذكر الله فهو سواء » قال : فقلت فأيُّ ذلك أفضل ؟ فقال (عليه السلام) : « هما والله سواء إن شئت سبَّحت وإن شئت قرأت »() ، فحينئذ لو جاء المكلَّف بأخذ طرفي التخيير فإنَّ هذا يكفيه عن الإتيان بالآخر .
والبحث هنا عمَّا لو وقع الشك في انَّ الواجب هل هو قراءة الفاتحة تعييناً بحيث لا يُجزي عنها غيرها أو انَّ الواجب هو إمَّا قراءة الفاتحة أو التسبيح ، وهنا يكون الشك بين التعيين ـ والذي هو وجوب قراءة الفاتحة دون غيرها ـ أو التخيير بينها وبين التسبيح .
وبعد أن تحرَّر محلُّ البحث نصل لبيان ماهو الاصل الجاري في موارد الشك بين التعيين والتخيير .
ومعرفة ماهو الاصل الجاري في المقام يرتكز على تحديد هوية هذا النحو من الشك ، وهل هو من موارد دوران الأمر بين الاقل والاكثر حتى تجرى البراءة عن الاكثر أو انَّ المقام من موارد دوران الأمر بين المتباينين فلا تجري البراءة ويكون الجاري هو قاعدة منجِّزية العلم الإجمالي لو تمت أركانه .
والجواب : انَّه قد ثبت في محلِّه انَّ الاحكام متعلِّقة بالطبايع لا بالافراد فحينما تجب الصلاة فالواجب هو الطبيعي والذي هو طبيعة الصلاة بمفهومها السَعِي ، غايته انَّ هذا الطبيعي الذي وقع متعلَّقاً للأمر يمكن تطبيقه على أحد مصاديقه .
واذا كان كذلك فالدوران في المقام انَّما هو بين المتباينين ، وذلك لأنَّ الشك انَّما هو ـ مثلا ـ بين الحلق تعييناً أو الأعم منه ومن التقصير ، وهذا يعني انَّ الواجب هو امَّا طبيعي الحلق أو طبيعي الجامع بين الحلق والتقصير  ، نعم هما متصادقان في أفرادهما خارجاً ، وذلك لأنَّ عنوان الجامع يصدق على أفراد عنوان الحلق إلاّ انّ ذلك لا يوجب كون الدوران بينهما من الدوران بين الاقل والاكثر ، لأنَّ الضابطة في تحديد هوية التردد وانَّه بين الاقل والاكثر أو بين المتباينين انما هو متعلَّق التكليف وهو الطبيعي ، ومتعلَّق التكليف في المقام مردد بين طبيعي الحلق وطبيعي الجامع بين الحلق والتقصير ، ومن الواضح انَّهما متباينان في عالم المفاهيم ، فأحدهما غير متحد مع الآخر ولو في الجملة .
واذا كان الدوران بينهما من الدوران بين المتباينين فهذا يعني وجود علم إجمالي طرفاه هما عنوان الحلق وعنوان الجامع بين الحلق والتقصير ، وجامع هذا العلم هو وجوب أحد العنوانين إلاّ انَّه مع ذلك لا يكون مثل هذا العلم الإجمالي منجِّزاً ، وذلك لاختلال الركن الثالث منه ـ وهو صحة جريان الاصول المؤمِّنة في تمام الاطراف لولا المعارضة ـ إذ انَّه لا يمكن إجراء الاصل المؤمِّن عن عنوان الجامع بين الحلق والتقصير حيث انَّ اجراءه يؤدي الى الترخيص في المخالفة القطعيّة .
وبيان ذلك :
إنَّ إجراء البراءة عن عنوان الجامع معناه الإذن في ترك الوجوب التخييري دون التعييني ، وهذا لا محصِّل له ، لأنَّه إذا كان معنى ترك الوجوب التخييرى هو ترك كل من الحلق والتقصير فهو إذْنٌ في ترك التكليف المعلوم وهو يؤدي الى الإذن في المخالفة القطعيّة .
وبتعبير آخر : إنَّ الإذن في ترك الوجوب التخييري ـ والذي متعلَّقه جامع العنوانين ـ يعني التأمين عمَّا هو مقطوع بوجوبه ، فالوجوب التخييري وإن لم يكن معلوماً إلاّ انَّ تركه يؤدي الى ترك جامع العلم الإجمالي وهو وجوب أحد العنوانين .
وكلُّ حالة يلزم من الترخيص في أحد الطرفين الترخيص في ترك جامع التكليف فإنَّ البراءة لا تجري عن ذلك الطرف ، وبهذا يختلُّ الركن الثالث من أركان منجزية العلم الإجمالي ، فيكون إجراء البراءة عن التعيين بلا معارض . واذا كان التعيين غير لازم لجريان البراءة عنه فالمكلَّف في سعة من جهة اختيار أحد العنوانين امَّا الحلق أو التقصير .
وهذا بخلاف مالو قلنا بأنَّ العلم الإجمالي منجِّز فإنَّ المكلَّف يكون ملزماً بالواجب التعييني ، إذ هو الذي يحصل بامتثاله الخروج عن عهدة التكليف ، فإنْ كان الواقع هو التعيين فقد جاء به وإن كان الواجب واقعاً هو التخيير فما جاء به هو أحد طرفي الواجب التخييري .
 


الإستصحاب


تعريف الإستصحاب :
وقيبل بيان تعريف الإستصحاب لابدَّ من تقديم مقدمتين :
المقدّمة الاولى : في بيان مجرى الإستصحاب بنحو مجمل فنقول : إنَّ الإستصحاب لمَّا كان مورده الحكم الظاهري فهذا يقتضي عدم جريانه إلاّ في حالات الشك في الحكم الواقعي ، وذلك لأنَّ الحكم الظاهري اُخذ في موضوعه الشك في الحكم الواقعي .
وهذا البيان لا يختص بالاستصحاب بل هو شامل لكلِّ مثبت للحكم في ظرف الشك سواء كان من قبيل الأمارات أو من قبيل الاصول العمليَّة .
والذي يختص به الإستصحاب دون سائر الادلة هو انَّه متقوِّم بالشك المسبوق باليقين ، فمتى ما كان المكلَّف على يقين بشيء ثم وقع الشك في بقاء ذلك الشيء المتيقّن فإنَّ الإستصحاب يقتضي تسرية آثار اليقين الى ظرف الشك ، فكما اننا لو كنَّا على يقين بذلك الشيء فإنّنا نرتِّب آثار ذلك اليقين فكذلك لو شككنا بعد ذلك في بقاء ذلك الشيء فإننا نتعامل كما لو كنَّا على يقين من جهته .
مثلا : لو كنَّا على يقين بوجوب صلاة الجمعة في زمن الحضور ثمّ في عصر الغيبة وقع الشك في استمرار ذلك الوجوب فإنَّ الاستصحاب يقتضي في مثل هذه الحالة بقاء الوجوب الثابت في زمن الحضور ، فكما انَّ الوجوب المتيقن يقتضي التحرُّك والانبعاث عنه كذلك الوجوب المشكوك إذا كانت حالته السابقة هي اليقين بالوجوب .
المقدّمة الثانية : انَّه وإن كان من المسلَّم انّ المجعول في مورد الاستصحاب هو الحكم الظاهري إلا انَّه وقع النزاع في انَّ الاستصحاب كاشف عن الحكم الظاهري أو هو بنفسه حكم ظاهري أي انَّ الاستصحاب هل هو من الامارات ـ والتي شأنها الكشف عن الحكم الواقعي ـ أو هو من قبيل الاصول العمليَّة المقرِّرة لوظيفة المكلَّف في ظرف الشك في الحكم الواقعي .
ومن الواضح انَّه بناء على الاول يكون دور الإستصحاب دور الكشف عن الحكم الواقعي ، وأما بناءً على الثاني فالاستصحاب بنفسه حكم ظاهري فجعل الاستصحاب يعني جعل الوجوب الظاهري أو جعل الحرمة الظاهرية أو الشرطية الظاهرية وهكذا .
كما انَّه وقع النزاع بينهم فيما هو دليل الإستصحاب وهل هو من مدركات العقل أي انَّ العقل يُدرك بقاء المتيقن على ماهو عليه في ظرف الشك فيكون الدليل على حجية الاستصحاب هو الحكم العقلي القطعي أو الظني أو انَّ مَدرك الحجيَّة للإستصحاب هو السيرة العقلائية الجارية على اعتبار المشكوك ـ لو كان مسبوقاً باليقين ـ متيقناً وترتيب آثار اليقين على حالات الشك ، أو انَّ مَدركه هو الروايات القاضية بحرمة نقض اليقين بالشك ، وهذا ما سيأتي تفصيله في دليل الإستصحاب .
ومع اتضاح هاتين المقدمتين نصل لبيان تعريف الاستصحاب :
فقد ذكر الشيخ مرتضى الأنصاري بما معناه ـ ووافقه صاحب الكفاية مع تعديل طفيف يرجع الى الصياغة ـ انّ أسدَّ التعاريف وأخصرها للاستصحاب هو انَّه « الحكم ببقاء ما كان » .
إلاّ انَّ السيد الخوئي (رحمه الله) أورد على هذا التعريف بايراد حاصله :
انَّه لا يتناسب مع تمام المباني المختلفة في تحديد واقع الاستصحاب وما هو الدليل عليه ، وانَّما يتناسب مع البناء على انَّ الاستصحاب من الاصول العمليَّة ، إذ انّه بناء على انَّ الاستصحاب من الأمارات ينبغي ان يُعبِّر التعريف عن أهلية الاستصحاب للكشف عن الحكم الشرعي ، ولهذا يمكن ان يُقال انَّه ليس للإستصحاب تعريفاً يمكن أن يكون معبِّراً عن تمام المباني المتباينة من جهة تحديد هوية الاستصحاب ونحو دليليَّته وماهو دليل حجيَّته .
ومن أجل ان يتّضح اشكال السيد الخوئي (رحمه الله) على التعريف لابدَّ من بيان معنى التعريف وماهو منشأ عدم صلوحه لتعريف الاستصحاب بناء على أماريته فنقول :
إنَّ المراد من تعريف الإستصحاب بأنَّه « الحكم ببقاء ما كان » هو حكم الشارع باستمرار الحالة المتيقنة في ظرف الشك في استمرارها فما كان متيقناً حقيقة هو متيقن عملا في ظرف الشك في البقاء ، ومن الواضح انَّ هذا التعريف انَّما يتناسب مع كون الإستصحاب أصلا عمليّاً ، وذلك لأنَّ الأمارة ليست حكماً شرعياً وانَّما هي كاشف ظني نوعي أي انَّ الامارة هي ما يكون العلم بها موجباً للظن بمؤداها عند نوع العقلاء ، فالاستصحاب لو كان أمارة لما كان بنفسه حكماً شرعياً ، نعم يكون كاشفاً ظنياً عن الحكم الشرعي ، وهذا بخلاف الاصل العملي فإنَّه من الاحكام الشرعيّة المجعولة على المكلَّف حين تحقق موضوعاتها . فجعل البراءة في ظرف الشك مثل جعل الوجوب للصلاة عند الزوال ، فكما انَّ الوجوب للصلاة مجعول شرعي موضوعه الزوال فكذلك البراءة مجعول شرعي موضوعه الشك في الحكم الواقعي .
وهكذا الكلام في الاستصحاب ـ لو كان أصلا عمليَّاً ، إذ انَّ الاستصحاب لا يعني أكثر من الوجوب والحرمة والإباحة وهكذا ، فلو كانت الحالة السابقة المتيقنة هي الوجوب فمعنى استصحاب الوجوب هو انَّ الشارع قد جعل الوجوب على المكلَّف في ظرف الشك في استمرار الوجوب أو انتفائه وهكذا استصحاب الحرمة فإنَّ معناه هو حكم الشارع بالحرمة في ظرف الشك في استمرارها .
وبهذا اتضح انَّ التعريف لا يتناسب الاَّ مع كون الإستصحاب أصلا عمليَّاً ، ومن هنا عدل السيد الخوئي (رحمه الله) عن هذا التعريف ، وذلك لأنَّه لا يرى انَّ الاستصحاب من الاصول العمليَّة بل هو من الأمارات التي شأنها الكشف عن الحكم الشرعي ، فلابدَّ أن يكون التعريف معبِّراً عمَّا للإستصحاب من أماريَّة وطريقيَّة ، ولذا فالصحيح في تعريف الإستصحاب هو : « اليقين بالحدوث » ، إذ انَّ هذا التعريف هو المتناسب مع كون الاستصحاب أمارة ، وذلك لأنَّ تعريف الاستصحاب باليقين بالحدوث تعريف له بمنشأ كاشفيته ، إذ انَّ اليقين بالحدوث هو الكاشف الظنّي النوعي عن بقاء ما كان ، فحينما نكون على يقين بوجوب صلاة الجمعة في زمن الحضور فإنَّ هذا يكشف عن بقاء الوجوب في زمن الغيبة لو وقع الشك حينذاك في بقاء الوجوب .
ومن هنا يتضح ان تعريف الاستصحاب لابدَّ وأن يختلف باختلاف المبنى فيما هو حقيقة الاستصحاب وهل انَّه أمارة أو أصل ، وذلك لعدم وجود تعريف جامع يتناسب مع كون الإستصحاب أمارة وأصلا عمليَّاً .
وقد أورد المصنِّف (رحمه الله) على ما أفاده السيد الخوئي (رحمه الله) ثلاثة إيرادات :
الايراد الاول :
انَّه لو كان البناء هو تعريف الاستصحاب بما يتناسب مع كونه أمارة لما صح ان يُعرَّف « باليقين بالحدوث » ، وذلك لأنَّ منشأ أمارية الإستصحاب ليس هو اليقين بالحدوث بل هو نفس الحدوث ، إذ انَّ طبع كل حادث انَّه يبقى ، فطبيعة الحادث بنفسها تكشف عن البقاء والإستمرار ، فحينما يتحقق الوجوب فإنَّ تحققه وتقرُّره يقتضي بقاءه وكذلك حينما يكون الشيء نجساً فإن ذلك يقتضي بقاء نجاسته .
وهذا الإقتضاء يكشف كشفاً ظنياً عن البقاء فليس لليقين دور في أمارية الحدوث على البقاء ، نعم اليقين له دور الكاشفية عن تحقّق الأمارة ، فاليقين بالحدوث يكشف عن تحقق الحدوث والحدوث أمارة على البقاء ، وهذا مثل خبر الثقة في الأحكام والبينة في الموضوعات ، فإنَّه حينما نعلم بالوجدان قيام البينة على وقوع شيء فإنَّ العلم الوجداني لا يكون هو المبرِّر لكاشفية البينة عن وقوع ذلك الشيء وانما يكون دور العلم الوجداني هو الكشف عن قيام البينة ويكون دور البينة هو الكشف الظني عن وقوع ذلك الشيء الذي دلَّت البينة على وقوعه ، فالبينة بنفسها أمارة وكاشفة عن مؤدَّاها حتى لو لم يكن علم وجداني بتحققها ، وهكذا الكلام في اليقين بالحدوث ، فإنَّ الحدوث أمارة على البقاء بقطع النظر عن اليقين به ، غايته انّ اليقين يُثبت انَّ الحدوث قد وقع خارجاً .
فالصحيح ان يُعرَّف الاستصحاب ـ لو كنَّا نبني على أماريته ـ بالحدوث أي انَّ الاستصحاب هو أمارية الحدوث على البقاء .
الإيراد الثاني :
إنَّ الإستصحاب بناء على كونه أمارة أو بناء على كونه أصلا عمليَّاً لا يُنتج إلا حكماً ظاهرياً ، إذ انَّ حجيته على المبنيين انَّما هي في طول العلم بالحكم الواقعي ، واذا كان كذلك فيمكن تعريف الإستصحاب بما يتناسب مع أماريته وبما يتناسب مع اعتباره أصلا ، وذلك بأن يكون التعريف مشتملا على الحيثية المشتركة وهي منتجيته للحكم الظاهري ، فهو بناء على كونه أمارة فهو يكشف عن الحكم الشرعي الظاهري وبناء على كونه أصلا عمليَّاً فهو يُحدِّد وظيفة المكلَّف في ظرف الشك المسبوق بالعلم ، وهذه الوظيفة من الاحكام الظاهرية كما هو واضح .
وبهذا اتَّضح انَّ الحيثية المشتركه بين المبنيين وهي المنتجية للحكم الظاهري صالحة لأن تكون مركزاً في تعريف الاستصحاب على المبنيين ولا يلزم أن يؤخذ في تعريف الاستصحاب حيثية الكشف أو حيثية الوظيفة المحضة .
الإيراد الثالث :
انَّه لا نقبل دعوى عدم وجود تعريف جامع لتمام المباني المختلفة في تحديد هوية الاستصحاب ، فإنَّه بالإمكان تعريفه « بمرجعية الحالة السابقة بقاء » بمعنى انَّ المكلَّف اذا كان على يقين بالحدوث فإنَّه يمكن ان يُعوَّل على ذلك اليقين بالحدوث ويعتمد عليه باعتباره كاشفاً عن الحكم الشرعي أو مثبتاً للتنجيز والتعذير أو انَّه مثبت لجعل حكم شرعي مطابق لما هو متيقن الحدوث .
فتعريف الإستصحاب بمرجعية الحالة السابقة يتناسب مع تمام المباني في تحديد هوية الاستصحاب ، فهو يتناسب مع كون الإستصحاب أمارة ، وذلك لأنَّ أمارية الإستصحاب تعني انَّ الحالة السابقة المتيقنة يمكن التعويل عليها في مقام استكشاف الحكم الشرعي أو استكشاف الموضوع ذي الأثر الشرعي .
كما يتناسب مع كون المجعول في الاستصحاب هو المنجزية والمعذريَّة ، وذلك لأنَّ مرجعية الحالة السابقة حينئذ تعني إمكان الإستناد اليها في مقام إثبات المنجزيَّة والمعذريَّة للحكم المشكوك .
كما يتناسب هذا التعريف مع كون الاستصحاب هو الحكم ببقاء المتيقن في ظرف الشك في بقائه ـ والذي هو الاصل العملي ـ وذلك لانَّ الحالة السابقة هي الموضوع المنقِّح لجريان الاستصحاب .
التمييز بين الاستصحاب وغيره :
ومن أجل ان يتحرَّر معنى الاستصحاب أكثر لابدَّ من بيان تميُّزه عن بعض القواعد التي يُتوهم بدواً انها عين الاستصحاب أو متداخلة معه ، وهذه القواعد هي قاعدة اليقين وقاعدة المقتضي والمانع .
أمّا قاعدة اليقين :
فهي كما قالوا عبارة عن الشك الساري لليقين أي العادم لليقين أو قل انَّه الشك الذي يطرد اليقين ويحلُّ محلَّه .
وبتعبير أوضح : انَّ قاعدة اليقين هي عبارة عن تحوُّل اليقين بشيء الى الشك فيه بحيث يتضح للمتيقِّن انَّه كان مخطئاً في يقينه وانَّه لم يكن موجباً لليقين فتستقر نفسه على الشك وتستقرُّ على انّ يقينه كان محض وهم ، وهذا بخلاف الإستصحاب فإنَّ اليقين في مورده يظلُّ ثابتاً في النفس ، غايته انَّ الشك يكون في بقائه .
والمتحصَّل انَّ اليقين والشك ـ في قاعدة اليقين ـ يتواردان على متعلَّق واحد أما قاعدة الاستصحاب فمتعلق اليقين فيه غير متعلَّق الشك ، إذ انَّ متعلَّق اليقين هو الحدوث ومتعلَّق الشك هو بقاء الحادث .
مثلا : لو كنت على يقين بعدالة زيد في السنة الماضية ثم شككت في عدالته ، فتارة يكون الشك في عدالته من حيث وجودها واقعاً في السنة الماضية بمعنى انني أشك بأنَّ عدالته لم تكن وان يقيني لم يكن في محلِّه ، فهذا هو الشك الساري وهو قوام قاعدة اليقين .
وتلاحظون انَّ متعلَّق الشك ومتعلَّق اليقين ـ في قاعدة اليقين ـ واحد وهو عدالة زيد فعدالة زيد هي المتيقنة وهي المشكوكة كما انَّ زمن اليقين بالعدالة هو زمن الشك في العدالة وهي السنة الماضية في المثال ، غايته ان حالة الشك تأخرت عن حالة اليقين إلاّ انَّهما قد تبادلا على موضوع واحد في زمن واحد .
أما لو كان الشك في عدالة زيد شكاً في استمرار العدالة ـ والتي لا زال اليقين بحدوثها على حاله ـ فهذا هو موضوع الإستصحاب .
وتلاحظون انَّ الشك في مورد الاستصحاب لا يطرد اليقين ولا يُعدِمه ، إذ انَّ متعلَّق أحدهما غير متعلَّق الآخر ، فمتعلَّق اليقين هو وجود العدالة في السنة الماضية ومتعلَّق الشك هواستمرار العدالة الى ما بعد السنة الماضية ، ولذلك لا يتنافى اليقين والشك في قاعدة الإستصحاب فيمكن ان يجتمعا في نفس واحدة ، وهذا بخلاف قاعدة اليقين فإنَّ الشك لا يمكن ان يجتمع مع اليقين فمتى ما تحقق الشك انعدم اليقين .
ومن أجل ان يتضح الفرق أكثر نذكر هذا التطبيق : لو أوقع المكلَّف الطلاق بمحضر زيد معتقداً عدالته ثم بعد ذلك شك في عدالته ، فتارة يكون شكه من نحو الشك الساري بمعنى تحوُّل يقينه بعدالة زيد في وقت ايقاع الطلاق الى شك في عدالته .
وهنا لا يكون الطلاق الذي أوقعه صحيحاً لاشتراط العدالة الواقعية في شاهد الطلاق . ولمَّا لم تكن عدالة الشاهد ـ وهو زيد ـ محرزة فالطلاق بمحضره لا يكون محرز النفوذ .
أما لو كان الشك في عدالة زيد من جهة بقاء اتصافه بالعدالة لا من جهة وجودها حين ايقاع الطلاق فإنّ الإعتقاد بعدالته حين إيقاع الطلاق لم يطرأ عليه شك ، فهذا النحو من الشك هو المقوِّم لقاعدة الإستصحاب إذ انَّ الشك في هذه الصورة لا ينافي اليقين . ومن هنا يكون ما أوقعه من طلاق في محضر زيد صحيحاً ونافذاً لتوفره على شرط الصحة وهو إحراز عدالة الشاهد للطلاق .
وبهذا اتضح ان قاعدة اليقين وقاعدة الاستصحاب وإن كانا يتقومان بالشك واليقين إلاّ انَّ حيثية الشك في قاعدة اليقين تختلف عن حيثيته في قاعدة الاستصحاب ، فالاول يكون الشك نافياً لليقين والثاني لا يكون كذلك .
وبتعبير آخر : انَّ نقض الشك لليقين في قاعدة اليقين تكويني وحقيقي ، أمَّا في قاعدة الاستصحاب ، فناقضية الشك لليقين ليست بمعنى امتناع اجتماعهما بل بمعنى انتهاء أمد اليقين وابتداء مرحلة جديدة هي الشك في الموضوع الذي تعلَّق به اليقين سابقاً ، على انَّه يمكن دعوى عدم تقوُّم الإستصحاب بالشك في البقاء ، وذلك لأنَّ الشك في البقاء ليس مطرداً في تمام حالات جريان الإستصحاب .
ومثال ذلك مالو علمنا بوقوع النجاسة في مائع معين إلاّ اننا لا ندري متى وقعت النجاسة هل هي في الساعة الواحدة أو الساعة الثانية ظهراً ثم بعد ذلك وقع الشك في إرتفاع النجاسة ، فإن بالامكان إجراء استصحاب النجاسة الى الساعة الثانية رغم انَّ الساعة الثانية لا يُحرز انّها بقاءً للنجاسة ، إذ لعلها وقعت في الساعة الثانية فتكون الساعة الثانية هي زمن الحدوث لا زمن البقاء ، فلو كان الإستصحاب متقوِّماً بالشك في البقاء لما كان جارياً في المقام ، إذ اننا لا نُحرز أن الشك في الساعة الثانية شك في البقاء ، نعم نحن نشك في وجود النجاسة في الساعة الثانية إلاّ انَّ اتِّصافه بأنَّه شك في البقاء محلُّ تردد ، إذ لو كان زمان الحدوث للنجاسة ـ المعلوم وقوعها ـ هو الساعة الثانية لما كان الشك حينئذ شكاً في البقاء بل هو شك في وجود النجاسة المحرز وقوعها على أيِّ حال . فالشك في البقاء إذن ليس مقوِّماً للإستصحاب بل انَّ مقوِّم الاستصحاب هو الشك فحسب .
ومن هنا يمكن ان يُقال بكفاية إحراز وجود الحادث لإجراء الاستصحاب لو أردنا اثبات المستصحب « الحادث » حين الشك .
وأما قاعدة المقتضي والمانع :
فالمراد منها هو ترتيب آثار وجود المعلول عند اليقين بوجود
المقتضي ـ والذي هو الركن الاساسي في عليَّة العلة ـ مع عدم إحراز انتفاء المانع والذي هو الجزء الآخر لعليَّة العلَّة .
وتوضيح ذلك :
انَّه تارة نُحرز تحقق المقتضي للمعلول ونُحرز عدم وجود ما يمنع عن تأثير المقتضي أثره فهنا لا ريب في تحقق المعلول ، وذلك لتمامية علته .
ومثال ذلك ان نُحرز وجود النار المقتضية لإحراق الخشب ونُحرز عدم وجود ما يمنع النار عن إحراق الخشب وهنا لا ريب في تحقّق المعلول وهو إحتراق الخشب .
وفي حالة اخرى نُحرز وجود المقتضي إلاّ انَّنا نشك في انتفاء المانع فلعلَّه منتف ولعلَّه موجود ، وهنا يكون مجرى قاعدة المقتضي والمانع ، ومفادها هو البناء على عدم المانع وبالتالي يكون المقتضي أثَّر أثره وأوجد معلوله ـ والذي يُعبَّر عنه بالمقتضى بصيغة المفعول ـ .
ومثاله ان نُحرز وجود النار في الخشب إلا انّنا لا نعلم بما اذا كان هناك مانع من تأثير النار أثرها وهو إحراق الخشب ، فهنا نبني ـ بمقتضى هذه القاعدة على عدم وجود المانع وأن المقتضي وهو النار قد أحرقت الخشب .
وتلاحظون انَّ هذه القاعدة تتفق مع قاعدة الاستصحاب من جهة انها متقومة بالشك واليقين إلاّ أنها تختلف عن الإستصحاب من جهة انَّ مورد الشك فيها مباين ذاتاً لمورد اليقين ، فمتعلَّق اليقين فيها هو وجود المقتضي ومتعلَّق الشك هو وجود المانع . أما قاعدة الإستصحاب فالمتيقن هو المشكوك غايته انَّ حيثية الشك تختلف عن حيثية اليقين ، فمتعلَّق اليقين والشك هي نجاسة المائع ـ مثلا ـ إلاّ ان جهة اليقين هي الحدوث وجهة الشك هي البقاء .
وبهذا البيان اتَّضح الفرق بين القاعدتين ، واتَّضح أيضاً انَّ القواعد الثلاث لا تتصل إحداها بالاخرى . ثم انَّ هناك فارقاً آخر بين القواعد الثلاث يتصل بمنشأ كاشفية هذه القواعد عن الواقع .
فقاعدة الإستصحاب انَّما تكشف عن بقاء الحادث واستمراره باعتبار انَّ من طبع الحادث اذا حدث ان يستمر ويبقى .
وأما قاعدة اليقين فهي تكشف عن واقعيَّة المتيقن باعتبار ندرة وقوع الخطأ في حالات اليقين ، فلذلك يكون الشك في متعلَّق اليقين لا إعتداد به وانَّ اليقين أقرب للصواب منه الى الخطأ .
وأما قاعدة المقتضي والمانع فهي تكشف عن انتفاء المانع وتأثير المقتضي أثره باعتبار انَّ الحالة الغالبة عند وجود المقتضي هي عدم وجود ما يزاحمه ويمنع عن تأثيره .
إذن فمنشأ الكشف الظني في كل قاعدة يختلف عنه في القاعدة الاخرى ، وهذا ما يُبرِّر عدَّه في ضمن الفوارق بين هذه القواعد الثلاث .
 


أدلّة الاستصحاب


وقد استُدل لحجيَّة الإستصحاب بثلاثة انحاء من الادلة :
النحو الاول : هو الإستدلال على الاستصحاب باعتبار انَّ ركنه المقوِّم ـ وهو اليقين بالحدوث أو قل الحدوث نفسه ـ موجب للظن النوعي بالبقاء ، وذلك لأنَّ الحالة الغالبة هي بقاء الحادث بعد حدوثه ، وهذه الغلبة في بقاء الحادث هي الموجبة للظن النوعي باستمرار الحادث ، وكل ما كان هناك ظن نوعي فإنَّ له الدليليَّة والحجيَّة أي انَّ الظن النوعي موجب للجريان على وفقه شرعاً .
ويمكن ان تؤيد دعوى ايجاب اليقين بالحدوث للظن النوعي بالبقاء بما جرت عليه سيرة العقلاء من البناء على بقاء الحادث وترتيب آثار البقاء بمجرَّد انه محرز الوقوع والحدوث ، فإذا كان البناء العقلائي على ذلك مع الإلتفات الى أن العقلاء لا يعتمدون في مقام استكشاف الواقعيات إلاّ على ما يوجب الإطمئنان أو الظن النوعي فإذا لم يكن الإستصحاب موجباً للإطمئنان فهو لا أقل موجب للظن النوعي في نظرهم ، وهذا ما يعزز كون الحدوث أمارة البقاء .
والجواب عن هذا الدليل : انه موهون في صغراه ومؤيدها وكذلك كبراه .
أما الصغرى : فلا نسلِّم انَّ الحدوث بنفسه موجب للظن النوعي ، نعم قد ينشأ الظن بالبقاء عند إحراز وجود الحادث إلاّ انَّه لا لإقتضاء الحادث نفسه للظن في البقاء ، إذ اننا وبالوجدان نجد انَّ إحراز وجود الحادث لا يقتضي في حالات كثيرة البقاء مما يُعبِّر عن انَّ هناك منشأ آخر للظن بالبقاء وليكن هو طبيعة الحادث المقتضية للبقاء الى حين زمان الشك  ، كما لو علمنا بتولُّد إنسان صحيح البدن وشككنا بعد سنة في بقائه ، فإنَّه لو رجعنا الى أنفسنا لوجدناها تُرجِّح جانب البقاء إلا انَّ هذا الترجيح ـ والذي هو الظن بالبقاء ـ لم ينشأ عن العلم بتولُّد هذا الانسان وانَّما نشأ عن معرفة طبيعة هذا الحادث وأنَّه حينما يحدث يبقى لأكثر من سنة ، ولذلك لو علمنا ـ مثلا ـ أنَّ خطيباً قد بدأ خطبته ثم وقع الشك بعد ساعتين في استمراره في خطابه فإنَّه لا يحصل الظن بالإستمرار وما ذلك إلاّ لعدم إقتضاء هذا النحو من الحادث للبقاء الى هذه الفترة الزمنيَّة .
وأما المؤيد : فهو لا يصلح للتأييد ، وذلك لإحتمال أن يكون منشأ التباني هو الجريان على مقتضى الإلفة والعادة كما هو الحال في الحيوانات أو يكون المنشأ ـ ولو في بعض الحالات ـ هو رجاء البقاء ، أو انَّ المنشأ هو قوة المحتمل مثلا قد يتحرك العطشان نحو المحل الذي كان يقطع بوجود الماء فيه لا لأنه يظن ببقاء المال بل لشدة اهتمامه بالمطلوب ، فلعلَّ احتمال بقاء الماء في ذلك المحل ضئيل جداً ومع ذلك يتحرَّك نحوه لعله يجده وماهذا إلا لقوة المحتمل والذي هو المطلوب .
وأمَّا الكبرى : فلأنَّ الظن ليس حجة بذاته ، فلا بدَّ لإثبات الحجيّة له من قيام دليل قطعي على الحجيَّة ولمّا لم يكن دليل على حجيَّة هذا الظن فهو ساقط عن الإعتبار .
النحو الثاني : وهو الإستدلال بالسيرة العقلائية القاضية بالبناء على الحالة السابقة وترتيب آثار البقاء بمجرَّد إحراز الحدوث .
والجواب : انَّ هذه السيرة لا يمكن الإستدلال بها على الإستصحاب لأنَّ مجرَّد البناء على الحالة السابقة لا يُعبِّر عن وجود اعتبار عقلائي قاض بترتيب آثار البقاء عند إحراز الحدوث فإنَّ كثيراً من السير منشاؤها التسامح خصوصاً في السلوك الذي لا يشكِّل الجريان عليه خطورة وتهديداً للصالح العام في المجتمع العقلائي فلعلَّ هذه السيرة من ضمن تلك السير التي تكون مبتنية على ما تقتضيه حالة التسامح من الإسترسال مع مقتضيات الإلفة والعادة والتي لا تنفك عادة عن الغفلة والذهول ، ولذلك لا يمكن استكشاف الإمضاء لهذا النحو من السير خصوصاً إذا لم تكن منافية لاغراض الشارع على انَّه يمكن القول بأنَّ البناءعلى الحالة السابقة ناشئة في كثير من الاحيان عن الإطمئنان بالبقاء أو ناشئة ـ كما قلنا ـ عن رجاء المطلوب أو عن قوة المحتمل .
النحو الثالث : هو الاستدلال بالروايات وهي المستند في اثبات الحجيَّة للإستصحاب .
ومن هذه الروايات صحيحة زرارة ، قال : قلت له الرجل ينام وهو على وضوء اتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء ؟ فقال : يا زرارة قد تنام العين ولا ينام القلب والإذن ، فإذا نامت العين والإذن والقلب وجب الوضوء ، قلت : فإن حُرِّك في جنبه شيء ولم يعلم به ؟ قال : لا حتى يستيقن انَّه قد نام حتى يجيء من ذلك أمرٌ بيِّن وإلا فإنَّه على يقين من وضوئه ولا تنقض اليقين أبداً بالشك ولكن انقضه بيقين آخر »() .
ويمكن صياغة الرواية باسلوب أوضح :
ان زرارة (رحمه الله) كان يُحرز أن النوم من نواقض الوضوء إلاّ انَّه كان يسأل عن حالة الشك في تحقق هذا الناقض وعن أنَّ الخفقة والخفقتين مما يُوجب تحقق الناقض أو لا ؟ فأجابه الامام (عليه السلام) بأن المناط في تحقق الناقض هو نوم العين والاُذن والقلب معاً ، فما لم يتحقق نوم المجموع فإنَّه لا يتحقق النوم الناقض للوضوء . ثم سأل زرارة عن أمارية الحركة القريبة مع عدم الإلتفات اليها على تحقق النوم الناقض أو انَّ ذلك ليس أمارة ؟ فأجابه الإمام (عليه السلام) إنَّ ذلك غير موجب لإحراز الناقض بل غاية ما ينتجه ذلك هو الشك وهو غير معتبر في ثبوت الناقضية بعد ان كان المكلَّف متيقناً بالطهارة من الحدث ولا يرفع اليد عن اليقين بالطهارة بالشك فيها ، نعم الموجب لرفع اليد عن الطهارة المتيقنة هو إحراز حدوث الناقض ، ثم ذيَّل الإمام (عليه السلام) كلامه بكبرى كليَّة نهى فيها عن نقض اليقين بالشك .
ثم انَّ الكلام في الرواية يقع في جهات :
الجهة الاولى :
والبحث فيها عن فقه هذه الفقرة من الرواية وهي « وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه ولا ينقض اليقين بالشك » . وهو من ناحيتين :
الناحية الاولى : هي انَّ الرواية عبَّرت عن الشك في البقاء انَّه نقض لليقين رغم انَّه لا تنافي بين اليقين بالحدوث والشك في البقاء ، وذلك لعدم اتحاد المتعلَّق في كل من اليقين والشك ، حيث انَّ متعلَّق اليقين هو نفس الحدوث ومتعلَّق الشك هو بقاء الحادث ، ومع عدم اتحاد متعلَّقي اليقين والشك كيف يكون الشك نقضاً لليقين ، وقد ذكرنا في بحث التمييز بين الاستصحاب وقاعدة اليقين أن الشك في قاعدة اليقين هو الموجب لنقض اليقين ، وذلك لأن الشك يسري الى نفس متعلَّق اليقين ويوجب تحوُّل اليقين بالحدوث الى الشك في نفس الحدوث ، فالنقض هنا تكويني ، إذ من المستحيل ان يكون الشيء الواحد هو متيقن الحدوث وهو مشكوك الحدوث ، ذلك لأن اليقين يعني الإستقرار النفسي نتيجة وضوح الرؤية للمتعلَّق ، وهذا بخلاف الشك فإنَّه يعني تردد النفس واضطرابها نتيجة الضبابية المكتنفة بالمتعلَّق .
فطبيعة هاتين الحالتين تقتضي عدم اجتماعها فلذلك حينما يأتي الشك ينعدم اليقين وحينما يأتي اليقين ينعدم معه الشك ، وهذا هو معنى ناقضية أحدهما للآخر تكويناً .
وهذا النحو من ناقضية الشك لليقين لا تحصل في موارد الإستصحاب ، وذلك لأنَّ المرئي والمتيقن انَّما هو أصل الحدوث ، ومورد التردد انَّما هو استمرار الحدث ، ومن الواضح انَّ استمرار الحدث غير الحدث ، فالشيء قد يحدث إلاّ انَّه يرتفع وينتفي بعد ذلك .
إلاّ انه مع ذلك قد يُطلق على الشك في البقاء انّه ناقض لليقين تجوُّزاً وتسامحاً ومجاراة مع الإستعمالات العرفية التي تتسامح كثيراً في تحديد الموضوعات ، فنشاهدهم يعتبرون الموضوعات المتباينة دقةً ذات مفهوم واحد لمجرَّد وجود تشابه نسبي بينهما . وهذا النحو من التسامح يكثر في تحديد الاوزان والكميات والمسافات والازمنة .
ومن هنا صحَّ اطلاق النقض لليقين على الشك في البقاء رغم تباين موردي اليقين والشك ، وما ذلك إلاّ لإلغاء حيثية الزمن بين متعلَّقي اليقين والشك واعتبار الحدوث واستمراره شيئاً واحداً . وبهذا الإلغاء يتحد المتعلَّقان ويصير مورد الشك هو مورد اليقين ، ولمّا كان الشك واليقين لا يجتمعان على متعلَّق واحد فيكون مجيء الشك بعد اليقين موجباً لانتقاض اليقين ، وهذا هو مبرِّر إطلاق الامام (عليه السلام) عنوان النقض لليقين على الشك في البقاء فيكون المتفاهم العرفي من الرواية هو عدم اعتناء الشاك في البقاء بشكه وأن الشارع لا يأذن في رفع اليد عن اليقين بالحدوث بمجرَّد الشك في البقاء ، فهو وإن كان ناقضاً بنظر العرف إلا انَّ الشارع لم يُرتِّب الأثر على هذا النحو من النقض ، ولم يسمح بنقض اليقين إلاّ بيقين مثله والذي هو ليس نقضاً حقيقياً أيضاً ، وذلك لعدم اتحاد مورديهما كما بينا ذلك .
الناحية الثانية : والكلام فيها يتصل بهذه الفقرة من الرواية « لا حتى يستيقن انَّه قد نام حتى يجيء من ذلك أمر بيِّن وإلا فهو على يقين من وضوئه » فإنَّ الظاهر من هذه الفقرة انَّها جملة شرطية وانَّ قوله (عليه السلام) « لا حتى يستيقن انَّه قد نام هو شرط هذه الجملة فكأنَّه قال « إن لم يستيقن انَّه قد نام » فهذا على غِرار قوله تعالى ] لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط [() أي إن لم يلج الجمل في سم الخياط فلا يدخلون الجنة ، وهذا المقدار لا إشكال فيه انَّما الكلام في تحديد جزاء هذا الشرط ، وهنا ثلاثة احتمالات :
الإحتمال الاول : انَّ الجزاء ليس مذكوراً في الجملة وانَّما هو مقدَّر ، وتقديره « لا يجب الوضوء » فيكون مساق الجملة هكذا « إن لم يستيقن انَّه قد نام فلا يجب الوضوء » . ومن هنا يكون قوله (عليه السلام) « فإنَّه على يقين من وضوئه بيان لعلّة عدم وجوب الوضوء لمن لم يستيقن النوم .
والإشكال على إرادة هذا الإحتمال من الرواية هو انَّ الاصل عدم التقدير خصوصاً إذا كان الكلام يتم بدونه، إذ لا يُلجأ الى التقدير إلاّ في حالات عدم استقامة الكلام بدونه ، على انَّه لابدَّ من ابراز قرينة على المحذوف المقدَّر وإلا فلا مسوِّغ لتعيُّن ذلك المقدَّر فلعلّه أراد غيره ، هذا أولا .
وثانياً : انَّه يلزم من تقدير عدم وجوب الوضوء تكرار الحكم ، لأنه (عليه السلام) قد بيَّن عدم وجوب الوضوء في حالات عدم استيقان النوم بقوله « لا » عندما سأله زرارة « فإن حُرِّك في جنبه شيء وهو لا يعلم » والتكرار خلاف الاصل أيضاً لأنَّ الاصل في الكلام أن يكون تأسيسيّاً ، وهذا ما يُوجب استبعاد هذا الإحتمال ، إذ انَّ الإتيان بالحكم مرتين بلا موجب .
ويمكن أن يُنتصر لهذا الإحتمال بدفع الإشكالين :
أما الاول : انَّ التقدير الذي يكون على خلاف الاصل انما هو التقدير المجرَّد عن القرينة أمَّا اذا كان مشتملا على قرينة توجب تحديد المقدَّر فإن ذلك لا يكون على خلاف الاصل بل هو متعارف ومتناسب مع مقتضيات الكلام الفصيح ، والمقام من هذا القبيل ، إذ إنَّ الحكم المقدَّر قد بُيِّن قبل ذكر الشرط الذي نبحث عن جزائه ، وهذا الحكم هو المفاد بقوله (عليه السلام) « لا » بعد سؤال زرارة له عن الحكم عند عدم استيقان النوم .
وأما الثاني : إنَّ التكرار المخل للكلام والذي لا يستسيغه أهل البيان انَّما هو التكرار الفعلي والذي يعني اعادة الكلام إمَّا بلفظه او بمعناه ، امَّا اعادة الكلام بطريقة التقدير بأن يكون المعنى الواحد في الكلام الواحد مذكوراً تارة ومقدَّراً اخرى فهذا مالا سبيل الى استهجانه وبالتالي استبعاد إحتمال إرادته باعتبار انَّ المتكلم من أهل الفصاحة والبلاغة .
ومن هنا لا يكون هذا الاحتمال مستبعداً لعدم ورود كلا الإشكالين .
الإحتمال الثاني : هو انَّ جزاء هذه الجملة هو قوله (عليه السلام) « فإنَّه على يقين من وضوئه » ولهذا لا يرد الإشكال الوارد على الإحتمال الاول ، إذ انَّ الجزاء بناء على هذا الإحتمال غير مقدَّر بل هو مذكور ، فيكون مساق الرواية ـ بناء على هذا المعنى « إن لم يستيقن انه قد نام فإنَّه على يقين من وضوئه » .
والإشكال على هذا الإحتمال :
انَّه لا معنى لترتُّب اليقين بالوضوء على عدم استيقان النوم ، إذ انَّ اليقين بحدوث الوضوء موجود بقطع النظر عن عدم استيقان النوم وانَّ منشأ يقينه بالوضوء انَّما هو استحضاره للحالة التي مارسها والتي هي أفعال الوضوء ، فسواء استيقن انه قد نام أو لم يستيقن فإنَّ يقينه بالوضوء مستقر في نفسه .
ومن هنا لا يمكن قبول هذا الإحتمال لاستلزامه إناطة شيء غير مرتبط تكويناً بالمناط به ، إلا انّه مع ذلك يمكن اجراء بعض التعديل على هذا الإحتمال ليكون معقولا ، وذلك بأن نعتبر جملة الجزاء ـ والتي هي جملة خبرية ـ انَّها جملة إنشائية في صورة الجملة الخبريَّة أي انَّها خبر اُريد به
الإنشاء فهي على غِرار قوله تعالى ] وإن يكن منكم الف يغلبوا ألفين [()فإنَّ الجزاء في هذه الآية الشريفة هو قوله تعالى « يغلبوا ألفين » وهي جملة خبرية اُريد منها الإنشاء ولهذا لا يجوز الفرار من الزحف عندما يكون عدد المسلمين ألفاً ويكون عدد الكفار الفين ، والكلام في المقام من هذا القبيل فقوله (عليه السلام) « فإنَّه على يقين من وضوئه » لا يُراد منها الإخبار وانَّما يُراد منها إنشاء حكم شرعي مفاده ان الذي يشك في بقاء وضوئه فحكمه البناء على بقاء الوضوء ، فكما انَّه لو كان على يقين من الوضوء يرتِّب آثار الطهارة الحدثية ـ من قبيل دخوله في الصلاة ومس كتابة القرآن الكريم ـ كذلك عندما يشك في بقاء وضوئه ، فالرواية ليست في صدد الإخبار عن صدور الوضوء منه حتى يرد الإشكال وانَّما هي في صدد إنشاء حكم تعبدي ببقاء الوضوء عند الشك في البقاء ، وهذا ممكن جداً فإنَّ الشارع له أن يتعبَّد المكلَّف ببقاء وضوئه ويرتّب هذا التعبُّد على عدم الإستيقان بالنوم  . إلا انَّه مع ذلك لا يمكن قبول هذا الإحتمال ، إذ انَّ حمل الجملة الخبريَّة على انَّها إنشائية خلاف المتعارف عند أهل اللسان ، فهذه العناية تحتاج الى مبرِّر لم يُبرزه مدَّعي هذا الاحتمال .
الإحتمال الثالث : هو انَّ الجزاء في هذه الجملة هو قوله (عليه السلام) « ولا ينقض اليقين بالشك » ويكون قوله (عليه السلام) « فإنَّه على يقين من وضوئه » توطئة لهذا الجزاء فيكون مساق الرواية هكذا « فإن لم يستيقن انه قد نام ولأنه على يقين من وضوئه فلا ينقض اليقين بالشك » .
والإشكال على هذا الإحتمال
واضح ، فإنَّ تصدير الجزاء بالواو خطأ لا يحمل كلام الإمام (عليه السلام)عليه  ، على انَّ جعل الموطأ ـ بصيغة الفاعل ـ للجزاء مصدَّراً بالفاء غير متعارف ، إذ انَّ التوطئة ينبغي أن تكون بصياغة تتناسب مع التعليل ، وذلك لأنَّ التوطئة تعني التعليل وبيان الملاك للجزاء ، فالذي يُناسبها هو باء السببية أو لام التعليل أو لأن أو ما الى ذلك . ولعلَّ من ذلك قوله تعالى ]ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابَّة [() فإنَّ جملة الشرط في الآية هي « لو يؤاخذ » والجزاء « ما ترك على ظهرها » أمَّا قوله تعالى « بما كسبوا » فإنه توطئة للجزاء . وتلاحظون انها اشتملت على ما يُناسب التعليل وهي باء السببيَّة . وبهذا يتضح ان أضعف الاحتالات هو الإحتمال الثالث .
مختار المصنِّف من هذه الإحتمالات :
وقد اختار المصنِّف (رحمه الله) الإحتمال الاول واعتبره أقوى الاحتمالات ، وذلك لعدم تمامية ما اُورد عليه .
ثم أضاف انَّ قوله (عليه السلام) « فإنَّه على يقين من وضوئه » جملة خبريَّة اُريد منها الإنشاء ، وذلك لظهور الرواية في فعليَّة اليقين بالوضوء ، وهذا لا يتناسب مع شكه الفعلي بالوضوء نتيجة احتماله بحدوث الناقض وهو النوم ، ولو كان المراد من اليقين هو اليقين السابق بصدور الوضوء لكان المناسب ان يُعبِّر بهذا التعبير « فإنَّه كان على يقين من وضوئه » فحيث لم يُعبِّر بهذا التعبير والحال انَّ اليقين الحقيقي لا يتناسب مع الشك الفعلي فيتعين أن يكون المراد من اليقين هو اليقين التعبدي ، فيكون مفاد هذه الفقرة ـ كما ذكرنا في الإحتمال الثاني ـ هو انَّ الشارع قد حكم بالبناء على بقاءالوضوء في ظرف الشك في بقائه بسبب الشك في طروء الناقض ، فكأن الشاك في انتقاض وضوئه متيقن بعدم الإنتقاض ، فكما انَّ المتيقن بوضوئه يرتِّب آثار الطهارة من الحدث فكلك الشاك في انتقاض الوضوء يُرتِّب آثار الطهارة .
وبتعبير آخر : انَّ المراد من قوله (عليه السلام) « فإنه على يقين » تحتمل ثلاثة احتمالات :
الاول : هو اليقين الحقيقي . وهذا الاحتمال ساقط ، وذلك لعدم وجود يقين حقيقي فعلي في ظرف الشك في انتقاض الوضوء بالنوم .
الثاني : انَّ المراد من اليقين هو اليقين بصدور الوضوء في مرحلة سابقة . وهذا الاحتمال يعني أنَّ اليقين في الرواية ليس فعليَّاً وهو خلاف الظهور ، إذ لو كان المراد من اليقين هو اليقين السابق لكان عليه أن يُصدِّر الفقرة بالفعل الماضي « كان » بأن يقول « فإنَّه كان على يقين من وضوئه » فلمَّا لم ياتِ بما يدلُّ على إرادة اليقين السابق فإنَّ احتمال إرادته يكون ساقطاً .
وبهذا يتعيَّن الإحتمال الثالث وهو التحفُّظ على فعليَّة اليقين إلا انَّه اليقين التعبدي والذي يعني انَّ الشارع اعتبر الشاك في انتقاض وضوئه متيقناً ببقائه تعبداً .
قد يُقال انَّ المكلَّف حتى بعد الشك في انتقاض الوضوء فإنَّ يقينه بصدور الوضوء عنه فعلي ، إذ انَّ اليقين بصدور الوضوء يظلُّ ثابتاً حتى بعد طروء حالة الشك ، إذ انَّها لا تنفيه بعد ان كان متعلقها غير متعلَّق اليقين . ومن هنا لا يكون حمل اليقين في الرواية على اليقين الحقيقي منافياً لظهور الرواية في فعلية اليقين ، إذ انَّ اليقين الحقيقي فعلي فلا مانع من حمل قوله (عليه السلام)« فإنه على يقين من وضوئه » على اليقين الحقيقي .
والجواب : انَّ هناك قرينة تدلُّ على انّ اليقين لو كان الحقيقي لكان منتقضاً وغير فعلي . وهذه القرينة هي قوله (عليه السلام) « ولا ينقض اليقين بالشك » إذ انَّ المبرِّر ـ كما قلنا ـ في اتِّصاف الشك في البقاء بالناقض لليقين هو إلغاء زمن الحدوث وزمن البقاء ، وبهذا يُصبح متعلَّق اليقين ومتعلَّق الشك واحداً .
ومن الواضح انَّه إذا كان متعلَّقهما واحداً فإنَّه يستحيل اجتماعهما ، وبهذا يكون حدوث الشك موجباً لطرد اليقين ونفيه . ومن هنا لا يكون اليقين فعليّاً حين الشك في انتقاض الوضوء . ومن هنا لابدَّ من حمل اليقين في الرواية على اليقين التعبدي حتى يتناسب مع ظهور الرواية في الفعلية ، إذ انَّه بناء على حمل اليقين على اليقين التعبدي فهذا يعني انَّ الشارع قد تعبدنا في حالات الشك في انتقاض الوضوء بالبناء على عدم انتقاضه فكأننا على يقين بالوضوء ، فيكون الشارع قد اعتبر الشك في انتقاض الوضوء موضوعاً لليقين التعبدي كما بينا ذلك .
إلاّ انَّه مع ذلك يكون الالتزام بحمل اليقين على اليقين التعبدي يستوجب صرف قوله (عليه السلام) « فإنَّه على يقين من وضوئه » عن ظهوره في الإخبار الى الإنشاء ، فنكون بين محذورين حيث انَّه ان حملنا اليقين على الحقيقي لزم من ذلك ان لا يكون هناك مبرِّر لإطلاق عنوان الناقضية على الشك في انتقاض الوضوء وان كان ذلك يتناسب مع ظهور الفقرة في الإخبار .
وإن حملنا اليقين في الرواية على اليقين التعبدي لزم من ذلك صرف ظهور الفقرة في الإخبار الى الإنشاء وإن كان ذلك يتناسب مع إطلاق الناقضية لليقين على الشك في انتقاض الوضوء .
ومن هنا لابدَّ من ترجيح أحد الإحتمالين ، والظاهر انَّ الإحتمال ا