بعض ما رأته (ع) من المصائب

 

إن المصائب التي ألمت بالصديقة الصغرى زينب الكبرى ابنة علي (ع) في كربلاء مصائب كثيرة، منها:

 

ما رأته أول ما نزلت في كربلاء من معارضة الحر بن يزيد الرياحي وإجبار أخيها (ع) على النزول.

 

وما شاهدته من القلة في أصحاب أخيها وكثرة جيوش الأعداء.

 

وما شاهدته من تفرق من كان مع أخيها وذهاب الأكثر ممن تبعه حين خطبهم بخطبته المشهورة بعد ما بلغه خبر قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة (رضي الله عنهما) فتفرق الناس عنه يميناً وشمالاً حتى لم يبق الا الذين قتلوا معه.

 

وما كانت تشاهده من اضطراب النساء وخوفهن حين نزلوا كربلاء.

 

وما شاهدته من عطشها وعطش أهل بيتها عندما منعهم القوم الماء.

 

وما كانت تقوم به من مداراة الأطفال والنساء وهم في صراخ وعويل من العطش.

 

وما كانت تنظر إليه من الانكسار في وجه أخيها الحسين (ع).

 

وحين شاهدت إخوانها وبني إخوانها وبني عمومتها وشيعة أخيها يبارزون ويقتل الواحد منهم تلو الواحد.

 

وما شاهدته من مقتل ولديها.

 

وحين شاهدت أخاها الحسين (ع) وحيداً فريداً لا ناصر له ولامعين وقد أحاط به الأعداء من كل جانب ومكان.

 

وحين شاهدت رأس أخيها على الرمح دامي الوجه خضيب الشيب.

 

وحين ازدحم القوم على رحل أخيها ومناديهم ينادي: (احرقوا بيوت الظالمين).

 

وحين احرق القوم الخيام وفرت النساء والأطفال على وجوههم في البيداء.

 

ومرورها على مصرع أخيها ورؤيتها جسده الشريف ملقى على الأرض تسفي عليه الرياح.

 

ولما اركبوها النياق المهزولة هي والعيال والأطفال.

 

ومداراتها الإمام زين العابدين (ع) وهو من شدة مرضه لا يطيق الركوب وقد قيدوه من تحت بطن الناقة.

 

وهناك مصائب أخرى من اشدّها إنها كانت تنظر إلى قتلة أخيها وأصحابه وهم يسرحون ويمرحون والسياط بأيديهم يضربون الأطفال والنساء وهم في غاية الشماتة بها وبأهل بيتها.

 

ويجدر هاهنا إن نذكر تفصيل بعض ما ورد من مصائبها (ع) قال السيد رضي الدين ابن طاووس (قدس سره):

 

ورد الحسين (ع) كربلاء في اليوم الثاني من المحرم فلما وصلها قال: ما اسم هذه الأرض ؟.

 

فقيل: كربلاء.

 

فقال (ع): اللهم إني أعوذ بك من الكرب والبلاء.

 

ثم قال: هذا موضع كرب وبلاء انزلوا، هاهنا محط ركابنا وسفك دمائنا وهنا محل قبورنا، بهذا حدثني جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

 

فنزلوا جميعاً ونزل الحر وأصحابه ناحية وجلس الحسين (ع) يصلح سيفه ويقول:

 

يا دهر أف لك من خليل *** كم لك بالإشراق والأصيل

من صاحب أو طالب قتيل *** والدهر لا يقنع بالبديل

وكل حي سالك سبيلي *** ما اقرب الوعد من الرحيل

وإنما الأمر إلى الجليل

 

قال: فسمعت زينب ابنة فاطمة (ع) ذلك فقالت: يا أخي هذا كلام من أيقن بالقتل.

 

فقال: يا أختاه

 

فقال زينب: واثكلاه ينعى الحسين إلى نفسه.

 

قال: وبكين النسوة ولطمن الخدود وشققن الجيوب وجعلت ام كلثوم تنادي: وامحمداه.. واعلياه.. وا اماه.. وا اخاه.. وا حسيناه.. واضيعتنا بعدك ابا عبد الله.

 

قال السيد (رحمه الله): بعد أن ذكر نزول الجيوش المقاتلة للحسين(ع) مع أميرهم عمر بن سعد في كربلاء وتضييقهم على الحسين (ع) حتى نال منه العطش ومن أصحابه، قام الحسين (ع) واتكأ على قائم سيفه ونادى بأعلى صوته فقال: أنشدكم بالله هل تعرفونني ؟

 

قالوا: نعم أنت ابن رسول الله وسبطه.

 

قال: أنشدكم الله هل تعلمون إن جدي رسول الله ؟.

 

قالوا: اللهم نعم.

 

قال: أنشدكم الله هل تعلمون إن أمي فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)؟

 

قالوا: اللهم نعم.

 

قال: أنشدكم الله هل تعلمون إن أبي علي بن أبي طالب ؟

 

قالوا: اللهم نعم.

 

قال: أنشدكم الله هل تعلمون إن جدتي خديجه بنت خويلد أول نساء هذه الأمة إسلاماً؟.

 

قالوا: اللهم نعم.

 

قل أنشدكم الله هل تعلمون إن سيد الشهداء حمزة عمي؟

 

قالوا: اللهم نعم.

 

قال: أنشدكم الله هل تعلمون إن جعفر الطيار في الجنة عمي؟.

 

قالوا: اللهم نعم.

 

قال: أنشدكم الله هل تعلمون إن هذا سيف رسول الله أنا متقلده؟

 

قالوا: اللهم نعم.

 

قال أنشدكم الله هل تعلمون إن هذه عمامة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنا لابسها؟.

 

قالوا: اللهم نعم.

 

قال: أنشدكم الله هل تعلمون إن علياً (ع) كان أول القوم إسلاماً وأعلمهم علماً وأعظمهم حلماً وانه ولي كل مؤمن ومؤمنة؟.

 

قالوا: اللهم نعم.

 

قال: فبم تستحلون دمي وأبي الذائد على الحوض يذود عنه رجالاً كما يذاد البعير الصادر عن الماء ولواء الحمد بيد أبي يوم القيامة؟!

 

قالوا: قد علمنا ذلك كله ونحن غير تاركيك حتى تذوق الموت عطشاً!!

 

فلما خطب هذه الخطبة وسمع بناته وأخته زينب كلامه بكين وندبن ولطمن وارتفعت أصواتهن، فوجه (ع) إليهن أخاه العباس (ع) وعلياً ابنه وقال لهما: سكتاهن فلعمري ليكثرن بكاؤهن([1]).

 

وقال المفيد (طاب ثراه) في الإرشاد: قال علي بن الحسين (ع): (اني جالس في تلك العشية التي قتل ابي في صبيحتها وعندي عمتي زينب تمرضني اذ اعتزل أبي في خباء له وعنده جون مولى أبي ذر الغفاري وهو يعالج سيفه ويصلحه، وأبي يقول:

 

يا دهر أف لك من خليل *** كم لك بالإشراق والأصيل

من صاحب أو طالب قتيل *** والدهر لا يقنع بالبديل

وكل حي سالك سبيلي *** ما اقرب الوعد من الرحيل

وإنما الأمر إلى الجليل

 

فأعادها مرتين أو ثلاثاً حتى فهمتها وعرفت ما أراد، فخنقتني العبرة فرددتها ولزمت السكوت، وعلمت إن البلاء قد نزل، وأما عمتي فإنها سمعت ما سمعت وهي امرأة ومن شأن النساء الرقة والجزع فلم تملك نفسها إن وثبت تجر ثوبها وإنها لحاسرة حتى انتهت اليه فقالت: واثكلاه ليت الموت أعدمني الحياة، اليوم ماتت أمي فاطمة وأبي علي وأخي الحسن (عليهم السلام) يا خليفة الماضي وثمال الباقي.

 

فنظر إليها الحسين (ع) فقال لها: يا اخية، لا يذهبن بحلمك الشيطان، وترقرقت عيناه بالدموع وقال: لو ترك القطا لنام.

 

فقالت: يا ويلتاه أفتغتصب نفسك اغتصاباً فذاك أقرح لقلبي واشد على نفسي، ثم لطمت وجهها وهوت الى جيبها فشقته فخرت مغشياً عليها..

 

فقام إليها الحسين (ع) فصب على وجهها الماء وقال لها: أختاه اتقي الله وتعزي بعزاء الله، واعلمي ان أهل الأرض يموتون، أهل السماء لا يبقون، وان كل شيء هالك الا وجه الله الذي خلق الخلق بقدرته ويبعث الخلق ويعيدهم وهو فرد وحده، جدي خير مني، وأبي خير مني، وأمي خير مني، وأخي خير مني، ولي ولكل مسلم برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أسوة فعزاها بهذا ونحوه).

 

قال في اللهوف: ولما رأى الحسين (ع) حرص القوم على تعجيل القتال وقلة انتفاعهم بمواعظ الفعال والمقال، قال لأخيه العباس (ع) أن استطعت أن تصرفهم عنا في هذا اليوم فافعل، لعلنا نصلي لربنا في هذه الليلة، فانه يعلم اني أحب الصلاة له و تلاوة كتابه.

 

قال: فسألهم العباس (ع) ذلك، فتوقف عمر بن سعد وقال له عمرو بن الحجاج الزبيدي: والله لو انهم من الترك والديلم وسألونا مثل ذلك لاجبناهم فكيف وهم آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فأجابوهم الى ذلك، فكان لهم في تلك الليلة دوي كدوي النحل من الصلاة والتلاوة.

 

قال: وجلس الحسين (ع) فرقد ثم استيقظ وقال: يا أختاه أني رأيت الساعة جدي محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم)وأبي علياً وأمي فاطمة وأخي الحسن و هم يقولون: انك يا حسين رائح الينا عن قريب…

 

قال: فلطمت زينب وجهها وصاحت، فقال: لها الحسين (ع) مهلاً لا تشمتي القوم بنا.

 

وفي الإرشاد: ان عمر بن سعد زحف نحو خيام الحسين (ع) بعد العصر من يوم التاسع، وكان الحسين (ع) جالساً أمام بيته محتبياً بسيفه، اذ خفق برأسه على ركبتيه، فسمعت أخته الضجة، فدنت من أخيها فقالت: يا أخي أما تسمع الأصوات قد اقتربت؟

 

فرفع الحسين (ع) رأسه فقال: إني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الساعة في المنام، فقال لي: انك تروح إلينا، فلطمت أخته وجهها ونادت بالويل، فقال لها الحسين (ع): ليس لك الويل اسكتي رحمك الله، ثم ذكر إرسال الحسين (ع) أخاه العباس وأخذه المهلة من القوم سواد ليلة العاشرة([2]).

 

ورد انه: لما كان اليوم العاشر من المحرم جاء حبيب وجلس إزاء خيمة النساء، واضعاً رأسه في حجره وهو يبكي، ثم رفع رأسه وقال: آه آه لوجدك يا زينب بوم تحملين على بعير ضالع، يطاف بك البلدان، ورأس أخيك الحسين أمامك، وكأني برأسي هذا معلق بلبان الفرس تضربه بركبتيها..

 

فضربت زينب رأسها بعمود الخيمة وقالت: بهذا اخبرني أخي البارحة.

 

ولما قتل علي الأكبر ـ على ما رواه المفيد والسيد وغيرهما ـ جاء الحسين (ع) حتى وقف عليه فقال: قتل الله قوماً قتلوك ما أجراهم على الرحمن، وعلى انتهاك حرمة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وانمهلت عيناه بالدموع.

 

قالوا: وخرجت زينب أخت الحسين (ع) تنادي: يا حبيباه وابن أخاه، وجاءت حتى انكبت عليه، فأخذ الحسين(ع) برأسها فردها إلى الفسطاط، وقال لفتيانه: احملوا أخاكم، فحملوه حتى وضعوه بين يدي الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه([3]).

 

وقال في اللهوف: ولما رأى الحسين (ع) مصارع فتيانه وأحبته، عزم على لقاء القوم بمهجته، ونادى: هل من ذاب يذب عن حرم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟.

 

هل من موحد يخاف الله فينا؟.

 

هل من مغيث يرجو الله باغاثتنا؟.

 

هل من معين يرجو الله في إعانتنا ؟.

 

فارتفعت أصوات النساء بالعويل، فتقدم إلى باب الخيمة، وقال لزينب (ع): ناوليني ولدي الصغير حتى أودعه، فأخذه وأوماً إليه ليقبله، فرماه حرملة بن كاهل الاسدي بسهم فوقع في نحره فذبحه، فقال (ع) لزينب: خذيه، ثم تلقى الدم بكفيه ثم قال: هون علي ما نزل بي، انه بعين الله تعالى، قال الباقر (ع): فلم يسقط من ذلك الدم قطرة الى الأرض([4]).

 

قال المفيد (رحمه الله): لما قتل الحسين (ع) وانتهبوا رحله وإبله وأثقاله، قال حميد بن مسلم:فوالله لقد كنت أرى المرأة من نسائه وبناته وأهله تنازع ثوبها عن ظهرها حتى تغلب عليه.

 

وفي الدمعة الساكبة: قال ابو مخنف: قالت زينب بنت علي أمير المؤمنين(ع) كنت في ذلك الوقت واقفة في الخيمة، اذ دخل ازرق العينين، فأخذ ما كان في الخيمة، ونظر إلى علي بن الحسين (ع) وهو على نطع من الأديم وكان مريضاً، فجذب النطع من تحته ورماه إلى الأرض، والتفت إلي واخذ القناع من رأسي، ونظر إلى قرطين كانا في أذني، فجعل يعالجهما وهو يبكي حتى نزعهما، فقلت: تسلبني وأنت تبكي؟!.

 

فقال اللعين: ابكي لمصابكم أهل البيت.

 

فقلت له: قطع الله يديك ورجليك وأحرقك الله بنار الدنيا قبل نار الآخرة، ثم ساق الكلام إلى استجابة دعائها على يد المختار.

 

وفي (معدن البكاء): وهّم الشمر لعنه الله بقتل ابن الحسين(ع)، وهو مريض، فخرجت إليه زينب بنت علي بن أبي طالب (ع) فوقعت عليه وقالت: والله لا يقتل حتى اقتل، فكف عنه…

 

وفي خبر أبي مخنف قال: لما سقط الحسين (ع) من ظهر جواده إلى الأرض اقبل فرسه إلى الخيام، فلما سمعت زينب صهيله، أقبلت على سكينة وقالت لها: جاء أبوك بالماء، فخرجت سكينة فرأت الجواد عارياً والسرج خالياً، فنادت: واقتيلاه.. وا أبتاه.. واحسناه.. وا حسيناه.. وا غربتاه.. وابُعد سفراه.. وا كربتاه..

 

فلما سمع باقي الحرم خرجن فنظرن الفرس، فجعلن يلطمن الخدود، ويقلن: وا محمداه.. وا علياه.. وا حسناه.. وا حسيناه.. اليوم مات محمد المصطفى، وعلي المرتضى، وفاطمة الزهراء…

 

ولما عزم ابن سعد على الرحيل من كربلاء، أمر بحمل النساء والأطفال على أقتاب الجمال، ومروا بهن على مصارع الشهداء، فلما نظرن النسوة إلى القتلى صحن وضربن وجوههن وفيهن زينب بنت علي(ع) تنادي بصوت حزين وقلب كئيب: يا محمداه صلى عليك مليك السماء، هذا حسين مرمل بالدماء، مقطع الأعضاء، وبناتك سبايا، إلى الله المشتكى والى محمد المصطفى، والى علي المرتضي، والى فاطمة الزهراء والى حمزة سيد الشهداء، يا محمدا هذا حسين بالعراء تسفي عليه الصبا، قتيل أولاد البغايا، واحزناه وا كرباه عليك يا أبا عبد الله اليوم مات جدي رسول الله، يا أصحاب محمداه هؤلاء ذرية المصطفى، يساقون سوق السبايا، وهذا حسين محزوز الرأس من القفا، مسلوب العمامة والرداء، بابي من أضحى معسكره يوم الاثنين نهبا، بأبي من فسطاطه مقطع العرى، بأبي من لا غائب فيرجى ولا جريح فيداوى، بابي من نفسي له الفداء، بأبي المهموم حتى قضى، بأبي العطشان حتى مضى، بأبي من شيبه يقطر بالدماء، بأبي من جده محمد المصطفى، بأبي من جده رسول اله السماء، بأبي من هو سبط نبي الهدى، بأبي محمد المصطفى، بأبي خديجة الكبرى، بأبي علي المرتضى، بأبي فاطمة الزهراء، بأبي من ردت عليه الشمس حتى صلى، فأبكت كل عدو وصديق.

 

وفي بحار الأنوار([5]) وعوالم العلوم والمعارف: مرسلا عن مسلم الجصاص قال: دعاني ابن زياد لعنه الله لإصلاح دار الإمارة بالكوفة، فبينما أنا اجصص الأبواب وإذا أنا بالزعقات قد ارتفعت من جنبات الكوفة، فأقبلت على خادم كان معنا، فقلت: ما لي أرى الكوفة تضج؟.

 

قال: الساعة أتوا برأس خارجي خرج على يزيد فقلت: من هذا الخارجي؟.

 

فقال: الحسين بن علي(ع) قال: فتركت الخادم حتى خروج ولطمت وجهي حتى خشيت على عيني ان يذهبا، و غسلت يدي من الجص، وخرجت من ظهر القصر وأتيت إلى الكناس، فبينما أنا واقف والناس يتوقعون وصول السبايا والرؤوس اذ أقبلت نحو عشرين شقة يحملن على أربعين جملاً فيها الحرم والنساء وأولاد فاطمة (ع) وإذا بعلي بن الحسين (ع) على بعير بغير غطاء، وأوداجه تشخب دماً، وهو مع ذلك يبكي ويقول:

 

يا امة السوء لاسقياً لربعكم *** يا امة لم تراع احمداً فينـا

لو إننا ورسول الله يجمعنا *** يوم القيامة ما كنـتم تقولونا

تسيرونا على الاقتاب عارية *** كأننا لم نشيد فيكم دينا

بني أمية ما هذا الوقوف على *** هذي المصائب لم تصغوا لداعينا

تصفـقون علينا كفكم فرحـاً وانتم *** في فجاج الأرض تسبونا

أليس جدي رسول الله ويلكم *** أهدى البرية من سبل المضلينا

يا وقعة الطف قد أورثتني حزناً *** والله يهتك أستار المسيئينا

 

قال: وصار أهل الكوفة يناولون الأطفال الذين هم على المحامل بعض التمر والخبز والجوز، فصاحت بهم أم كلثوم وقالت: يا أهل الكوفة إن الصدقة علينا حرام، وصارت تأخذ ذلك من أيدي الأطفال وأفواههم وترمي به إلى الأرض.

 

قال: كل ذلك والناس يبكون على ما أصابهم، ثم إن أم كلثوم اطلعت رأسها من المحمل وقالت لهم: صه يا أهل الكوفة يقتلنا رجالكم وتبكينا نساؤكم، فالحاكم بيننا وبينكم الله يوم فصل القضاء.

 

فبينما هي تخاطبهم وإذا بضجة قد ارتفعت وإذا هم أتوا برأس الحسين (ع) وهو رأس زهري قمري أشبه الخلق برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولحيته كسواد السبج قد اتصل بها الخضاب، ووجهه دارة قمر طالع، والريح تلعب بها يميناً وشمالاً، فالتفتت زينب فرأت رأس أخيها، فنطحت جبينها بمقدم المحمل، حتى رأينا الدم يخرج من تحت قناعها، وأومت اليه بحرقة وجعلت تقول:

 

يا هلالاً لما استتم كمالاً *** غاله خسفه فابدى غروبا

ما توهمت يا شقيق فؤادي *** ان هذا مقدراً مكتوبا

 

ولما ادخلوا سبايا آل محمد (ص) مدينة دمشق صباحاً، طافوا بهم الأزقة والسكك، والمحلات والأسواق، حتى اذا جنهم الليل وصلوا الى قصر يزيد، فأسكنوهم خربة كانت هناك قريبة من القصر، وكانت الخربة بحيث لا تقي السبايا من حر، ولا تكنهن من برد، حتى تقشر وجوههن وتغير الوانهن.

 

ثم ان القضايا الصعبة والحرجة التي مر بها السبايا من حين دخولهم الشام حتى ورودهم على يزيد كثيرة جداً، قد تعرض لها كتب المقاتل المفصلة، فمن أرادها فليرجع اليها.

 

وقيل: إن يزيد بن معاوية كان حين ورود سبايا آل محمد (ص) إلى الشام يتنزه هو وندماؤه في منطقة سياحية، ويتصرف في مصيف من مصايف دمشق يدعى بـ: جيرون، ولذلك لما ادخلوا الأسرى إلى دمشق وتراءت ليزيد تلك الرؤوس المنيرة انشأ يقول:

 

لما بدت تللك الرؤس واشرقت *** تلك الشــموس على ربى جيرون

نعق الغراب فقلت: صح أو لا تصح *** فقد قضيت من النبي ديوني

 

حتى إن يزيد أمر بإدخال السبايا عليه، وكان قد عقد مجلساً ضخماً جمع فيه الأمراء والسفراء والأشراف والأعيان، إضافة إلى عامة الناس، وكان على ما قيل: قد عقد يزيد عدة مجالس في مرات متكررة، وفي كل مرة يأمر بإدخال السبايا عليه، ليشمت بهم، ويفتخر بين الناس بظفره عليهم، وقد أمر في اول مرة ادخلوا السبايا عليه بان يوثقوهم بالحبال ويربطوهم جميعاً بها، فأدخلوهم عليه كذلك.

 

كما قال الإمام زين العابدين(ع): (لما وفدنا إلى يزيد بن معاوية، أتوا بحبال وربقونا مثل الأغنام، وكان الحبل في عنقي وعنق أم كلثوم، وبكتف زينب وسكينة والبنات، وكلما قصرنا عن المشي ضربونا حتى أوقفونا بين يدي يزيد وهو على سرير مملكته).

 

وللسيدة زينب (ع) في هذا المجلس احتجاجات ومخاصمات يكشف التدقيق فيها مدى ما قدمته هذه المظلومة الأسيرة (ع) للإسلام والقرآن من خدمة كبرى، فان أهل الشام خاصة كانوا يرون معاوية ـ على اثر دعاياته المضللة ـ هو الحق حتى لو ادعى الألوهية، وان من سواه هو الباطل ولو كانوا آل محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) وأولاد علي (ع)، غير أن عقيلة الوحي والرسالة، العالمة غير المعلمة، زينب الكبرى(ع) أبطلت باحتجاجها وتخاصمها مع يزيد كل ما نسجه معاوية، ونسفت كل ما بناه، وايقضت جماهير الشام من نومتهم، ونبهتهم عن غفلتهم، واوقفتهم على حقيقة آل أبي سفيان وجرائمهم وجناياتهم، حتى خشي يزيد الانتفاضة وثورة الناس عليه، فاخذ يظهر براءته من أهل الكوفة، وينسب هذه الجناية الكبرى إلى ابن مرجانه، ويصب لعناته عليه، ليمتص نقمة الجماهير الغاضبة، ويسكن فورتهم المتصاعدة.

 

والمصائب التي جرت على زينب (ع) في مجلس يزيد كثيرة منها:

 

قال السيد ابن طاووس، قال الراوي: ثم ادخل ثقل الحسين (ع) ونساؤه ومن تخلف من أهل بيته على يزيد بن معاوية، وهم مقرنون في الحبال، فلما وقفوا بين يديه وهم على تلك الحال، قال له علي بن الحسين (ع): (أنشدك الله يا يزيد، ما ظنك برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لو رآنا على هذه الصفة).

 

فأمر يزيد بالحبال فقطعت، ثم وضع رأس الحسين(ع) بين يديه، واجلس النساء خلفه، لئلا ينظرون إليه.

 

وأما زينب (ع) فإنها لما رأته أهوت إلى جيبها فشقته، ثم أدت بصوت حزين يقرح القلوب: ياحسيناه، يا حبيب رسول الله، يا بن مكة ومنى، يا بن فاطمة الزهراء سيدة النساء، يا بن بنت المصطفى، فأبكت والله كل من كان في المجلس ويزيد ساكت.

 

وعن مقتل ابن عصفور: إن بعض الأوغاد الطغاة قال في مجلس يزيد (لعنه الله): إن الحسين (ع) جاء في نفر من أصحابه وعترته، فهجمنا عليهم، وكان يلوذ بعضهم بالبعض، فلم تمض ساعة الا وقتلناهم عن آخرهم، فقالت الصديقة الصغرى زينب (سلام الله عليها): ثكلتك الثواكل أيها الكذاب، إن سيف أخي الحسين لم يترك في الكوفة بيتاً إلا وفيه باك وباكية ونائح ونائحة.

 

المصدر: السيدة زينب (ع) / مؤسسة السيدة زينب الخيرية.



[1]- بحار الأنوار ج44 ص 318 ب37 ح1.

[2]- الإرشاد ج2 ص89 -90.

[3]- الإرشاد ج2 ص107.

[4]- بحار الأنوار ج45 ص46 باب37.

[5]- بحار الأنوار ج45 ص114 ب39 ح1.