السفر الثالث

(من المدينة إلى كربلاء مع أخيها الحسين ويشتمل هذا السفر على نبذة من مصائبها وصبرها وإخلاصها وثابتها)

 

لما عزم الحسين (ع) على السفر من الحجاز إلى العراق، استأذنت زينب زوجها عبد الله بن جعفر أن تصاحب أخاها

الحسين (ع)، مضافا إلى ما عرفت سابقا من اشتراط أمير المؤمنين (ع) عليه في ضمن عقد النكاح أن لا يمنعها متى أرادت السفر مع أخيها الحسين (ع)، فأذن لها وأمر ابنيه عونا ومحمدا بالمسير مع الحسين (ع)، والملازمة في خدمته والجهاد دونه، فسافرت (ع) في ذلك الموكب الحسيني المهيب، في عز وجلال وحشمة ووقار، تحملها المحامل المزركشة المزينة بالحرير والديباج، قد فرشت بالفرش الممهدة ووسدت بالوسائد المنضدة، تحت رعاية أخيها الحسين (ع) تحف بها الأبطال من عشيرتها وتكتنفها الأسود الضارية من إخوتها وأبناء إخوتها وعمومتها كأبي الفضل العباس، وعلي الاكبر، والقاسم بن الحسن، وأبناء جعفر وعقيل، وغيرهم من الهاشميين والعبيد والإماء طوع أمرها ورهن إشارتها، ولكنها (ع) سافرت هذه السفرة منقطعة من علائق الدنيا بأسرها في سبيل الله، قد أعرضت عن زهرة الحياة من المال والبيت والزوج والولد والخدم والحشم، وصحبت أخاها الحسين (ع) ناصرة لدين الله وباذلة النفس والنفيس لإمامها ابن بنت رسول الله مع علمها بجميع ما يجري عليها من المصائب والنوائب والمحن، كما يدل عليه الحديث المروي في كتاب (كامل الزيارات) للشيخ الفقيه أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه طاب ثراه، قال: حدثني أبو عيسى عبيد الله بن الفضل بن محمد بن هلال الطائي البصري قال: حدثني أبو عثمان سعيد بن محمد قال: حدثنا محمد بن سلام بن يسار الكوفي قال: حدثني نوح بن دراج قال: حدثني قدامة بن زائدة عن أبيه قال: قال علي بن الحسين بلغني يا زائدة أنك تزور قبر أبي عبد الله الحسين (ع) أحيانا، فقلت: إن ذلك لكما بلغك فقال لي: ولماذا تفعل ذلك ولك مكان عند سلطانك الذي لا يحتمل أحدا على محبتنا وتفضيلنا وذكر فضائلنا والواجب على هذه الأمة من حقنا؟فقلت: والله ما أريد بذلك إلا الله ورسوله، ولا أحفل بسخط من سخط ولا يكبر في صدري مكروه ينالني بسببه، فقال: والله إن ذلك لكذلك، فقلت: والله إن ذلك لكذلك يقولها ثلاثا وأقولها ثلاثا. فقال: أبشر ثم أبشر ثم أبشر، فلاخبرنك بخبر كان عندي في النخب المخزون، فإنه لما أصابنا في الطف ما أصابنا وقتل أبي وقتل من كان معه من ولده وإخوته وسائر أهله وحملت حرمه ونساؤه على الاقتاب يراد بنا الكوفة، فجعلت أنظر إليهم صرعى ولم يواروا فعظم ذلك في صدري، واشتد لما أرى منهم قلقي، فكادت نفسي تخرج، وتبينت ذلك مني عمتي زينب الكبرى بنت علي (ع) فقالت: ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي وإخوتي؟فقلت: وكيف لا أجزع وأهلع وقد أرى سيدي وإخوتي وعمومتي وولد عمي مضرجين بدمائهم مرملين بالعراء مسلبين، لا يكفنون ولا يوارون ولا يعرج عليهم أحد ولا يقربهم بشر كأنهم أهل بيت من الديلم والخزر، فقالت: لا يجزعنك ما ترى فوالله إن ذلك لعهد من رسول الله (ص) إلى جدك وأبيك وعمك، ولقد أخذ الله ميثاق أناس من هذه الامة لا تعرفهم فراعنة هذه الأمة وهم معروفون من أهل السماوات، أنهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها وهذه الجسوم المضرجة، وينصبون لهذا الطف علما لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره ولا يعفو رسمه على كرور الليالي والايام، وليجهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره إلا ظهورا وأمره إلا علوا. فقلت: وما هذا العهد وما هذا الخبر؟فقالت: نعم حدثتني أم أيمن أن رسول الله (ص) زار منزل فاطمة (ع) في يوم من الأيام، فعملت له حريرة وأتاه علي بطبق فيه تمر، ثم قالت أم أيمن: فأتيتهم بعس فيه لبن وزبد فأكل رسول الله (ص) وعلي وفاطمة والحسن والحسين من تلك الحريرة، وشرب رسول الله (ص) وشربوا من ذلك اللبن، ثم أكلوا وأكل من ذلك التمر والزبد، ثم غسل رسول الله (ص) يده وعلي (ع) يصب عليه الماء، فلما فرغ من غسل يده مسح وجهه ثم نظر إلى علي (ع) وفاطمة والحسن والحسين نظرا عرفنا به السرور في وجهه، وتوجه نحو القبلة وبسط يديه ودعا ثم خر ساجدا وهو ينشج وجرت دموعه، ثم رفع رأسه وأطرق إلى الارض ودموعه تقطر كأنها صوب المطر، فحزنت فاطمة (ع) وعلي والحسن والحسين (ع) وحزنت معهم لما رأينا رسول الله (ص) وهبنا أن نسأله حتى إذا طال ذلك قال له علي (ع) وقالت له فاطمة (ع): ما يبكيك يا رسول الله؟لا أبكى الله عينيك، فقد أقرح قلوبنا ما نرى من حالك. فقال (ص): يا أخي سررت بكم. وقال مزاحم بن عبد الوارث في حديثه هنا فقال:  يا حبيبي سررت بكم سرورا ما سررت مثله قط، وإني لأنظر إليكم وأحمد الله على نعمته علي فيكم، إذ هبط علي جبرائيل فقال: يا محمد إن الله تبارك وتعالى أطلع على ما في نفسك وعرف سرورك بأخيك وابنتك وسبطيك فأكمل لك النعمة وهناك العطية بأن جعلهم وذرياتهم ومحبيهم وشيعتهم معك في الجنة لا يفرق بينك وبينهم، يحبون كما تحب ويعطون كما تعطي حتى ترضى وفوق الرضا على بلوى كثيرة تنالهم في الدنيا ومكاره تصيبهم بأيدي أناس ينتحلون ملتك، ويزعمون أنهم من أمتك براء من الله ومنك خبطا خبطا وقتلا قتلا شتى مصارعهم نائية. قبورهم خيرة من الله لهم ولك فيهم، فاحمد الله عز وجل على خيرته وارض بقضائه، فحمدت الله ورضيت بقضائه بما اختاره لكم. ثم قال لي جبرائيل: يا محمد إن أخاك مضطهد بعدك مغلوب على أمتك معتوب من أعدائك ثم مقتول بعدك، يقتله أشر الخليقة وأشقى البرية، يكون نظير عاقر الناقة ببلد تكون إليه هجرته وهو معرس شيعته وشيعة ولده وفيه على كل حال يكثر بلواهم ويعظم مصابهم، وإن سبطك هذا وأومى بيده إلى الحسين (ع) مقتول في عصابة من ذريتك وأهل بيتك وأخيار من أمتك بضفة الفرات بأرض يقال لها كربلاء، من أجلها يكثر الكرب والبلا على أعدائك وأعداء ذريتك في اليوم الذي لا ينقضي كربه ولا تفنى حسرته، وهي أطيب بقاع الأرض وأعظمها حرمة يقتل فيها سبطك وأهله وإنها من بطحاء الجنة، فإذا كان اليوم الذي يقتل فيه سبطك وأهله، وأحاطت به كتائب أهل الكفر واللعنة، تزعزعت الأرض من أقطارها، ومادت الجبال وكثر اضطرابها، واصطفقت البحار بأمواجها، وماجت السماوات بأهلها غضبا لك يا محمد ولذريتك، واستهضاما لما ينتهك من حرمتك ولشر ما تكافى به في ذريتك وعترتك، ولا يبقى شئ من ذلك إلا استأذن الله عزوجل في نصرة أهلك المستضعفين المظلومين الذين هم حجة الله على خلقه بعدك، فيوحي الله إلى السماوات والأرض والجبال والبحار ومن فيهن: إني أنا الله الملك القادر الذي لا يفوته هارب، ولا يعجزه ممتنع، وأنا أقدر فيه على الانتصار والانتقام، وعزتي وجلالي لاعذبن من وتر رسولي وصفيي وانتهك حرمته وقتل عترته ونبذ عهده وظلم أهل بيته عذابا لا أعذب به أحدا من العالمين، فعند ذلك يضج كل شئ في السماوات والارضين بلعن من ظلم عترتك واستحل حرمتك، فإذا برزت تلك العصابة إلى مضاجعها تولى الله عزوجل قبض أرواحها بيده، وهبط إلى الارض ملائكة من السماء السابعة معهم آنية من الياقوت والزمرد مملوءة من ماء الحياة وحلل من حلل الجنة وطيب من طيب الجنة، فغسلوا جثثهم بذلك الماء وألبسوها الحلل وحنطوها بذلك الطيب، وصلت الملائكة صفا صفا عليهم، ثم يبعث الله قوما من أمتك لا يعرفهم الكفار لم يشركوا في تلك الدماء بقول ولا فعل ولا نية، فيوارون أجسادهم ويقيمون رسما لقبر سيد الشهداء بتلك البطحاء يكون علما لاهل الحق وسببا للمؤمنين إلى الفوز، وتحفه ملائكة من كل سماء مائة ألف ملك في كل يوم وليلة، ويصلون عليه، ويطوفون حوله، ويسبحون عنده، ويستغفرون الله لمن زاره، ويكتبون أسماء زائرية من أمتك متقربين إلى الله تعالى وإليك بذلك وأسماء آبائهم وعشائرهم وبلدانهم، ويوسمون في وجوههم بميسم نور عرش الله هذا زائر قبر خير الشهداء وابن خير الأنبياء، فإذا كان يوم القيامة سطع في وجوههم من أثر ذلك الميسم نور تغشى منه الأبصار يدل عليهم فيعرفونهم، وكأني بك يا محمد بيني وبين ميكائيل وعلي أمامنا، ومعنا من ملائكة الله ما لا يحصى عددهم ونحن نلتقط ذلك الموسوم في وجهه من بين الخلائق حتى ينجيهم الله من هول ذلك اليوم وشدائده، وذلك حكم الله وعطاؤه لمن زار قبرك يا محمد أو قبر أخيك أو قبر سبطيك لا يريد به غير الله عز وجل، ويجتهد أناس ممن حقت ليهم اللعنة من الله والسخط أن يعفو رسم ذلك القبر ويمحوا أثره فلا يجعل الله تبارك وتعالى لهم إلى ذلك سبيلا. ثم قال رسول الله (ص): فهذا أبكاني وأحزنني.


قالت زينب (ع) فلما ضرب ابن ملجم لعنه الله أبي (ع) ورأيت عليه أثر الموت، دنوت منه وقلت له: يا أبت حدثتني أم أيمن بكذا وكذا وقد أحببت أن أسمعه منك، فقال: يا بنية الحديث كما حدثتك أم أيمن وكأني بك وبنساء أهلك سبايا بهذا البلد أذلاء خاشعين، تخافون أن يتخطفكم الناس، فصبرا صبرا فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما لله على ظهر الأرض يومئذ ولي غير محبيكم وشيعتكم، ولقد قال لنا رسول الله (ص) حين أخبرنا بهذا الخبر: إن إبليس لعنه الله في ذلك اليوم يطير فرحا، فيجول الأرض كلها بشياطينه وعفاريته، فيقول: يا معاشر الشياطين قد أدركنا من ذرية آدم الطلبة، وبلغنا في هلاكهم الغاية، وأورثناهم النار إلا من اعتصم بهذه العصابة، فاجعلوا شغلكم بتشكيك الناس فيهم وحملهم على عداوتهم وإغرائهم وأوليائهم، حتى تستحكموا ضلالة الخلق وكفرهم، ولا ينجوا منهم ناج، ولقد صدق عليهم إبليس ظنه وهو كذوب انه لا ينفع مع عداوتكم عمل صالح، ولا يضر مع محبتكم وموالاتكم ذنبا غير الكبائر.


قال زائدة: ثم قال علي بن الحسين بعد أن حدثني بهذا الحديث: خذه إليك ما لو ضربت في طلبه آباط الإبل حولا لكان قليلا ولكون زينب (ع) عالمة بجميع ما يجري عليها من المصائب والنوائب والمحن وأنها على بصيرة من أمرها قابلت تلك الرزايا والفوادح بجميل الصبر وعظيم الاتزان وقوة الإيمان وكامل الإخلاص.


وإليك نبذة يسيرة من مصائبها العظيمة وفوادحها الكبرى، فإنها (ع) رأت من المصائب والنوائب ما لو نزلت على الجبال الراسيات لانفسخت واندكت جوانبها، لكنها في ذلك تصبر الصبر الجميل كما هو معلوم لكل من درس حياتها، وأول مصيبة دهمتها هو فقدها جدها النبي (ص) وما لاقى أهلها بعده من المكاره، ثم فقدها أمها الكريمة بنت رسول الله بعد مرض شديد وكدر من العيش والاعتكاف في بيت الأحزان، ثم فقدها أباها عليا وهو مضرج بدمه من سيف ابن ملجم المرادي (لع)، ثم فقدها أخاها المجتبى المسموم تنظر إليه وهو يتقيأ كبده في الطشت قطعة قطعة، وبعد موته (ع) ترشق جنازته بالسهام، ثم رؤيتها أخاها الحسين (ع) تتقاذف به البلاد حتى نزل كربلاء وهناك دهمتها الكوارث العظام من قتله (ع) وقتل بقية إخوتها وأولادهم وأولاد عمومتها وخواص الأمة من شيعة أبيها (ع) عطاشى، ثم المحن التي لاقتها من هجوم أعداء الله على رحلها، وما فعلوه من سلب وسبي ونهب وإهانة وضرب لكرائم النبوة وودائع الرسالة، وتكفلها حال النساء والأطفال في ذلة الأسر، ثم سيرها معهم من بلد إلى بلد ومن منزل إلى منزل ومن مجلس إلى مجلس، وغير ذلك من الرزايا التي يعجز عنها البيان ويكل اللسان، وهي مع ذلك كله صابرة محتسبة ومفوضة أمرها إلى الله، قائمة بوظائف شاقة من مداراة العيال ومراقبة الصغار واليتامى من أولاد إخوتها وأهل بيتها، رابطة الجأش بإيمانها الثابت وعقيدتها الراسخة، حتى أنها كانت تسلي إمام زمانها زين العابدين (ع)، وأما ما كان يظهر منها بعض الأحيان من البكاء وغيره فذلك أيضا كان لطلب الثواب أو للرحمة التي أودعها الله عزوجل في المؤمنين، أما طلب الثواب فلعلمها بما أعده الله عزوجل للبكائين على الحسين.


قال الصادق (ع) من ذكرنا أو ذكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح البعوضة، غفر الله له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر.

 

وأما الرحمة التي أودعها الله في المؤمنين فمثل ما كان من النبي (ص) على ما رواه البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك عند ما دخل رسول الله (ص) وولده إبراهيم يجود بنفسه قال: فجعلت عينا رسول الله (ص) تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله، فقال: يا ابن عوف إنها رحمة. ثم اتبعها بأخرى فقال رسول الله (ص): إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون، وبالجملة فزينب (ع) صبرت صبر الكرام على تلك المصائب العظام والنوائب الجسام.


فمن عجيب صبرها وإخلاصها وثباتها ما نقله في الطراز المذهب أنها سلام الله عليها وعلى أبيها وأمها وأخويها لما وقفت على جسد أخيها الحسين (ع) قالت: أللهم تقبل منا هذا القليل من القربان قال: فقارنت أمها في الكرامات والصبر في النوائب بحيث حرقت العادات ولحقت بالمعجزات.


قال المؤلف النقدي أعلا الله مقامه: فهذه الكلمات من هذه الحرة الطاهرة، في تلك الوقفة التي رأت بها أخاها العزيز بتلك الحالة المفجعة، التي كانت فيها تكشف لنا قوة إيمانها ورسوخ عقيدتها وفنائها في جنب الله تعالى، وغير ذلك مما لا يخفى على المتأمل.


وقال عمر أبو النصر اللبناني في كتابه الحسين بن علي المطبوع حديثا ومما يجب أن يصار إلى ذكره في هذا الباب ما ظهر من زينب بنت فاطمة وأخت الحسين (ع) من جرأة وثبات جأش في موقفها هذا يوم المعركة وعند ابن زياد وفي قصر يزيد إلى آخر ما قال. ولله در الشاعر الخطيب السيد حسن بن السيد عباس البغدادي حيث يقول:

[يا قلب زينب ما لاقيت من محن * فيك الرزايا وكل الصبر قد جمعا]
[فلو كان ما فيك من صبر ومن محن * في قلب أقوى جبال الأرض لا نصدعا]
[يكفيك صبرا قلوب الناس كلهم * تفطرت للذي لاقيته جزعا]

 

المصدر: وفيات الأئمة (ع) - من علماء البحرين والقطيف.