السفر الخامس

(من الشام إلى كربلاء ومن كربلاء إلى المدينة في رعاية النعمان بن بشير وأصحابه، وقد أمرهم يزيد بالرفق بنساء الحسين (ع))

 

قال المفيد في (الإرشاد): ندب يزيد النعمان بن بشير وقال له: تجهز لتخرج بهؤلاء النسوة إلى المدينة، وأنقذ معهم في جملة النعمان بن بشير رسولا تقدم إليه أن يسير بهم في الليل، ويكونوا أمامه حيث لا يفوتون طرفه، فإذا نزلوا انتحى عنهم وتفرق هو وأصحابه حولهم كهيئة الحرس لهم، وينزل منهم بحيث ان أراد إنسان من جماعتهم وضوءا أو قضاء حاجة لم يحتشم، فسار معهم في حملة النعمان ولم يزل ينازلهم في الطريق ويرفق بهم كما وصاه يزيد حتى دخلوا المدينة.


وقال السيد ابن طاوس لما بلغوا العراق قالوا للدليل: مر بنا على طريق كربلاء، فوصلوا إلى موضع المصرع، فوجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري (رحمه الله) وجماعة من بني هاشم ورجالا من آل الرسول (ص) قد وردوا لزيارة قبر الحسين (ع) فتوافوا في وقت واحد، وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم، وأقاموا المآتم المقرحة للأكباد، واجتمع إليهم نساء ذلك السواد فأقاموا على ذلك أياما، قال: ثم انفصلوا من كربلاء طالبين المدينة، قال بشر بن حذلم: فلما قربنا منها نزل علي بن الحسين (ع) فحط رحله وضرب فسطاطه وأنزل نساءه وقال: يا بشر رحم الله أباك لقد كان شاعرا، فهل تقدر على شئ منه؟فقلت بلى يا ابن رسول الله إني لشاعر فقال (ع): ادخل المدينة وانع أبا عبد الله (ع) قال بشر: فركبت فرسي وركضت حتى دخلت المدينة، فلما بلغت مسجد النبي (ص) رفعت صوتي بالبكاء وأنشأت أقول:

[يا أهل يثرب لا مقام لكم بها * قتل الحسين فادمعي مدرار]
[الجسم منه بكربلاء مضرج * والرأس منه على القناة يدار]

 

قال: ثم قلت هذا علي بن الحسين (ع) مع عماته وإخواته قد حلوا بساحتكم ونزلوا بفنائكم، وأنا رسوله إليكم أعرفكم مكانه، قال: فما بقيت في المدينة مخدرة ولا محجبة إلا برزن من خدورهن مكشوفة شعورهن، مخمشة وجوههن، مضروبة خدودهن، يدعون بالويل والثبور، فلم أر باكيا وباكية أكثر من ذلك اليوم ولا يوما مر على المسلمين مثله، وقال أبو مخنف في مقتله نظير ما نقله السيد ابن طاوس ثم قام السجاد (ع) يمشي إلى أن دخل المدينة، فلما دخلها زار جده رسول الله (ص) ثم دخل منزله، وفي (المنتخب): وأمام أم كلثوم فحين توجهت إلى المدينة جعلت تبكي وتقول:

[مدينة جدنا لا تقبلينا * فبالحسرات والاحزان جينا]
[خرجنا منك بالاهلين جمعا * رجعنا لا رجال ولا بنينا]
[وكنا في الخروج بجمع شمل * رجعنا حاسرين مسلبينا]
[وكنا في أمان الله جهرا * رجعنا بالقطيعة خائفينا]
[ومولانا الحسين لنا أنيس * رجعنا والحسين به رهينا]
[فنحن الضائعات بلا كفيل * ونحن النائحات على أخينا]
[ونحن السائرات على المطايا * نشال على جمال المبغضينا]
[ونحن بنات يس وطه * ونحن الباكيات على أبينا]
[ونحن الطاهرات بلا خفاء * ونحن المصطفون المخلصونا]
[ونحن الصابرات على البلايا * ونحن الصادقون الناصحونا]
[ألا يا جدنا قتلوا حسينا * ولم يرعوا جناب الله فينا]
[ألا يا جدنا بلغت عدانا * مناها واشتفى الاعداء فينا]
[لقد هتكوا النساء وحملوها * على الاقتاب قهرا أجمعينا]
[وزينب أخرجوها من خباها * وفاطم واله تبدي الانينا]
[سكينة تشتكي من حر وجد * تنادي الغوث رب العالمينا]


والقصيدة تركناها خوف الإطالة.

 

قال الراوي: وأما زينب (ع) فأخذت بعضادتي باب المسجد ونادت: يا جداه إني ناعية إليك أخي الحسين (ع)، وهي مع ذلك لا تجف لها عبرة ولا تفتر من البكاء والنحيب، وكلما نظرت إلى علي بن الحسين (ع) تجدد حزنها وزاد وجدها، أقول: وكأني بها (ع) بعد أخيها الحسين (ع) لا زالت باكية العين حزينة القلب منهدة الركن من المصيبة وكأني بلسان حالها يقول:

[يا غائبا عن أهله أتعود أم * تبقى إلى يوم المعاد مغيبا]
[يا ليت غائبنا يعود لاهله * فنقول أهلا بالحبيب ومرحبا]
[لو كان مجروحا لعولج جرحه * كيف العلاج ونور بهجته خبا]

 

المصدر: وفيات الأئمة (ع) - من علماء البحرين والقطيف.