نزول سورة الإنسان في أهل البيت (ع) -2
أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وخاتم النبيين، حبيب إله العالمين، أبي القاسم محمد، وعلى آله الأخيار الأبرار، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. اللهمَّ أخرجنا من ظلمات الوهم، وأكرمنا بنور الفهم، وافتح علينا أبوابَ رحمتك، وانشر علينا خزائن علومك.
كنا قد تحدَّثنا في جلسةٍ سابقة حول سبب نزول سورة الإنسان، وقلنا إنَّها نزلت في الثناء على عليٍّ وفاطمة والحسن والحسين (ع) لإيثارهم المسكينَ واليتيم والأسير على أنفسهم رغم شديد حاجتهم للطعام نزول سورة الإنسان في أهل البيت(ع)-1.
وقلنا إنَّ الروايات قد استفاضت في ذلك من طُرق الفريقين، وهي وإنْ اختلفت في التفاصيل ولكنَّها متفقةٌ على نزول سورة الإنسان في عليٍّ وفاطمة والحسن والحسين(ع) وأنَّ منشأ نزولها هو إيثارهم المسكينَ واليتيمَ والأسير على أنفسهم.
وهنا نود الإشارة إلى أمرين:
كيف يأتي الأسير يطرف الباب وهو محبوس:
الأمر الأول: قد يخطر في الذهن عند الوقوف على الروايات الواردة في سبب النزول والتي نقلنا بعضها في جلسة سابقة والتي أفادت أنَّ قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾(1) يشير إلى ما وقع من أنَّ مسكيناً ويتيماً وأسيراً جاء كلٌّ منهم على حدة وطرق باب عليٍّ (ع) يستجدي طعاماً فأطعمه أميرُ المؤمنين (ع) والسيدة فاطمة (ع) والحسن والحسين عليهما السلام ما أعدوه لإفطارهم، قد يخطر في الذهن عند الوقوف على هذه الروايات أنَّه كيف يأتي الأسير فيطرق عليهم الباب يطلب طعاماً والحال أنَّ الأسير يكون محبوساً، والمحبوس لا يُتاح له التجوال ليذهب إلى بيتِ هذا أو ذاك؟
والجواب: هو أنَّه قد يكون المراد من الأسير هو العبد المملوك فإنَّه قد يسمَّى أسيراً لأنَّه محروم من الحريَّة، فهو في عهدة سيِّده وفي ولايته، فلو كان المراد من الأسير في الآية هو المملوك فإنَّ الإشكال ينتفي، إذ أنَّ المملوك ليس محبوساً، فله أنْ يخرج للعمل وللسعي في قضاء حوائج سيِّده.
وقد يكون المراد من الأسير في الآية هو أسيرُ الحرب كما هو المتبادر من اللفظ، إلا أنَّه رغم ذلك ينتفي الإشكال هند الإلتفات إلى أنَّ الأسير في ذلك الوقت ليس هو كالأسير في الوقت الراهن، فالأسيرُ في ذلك الوقت ليس له موضعٌ محدَّد محبوساً فيه وإنما يكون في عهدة مَن أسره فهو مسئول عن إطعامه وإيوائه معه في بيته إلى أنْ تأتي عشيرته فتدفع فديته وحينها يتمُّ إطلاق سراحه، وقد يُكلِّفُ النبيُّ (ص) أحد المسلمين بالتحفُّظ على من تمَّ أسرُه فيكون عليه إطعامُه ورعايتُه، وقد يتَّفق أن يكون هذا الرجل المكلَّف بالتحفُّظ على الأسير فقيراً، فلا يملك ما يسدُّ به حاجة أسيرِه فيسترفد له، كما وقع ذلك لأسرى بدر، فقد أسر المسلمونَ سبعين من مشركي قريش وجيء بهم للمدينة وكلَّف النبيُّ (ص) كلَّ واحد من المسلمين بواحدٍ من الأسرى وأمر بإطعامهم والإحسان إليهم، فكان كلُّ واحدٍ ممَّن كلِّف بالتحفُّظ على أسيرٍ -كما ورد في الأخبار- يقوم بإيوائه في منزله ويتولى شأن رعايته بل قد يُؤثره على نفسه، فكان بعضهم -كما يخبر بعض الأسرى- يطعم أسيره الخبز والجيِّد ممَّا يملك من الطعام ويقنع هو ببعض التميرات يتبلَّغ بها.
وقد يتفق لبعض المكلَّفين بالتحفظ على أسير أنَّه لا يملك ما يطعمه به فيأتي لبيت الرسول (ص) أو لبيت فاطمة (ع) فيطلب له طعاماً وقد يصحبه معه يطلب له وقد يطلب له ولنفسه طعاماً، فالأسير لا يظلُّ في منزل المكلَّف بالتحفظ عليه بل قد يصطحبه معه إذا خرج.
وقد يحبس الأسير في المسجد فيربط في إحدى سواري المسجد ويكلف النبي (ص) أحد المسلمين بحراسته وتعاهد شأنه وإطعامه والنظر في حاجاته، وقد يتفق أن لا يجد المسئول عن حراسته ما يطعمه به فيطلب له طعاماً.
ونذكر استطراداً ما وقع لثمامة بن أثال من بني حنيفة هذا الرجل كان من اليمامة أسره المسلمون وجاؤوا به وحبسوه في ساريةٍ من سواري المسجد فأمر النبيُّ (ص) بالإحسان إليه إلى أنْ يتَّخذ فيه قراراً.
هذا الرجل كان من سادات بني حنيفة ويذكر المؤرِّخون أنَّ العلاء الحضرمي كان فد بعثه الرسول (ص) إلى المنذر بن ساوى في البحرين ليدعوه ويدعو أهل البحرين للإسلام فذهب وأدَّى رسالة الرسول (ص) فاستجاب أهلُ البحرين لدعوة الرسول الكريم (ص) ودخلوا في الإسلام ثم إنَّ العلاء الحضرمي قفل عائداً إلى المدينة فمرَّ من طريق اليمامة فأمسك به ثمامة بن أثال وقال له: أنت رسولُ محمَّد (ص) قال: نعم فقال له لن ترى محمَّداً (ص) بعد هذا اليوم وحبسه عنده فتدخل عمُّ ثمامة وقال له: لم تحبس الرجل إنه لم يصبنا منه أذىً، أطلقه فأطلقه، فعاد العلاء الحضرمي إلى المدينة وأخبر النبيَّ (ص) بما وقع له في اليمامة من قبل ثمامة بن أثال وأنَّه لم ينجُ من الحبس إلا بشفاعة عامرٍ عمِّ ثمامة، فقال الرسول (ص) -بحسب الرواية- اللهمَّ اهدِ عامراً وأمكنِّي من ثمامة.
فاتَّفق أنْ جاء ثمامة في جماعةٍ قاصداً مكة معتمراً فاعترضته خيل المسلمين وأخذوه أسيراً وحبسوه في ساريةٍ من سواري المسجد فأمر النبيُّ (ص) في بالإحسان إليه وإطعامه والنظر في حاجاته، فكان المسجد يسمع تلاوة الرسول (ص) للقرآن أثناء الصلاة ويسمع حديث وخطبه، ثم إنَّ الرسول (ص) كان يتعاهده -ثلاثة أيام كما قيل- وبعدها قال له كما في معتبرة زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) أَنَّ ثُمَامَةَ بْنَ أُثَالٍ أَسَرَتْه خَيْلُ النَّبِيِّ (ص) وقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّه (ص) قَالَ: اللَّهُمَّ أَمْكِنِّي مِنْ ثُمَامَةَ فَقَالَ لَه رَسُولُ اللَّه (ص): إِنِّي مُخَيِّرُكَ وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثٍ أَقْتُلُكَ قَالَ: إِذاً تَقْتُلَ عَظِيماً، أَوْ أُفَادِيكَ قَالَ: إِذاً تَجِدَنِي غَالِياً، أَوْ أَمُنُّ عَلَيْكَ قَالَ: إِذاً تَجِدَنِي شَاكِراً، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ مَنَنْتُ عَلَيْكَ قَالَ: فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وأَنَّكَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّه، وقَدْ واللَّه عَلِمْتُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّه حَيْثُ رَأَيْتُكَ، ومَا كُنْتُ لأَشْهَدَ بِهَا وأَنَا فِي الْوَثَاقِ"(2)
وورد في بعض الأخبار أنَّ النبيَّ (ص) قال: أطلقوا ثمامة فلما أطلقوه ذهب إلى موضع فيه ماء فاغتسل وعاد إلى النبيِّ (ص) في الْمَسْجِدَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ! يَا مُحَمَّدُ! وَاللَّهِ، مَا كَانَ عَلَى الأرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ إِلَيَّ. وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي، وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ، فَمَاذَا تَرَى؟
فإذن له الرسول (ص) في أَنْ يَعْتَمِرَ فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ، قَالَ لَهُ قَائِلٌ: صَبَوْتَ؟! قَالَ: لا، وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ)، وَلا، وَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنْ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ) وقد وفى -كما قيل- بما توعَّد به قريش فكان ذلك من وسائل الضغط التي منيت بها قريش لأن اليمامة كانت من الروافد المهمَّة لقريش(3).
يقول ابن عبد البر في الاستيعاب: فخرج -ثمامة- حتى قدم مكّة، فلما سمع به المشركون جاؤه فقالوا: يا ثمامة، صبوت وتركت دين آبائك، قال: لا أدرى ما نقولون، إلَّا إني أقسمت بربّ هذه البنية لا يصل إليكم من اليمامة شيء مما تنتفعون به حتى تتبعوا محمدا عن آخركم.
قال: وكانت ميرة قريش ومنافعهم من اليمامة، ثم خرج فحبس عنهم ما كان يأتيهم منها من ميرتهم ومنافعهم، فلما أضرّ بهم كتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ عهدنا بك وأنت تأمر بصلة الرّحم، وتحضّ عليها، وإنّ ثمامة قد قطع عنا ميرتنا وأضرّ بنا، فإن رأيت أن تكتب إليه أن يخلى بيننا وبين ميرتنا فافعل. فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أن خلّ بين قومي وبين ميرتهم.."(4)
الوضع المعيشي لأمير المؤمنين(ع) وللمسلمين عامة في أول الهجرة:
الأمر الثاني: يظهر من الروايات الواردة في سبب نزول سورة الإنسان والتي نقلنا بعضها في جلسةٍ سابقة يظهر منها أنَّه لم يكن عند أمير المؤمنين (ع) ما يزيد على قوت يومه بحيث إذا تصدَّق به على أحد لم يبقَ له ما يقتات هو وعياله به، فهل كان وضعه المعيشي متردياً إلى هذا الحد؟
الجواب: كان الوضع الاقتصادي لعامَّة المسلمين وبالأخصِّ للمهاجرين في أول الهجرة متردِّياً، فأكثر المهاجرين هاجروا تاركين أموالهم ودورهم، وقد تمَّت المصادرةُ من قِبل المشركين لأموالهم ومواشيهم بل لدورهم كما أشار لذلك القرآن المجيد في قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾(5) وامتدَّ ذلك لسنين، وقد ضاعفَ من تردِّي أحوالهم المعيشية ما فرضته قريش من حِصار وقطيعة، فقد كانت قريش تُغري القبائل المحيطة بأطراف المدينة تغريهم وتستحثُّهم على عدم التعامل مع المسلمين، وكانت القبائل تخشى من قريش أو تداريهم رعايةً للمصالح المتبادلة وكونهم بحاجة إلى زيارة مكة للحج والعمرة ولأنَّ لقريش أحلافاً يخشون سطوتهم، فكان الكثير منهم ملتزمين بعدم التعامل مع المسلمين وذلك ما ضاعف من معاناتهم.
ففي الوقت الذي كان المهاجرون يكابدون مضاعفات الغُربة وما تقتضيه غالباً من ضعف الحال، وقد حلوا ضيوفاً على الأنصار الذين لا يتميَّز أكثرُهم بالثراء، فهم وإنْ شاركوهم في أموالهم وقوتهم ودورهم لكنَّ ذلك يمثل عبئاً يضاف إلى الأعباء التي كانت عليهم تجاه مَن يعولونهم خصوصاً وأنَّ المهاجرين في ازديادٍ يوماً بعد يوم، فمضافاً لذلك فإن سياسة القطيعة التي مارستها قريش تجاه المسلمين أسهمت في مضاعفة عنائهم.
أصحاب الصُّفة مؤشِّرٌ على تردِّي الأوضاع المعيشية للمسلمين:
ونذكر كمؤشرٍ على تردِّي الأوضاع المعيشية للمسلمين في السنين الأولى للهجرة ما كان يُعرف بأصحاب الصُّفة وهم الذين أسلموا وهاجروا إلى المدينة، ولم يكن لهم ما يعتاشون به فلم تكن لهم أموال يبتاعون بها بيوتاً أو يتجارون بها وقد تركوا أوطانهم وعشائرهم رغبةً في الإسلام، فلكونهم عاجزين عن تأمين المأوى والمأكل أمر النبيُّ الكريم (ص) أنْ يُتَّخذ لهم موضعاً في مؤخرة المسجد وأمر بتسقيفه فالصفة هو اسم الموضع الذي اتخذه الرسول (ص) لهم فكانوا ينسبون إليه، وكان ذلك الموضع هو مسكنهم، وكان عددهم يزداد حتى قيل إنَّه بلغ أربعمائة رجلاً فكان الرسول (ص) يأمر المسلمين بالإحسان إليهم وإطعامهم وكسوتهم بالقدر الميسور لهم، وكان يأمر المستطيع أن يصحب معه إلى بيته لإطعامه واحداً منهم أو أكثر بحسب طاقته إلا أنَّ تأمين حاجة مجموعهم يفوقُ طاقة المسلمين مع ما هم عليه من ضائقةٍ وشدَّة، لذلك كان جلُّ غذائهم من التمر هذا إذا تهيأ لهم الحصول عليه، فقد يتَّفق أنْ لا يحظى أحدهم في اليوم الواحد على أكثر من تمرة أو تمرتين، نعم قد ينعمون بشيءٍ وافرٍ من التمر نسبياً أيام الموسم، فكان أكثر ما يطعمون في عامة سنتِهم هو التمر حتى قال أحدُهم -كما روي-: "من أصحاب الصفة يا رسول الله أحرق بطوننا التمر وتخرقت عنا الخنف -نوع رديء من الثياب الغليظة- فصعد رسول الله (ص) فخطب ثم قال: والله لو وجدت خبزا أو لحما لاطعمتكموه"(6).
وممَّا يشير إلى معناتهم ما ورد من أنَّه: "كان رسولُ الله (ص) إذا صلَّى بالناس خرَّ رجالٌ من قامتهم في الصلاة لِما بهم من الخصاصة -الجوع- وهم من أصحاب الصُّفة حتى يقول الأعراب إنَّ هؤلاء مجانين، فإذا قضى رسول الله (ص) الصلاة انصرف إليهم فقال: لهم لو تعملون مالكم عند الله عز وجل لأحببتم لو أنكم تزدادون حاجةً وفاقةً"(7).
وورد عن بعض أصحاب الصفة قال: "رأيتُ سبعين من أصحاب الصفة ما منهم رجل عليه رداء إما إزار وإما كساء قد ربطوا في أعناقهم فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهية أنْ ترى عورته"(8).
وما يؤشِّر إلى تردِّي الوضع المعيشي لعامَّة المسلمين ما رُوي من أنَّ النبيَّ الكريم (ص) خرج يوماً فقال لأحد أصحاب الصفَّة فقال: "ادع لي أصحابك -يعني أصحاب الصفة- قال: فجعلتُ أتبعهم رجلاً رجلاً أوقظُهم حتى جمعتهم، فجئنا باب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاستأذنا فأذن لنا، قال: ووضعت بين أيدينا صحفة فيها صنيع قدر مدي شعير، قال: فوضع رسولُ الله صلَّى الله عليه وآله وسلم يدَه عليها فقال: خذوا بسم الله، فأكلنا ما شئنا ثم رفعنا أيدينا، فقال رسول الله (ص) حين وضعت الصحفة: والذي نفس محمَّدٍ بيده ما أمسى في آل محمَّد طعام غير شيء ترونه"(9) فكان النبيُّ الكريم (ص) ينفق كلَّ ما يملكه وما يصله على فقراء المسلمين فقد لا يبقى عنده ما يتبلغ به. ورد عن أمير المؤمين كما في الاحتجاج: "ولقد كان -النبي (ص)- يقسم في اليوم الواحد الثلثمائة ألف وأربعمائة ألف ويأتيه السائل بالعشي فيقول: والذي بعث محمدا بالحق ما أمسى في آل محمِّدٍ صاع من شعير، ولا صاع من بر، ولا درهم، ولا دينار"(10).
ثم إنَّه لم يتحسن وضع المسلمين إلا بعد السنة السابعة من الهجرة بعد فتح خيبر.
هذا ما يتصل بالوضع الاقتصادي لعامة المسلمين ولم يكن الوضع الاقتصادي لأمير المؤمنين (ع) أحسن حالاً من عامَّة المسلمين، كان الإمام(ع) يكسب قوته يوماً بيوم من طريق الزراعة، فإذا آثر أحداً بما اكتسبه يبقى دون طعام، لم يشتغل الإمام عليٌّ (ع) في التجارة وكذلك لم يكن يصرف جلَّ وقته في الزراعة بل يعمل بمقدار ما يؤمِّن قوت يومه في الزراعة ثم يشتغل بالملازمة للرسول (ص) فلم يكن أمير المؤمنين (ع) مشتغلاً كغيره بالصفق في الأسواق بل كان مشتغلاً بملازمة الرسول الكريم (ص) في الليل وفي النهار، فكان يكتب الوحي، وكان يشتغل هو والنبيُّ الكريم (ص) والمتميزين من الصحابة بتعليم الناس ما ينزل من القرآن وتحفيظهم إياه، روي عن عبد الله بن مسعود قال: "قرأتُ على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلم) سبعين سورةً وختمتُ القرآن على خير الناس عليِّ بن أبي طالب"(11).
وكان يكتب ما يُمليه عليه الرسول (ص) من معارف وأحكام، فكان فيما كان يُمليه عليه الرسول (ص) ما يسمَّى بالجامعة طولها سبعون ذراعاً فيها كلُّ ما يحتاج إليه الناس من الحلال والحرام حتى أرش الخدش، وقد كتب بإملاء رسول الله (ص) وخطِّه صحائف في مختلف المعارف الدينية وهي ما يعبَّر عنها بمواريث النبوة كما نصَّت على ذلك الروايات عن أهل البيت (ع)(12).
فلم يكن يسع الرسول (ص) أن يعرِّف الناس بجميع المعارف والأحكام، فلم تكن أوقاتهم ولا قابلياتهم قادرة على استيعاب كل تلك المعارف على دققتها وسعتها وتشعبُّها لذلك أودع الكثير منها عند أمير المؤمنين (ع) وكلفه وكلَّف الأئمة (ع) من بعده بتبليغها بحسب ما تقتضيه مصلحة الوقت، وهذا هو مؤدى قوله (ص): "أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب"(13) وهذا هو معنى أنَّ عليَّاً (ع) كان عيبة علمِه(14) معدن حكمتِه.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
29 / جمادى الأولى / 1447ه
21 / نوفمبر / 2025م
1- سورة الإنسان / 8.
2- الكافي -الكليني- ج8 / ص299.
3- صحيح البخاري ج5 / ص118.
4- الاستيعاب -ابن عبد البر- ج1 / ص214.
5- سورة الحشر / 8.
6- مسند أحمد -أحمد بن حنبل- ج3 / ص487، اسد الغابة -ابن الأثير-ج3 / ص63.
7- السنن الكبرى -الترمذي- ج4 / ص12.
8- صحيح البخاري ج1 / ص114.
9- المصنف -ابن أبي شيبة- ج7 / ص426.
10- الاحتجاج -الطبرسي- ج1 / ص335.
11- المعجم الكبير -الطبراني- ج9 / ص76.
12- لاحظ مثلاً الكافي الكليني بَابٌ فِيه ذِكْرُ الصَّحِيفَةِ والْجَفْرِ والْجَامِعَةِ ج1 / ص238.
13- المستدرك على الصحصين -الحاكم النيسابوري- قال: هذا حديث صحيح الاسناد ج3 / ص126، 127، العجم الكبير -الطبراني- ج11 / ص55، الاستيعاب- -ابن عبد البر- ج3 / ص 1102.
14- علل الشرائع -الصدوق- ج1 / ص66، شرخ الأخبار -القاضي النعمان المغربي- ج2 / ص201، تاريخ مدينة دمشق -ابن عساكر- ج42 / ص385، شرح نهج البلاغة- ابن أبي الحديد - ج9 / ص165، الجامع الصغير -جلال الدين السيوطي- ج2 / ص177. قال المناوي في كتابه فيض القدير في شرح الجامع الصغير: (علي عيبة علمي) أي مظنة استفصاحي وخاصتي وموضع سري ومعدن نفائسي والعيبة ما يحرز الرجل فيه نفائسه. قال ابن دريد: وهذا من كلامه الموجز الذي لم يسبق ضرب المثل به في إرادة اختصاصه بأموره الباطنة التي لا يطلع عليها أحد غيره وذلك غاية في مدح علي وقد كانت ضمائر أعدائه منطوية على اعتقاد تعظيمه وفي شرح الهمزية: أن معاوية كان يرسل يسأل عليا عن المشكلات فيجيبه فقال أحد بنيه: تجيب عدوك قال: أما يكفينا أن احتاجنا وسألنا" ج4 / ص469.