هل تجوز المعصية على الأنبياء قبل بعثتهم

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

 

المسألة:

سلام عليكم شيخنا الفاضل

روي عن أبي عبد الله (ع)، قال: خطب سلمان فقال: ... والسبعين الذين اتَّهموا موسى على قتل هارون، فأخذتهم الرجفةُ من بغيهم، ثم بعثهم اللهُ أنبياءَ مُرسلين وغير مُرسلين...)

 هل هذه الرواية تامَّة سندا ومضموناً، بأنَّ السبعين رجلاً قد بعثهم الله أنبياء؟

الجواب:

الرواية أوردها الكشي في اختيار معرفة الرجال(1) وهي من حيث السند ليست تامَّة، وذلك لاشتماله على عددٍ من المجاهيل، وأمَّا من حيث المضمون فالفقرة مورد الإشكال هي قوله:" ثم بعثهم اللهُ أنبياءَ مُرسلين وغير مُرسلين" وظاهرُها أنَّ الضمير في قوله " بعثهم" يرجع على السبعين الذين اتَّهموا موسى (ع). إلا أنَّه لا يبعد وقوع خطأِ في النسخ وأنَّ الصحيح هو عدم اشتمال الفقرة على كلمة "بعثهم" وإنَّما هي مشتملة على كلمة "بعث" دون ضمير الجمع، فالصحيح هو أنَّ الفقرة هكذا: " ثم بعث اللهُ أنبياءَ مرسلين وغير مسلين" فهي جملةٌ مستأنفة، ومفادُها أنَّ الله تعالى بعثَ من بعد موسى (ع) أنبياءَ مرسلين وغير مرسلين، فليس المقصود من الفقرة أنَّ الأنبياء الذين بعثهم الله هم أولئك الذين بغوا على موسى (ع) واتهموه بقتل هارون (ع) بل المقصود أنَّه بعد هذه الواقعة وبعد موسى بعث اللهُ أنبياء بعضهم كانوا مرسلين وبعضهم لم يكونوا مرسلين .

فلو كان الصحيح هو ما ذكرناه من وقوع الخطأ في النسخ لكلمة "بعثهم" فإنَّ الفقرة المذكورة من الرواية لا تكون مورداً للإشكال.

وأمَّا لو كانت الفقرة بالنحو المذكور في النسخ المتداولة فالرواية في هذا المقدار ساقطة عن الاعتبار جزماً لمنافاتها مع القرآن المجيد ومنافاتها لِما عليه إجماعُ الإماميَّة.   

أمَّا منافاتها للقرآن فلمثل قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}(2) فمفاد الآية هو أن كلَّ من اجترح الظلم فإنَّه لا يتأهل لمقام الإمامة أو النبوَّة فهما المراد من عهد الله الذي نفت الآية إعطاءه للظالمين.

وأمَّا منافاة الفقرة المذكورة لما استقرَّ عليه مذهبُ الإمامية تبعاً لأهل البيت(ع) فللتسالم بينهم على عصمة الأنبياء(ع) قبل بعثتهم وبعدها، وامتناع صدور المعصية منهم مطلقاً حتى قبل بعثتهم خصوصاً الكبائر منها مثل البغي والبهتان.

يقول الشيخ الصدوق رحمه الله في كتابه الاعتقادات في دين الإمامية: "اعتقادنا في الأنبياء والرسل والأئمة والملائكة صلوات الله عليهم أنَّهم معصومون مطهَّرون من كلِّ دنسٍ، وأنَّهم لا يذنبون ذنباً، لا صغيراً ولا كبيراً، ولا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يُؤمرون. ومن نفى عنهم العصمة في شيءٍ من أحوالهم فقد جهلهم، واعتقادنا فيهم أنَّهم موصوفون بالكمال والتمام والعلم من أوائل أمورهم إلى أواخرها، لا يوصفون في شيءٍ من أحوالهم بنقصٍ ولا عصيان"(3)

ويقول العلامة الحلِّي: "ذهبت الإماميَّة كافَّة إلى أنَّ الأنبياء معصومون عن الصغائر والكبائر، ومنزَّهون عن المعاصي، قبل النبوَّة، وبعدها. على سبيل العمد، والنسيان، وعن كل رذيلة ومنقصة، وما يدلُّ على الخسة والضعة"(4)

وأفاد العلامة المجلسي في البحار قال:"العمدة في ما اختاره أصحابنا من تنزيه الأَنبياء والأَئمة عليهم السلام من كلِّ ذنب ودناءةٍ ومنقصةٍ قبل النبوَّة وبعدها قول أئمتنا عليهم السلام بذلك المعلوم لنا قطعنا بإجماع أصحابنا رضوان الله عليهم مع تأييده بالنصوص المتظافرة حتى صار ذلك من قبيل الضروريات في مذهب الإِماميَّة، وقد استدلَّ عليه أصحابُنا بالدلائل العقلية، وقد أوردنا بعضها في شرح كتاب الحجَّة ، ومن أراد تفصيل القول في ذلك فليرجع إلى كتاب ( الشافي ) و ( تنزيه الأَنبياء ) وغيرهما من كتب أصحابنا"(5)

رواية أخرى أوردها الكشي:

هذا وقد أورد الكشي في اختيار معرفة الرجال روايةً أخرى - في ترجمة عبد الله بن عجلان- بسنده عن الحارث بن المغيرة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ".. إنَّ موسى بن عمران اختار قومه سبعين رجلاً، فلمَّا أخذتهم الرجفة كان موسى أول مَن قام منها، فقال: يا ربِّ أصحابي قال: يا موسى إنِّي أُبدلُك بهم خيراً، قال: ربِّ إنِّي وجدتُ ريحَهم وعرفتُ أسمائهم، قال ذلك ثلاثاً، فبعثهم اللهُ أنبياء"(6)

والإشكال الوارد على هذه الرواية هو ذاتُه الإشكال الوارد على الرواية السابقة إلا أنْ يُقال بأنَّ كلمة أنبياء في قوله: " فبعثهم اللهُ أنبياء" ليس المقصود منها الأنبياء المؤيَّدين بالوحي والمكلَّفين بتبليغ رسالة الله جل وعلا ، بل المقصود من الفقرة المذكورة أنَّه تعالى بعثهم أي أحياهم بعد إماتتهم، وألقى في روعهم أنْ يشهدوا لموسى (ع) عند بني إسرائيل بما سمعوه من مناجاة الله له، فمعنى بعثِهم هو إحياؤهم بعد إماتتهم كما يشهد لذلك قوله تعالى:{وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ / ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}(7)

وأما وصفُهم بالأنبياء فأُريد منه المعنى اللُّغوي وهو أنَّهم كُلِّفوا بإنباء وإخبار بني إسرائيل بما شاهدوه وسمعوه من مناجاة الله تعالى لنبيِّه موسى (ع)

فالآية من سورة البقرة وهي قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ..} تتحدَّثُ عن ذات الواقعة التي ذُكرت في سورة الأعراف وهي قوله تعالى:{وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ}(8)

والواقعة التي تتحدَّث عنها السورتان هي أنَّ موسى (ع) لمَّا أخبر بني إسرائيل أنَّ الله تعالى يُكلِّمه ويُناجيه في جانب الطور لم يصدِّقوه فاختار منهم سبعين رجلاً وسار بهم إلى ذلك الموضع الذي يكلِّمه فيه ربُّه ليسمعوا كلام الله تعالى ويشهدوا له بذلك عند بني إسرائيل، فلمَّا بلغَ بهم ذلك الموضع وسمعوا كلام الله جلَّ وعلا طلبوا من موسى (ع) أنْ يُريهم اللهَ جهرةً فأخذتهم الصاعقةُ بظلمهم ثم إنَّ اللهَ تعالى بعثَهم -أي أحياهم - بعد موتهم استجابةً لدعاء موسى (ع) وكلَّفهم بأن يشهدوا لموسى (ع) بما شاهدوه وسمعوه من مناجاة الله تعالى له .

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

17 شعبان 1447ه

6 فبراير 2026م   

--------------------------

1-اختيار معرفة الرجال- الطوسي- ج1/ 86.

2- سورة البقرة :124.

3- الاعتقادات في دين الإمامية- الصدوق- ص96.

4-نهج الحق وكشف الصدق- العلامة الحلي- ص142.

5- بحار الأنوار- المجلسي ج11/ 91.

6-اختيار معرفة الرجال - الطوسي- ج2/ 512.

7- سورة البقرة : 55، 56.

8- سورة الأعراف: 155.