قصَّة حفيرة مسلم بن عقيل

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

يذكر الخطباء في مَعرَض الحديث عن مقتل مسلم بن عقيل (رضوان الله عليه) في الكوفة أنَّ رجال ابن زياد لم يتمكَّنوا من أَسرِه إلا بعد أنْ حفروا في طريقه حفيرةً وغطَّوها ثم استدرجوه، فحين وقع فيها تمكَّنوا من الإمساك به وأسرِه، فما هي مصداقيَّةُ هذه القصَّة؟

الجواب:

القصَّة المذكورة وإنْ كانت مُحتَملَة إلا انَّه لم أجدْ في شيءٍ من مصادرنا ولا في مصادر العامَّة -رغم التتبُّع- مَن يذكرُها، والذي يذكرُه المؤرِّخون وقد توافقوا عليه أنَّ ابن زياد بعث رجالاً كُثُر مدجَّجين بالسلاح إلى الدار الذي كان يأوي فيها مسلم، وأحاطوا بها فخرج إليهم مسلمٌ وقاتلهم أشدَّ القتال، وأبلى في ذلك بلاءً عظيماً، وقتل منهم رجالاً رغم أنَّه كان وحيداً، وأستعصى عليهم رغم كثرتِهم التمكُّنُ مِن أسرِه في أول الأمر فتوسَّلوا بقذفِه مِن على السطوح بالحجارة وأخذوا يُلهبون أطراف القصَب بالنار ويقذفونَه بها لكنَّه ظلَّ يُقاتلُهم (روحي فداه) ببسالةٍ قلَّ نظيرُها حتى أثخنوه بالجراح ثم تكاثروا عليه وتمكَّنوا من أسرِه، وقِيل إنَّهم لم يتمكَّنوا مِن أسرِه إلا بعد أنْ أعطوه الأمان.

هذا حاصلُ ما ذكره المؤرِّخون من الفريقين على اختلافٍ في بعض التفاصيل، وأمَّا قصةُ الحفيرة فلم أجد لها ذكراً في شيءٍ من المصادر، والمرجَّح أنَّها لم تقع، إذ لا مبرِّر لإهمال ذكرها -لو وقعت- فهي قضيَّةٌ مُلفِتة ويهتمُّ بنقل مثلِها المشتغلون من المؤرِّخين بنقل التفاصيل، وقد تصدَّى المؤرِّخون لنقل تفاصيلَ في الواقعة هي أقلُّ أهميَّة منها، ثم إنَّ دواعي نقلها -لو وقعت- موفورة خصوصاً في مصادرنا، إذ أنَّها ستكون مُعبِّرة عن المزيد من اللؤم والخسَّة لدى أتباع ابن زياد، وقد تكون معبِّرة عن المزيد من شدَّة بأسِ الشهيد مسلم بن عقيل (رضوان الله عليه).

فإهمالُ ذكرها في مصادرنا رغم توفُّر الدواعي وانتفاءِ الموانع يُعزِّز الاستبعاد لوقوعها، فالأولى عدمُ ذكرها على المنابر حرصاً على المصداقيَّة إلا مع التثبُّت من وجود مَن نقلها ممَّن يعتدُّ بنقله.

فمثلُ هذه القصَّة لا تُضيفُ شيئاً إلى الشهيد مسلم بن عقيل، فهو من أعظم الشهداء وأربطِهم جأشاً وأشدِّهم بأساً كما يَشهدُ لذلك ما أجمع عليه المؤرِّخون من الفريقين في كيفيِّة أسرِه، فرُغم كثرتِهم ووحدتِه إلا أنَّه لم يهِن ولم ينكِل، ولم يتمكَّنوا من أسرِه إلا بوسيلةٍ لا يتوسَّل بها إلا ذوو الدناءةِ واللؤم حيثُ كانوا يرضخونه عن بُعدٍ بالحجارةِ ويقذفونَه بالقصَب المشتعِلِ بالنار من فوقِ سطوحِ المنازل.

ولا حول ولا قوَّة إلا بالله العليِّ العظيم

والحمد لله رب العالمين

الشيخ محمد صنقور