إذا زنا الذمِّي بمسلمة
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
ما هو حكم الذمِّي إذا زنا بمسلمة؟ وماذا لو أسلم قبل ثبوت الزنا عليه أو قبل إقامة الحدِّ عليه؟
الجواب:
الظاهر أنَّه لم يقع خلافٌ بين فقهاء الإماميَّة رضوان الله تعالى عليهم في أنَّ حكم الذمِّي إذا زنا بمسلمة هو القتل سواءً كان مُحصناً أو لم يكن مُحصناً، وسواءً كانت المسلمة مكرهةً أو مطاوعة له، فقد أفاد صاحب الجواهر رحمه الله أنَّه لم يجد خلافاً في ذلك بل ادَّعى تحصيل الإجماع على ذلك، وأفاد كذلك أنَّ الإجماع المنقول في ذلك مستفيض(1) وقريبٌ من ذلك ما أفاده صاحبُ الرياض حيث ذكر أنَّه تمَّ التصريح بدعوى الإجماع في كثيرٍ من العبائر كالانتصار والغنية وغيرهما من كتب الجماعة(2).
مستند الحكم بقتل الذمِّي إذا فجر بمسلمة:
والمستند في ذلك مضافاً لدعوى الإجماع هو موثقة حَنَانِ بْنِ سَدِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: سَأَلْتُه عَنْ يَهُودِيٍّ فَجَرَ بِمُسْلِمَةٍ قَالَ (ع): يُقْتَلُ"(3) فمقتضى إطلاق الموثقة وعدم الاستفصال هو أنَّ حكمه القتل سواءً كان مُحصناً أو لم يكن مُحصناً، وسواءً كانت المسلمة مُكرَهة أو كانت مطاوعة له، ثم إنَّ الرواية وإنْ كان موردها اليهودي لكنَّ انتفاء الخصوصيَّة عن العنوان عرفاً يُنتج استظهار إرادة مطلق الكتابي، ومطلق الكافر بالأولويَّة القطعيَّة.
ويُؤيد ذلك ما ورد في رواية جَعْفَرِ بْنِ رِزْقِ اللَّه قَالَ: قُدِّمَ إِلَى الْمُتَوَكِّلِ رَجُلٌ نَصْرَانِيٌّ فَجَرَ بِامْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ فَأَرَادَ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْه الْحَدَّ فَأَسْلَمَ فَقَالَ: يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ قَدْ هَدَمَ إِيمَانُه شِرْكَه وفِعْلَه وقَالَ: بَعْضُهُمْ يُضْرَبُ ثَلَاثَةَ حُدُودٍ، وقَالَ بَعْضُهُمْ يُفْعَلُ بِه كَذَا وكَذَا، فَأَمَرَ الْمُتَوَكِّلُ بِالْكِتَابِ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ الثَّالِثِ (ع) وسُؤَالِه عَنْ ذَلِكَ فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ كَتَبَ: يُضْرَبُ حَتَّى يَمُوتَ، فَأَنْكَرَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ وأَنْكَرَ فُقَهَاءُ الْعَسْكَرِ ذَلِكَ وقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ سَلْ عَنْ هَذَا فَإِنَّه شَيْءٌ لَمْ يَنْطِقْ بِه كِتَابٌ ولَمْ تَجِئْ بِه سُنَّةٌ، فَكَتَبَ إِلَيْه أَنَّ فُقَهَاءَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أَنْكَرُوا هَذَا وقَالُوا: لَمْ يَجِئْ بِه سُنَّةٌ ولَمْ يَنْطِقْ بِه كِتَابٌ، فَبَيِّنْ لَنَا لِمَ أَوْجَبْتَ عَلَيْه الضَّرْبَ حَتَّى يَمُوتَ؟ فَكَتَبَ: بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِالله وَحْدَه وكَفَرْنا بِما كُنَّا بِه مُشْرِكِينَ / فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ الله الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِه وخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ}(4) قَالَ فَأَمَرَ بِه الْمُتَوَكِّلُ فَضُرِبَ حَتَّى مَاتَ"(5).
ثم إنَّ البحث يقع حول فرضيتين للمسألة:
الفرضية الأولى: هي ما لو أسلم الذمِّي بعد قيام البيِّنة عليه بالفجور بمسلمة هل يسقطُ عنه الحدُّ بذلك؟
الفرضية الثانية: هي ما لو أسلم طوعاً قبل قيام البيِّنة عليه ثم قامتْ عليه البيِّنة هل يسقط عنه حدُّ القتل في هذا الفرض؟
أمَّا في الفرضية الأولى فلا يسقط عنه الحدُّ لإطلاق موثَّقة حنَّان، فإنَّ مقتضى إطلاقها ثبوت الحدِّ عليه أسلم أو لم يُسلم، وكذلك هو مقتضى ما أفادته رواية جعفر بن رزق الله بل إن موردها هو هذا الفرض، وبذلك أفتى الشيخ المفيد في المقنعة والشيخ الطوسي في النهاية وابن إدريس في السرائر والعلامة الحلِّي في التحرير والشهيد الثاني في الروضة – كما أفاد ذلك صاحب الرياض – وأفاد بأنَّه لم يجد خلافاً في ذلك إلا من بعض متأخِّري المتأخِّرين(6).
وأمَّا الفرضية الثانية: -وهي ما لو أسلم طوعاً قبل قيام البينة عليه ثم قامت عليه البيِّنة- فيظهر من كلمات صاحب الجواهر رحمه الله الميل إلى سقوط الحدِّ عنه في هذا الفرض وإنْ لم يجزم بذلك(7) واحتمل الفاضلُ الهندي رحمه الله في كشف اللثام(8) السقوط، وأفاد أنَّ منشأ احتمال السقوط هو قاعدة الجبِّ المُستنِدة إلى ما رُوي من أنَّ الإسلام يجبُّ ما قبله، وكذلك فإنَّ البناء على السقوط هو ما يقتضيه الاحتياط في الدماء، وأفاد أنَّ مقتضى قاعدة الجبِّ هو سقوط الحدِّ من رأس، فلا ينتقل حكمه إلى الجلد، وذلك للأصل، أي إنَّ قاعدة الجب تقتضي سقوط حدِّ القتل عنه، وحيث لا دليل على وجوب جلده، لذلك يجري أصل البراءة عن وجوب جلده.
إلا أنَّ الظاهر هو عدم تماميَّة هذه الوجوه
أمَّا قاعدة الجبِّ فهي وإنْ كانت جارية ولكنْ في حدود ما تقتضيه السيرة القطعيَّة، وأمَّا روايات الجبِّ والهدم الواردة من طرقنا(9) فهي لو كانت تامَّة سنداً لأمكن التمسُّك بإطلاقها ولكنَّها ضعيفةُ السند، وعليه لا يُمكن التمسُّك بقاعدة الجب في المقام لعدم احراز دخول مورد البحث في معقد السيرة، لأنَّ القدر المتيقن مما تقتضيه سيرة النبيِّ (ص) مع مَن أسلم فيما يتصل بارتكابهم للفواحش هو عدم مؤاخذتِهم على الزنا فيما بينهم، وإمَّا لو زنا كافر بمسلمة ثم أسلم فهذا المورد ليس ممَّا قامت السيرة على عدم مؤاخذةِ فاعله، ولذلك يتعيُّن الرجوع إلى إطلاق ما دلَّ أنَّ الكافر إذا فجر بمسلمةٍ فإنَّه يقتل سواءً أسلم بعد ذلك أو لم يُسلم، فظاهر مثل موثقة حنَّان هو أنَّ موضوع الحكم بالقتل هو وقوع الزنا بالمسلمة حال التلبُّس بالكفر وهو منطبِق على مورد البحث، نعم لا يُمكن التمسُّك برواية جعفر بن رزق الله، فإنَّ موردها هو ما لو أسلم الزاني لدرء الحدِّ عن نفسه كما يشهد لذلك استدلال الإمام (ع) بالآية الشريفة، ولا أقلَّ من أن ذلك يمنع من ظهورها في الإطلاق.
وممَّا ذكرناه يتَّضح أنَّه لا موجب للاحتياط -وإن كان حسناً- وذلك لقيام الدليل الاجتهادي على الحكم وهو إطلاق مثل موثقة حنان، وكذلك لا معنى للتمسُّك بالأصل لأنَّ فرضه عدم الدليل على الحكم والدليل قائم، وهو ظهور موثقة حنَّان في الإطلاق، على أنَّه يُمكن الادِّعاء بأنَّ الأصل الجاري في المقام هو استصحاب الحكم بالقتل الثابت قبل الإسلام، هذا بناءً على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكميَّة الكليَّة.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
15 / ربيع الأول / 1447ه
8 / سبتمبر / 2025م
1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص313.
2- رياض المسائل -السيد علي الطبأطبائي- ج13 / ص449.
3- الكافي -الكليني- ج7 / ص239، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص141.
4- سورة غافر / 84-85.
5- الكافي -الكليني- ج7 / ص238، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص141.
6- رياض المسائل -السيد علي الطبأطبائي- ج13 / ص449.
7- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص314.
8- كشف اللثام -الفاضل الهندي- ج10 / ص436.
9- تفسير القمي -علي بن إبراهيم القمي- ج1 / ص148، ج2 / ص27، شرخ الأخبار -القاضي النعمان - ج2 / ص317، المجازات النبوية -الشريف الرضي- ص32، 54.