الحدُّ الذي يستحقُّه القوَّاد
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
مَن هو القوَّاد؟ وما هو الحدُّ الذي يستحقُّه؟ وهل يختلف حدُّ المرأة المقترفة لهذا الذنب عن حدِّ الرجل؟
الجواب:
تحديد معنى القوَّاد والحدُّ الذي يستحقُّه:
القوَّاد هو مَن يجمع بين الرجل والمرأة على الزنا أو يجمع بين الرجال على اللواط أو بين النساء على السحق، وأمَّا الحدُّ الذي يستحقُّه فاعل هذه الموبقة فهو خمس وسبعون جلدة ثلاثة أرباع حدِّ الزاني، ويًحلق رأسُه ويُشهَّر به، وينفى من البلد الذي هو فيه، والظاهر عدم وقوع الخلاف بين الفقهاء في أنَّه يحدُّ ثلاثة أرباع حدَّ الزاني، فقد أفاد صاحب الجواهر أنَّه لم يجد خلافاً في ذلك(1) ونَسب الفاضلُ الهندي في كشف اللثام إلى الانتصار للسيد المرتضى دعوى الاتفاق على ذلك(2) ونَسب صاحبُ الرياض إلى الغنية لابن زهرة الإجماع على ذلك(3).
وقد نصَّت على ذلك رواية مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ سِنَانٍ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللَّه (ع): أَخْبِرْنِي عَنِ الْقَوَّادِ مَا حَدُّه قَالَ: لَا حَدَّ عَلَى الْقَوَّادِ ألَيْسَ إِنَّمَا يُعْطَى الأَجْرَ عَلَى أَنْ يَقُودَ قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّمَا يَجْمَعُ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثَى حَرَاماً قَالَ: ذَاكَ الْمُؤَلِّفُ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثَى حَرَاماً فَقُلْتُ: هُوَ ذَاكَ جُعِلْتُ فِدَاكَ قَالَ: يُضْرَبُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ حَدِّ الزَّانِي خَمْسَةً وسَبْعِينَ سَوْطاً ويُنْفَى مِنَ الْمِصْرِ الَّذِي هُوَ فِيه .."(4).
وهذه الرواية وإنْ كانت ضعيفة السند بمحمد بن سليمان والذي هو البصري كما صرَّح بذلك الشيخ الصدوق في الفقيه وهو ضعيف كما أفاد النجاشي(5) وإنْ لم يكن هو البصري فهو مشترك بين الثقة والضعيف وبه تسقط الرواية عن الاعتبار من حيث السند إلا أنَّ ذلك لا يضرُّ بحجيتها لانجبار ضعفها بعمل المشهور الذي قد يرقى لمستوى الاتفاق.
وبه يثبت أنَّ حدَّ القوَّاد هو ثلاثة أرباع حدِّ الزاني مضافاً إلى النفي من المِصر الذي هو فيه كما نصَّت على ذلك الرواية وكما هو المشهور بين الفقهاء.
مدرك العقوبة بالحلق والتشهير:
وأمَّا الحلق والتشهير فلم تنص عليهما الرواية ولكنَّه المشهور بين الفقهاء بل نسب إلى الانتصار والغنية الإجماع على أنَّه مما يُحدُّ بهما القوَّاد، نعم اقتصر ابن الجنيد على ما نصَّت عليه الرواية من الجلد والنفي، ومال إلى ذلك الشهيد الثاني في المسالك، وتردَّد صاحب الشرائع في ذلك كما أفاد صاحب الجواهر(6) وأفاد أنَّ الاقتصار على الجلد والنفي دون الحلق والتشهير في غير محلِّه بل إنَّ التردُّد في استحقاق القوَّاد للحلق والتشهير في غير محلِّه بعد فتوى المشهور ودعوى الانتصار والغنية الإجماع عليه مضافاً إلى إشعار الأمر بالنفي للتشهير.
أقول: إنَّ البناء على استحقاق القوَّاد للحلق والتشهير بعد عدم نصِّ الرواية عليهما مبتنٍ على حجيَّة الشهرة الفتوائيَّة، فبناءً على حجيَّتها يصحُّ ما ذهب إليه المشهور من الفتوي باستحقاق القوَّاد للحلق والتشهير مضافاً إلى الجلد والنفي الذَين نصَّت عليهما الرواية.
بقي الكلام حول أمور:
شمول الحدِّ لمطلق ما يصدق عليه عنوان القوَّاد:
الأمر الأول: إنَّ ظاهر الرواية هو أنَّ القواد هو مَن يُؤلف بين الذكر والأنثى حراماً، وأمَّا المؤلِّف بين الذكر والذكر حراماً وبين الأنثى والأنثى حراماً فالرواية غير متصدية لبيان حكمهما، نعم قد يُقال بثبوت حدِّ القيادة للمؤلِّف بين الذكر والذكر، وذلك بالأولوية القطعيَّة للعلم استناداً -للقرآن والسنَّة الشريفة- بأنَّ اللواط أشدُّ حرمةً من الزنا، أما المؤلِّف بين الأنثى والأنثى فمدركُ استحقاقه لحدِّ القواد متمحِّض في الإجماع إلا أنْ يُقال: إنَّ الرواية كانت بصدد بيان حكم القوَّاد وليس لها ظهور في انحصار مورده بالمؤلِّف بين الذكر والانثى حراماً، فهو إنَّما جيء بهذا المورد للتمثيل وليس الحصر، فإذا كان عنوان القواد صادقاً عرفاً على ما هو أوسع من المثال المذكور فالمتعيَّن هو استظهار إرادة مطلق ما يصدقُ عليه عنوان القواد عرفاً.
العقوبة بالنفي في المرَّة الأولى أو الثانية:
الأمر الثاني: اختلف الأعلام في أنَّ النفي الذي نصَّت رواية محمد بن سليمان على استحقاق القوَّاد له هل هو مستحِقٌّ له في المرَّة الأولى أو الثانية؟
نُسب إلى الشيخ الطوسي في النهاية وابن إدريس في السرائر وابن سعيد في الجامع أنَّ استحقاق القوَّاد للنفي يثبت من المرَّة الأولى، وفي المقابل نُسب إلى الشيخ المفيد وابن زهرة وابن حمزة وسلار وغيرهم أنَّ القوَّاد إنَّما يستحقُّ النفي في المرَّة الثانية بل نُسب إلى الغنية دعوى الإجماع على ذلك(7) إلا أنَّ ذلك خلاف ظاهر الرواية والتي اشتملت على قوله: "يُضْرَبُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ حَدِّ الزَّانِي خَمْسَةً وسَبْعِينَ سَوْطاً ويُنْفَى مِنَ الْمِصْرِ الَّذِي هُوَ فِيه" فإنَّ المستظهَر من قوله: "ويُنْفَى مِنَ الْمِصْرِ" أنَّ القوَّاد مستحِقٌّ لهذه العقوبة في عرض استحقاقه للجلد، ولا مُوجب لرفع اليد عن هذا الظهور إلا أنْ يثبت الإجماع على إرادة المرَّة الثانية وهو غير ثابتٍ كما هو مقتضى مخالفة مثل الشيخ وابن إدريس.
حدُّ المرأة القوَّاد:
الأمر الثالث: تُحدُّ المرأة القوَّاد خمسة وسبعين سوطاً تماماً كما يحدُّ الرجل القوَّاد بلا خلاف ظاهراً كما في الجواهر(8) بل نسب إلى الانتصار الاتفاق على ذلك كما في كشف اللثام(9) وهو المستظهَر من إطلاق الرواية، إذ أنَّ عنوان القوَّاد يصدق على المرأة تماماً كما يصدقُ على الرجل، فدعوى التبادر والانصراف لا تتمُّ، إذ أنَّ منشأ التبادر والانصراف هو غلبة الوجود الذي لا يضرُّ بانعقاد الظهور في الإطلاق.
وعليه يكون المتعيَّن هو استحقاقها للنفي أيضاً كما هو حكم القوَّاد الرجل بناءً على حجيَّة الرواية إلا أنْ يُقال إنَّ قيام الإجماع المدَّعى على عدم استحقاقها للنفي يصلح لتقييد إطلاق الرواية أو يُقال إنَّ قيام الإجماع وكذلك المرتكز المتشرِّعي على عدم تشريع ما يُنافي الستر للمرأة يمنع من انعقاد الإطلاق بهذا المقدار.
وأمَّا الحلق والتشهير فمدرك ثبوتهما على القوَّاد الرجل هو دعوى الإجماع أو الشهرة الفتوائيَّة، وعليه فالمرأة خارجةٌ عن معقد الإجماع والشهرة بل دعوى الإجماع قائمة على عدم استحقاق المرأة القوَّاد للحلقِ والتشهير كما عن الانتصار والغنية(10).
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
21 / جمادى الأولى / 1447ه
13 / نوفمبر / 2025م
1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص400.
2- كشف اللثام -الفاضل الهندي- ج10 / ص507.
3- رياض المسائل -السيد علي الطبأطبائي- ج13 / ص515.
4- الكافي -الكليني- ج7/ 262، من لا يحضره الفقيه -الصدوق- ج4 / ص48، تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص64، وسائل الشيعة ج28 / ص171.
5- فهرست أسماء مصنفي الشيعة -النجاشي- ص365، معجم رجال الحديث -السيد الخوئي- ج17 / ص135.
6- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص400.
7- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص401.
8- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- 41 / ص400.
9- كشف اللثام -الفاضل الهندي- ج10 / ص507.
10- رياض المسائل -السيد علي الطبأطبائي- ج13 / ص516، جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص401.