معنى قوله: "من مات وليس عليه إمام حيٌّ ظاهرٌ.."
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمَّد
المسألة:
يطرح البعض بعض الروايات التي قد يفهم منها نقض عقيدة الغيبة ومن هذه الروايات مثل: ما روي عن أبي عبد الله عليه السلام: "من مات وليس عليه إمامٌ حيٌّ ظاهرٌ مات ميتةً جاهلية"(1).
ما رُوي عن أبي عبد الله عليه السلام: "من مات وليس عليه إمامٌ حيٌّ ظاهرٌ مات ميتةً جاهلية، قال: قلتُ: إمام حيٌّ جعلت فداك؟ قال: إمامٌ حيٌّ، إمام حي"(2).
ما روي في علل الشرائع: أبي، عن محمد بن يحيى، عن ابن أبي الخطاب، عن ابن محبوب عن يعقوب السراج قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: "تبقى الأرض بلا عالمٍ حي ظاهر يفزع إليه الناس في حلالهم وحرامهم؟ فقال لي: إذاً لا يعبد الله يا أبا يوسف"(3).
حيث يستدلُّ البعض بأمثال هذه الروايات بأنها تقيد الحجَّة الإلهية بالظهور وخصوصاً في الرواية الأخيرة تظهر أن الله سبحانه وتعالى لا يُعبد إذا لم تكن الحجة ظاهرة. وهناك روايات تذكر معنى الظهور بمعنى نقيض الغيبة صراحةً مثل: ماورد عن الإمام علي (عليه السلام): "اللهمَّ بلى لا تخلو الأرض من قائمٍ لله بحجَّةٍ، إما ظاهراً مشهوراً، أو خائفاً مغموراً لئلا تبطلُ حججُ الله وبيِّناتُه"(4). حيث يظهر من الرواية أن كلمة ظاهر بعكس الغيبة وأنَّ الحجة قد تكون ظاهرة أو مغمورة. والروايات الثلاث الأولى تظهر أن الله لا يعبد بإمام خائفٍ مغمور، كيف نجيب عن هذا الإشكال؟
الجواب:
لا يصحُّ التمسُّك بمثل هذه الروايات الآحاد في مقابل الروايات الكثيرة التي تفوقُ حدَّ التواتر بمراتب والتي تنصُّ على غيبة الإمام الثاني عشر (ع) فإنَّ القضايا الاعتقادية لا يصحُّ الاستناد فيها على الأخبار الآحاد خصوصاً إذا كانت منافية لما تواتر من الروايات عن الرسول الكريم (ص) وأهل بيته (ع).
هذا لو كانت الأخبار الآحاد معتبرةً سنداً فإنَّه لا يصحُّ الاستناد إليها في مقابل الأخبار المتواترة، وأما إذا كانت ضعيفةً سنداً فإنَّ عدم جواز الاستناد إليها في الشؤون العقائدية بل وغيرها من سائر الشؤون أشدُّ وضوحاً.
والواضح أنَّ كلاً من الروايتين الأولى والثانية مرسلتان أي لا سندَ لهما، فقد وردتا في كتاب الاختصاص الأولى عن الحلبي عن أبي عبد الله (ع) والثانية عن أبي الجارود عن أبي عبد الله (ع) ولم يذكر صاحبُ الكتاب طريقه إلى الحلبي كما لم يذكر طريقَه إلى أبي الجارود، فالروايتان مرسلتان لذلك فهما ضعيفتان سنداً.
على أنَّه لا يتعيَّن المراد من كلمة "ظاهر" أنَّه في مقابل الغيبة، فقد يكون المراد من قوله: "حيٌّ ظاهر" هو أنَّه حيٌّ معروف، فمفاد الرواية بناءً على ذلك هو أنَّه مَن مات وليس عليه إمام حيٌّ يعرفُه مات ميتةً جاهلية، فيكون مفاد الرواية مساوقاً لمفاد صحيحة الْحَارِثِ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ رَسُولُ اللَّه (ص): "مَنْ مَاتَ لَا يَعْرِفُ إِمَامَه مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً .."(5) وكذلك ما ورد في معتبرة محمد بن عثمان العمري عن الامام العسكري (ع) عن آبائه (ع): "أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّةٍ لله على خلقِه إلي يوم القيامة وأنَّ مَن ماتَ ولم يعرفْ إمامَ زمانه ماتَ ميتةً جاهليَّة"(6).
فالظهور في الروايتين بمعنى المعرفة المقابل للجهل، وليس هو المقابل للغيبة وخفاء الشخص، ويُؤيد هذا الفهم للروايتين ما رواه في الاختصاص -بعد نقل الروايتين- عن داود الرقي عن العبد الصالح عليه السلام قال: "إنَّ الحجَّة لا تقومُ لله على خلقِه إلا بإمامٍ حيٌّ يُعرَف"(7).
وعليه فالذي يموت ميتةً جاهليَّة هو مَن يموت وليس عليه إمامٌ حيٌّ يعرفُه ويعتقد بإمامته، وهذا المعنى هو الذي نصَّت عليه الروايات المتواترة، ولذلك يتعيَّن حملُ الروايتين المذكورتين على إرادة هذا المعنى وإلا فيتعيَّن طرحهما.
وأمَّا استعمال الظهور في مقابل الغيبة فإنَّه لا ينفي استعمال الظهور في مقابل الجهل، وتحديد إرادة المعنى الأول أو المعنى الثاني يخضعُ لملاحظة السياق والقرائن المكتنفة بالخطاب. على أنَّ الرواية عن أمير المؤمنين (ع) التي تمَّ الاستشهاد بها لا صلة لها بمورد البحث كما يتضح ذلك من سياقها وقد نقلتها في الهامش الرابع فلاحظ.
وأمَّا الرواية الثالثة وهي معتبرة يعقوب السرَّاج قال: قلتُ لأبي عبد الله (ع) تبقى الأرضُ بلا عالمٍ حيٍّ ظاهرٍ يفزعُ إليه الناسُ في حلالِهم وحرامهم؟ فقال لي: "إذاً لا يُعبدُ الله يا أبا يوسف"(8) فهي أجنبيَّة عن الدعوى المذكورة، فإنَّ مفاد الرواية هو أنَّ الأرض لا تخلو من وجود عالمٍ بالحلال والحرام يفزعُ إليه الناس للوقوف على أحكام الله تعالى، ولا يتعيَّنُ من ذلك إرادة الإمام المعصوم (ع) فكلمةُ العالم كما تصدقُ على الإمام المعصوم (ع) -وهو أكملُ مَن يصدقُ عليه عنوان العالم- كذلك تصدقُ كلمة العالم على مَن هو دون المعصوم (ع) ممَّن علم بالحلال والحرام من طريق الوقوف ما أُثر عن الرسولِ الكريم (ص) وأهل بيته (ع) فمثلُه يصحُّ وصفُه بالعالم بالحلال والحرام فيكون حجَّةً لله تعالى على العباد وصالحاً لأنْ يفزعُ إليه الناسُ في حلالِهم وحرامهم.
وهذا المعنى للرواية قريبٌ ممَّا ورد عن الإمام الهادي (ع) كما في الاحتجاج للطبرسي قال: وروي عن علي بن محمد الهادي عليه السلام أنَّه قال: "لولا مَن يبقى بعد غيبة قائمِكم عليه السلام من العلماء الداعين إليه، والدالِّين عليه، والذابِّين عن دينه بحججِ الله والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومَردتِه، ومن فِخاخ النواصب، لما بقيَ أحدٌ إلا ارتدَّ عن دين الله، ولكنَّهم الذين يُمسكون أزمَّة قلوبِ ضعفاء الشيعة كما يُمسكُ صاحب السفينة سكانها، أولئك هم الأفضلونَ عند الله عز وجل"(9).
وكذلك ما رواه في الاحتجاج عن الإمام الصادق (ع) أنَّه قال: "علماءُ شيعتنا مرابطونَ في الثغر الذي يلي إبليسَ وعفاريته، يمنعونَهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا، وعن أنْ يتسلَّط عليهم إبليسُ وشيعته النواصب، ألا فمَن انتصبَ لذلك من شيعتنا كان أفضلَ ممَّن جاهد الرومَ والترك والخزر ألفَ ألف مرَّة، لأنَّه يدفعُ عن أديانِ مُحبِّينا، وذلك يدفعُ عن أبدانِهم"(10).
وروى الشيخ الطبرسي في الاحتجاج عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: "فقيهٌ واحدٌ يُنقذ يتيماً من أيتامنا المنقطعين عنّا وعن مشاهدتنا بتعليم ما هو محتاجٌ إِليه أشدُّ على إِبليس من ألفِ عابد .."(11).
وروى الشيخ الكليني بسندٍ معتبر عن السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه (ص): "الْفُقَهَاءُ أُمَنَاءُ الرُّسُلِ مَا لَمْ يَدْخُلُوا فِي الدُّنْيَا .."(12).
ومعنى كونهم أمناء الرسل هو أنَّهم أمناؤهم على حلال الله وحرامه وسائر ما جاء به الرُسل عن الله جلَّ وعلا، وكذلك فإنَّ مقتضى كونهم أُمناء الرسل هو أنَّ الله تعالى قد استأمنهم على ما جاء به الرسل (ع) وأناط بهم مسئولية التبليغ له، وعليه فبهم وبما يبلِّغونه من رسالات الله تعالى يُعبد الله جلَّ وعلا بالنحو الذي أراد وتكون له الحجَّةُ على عباده.
ولهذا أحال الإمامُ صاحب الزمان (ع) شيعته في عصر الغيبة على العلماء رواة أحاديث أهل البيت (ع) كما في التوقيع الشريف عن الإمام الحجَّة (ع) قال:"وأما الحوادثُ الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنَّهم حجَّتي عليكم وأنا حجَّة الله"(13).
وهو معنى ما ورد في مقبولة عمر بن حنظلة عن أبي عبد الله (ع) قال: ".. يَنْظُرَانِ إِلَى مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مِمَّنْ قَدْ رَوَى حَدِيثَنَا ونَظَرَ فِي حَلَالِنَا وحَرَامِنَا وعَرَفَ أَحْكَامَنَا فَلْيَرْضَوْا بِه حَكَماً فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُه عَلَيْكُمْ حَاكِماً، فَإِذَا حَكَمَ بِحُكْمِنَا فَلَمْ يَقْبَلْه مِنْه فَإِنَّمَا اسْتَخَفَّ بِحُكْمِ اللَّه وعَلَيْنَا رَدَّ، والرَّادُّ عَلَيْنَا الرَّادُّ عَلَى اللَّه وهُوَ عَلَى حَدِّ الشِّرْكِ بِاللَّه .."(14).
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
18 / شهر رجب / 1447ه
8 / يناير / 2026م
1- الاختصاص -المفيد- ص269.
2- الاختصاص -المفيد- ص269.
3-علل الشرائع -الصدوق- ج1 / ص195.
4- نهج البلاغة -خطب الإمام علي (ع)- ص497. ".. كَذَلِكَ يَمُوتُ الْعِلْمُ بِمَوْتِ حَامِلِيه / اللَّهُمَّ بَلَى لَا تَخْلُو الأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِلَّه بِحُجَّةٍ / إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً وإِمَّا خَائِفاً مَغْمُوراً / لِئَلَّا تَبْطُلَ حُجَجُ اللَّه وبَيِّنَاتُه / وكَمْ ذَا وأَيْنَ أُولَئِكَ أُولَئِكَ واللَّه الأَقَلُّونَ عَدَداً / والأَعْظَمُونَ عِنْدَ اللَّه قَدْراً / يَحْفَظُ اللَّه بِهِمْ حُجَجَه وبَيِّنَاتِه حَتَّى يُودِعُوهَا نُظَرَاءَهُمْ / ويَزْرَعُوهَا فِي قُلُوبِ أَشْبَاهِهِمْ / هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الْبَصِيرَةِ / وبَاشَرُوا رُوحَ الْيَقِينِ واسْتَلَانُوا مَا اسْتَوْعَرَه الْمُتْرَفُونَ / وأَنِسُوا بِمَا اسْتَوْحَشَ مِنْه الْجَاهِلُونَ / وصَحِبُوا الدُّنْيَا بِأَبْدَانٍ أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْمَحَلِّ الأَعْلَى / أُولَئِكَ خُلَفَاءُ اللَّه فِي أَرْضِه والدُّعَاةُ إِلَى دِينِه / آه آه شَوْقاً إِلَى رُؤْيَتِهِمْ / انْصَرِفْ يَا كُمَيْلُ إِذَا شِئْتَ" فالرواية تتحدَّث عن أهل العلم الذين يقومون لله بالحجة على العباد ثم إن كلمة المغمور ليست في مقابل الظاهر لتكون بمعنى الغائب وإنما هي في مقابل المشهور، فالمغمور ظاهر أيضاً ولكنه غير مشهور.
5- الكافي -الكليني- ج1 / ص377.
6- كمال الدين -الصدوق- ص409.
7- الاختصاص -المفيد- ص 269.
8- علل الشرائع -الصدوق- ج1 / ص195.
9- الاحتجاج -الطبرسي- ج2 / ص260.
10- الاحتجاج -الطبرسي- ج2 / ص155.
11- الاحتجاج -الطبرسي- ج2 / ص170.
12- الكافي -الكليني- ج1 / ص46.
13- وسائل الشيعة –الحر العاملي- ج27 / ص140.
14- الكافي -الكليني- ج1 / ص67.