دخول المساجد لمن تناول الأطعمة المؤذية

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

دعائم الاسلام: عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، انه نهى عن اكل الثوم، ان يؤذي برائحته أهل المسجد، وقال: "من أكل من هذه البقلة، فلا يقربن مسجدنا"(1).

يظهر أنَّ العلة هي الرائحة المزعجة للمصلِّين وأثرها في اشغالهم عن التخشع؛ فهل يٌتعدَّى لأيِّ رائحة فم مزعجة كمن لا ينظف أسنانه أو مَن به أذىً في فمه تنشأ عنه رائحة لا تُحتمل عادة؟

الجواب:

الظاهر أنَّ المخاطب بالنهي عن دخول المساجد هو مطلق من تناول طعاماً يؤدِّي إلى أن تنبعث من فمه رائحة خبيثة مؤذية للآخرين، فلا خصوصية ظاهراً لكون منشأ الرائحة المؤذية هو تناول الثوم، ويدلُّ على ذلك ما ورد في صحيحة مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: سَأَلْتُه عَنْ أَكْلِ الثُّومِ؟ فَقَالَ: "إِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّه (ص) عَنْه لِرِيحِه فَقَالَ: مَنْ أَكَلَ هَذِه الْبَقْلَةَ الْخَبِيثَةَ فَلَا يَقْرَبْ مَسْجِدَنَا، فَأَمَّا مَنْ أَكَلَه ولَمْ يَأْتِ الْمَسْجِدَ فَلَا بَأْسَ"(2) فإنَّ الظاهر منها هو أنَّ ملاك النهي وعلَّته هي الرائحة الخبيثة كما هو مقتضى قوله (ع): "إِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّه (ص) عَنْه لِرِيحِه" أي لخباثة ريحه واقتضائه لأذى جليسه في المسجد.

ويدلُّ عليه أيضاً حديث الأربعمائة المعتبر عن الإمام عليٍّ (عليه السلام) قال: "مَن أكلَ شيئاً من المؤذيات ريحُها فلا يقربنَّ المسجد"(3) فإنَّ الظاهر من الرواية هو كراهة دخول المساجد لمَن تناول مطلق الأطعمة التي يُوجب تناولها انبعاث الرائحة الخبيثة والمؤذية من الفم.

ويؤيِّد العموم أو يدلُّ عليه النهي عن دخول المسجد لمَن تناول البصل والكراث كما في صحيحة أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه ع قَالَ سُئِلَ عَنْ أَكْلِ الثُّومِ والْبَصَلِ والْكُرَّاثِ فَقَالَ: "لَا بَأْسَ بِأَكْلِه نِيّاً وفِي الْقُدُورِ، ولَا بَأْسَ بِأَنْ يُتَدَاوَى بِالثُّومِ ولَكِنْ إِذَا أَكَلَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَخْرُجْ إِلَى الْمَسْجِدِ"(4) فإنَّ الظاهر من اسم الإشارة في قوله(ع): "ولَكِنْ إِذَا أَكَلَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَخْرُجْ إِلَى الْمَسْجِدِ" هو كلٌ من الثوم والبصل والكراث كما أنَّ الظاهر هو أنَّ منشأ النهي عن دخول المسجد هو الرائحة الخبيثة والمؤذية التي تنبعث عادة من الفم نتيجة التناول للمذكورات.

وكذلك يتأيَّد التعميم بما ورد في معتبرة ابن سنان قال: سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) عن الكرَّاث؟ فقال: "لا بأس بأكله مطبوخاً وغير مطبوخ، ولكن إنْ أكلَ منه شيئاً له أذى فلا يخرج إلى المسجد كراهية أذاه مَن يجالس"(5) فإنَّ الظاهر هو أنَّ مناط الكراهة لدخول المسجد هو الرائحة المؤذية، فإنْ كان لما تناوله رائحة مؤذية للجليس فهو مخاطب بالنهي عن دخول المسجد سواءً كان ما تناوله كرَّاثاً أو غيره من سائر الأطعمة.

نعم لا يمكن البناء على كراهة الدخول للمسجد لمن هو مبتلى ببخر الفم في مطلق أحواله حتى لولم يتناول شيئاً من الأطعمة ذات الروائح المؤذية، فإنَّ القدر المحرز من الروايات هو مَن كانت الرائحة المنبعثة عن فمه طارئة نتيجة التناول لبعض الأطعمة أو الأشربة، وأمَّا المبتلى ببخر الفم في مطلق أحواله فيحسنُ منه المبادرة للعلاج إلا أنَّ من غير المُحرَز كونه مشمولاً للخطاب بالنهي عن دخول المسجد.

والحمد لله ربِّ العامين

الشيخ محمد صنقور

29 / رجب / 1447ه

20 / يناير / 2026م

 


1- دعائم الإسلام -القاضي النعمان المغربي- ج1 / ص149

2- الكافي -الكليني- ج6 / ص374، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج5 / ص226.

3- وسائل الشيعة- الحر العاملي- ج5 / ص226.

4- الكافي -الكليني- ج6 / ص374، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج5 / ص226.

5- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج5 / ص227.