كراهة تمنِّي الموت
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
هل يكره تمنِّي الموت؟
الجواب:
ورد النهي عن تمنِّي الموت في العديد من الروايات:
منها: ما رواه الشيخ الطوسي في (المجالس) بسنده عن أم الفضل قالت: دخل رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) على رجلٍ يعودُه وهو شاكٍ فتمنَّى الموت، فقال رسولُ الله (صلَّى الله عليه وآله): لا تتمنَّ الموت، فإنَّك إنْ تكُ مُحسنا تزدادُ إحساناً [إلى إحسانك] وإنْ تكُ مُسيئاً فتؤخَّر تستعتب فلا تتمنوا الموت"(1).
أقول: تستعتب هنا بمعنى تطلب الرضا من الله تعالى، وتطلب الإقالة من الذنوب التي اقترفتها، يقال استعتبتُه أي استرضيتُه واستعتبتُه أي استقلتُه، فمعنى قوله (ص): "وإنْ تكُ مُسيئاً فتُؤخَّر تستعتب" هو أنَّك إنْ كنتَ قد اجترحت سيئات وتأخَّر أجلُك فإنَّه يكون لك بذلك فسحة من الوقت تستغفرُ الله تعالى وتتوبُ إليه، وتطلب رضوانه، وتطلب منه أن يقيلك من تبعات سيئاتك.
ومنها: ما أورده العلامة في (المنتهى) قال: قال: النبيُّ (صلى الله عليه وآله): "لا يتمنَّى أحدُكم الموت لضرٍّ نزل به، وليقل: اللهمَّ أحيني ما كانتِ الحياةُ خيراً لي، وتوفَّني إذا كانت الوفاةُ خيراً لي"(2).
ومنها: ما أورده الراوندي في الدعوات عن النبيِّ (صلى الله عليه وآله) أنَّه قال: "لا يتمنَّينَّ أحدكم الموت بضرٍّ نزل به"(3).
أقول: قوله (ص): "بضرٍّ نزلَ به" أي بسبب ضرٍّ فالباء هنا سببيَّة. واللام في الرواية السابقة للتعليل والمعنى متقارب، ومفاد الفقرة هو النهي عن تمنِّي الموت بسبب ما يقع من الضُرِّ والبأساء، أو لا تجعل الضرر الواقع عليك علةً لتمنِّي الموت.
ومنها: ما أورده الشيخ الصدوق في العيون مُسنداً عن الإمام الرضا عليه السلام عن أبيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال: جاء رجلٌ إلى الصادق عليه السلام فقال: قد سئمتُ الدنيا فأتمنَّى على الله الموت فقال: تمنَّ الحياة لتطيع لا لتَعصي فلإنْ تعيش فتُطيع خيرٌ لك من أنْ تموت فلا تَعصي ولا تُطيع"(4).
أقول: مفاد هذه الرواية ليس هو مرجوحية تمنِّي الموت بل هو رجحان تمنِّي الحياة للاستزادة من الطاعة لله تعالى، فالحياة المقترنة بالطاعة خير من الموت الذي لا تُتحاح معه الطاعة والمعصية. فيظلُّ الإنسان بعده على درجته التي فارق الحياة عليها.
ومنها: ما أورده في كشف الغمة: عن الآبي -في نثر الدرر- قال: سمع موسى بن جعفر (عليهما السلام) رجلاً يتمنَّى الموت، فقال (عليه السلام): "هل بينك وبين الله قرابةٌ يُحابيك لها؟" قال: لا. قال: "فهل لك حسنات (قدَّمتها) تزيدُ على سيئاتك؟ قال: لا. قال: "فإذاً أنتَ تتمنَّى هلاك الأبد"(5).
أقول: مفاد هذه الرواية أنَّه ما لم يحرز الإنسان أنَّ حسناته تزيد على سيئاته فلا يحسنُ منه تمنِّي الموت لأنَّه بذلك يتمنَّى هلاك الأبد فهو يتمنى الانقطاع عن الحياة الدنيا -والتي قد يثمر امتدادها لمدَّة من الوقت تحصيل ما يفضي للنجاة في الآخرة وذلك بالطاعة والتوبة- ويتمنى أو كأنَّه يتمنى سوء العاقبة في الآخرة لأنَّه لا يُحرز تفوُّق حسناته على سيئاته ورغم ذلك يجازف فتمنى الموت الذي سيمنعه من فرصة الاستزادة من الحسنات.
ومنها: ما ورد عن الإمام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة قال: "وأَكْثِرْ ذِكْرَ الْمَوْتِ ومَا بَعْدَ الْمَوْتِ، ولَا تَتَمَنَّ الْمَوْتَ إِلَّا بِشَرْطٍ وَثِيقٍ .."(6).
أقول: الظاهر من قوله (ع): "ولَا تَتَمَنَّ الْمَوْتَ إِلَّا بِشَرْطٍ وَثِيقٍ" هو النهي عن تمنِّي الموت إلا مع الوثوق بأنَّ ما قدَّمه من عملٍ صالح سيؤدِّي من إلى النجاة من النار والفوز بالجنة وهذا لا يتاح لعامَّة الناس وإنَّما هو لمثل الأنبياء والأئمة (ع) ولهذا لا يحسن من أحدٍ تمنِّي الموت وإنَّما يحسن منه ذكر الموت ليدفعه ذلك إلى التوبة والاستغفار وإلى المزيد من الطاعة لله جلَّ وعلا.
استحباب تمنِّي لقاء الله حين ظهور أمارات الموت:
والمتحصَّل مما ذكرناه هو كراهة أو مرجوحيَّة تمنِّي الموت لسواد الناس، نعم يحسن بالمؤمن إذا ظهرت عليه أمارات الموت أنْ لا يكره ذلك بل يحبُّه لأنَّه سيفضي به إلى لقاء الله تعالى ومن أحبَّ لقاء الله تعالى أحبَّ الله تعالى لقاءه وقد نصَّت على ذلك العديد من الروايات منها ما أورده الكليني في الكافي بسندٍ معتبر عن عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِه عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: قُلْتُ: أَصْلَحَكَ اللَّه مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّه أَحَبَّ اللَّه لِقَاءَه ومَنْ أَبْغَضَ لِقَاءَ اللَّه أَبْغَضَ اللَّه لِقَاءَه؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ: فَوَاللَّه إِنَّا لَنَكْرَه الْمَوْتَ فَقَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ حَيْثُ تَذْهَبُ، إِنَّمَا ذَلِكَ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ إِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْه مِنْ أَنْ يَتَقَدَّمَ واللَّه تَعَالَى يُحِبُّ لِقَاءَه وهُوَ يُحِبُّ لِقَاءَ اللَّه حِينَئِذٍ، وإِذَا رَأَى مَا يَكْرَه فَلَيْسَ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَيْه مِنْ لِقَاءِ اللَّه، واللَّه يُبْغِضُ لِقَاءَه"(7).
ورُوي عن النبيِّ الكريم (ص) أنَّه قال: "من أحبَّ لقاء الله تعالى أحبَّ اللهُ لقاءه، ومَن كرِه لقاءَ لله سبحانه كرِه اللهُ لقاءه، فقيل له إنا لنكرهٌ الموت؟ فقال ليس ذلك ولكنَّ المؤمن إذا حضره الموت بُشِّر برضوان الله وكرامته، فليس شئ أحبَّ إليه ممَّا أمامه، فأحبَّ لقاءَ الله تعالى وأحبَّ اللهُ لقاءه .."(8).
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
24 / شوال / 1447ه
13 / أبريل / 2026م
1- الأمالي -الطوسي- ص385، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج2 / ص449.
2- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج2 / ص449.
3- الدعوات -الراوندي- ص122.
4- عيون أخبار الرضا (ع) -الصدوق- ج2 / ص6.
5- مستدرك الوسائل -النوري- ج2 / ص119.
6- نهج البلاغة -خطب الإمام علي (ع)- ص449.
7- الكافي -الكليني- ج3 / ص134، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج2 / ص428.
8- الحدائق الناضرة -الشيخ يوسف البحراني- ج4 / ص81.