هل يثبت القصاص بقتل الصبيِّ

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

إذا قتل البالغُ العاقلُ صبيَّاً عن عمدٍ فهل يستحقُّ بقتله له القصاص أو ليس لأولياء الصبيِّ سوى المطالبة بالدية مضافاً إلى تعزير السلطان؟

الجواب:

المشهور بين الفقهاء شهرةً عظيمة هو استحقاق القاتل للصبيِّ للقصاص بل أفاد صاحبُ الجواهر أنَّه لم يجد خلافاً في ذلك بين المتأخِّرين بل ولا بين القدماء عدا ما يُحكى عن الحلبي من عدم قتله به(1)

مستندُ المشهور:

والمستندُ في ذلك هو عمومات الكتاب المجيد والسنَّة الشريفة كقوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ}(2) وقوله تعالى:{وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا}(3) فقتلُ الصبيِّ عمداً -كقتل البالغ- من الظلم والعدوان، ولذلك فإنَّ لوليِّه بمقتضى الآية الشريفة السلطنة على المطالبة بالاقتصاص من قاتله، ونفسُه لا تقصر عن نفس القاتل، وقد أفادت الآية الشريفة من سورة المائدة أنَّ النفس بالنفس. وكذلك هو مفاد قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ..}(4)

هذا وقد استُدلَّ كذلك على استحقاق قاتل الصبي للقصاص بمرسلة ابن فضَّال عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "كلُّ مَن قتل شيئاً صغيراً أو كبيراً بعد أنْ يتعمَّد فعليه القوَد"(5)

إلا أنَّ هذه الرواية وإنْ كانت ظاهرةً بمقتضى عمومها في استحقاق قاتل الصبيِّ للقصاص لكنَّها ضعيفةُ السند بالإرسال، ودعوى انجبارها بعمل المشهور لا تتم، لعدم إحراز استناد المشهور إليها فلعلَّ مستندَهم هو إطلاقات الكتاب المجيد والسنَّة الشريفة.

هذا وقد أفاد السيِّد الخوئي رحمه الله (6) أنَّ ذات الرواية أوردَها الشيخ الصدوق بسندٍ معتبر لكنَّ مدلولها مختلفٌ عمَّا يقتضيه مدلول ما أورده الشيخ الطوسي في التهذيب، فقد أورد الشيخ الصدوق في الفقيه بسندٍ صحيح عن الحسن بن عليِّ بن فضال عن عبد الله بن بكير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): "كلُّ مَن قَتلَ بشيءٍ صغيرٍ أو كبيرٍ بعد أنْ يتعمَّد فعليه القوَد"(7)

فقوله: "صغيرٍ أو كبير" صفة للشيء فيكون ظاهر الرواية هو التصدِّي لبيان أنَّ القاتل المتعمِّد للقتل يكون مستحقاً للقصاص بقطع النظر عن الآلة التي استعملها في القتل، فسواءً كان الشيء الذي قتَلَ به صغيراً أو كبيراً فإنَّه يكون مستحقَّاً للقصاص، وعليه تكون الرواية أجنبيَّة عن محلِّ البحث.

إلا أنَّه قد يُقال إنَّ ثمة خطأً وقع في نقل الرواية وأنَّ الصحيح هو أن كلَّ من قتلَ بشيءٍ صغيراً أو كبيراً، فـ "صغيراً أو كبيراً" مفعول به للفعل "قتَل" فيكون مفاد الرواية مطابقاً لمفاد المرسلة، ولعلَّ ما يُؤيد وقوع الخطأ فيما نقله الصدوق أنَّه لا معنى لتصدّي الرواية لبيان أنَّ القاتل مستحقٌّ للقصاص سواءً كانت آلة القتل التي استعملها صغيرةً أو كبيرة فإنَّ ذلك أوضح من أنْ يحتاج إلى بيان.

وعلى أي تقدير سواءً تمَّ الاستدلال بالرواية أو لم يتم فإنَّه يكفي لإثبات استحقاق قاتل الصبيِّ للقصاص ما تقتضيه إطلاقات الكتاب المجيد والسنَّة الشريفة. نعم يتمُّ ذلك إذا لم يرد ما يدلُّ التقييد، فقد يُقال إنَّ الإطلاقات وإنْ كانت صالحةً لإثبات ما عليه المشهور من استحقاق قاتل الصبي للقصاص إلا أنَّ هذه الإطلاقات مقيَّدة بصحيحة أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (ع) عَنْ رَجُلٍ قَتَلَ رَجُلاً مَجْنُوناً؟ فَقَالَ: "إِنْ كَانَ الْمَجْنُونُ أَرَادَه فَدَفَعَه عَنْ نَفْسِه فَقَتَلَه فَلَا شَيْءَ عَلَيْه مِنْ قَوَدٍ ولَا دِيَةٍ، ويُعْطَى وَرَثَتُه دِيَتَه مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: "وإِنْ كَانَ قَتَلَه مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ الْمَجْنُونُ أَرَادَه فَلَا قَوَدَ لِمَنْ لَا يُقَادُ مِنْه، فَأَرَى أَنَّ عَلَى قَاتِلِه الدِّيَةَ مِنْ مَالِه يَدْفَعُهَا إِلَى وَرَثَةِ الْمَجْنُونِ، ويَسْتَغْفِرُ اللَّه ويَتُوبُ إِلَيْه"(8)

فإنَّ الصحيحة وإنْ كان موردُها المجنون إلا أنَّ قوله (ع): "فَلَا قَوَدَ لِمَنْ لَا يُقَادُ مِنْه" يشمل -دون ريبٍ- الصبيَّ، إذ أنَّه كالمجنون لو قتَل أحداً فإنَّه لا يُقاد منه، ولذلك لا يكونُ على مَن قتَله قوَد بمقتضى ما أفاده الإمام (ع) وبذلك تكونُ هذه الصحيحة صالحةً لتقييد الإطلاقات الدالَّة على استحقاق القاتل المتعمِّد للقصاص، فكلُّ مَن قتل أحداً متعمِّداً فهو مستحقٌّ للقصاص إلا أنْ يكونَ المقتولُ صبيَّاً أو مجنوناً فإنَّ على قاتلهما الدية مضافاً إلى عقوبة السلطان.

إلا أنَّ المسألة لا تخلو من إشكال فإنَّ مرسلة ابن فضَّال والتي هي ذاتها موثقة ابن بكير مانعة -بناءً على ما استظهرناه- من شمول صحيحة أبي بصير للصبي، فهو وإن كان ممَّن لا يقاد منه إلا أنَّ تصريح المرسلة وصحيح ابن بكير بثبوت القوَد على من قتل الصغير يَمنع من إمكان التمسُّك بإطلاق قوله (ع): "فلا قوَد على مَن لا يُقاد منه" وعليه تكون صحيحة أبي بصير خاصة بموردها وهو المجنون.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

15 / ذي القعدة / 1447ه

3 / مايو / 2026م

 


1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج42 / ص184.

2- سورة المائدة: 45.

3- سورة الإسراء:33.

4- سور البقرة / 178.

5- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص162، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص53.

6- مباني تكملة المنهاج -السيد الخوئي- ج42 / ص85.

7- من لا يحضره الفقيه -الصدوق- ج4 / ص112.

8- الكافي -الكليني- ج7 / ص294، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص71.