معنى اشتباه الحجة باللاحجة


المسألة:

مسألة ۹: إذا علم أن أحد المجتهدين أعلم من الآخر ــمع كون كل واحد منهما أعلم من غيرهما، أو انحصار المجتهد الجامع للشرائط فيهماــ فإن لم يعلم الاختلاف بينهما في الفتوى تخيّر بينهما، وإن علم الاختلاف وجب الفحص عن الأعلم، فإن عجز عن معرفته كان ذلك من اشتباه الحجة باللاحجة في كل مسألة يختلفان فيها في الرأي، ولا إشكال في وجوب الاحتياط فيها مع اقترانه بالعلم الإجمالي المنجّز، كما لا محلّ للاحتياط فيما كان من قبيل دوران الأمر بين المحذورين ونحوه حيث يحكم فيه بالتخيير مع تساوي احتمال الأعلمية في حق كليهما، وإلا فيتعين العمل على وفق فتوى من يكون احتمال أعلميته أقوى من الآخر.

 

وأما في غير الموردين فالصحيح هو التفصيل: أي وجوب الاحتياط بين قوليهما فيما كان من قبيل اشتباه الحجة باللاحجة في الأحكام الإلزامية، سواء أكان في مسألة واحدة كما إذا أفتى أحدهما بوجوب الظهر والآخر بوجوب الجمعة مع احتمال الوجوب التخييري، أم في مسألتين كما إذا أفتى أحدهما بالحكم الترخيصي في مسألة والآخر بالحكم الإلزامي فيها وانعكس الأمر في مسألة أخرى. وأما إذا لم يكن كذلك فلا يجب الاحتياط، كما إذا لم يعلم الاختلاف بينهما على هذا النحو إلاّ في مسألة واحدة، أو علم به في أزيد منها مع كون المفتي بالحكم الإلزامي في الجميع واحداً(منهاج1430).


الجواب:

المراد من اشتباه الحجَّة باللاحجَّة في المقام هو التردُّد فيمن يجب تقليده من الفقيهين.

 

فالذي تكون فتواه حجة في حق المكلَّف هو الفقيه الأعلم الجامع لسائر الشرائط، فإذا اشتبه ذلك بين اثنين وعلم المكلف أنَّ أحدهما لا بعينه أعلم من الآخر. فمقتضى ذلك أنَّ أحدهما تكون فتواه حجَّة في حقِّه والآخر تكون فتواه غير حجة في حقه، فالأعلم منهما واقعاً هو من تكون فتواه حجة في حق المكلَّف، والآخر تكون فتواه غير حجة في حقه، وحيث أن المكلف بحسب الفرض يجهل من هو الأعلم منهما لذلك فالحجة مشتَبهةٌ عنده بينهما، فإذا أفتيا بفتويين مختلفتين فإحداهما غير المعينة تكون حجة في حقه والأخرى غير حجة في حقه فتشتبه عند الحجة باللاحجة.

 

وأما المراد من اشتباه الحجة باللاحجة المقترن بالعلم الإجمالي فهو أن يكون مؤدى الفتويين مقتضياً لاحراز المكلَّف أنَّه مسئول عن تكليفٍ إلزامي مردد بين فعلين يمكنه الاحتياط في موردهما.

 

ومثاله أن يُفتي أحدهما بوجوب القصر والآخر بوجوب التمام فالمكلَّف في مثل هذا الفرض يعلم وجداناً بأنه مسئول عن أداء صلاة والتردُّد إنما هو بين كونها قصراً أو تماماً، فاشتباه الحجة باللاحجة قد اقترن في هذا الفرض بالعلم الإجمالي،

 

وقد يقترن اشتباه الحجة باللاحجة بالحجة الإجمالية "العلم التعبدي" ومثاله أن يُفتي أحد الفقيهين بوجوب الظهر تعييناً ويفتي الآخر بوجوب الجمعة تعييناً فهنا يحصل للمكلف علم تعبدي بوجوب أحدى الصلاتين تعييناً وهذا العلم ليس وجدانياً لاحتمال أن الوجوب في الصلاتين تخييري، لذلك كان اشتباه الحجة باللاحجة مقترناً بالحجة الإجمالية وليس بالعلم الإجمالي.

 

وكيف كان ففي كلا الموردين يمكن الاحتياط بالجمع.

 

وثمة صورة ثالثة يكون فيها اشتباه الحجة باللاحجة مقترناً بالعلم الإجمالي ويكون الاحتياط فيها ممكناً أيضاً وهي ما لو أفتى أحد الفقيهين في مسألة بحكمٍ إلزامي وأفتى الآخر في نفس المسألة بحكمٍ ترخيصي، وأفتى الأول في مسألةٍ ثانية بحكم ترخيصي والآخر أفتى في نفس المسألة الثانية بحكمٍ إلزامي.

 

فهنا يحصل للمكلَّف علم إجمالي وجداني أو تعبدي بمسئوليته عن تكليف مردَّد بين فعلين.

 

ومثال ذلك ما لو أفتى أحد الفقيهين بوجوب الخمس في الهدية وأفتى الآخر بعدم وجوبه، وأفتى الثاني بوجوب الخمس في المهر وأفتى الأول بعدم وجوبه.

 

فلو فرض أنَّ المكلف امرأة وكان في يدها مهر وهدية فإنها في هذ الفرض تُحرِز أنَّها مكلفة إما بتخميس المهر أو تخميس الهدية.

 

فلو كانت فتاوى الأول هي الحجَّة لكان الواجب عليها تخميس الهدية دون المهر ولو كانت فتاوى الثاني هي الحجة لانعكس الأمر، وحيث أنَّها لا تعلم أيَّهما فتاواه حجة في حقها لذلك كان الأمر عندها من اشتباه الحجَّة باللاحجة وهو مقترن بالعلم الإجمالي لافتراض أن مؤدى فتوى الأثنين في المسألتين مقتضياً لإحراز المسئولية عن تكليف إلزامي لا بعينه. والواضح أنَّ الاحتياط ممكن في هذه الفرضية أيضاً. وذلك بتخميس كلٍّ من المهر والهدية.

 

وهناك صورة يكون الاحتياط فيها غير ممكن وهي ما لو اشتبهت الحجة باللاحجة في موردٍ من موارد دوران الأمر بين المحذورين كما لو أفتى كلا الفقيهين في مسألةٍ واحد بحكمين إلزاميين متضادين كأن أفتى أحدهما بالوجوب والآخر بالحرمة.

 

ومثاله: ما لو أفتى أحد الفقيهين بوجوب النفقة على الأب الفاسق وأفتى الآخر بحرمة النفقة على الأب الفاسق فهنا ينشأ علم إجمالي بتكليفٍ إلزامي إما الوجوب أو الحرمة، ولا يمكن الاحتياط لأنَّه لو أنفق فقد يكون مرتكباً للحرام لأن فتوى الحرمة هي الحجة في حقه واقعاً ولو ترك الإنفاق فإنه قد يكون ترك واجباً لاحتمال أنَّ فتوى الوجوب هي الحجة في حقه، فهو أمام محذورين لأنه لو فعل احتمل المخالفة للتكليف ولو ترك احتمل المخالفة للتكليف، وحيث أنَّ لا مناص له من الفعل أو الترك لذلك كانت وظيفته التخيير بعد أن كان الاحتياط مستحيلاً لأنه لا يستطيع أن يفعل وأن لا يفعل في ذات الوقت.

 

والحمد لله رب العالمين

 

الشيخ محمد صنقور